السبيل
مشروع ثقافي إسلامي وسطيّ، هدفه التوعية ومواجهة التفاهة والتضليل والاستبداد. نفتح ملفات دينية وفكرية وسياسية، ونقدم مراجعات للكتب والشخصيات، ونصنع برامج كرتونية هادفة لليافعين. لا نتبع دولة ولا تنظيمًا ونعتمد على التمويل الذاتي والإعلانات www.al-sabeel.net
Show more📈 Analytical overview of Telegram channel السبيل
Channel السبيل (@al_sabeel) in the Arabic language segment is an active participant. Currently, the community unites 23 611 subscribers, ranking 3 238 in the Religion & Spirituality category and 2 956 in the Saudi Arabia region.
📊 Audience metrics and dynamics
Since its creation on невідомо, the project has demonstrated rapid growth, gathering an audience of 23 611 subscribers.
According to the latest data from 05 July, 2026, the channel demonstrates stable activity. Although there has been a change in the number of participants by -27 over the last 30 days and by 3 over the last 24 hours, overall reach remains high.
- Verification status: Not verified
- Engagement rate (ER): The average audience engagement rate is 6.07%. Within the first 24 hours after publication, content typically collects 3.23% reactions from the total number of subscribers.
- Post reach: On average, each post receives 1 434 views. Within the first day, a publication typically gains 762 views.
- Reactions and interaction: The audience actively supports content: the average number of reactions per post is 30.
- Thematic interests: Content is focused on key topics such as إِنسَان, دِين, كِتَاب, نَفس, اِبن.
📝 Description and content policy
The author describes the resource as a platform for expressing subjective opinions:
“مشروع ثقافي إسلامي وسطيّ، هدفه التوعية ومواجهة التفاهة والتضليل والاستبداد. نفتح ملفات دينية وفكرية وسياسية، ونقدم مراجعات للكتب والشخصيات، ونصنع برامج كرتونية هادفة لليافعين. لا نتبع دولة ولا تنظيمًا ونعتمد على التمويل الذاتي والإعلانات www.al-sabee...”
Thanks to the high frequency of updates (latest data received on 06 July, 2026), the channel maintains relevance and a high level of publication reach. Analytics show that the audience actively interacts with content, making it an important point of influence in the Religion & Spirituality category.
Data loading in progress...
| Date | Subscriber Growth | Mentions | Channels | |
| 06 July | +3 | |||
| 05 July | +6 | |||
| 04 July | +5 | |||
| 03 July | +10 | |||
| 02 July | +10 | |||
| 01 July | +5 |
| 2 | تخيّل أن الله قد أعدَّ لك الآن جنةً؛ ولنقل إنها دارك، وأعد لك قصرًا هو منزلك، وفرغ من تهيئة نعيمها لك. أنهارها تجري، وأشجارها تثمر، وقصورها قائمة، وأرائكها مصفوفة، وأكوابها موضوعة، وخدمها ينتظرون، وكل ما تشتهيه النفس، وتقر به العين، قد هُيئ لك، ينتظر ساعة قدومك.
فما هو شعورك وأنت تقرأ هذا القول أو تسمعه..
إن ما سبق لك قراءته هو الآن موجود لفئات كبيرة من المؤمنين.. حقا.. واقعا.. وليس وعدًا مؤجلًا لم يُخلق بعد، بل نعيمٌ أعدَّه الله لأوليائه، كما قال سبحانه: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وها أنت وأنا وهو وهي ينظر إلينا ربنا، فيرانا قد استولى علينا الحزن لفوات شيءٍ من الدنيا؛ لضيق رزق، أو تأخر ترقية، أو خسارة تجارة، أو نزاعٍ على عقار، أو همٍّ من هموم الحياة التي لا تلبث أن تزول.
ونغفل، في لحظة ضيقك، عن حقيقة أن وراءنا دارًا لا ينفد نعيمها.
إن المؤمن لا يُمنع من أن يحزن، ولا يُطلب منه أن يجحد ألم البلاء؛ فالأنبياء بكوا، وتألموا، ودعوا ربهم. ولكن الفرق أن قلبه لا يقيم في الحزن، لأنه يعلم أن الدنيا مرحلة، وأن الآخرة هي الوطن.
وكلما ضاقت بك الدنيا، فاذكر ما أعده الله لك إن صبرت، وكلما فاتك شيءٌ منها، فتذكر أن الذي وعدك بالجنة لم يعدك بشيءٍ يفنى، بل بما ﴿لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ﴾ وإياك أن تجعل الفاني يطغى على الباقي، ولا تجعل همَّ يومٍ واحدٍ يحجب عن قلبك أمل الخلود. ومن عرف ما ينتظره عند الله، هانت عليه مصائب الطريق، واستحيا أن يخاصم أقدار ربه على دنيا، وهو يسير إلى نعيمٍ لا ينفد. | 569 |
| 3 | #اقتباسات_السبيل | 643 |
| 4 | ذهب الأمواتُ، فلم يحملوا معهم من الدنيا دارًا، ولا مالًا، ولا جاهًا، وإنما مرُّوا بها كما يمرُّ المسافر بمحطةٍ يعلم أنه لن يقيم فيها طويلًا. فكل من سبقنا كان يظن أن له فيها متسعًا، ثم مضى، وبقيت الدنيا بعده كما كانت قبل أن يولد.
وهكذا تتكلم النفس إذا تحررت من سلطان الشهوة، ونظرت إلى الدنيا بعين الحقيقة؛ فتراها معبرًا وطريقًا ومرحلةً. أما إذا تكلمت بلسان الحرص، طال عليها الأمل، وثقلت عليها مفارقتها، حتى توهمت أن الإقامة فيها ممكنة.
ولذلك كان من أعظم ما يزكي القلب أن يستحضر الإنسان أنه واحدٌ في قافلةٍ لا تتوقف، وأن الذين سبقوه لم يُستثنَ منهم أحد، وأنه سيلحق بهم يومًا، فلا يبقى له إلا ما قدَّم لله، وما عمر به قلبه، وما خلَّفه من أثرٍ صالح. | 853 |
| 5 | خذها مطمئنًا متيقنًا.. ليس الكمال من شأن الدنيا، ولا هو من طبيعتها؛ فهي دار نقصٍ وابتلاء، وهيهات أن تكون دار اكتمال وبقاء، والساعي فيها إلى الكمال المطلق يرهق نفسه بطلب ما لم يُخلق له.
وليس لأحد أن يقول: فلم السعي للكمال إذًا والوصول إليه محال؟ لأن عظمة المسعى إلى الكمال تكمن في أن الإنسان يتشبه بصفات الله الكامل المصور، فيظل الإنسان سائرًا إليه، ساعيًا لأن يأتي بالأمر على أتم الوجوه؛ وألا يزعم في الوقت ذاته بلوغه.
وههنا ملمح مهم؛ وهو أن إدراك الكمال يبدأ من كيفية استقامة سيرك في طلبه، وأن يبقى قلبك متعلقًا بالسعي والصبر، وأن تكون نفسك مجاهدةً لنقصها، وعملك متصلًا لا ينقطع.
ولهذا، فإن الاستمرار في إصلاح النفس، والمواظبة على العمل، وتجديد التوبة، والثبات على طريق الخير، هو أقرب ما يكون إلى الكمال الذي يمكنه البشر. أما من ظن أنه قد بلغ الغاية، فإنه في الحقيقة قد بدأ رحلة النقصان والتراجع.
الكمال في الدنيا طريقٌ يُسلك بحسب مراد الله، وسيرٌ لا ينقطع بحسب تشريعه، وكلما ازداد العبد معرفةً بنفسه، ازداد تواضعًا، وكلما اقترب من ربه، ازداد شعورًا بأنه ما زال في أول الطريق. | 829 |
| 6 | أكثرُ الناس ذنوبًا... قد يكونون أكثرَهم حسناتٍ بعد التوبة؛ وذلك لأن الذنب، وإن عظم، لا يقف حائلًا بين العبد وبين رحمة الله إذا صدق في رجوعه. بل قد يكون سببًا في انكسار قلبه، ودوام افتقاره، وكثرة استغفاره، فيبلغ بالتوبة منزلةً لم يكن ليبلغها بطاعةٍ خلت من هذا الانكسار.
إن مفهوم التوبة في الإسلام يتمحور على أنها ميلادٌ جديد للقلب. وقد وعد الله التائبين وعدًا يملأ النفس رجاءً، فقال: ﴿فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فسبحان من يحول آثار المعصية، إذا صدقت التوبة، إلى أسبابٍ للأجر والثواب.
ويقودنا مفهوم التوبة إلى أن أخطر الذنوب هو اليأس الذي يمنع صاحبه من الرجوع اليوم. أما من عرف ربَّه، فإنه يفر منه إلى التوبة، ومن الخطيئة إلى الاستغفار، ومن الانكسار إلى باب الكريم.
لا تنظر إلى ذنبك بعين القنوط، ولا إلى ماضيك بعين اليأس، وانظر إلى سعة رحمة الله، وإلى كرمه، وإلى فرحه بتوبة عبده، واعلم أن الطريق إلى الله لا يُغلق في وجه تائبٍ صادق، ولو أثقلته الذنوب ما أثقلته، فربُّ الذنب الذي أقلق قلبك، وأورثك ندمًا صادقًا، وأعقبه توبةً نصوحًا، خيرٌ من طاعةٍ أورثت صاحبها عجبًا واستعلاءً. | 862 |
| 7 | لعل الإنسان لم يعرف في تاريخه زمنًا تفرقت فيه نفسه كما تفرقت في هذا العصر. فالجسد حاضرٌ في مكانٍ واحد، أما العقل فيتنقل بين عشرات العوالم في دقائق معدودة. يبدأ يومه بإشعار، ثم ينتقل إلى خبر، ثم إلى مقطع، ثم إلى تعليق، ثم إلى جدل، ثم إلى قضية جديدة، حتى إذا أقبل الليل ظن أنه عاش يومًا حافلًا، بينما الحقيقة أن الذي تحرك أكثر من كل شيء هو عمره.
لقد أصبحت المنافسة اليوم على الانتباه لا على الوقت. فالوقت لا يُسرق دفعةً واحدة، وإنما يُقتطع ثانيةً بعد ثانية، حتى يجد المرء نفسه قد أنفق ساعاتٍ طويلة في متابعة ما لا يضيف إلى علمه، ولا يبني مشروعه، ولا يقرِّبه من غايته، وتزيد الخوارزميات هذا الشتات اتساعًا؛ فهي تصنع من اهتمامك العابر عالمًا كاملًا، حتى تتكاثر الموضوعات في ذهنك، وتتزاحم الرغبات، ويغدو كل شيء مهمًّا، فلا يكتمل شيء. ومع مرور الأيام تتسع دوائر المعرفة السطحية، بينما تضيق القدرة على التركيز، ويكثر الاستهلاك، ويقل الإنجاز.
إن أعظم ما يحتاجه الإنسان اليوم مزيدًا من الثبات. ويحتاج إلى مركزٍ تدور حوله حياته، دون أن يدور هو مع كل جديد. ويحتاج إلى غايةٍ تحفظ قلبه من التشتت، وتردُّه كلما تفرقت به السبل.
أحسب أن من أعظم ما يعين على ذلك: وردًا ثابتًا من القرآن، وعبادةً لا تنقطع، وكتابًا يُقرأ كل يوم، ووقتًا لا يُنازع عليه مع الأسرة، ومشروعًا يتقدم خطوةً ولو كانت صغيرة. فهذه الثوابت هي التي تحفظ الروح من الذوبان في ضجيج الحياة، وتبني الإنسان من الداخل، بينما تبني الخوارزميات عاداته من الخارج.
جاءت القاعدة النبوية العظيمة، التي تصلح للحياة كلها: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». فما يغيِّر الإنسان هو العمل الذي يثبت حتى يصير خلقًا، والإنجاز الذي يتراكم حتى يصنع أثرًا، والخطوات الصغيرة التي لا تنقطع حتى تبلغ بصاحبها الغاية. | 973 |
| 8 | من رزقه الله فقهًا في معاني القرآن، وتدبرًا صادقًا لآياته، وجد أن كل آيةٍ منه تفتح بابًا إلى معرفة الله، وأن أسماءه الحسنى تتجلى في آياته تجليًا يعجز الوصف عن استيفائه، وهكذا فإن القرآن ليس كتاب أحكامٍ وقصصٍ ومواعظ فحسب، بل هو أعظم طريقٍ إلى معرفة الرب سبحانه؛ إذ ترى فيه آثار أسمائه في الخلق، وأفعاله في التدبير، ورحمته في الوعد، وعدله في الوعيد، وحكمته في القضاء، ولطفه في البلاء، وعفوه في المغفرة، حتى تمتلئ النفس تعظيمًا له، ومحبةً، وخشيةً، ورجاءً.
بناء على ذلك، فإن من تفقه في القرآن حقَّ التفقه، وجد فيه من الدلائل على كمال أسماء الله وصفاته، ومن براهين جلاله وعظمته، ما لا تستوعبه عبارات المتكلمين، ولا تحيط به دقائق الجدل، وإن بلغت الغاية في التحرير والتحقيق؛ لأن القرآن لا يخاطب العقل وحده، بل يوقظ القلب أيضًا، فيجتمع له نور البرهان، وحياة الإيمان. | 869 |
| 9 | الشدة ميزانٌ دقيق، وساعةُ امتحانٍ تسقط فيها الأقنعة، وتنكشف بها حقائق النفوس؛ ففي الرخاء يكثر المتوددون، ويجيد كثيرون أداء أدوار الوفاء، أما إذا أقبلت المحنة، تمايزت القلوب، وعُرف الصادق من المدعي.
وليس صدق الصديق بكثرة حضوره، ولا بكثرة كلامه، وإنما بما يحمله لك في قلبه، وبما يبذله في حقك، ولو حال بينه وبينك بُعدُ المسافة أو عجزُ الحال. فقد يغيب عنك، وقلبه معك، ودعاؤه يسبق اسمه إلى السماء، ويؤلمه ما أصابك أكثر مما يظهره لسانه.
وفي المقابل، قد يحضر آخرون، ويكثرون الاعتذار، ويجملون العبارات، ولكنك لا تجد في مواقفهم ما يسندك، ولا في قربهم ما يخفف عنك، لأن المحبة إذا خلت من أثرها في الشدائد، بقيت دعوى لا يصدقها الامتحان.
لا تجعل ميزان الصداقة كثرة اللقاء، ولا حسن الحديث، وإنما انظر إلى من ثبت قلبه لك حين اضطربت الأيام، ومن بقي على ودِّه حين تغيَّرت الأحوال؛ فإن الشدائد لا تُنشئ الصادقين، وإنما تكشفهم. | 957 |
| 10 | من أعظم العقوبات أن يُحرَم الإنسانُ الانتفاع بالحق بعد ظهوره، وأن يرى البراهين ثم لا يبصرها، ويسمع الحجج ثم لا ينفذ شيءٌ منها إلى قلبه. وهذه ليست عقوبةً تسبقها الظلمات، بل تسبقها غالبًا المكابرة، والإعراض، واتباع الهوى بعد قيام الحجة.
فإذا عرف المرء الحق ثم رده استكبارًا، أو عطَّل عقله عن التأمل، أو أغلق سمعه عن الإنصاف، عوقب بقسوة القلب، حتى يصبح الحق ثقيلًا عليه، والباطل مألوفًا لديه. وحينئذٍ لا تكون المشكلة في قلة الأدلة، وإنما في فساد القابلية لقبولها.
ولهذا كان القرآن يكرر الحديث عن أقوامٍ رأوا الآيات، وشاهدوا المعجزات، وعرفوا صدق الرسل، ثم لم ينتفعوا بشيءٍ من ذلك؛ لأن القلوب إذا أصرَّت على الإعراض، لم تعد الأدلة تزيدها إلا بُعدًا، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾.
ولذلك، فإن أول ما ينبغي أن يخشاه المؤمن ليس قلة العلم، بل قسوة القلب؛ فإن القلب إذا بقي منقادًا للحق، انتفع بالقليل، وإذا استحكمت فيه المكابرة، لم تنفعه كثرة البراهين، ولا وضوح الحجج، ولا تعاقب الآيات. ولهذا كان من أجلِّ الدعاء أن يسأل العبد ربَّه قلبًا يقبل الحق إذا ظهر، ويخضع له إذا تبين، فإن الهداية ليست معرفة الطريق فحسب، وإنما توفيقٌ للسير فيه. | 1 005 |
| 11 | تأمل معي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
وانظر إلى مقصود مما يريده الباري.. وهي أن أخطر مراحل الانحراف ليست في أن يخطئ الإنسان وهو يعلم أنه مخطئ، وإنما في أن تنقلب موازينه حتى يرى الخطأ صوابًا، والفساد إصلاحًا، والباطل حقًّا، ثم يدافع عنه مطمئنَّ النفس، حسنَ الظن بنفسه.
إن الآية لا تصف قومًا يتعمدون الإفساد ويعترفون به، وإنما تصف قومًا بلغ بهم انقلاب المعايير أنهم أصبحوا يلبسون الفساد ثوب الإصلاح، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا. ولذلك قال سبحانه: ﴿وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ وهذا يؤكد لك أن من أعظم العقوبات أن يُسلب الإنسان بصيرته، فلا يعود يرى حقيقة نفسه؛ ولهذا كان السلف يخافون على قلوبهم أكثر مما يخافون على أعمالهم؛ لأن فساد العمل قد يُدرك ويُتدارك، أما فساد البصيرة، فهو أن يفقد الإنسان القدرة على التمييز، فلا يرى موضع الزلل أصلًا، ومن أعظم نعم الله على العبد أن يرزقه قلبًا يقبل المراجعة، ونفسًا تتهم نفسها، وعقلًا يفرح إذا ظهر له الحق، ولو كان على خلاف ما اعتاده. فإن الذي يخشى أن يكون مخطئًا، أقرب إلى الصواب ممن يوقن دائمًا أنه لا يخطئ.
فاللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعلنا ممن خُدعوا بأنفسهم حتى حسبوا الفساد إصلاحًا، والضلال هداية. | 961 |
| 12 | رقية المس الشيطاني.. تصحيح المفاهيم والرد على المغالطات!
نتناول في هذه الحلقة تصريحات اثنين من الرقاة الذين اشتهروا في مرحلة الصحوة: الشيخ علي بن مشرف العمري والشيخ وحيد عبد السلام بالي.
إعداد وتقديم أحمد دعدوش
https://youtu.be/mnl6N1wSUxI?si=QOXcv9MMlfJKwJKJ | 1 040 |
| 13 | كلُّ صفةٍ أودعها الله في النفس البشرية لها نصيبٌ في كل إنسان؛ تزيد حينًا، وتضعف حينًا، وتستخفي تارةً، ثم تظهر تارةً أخرى، لكنها قلَّما تزول بالكلية. ولذلك كان الإنسان ميدانًا دائمًا للمجاهدة، ولم يكن كائنًا بلغ الكمال مستغنٍ عن تهذيب نفسه.
نعرف جميعًا الشجاعة في مواقف، كما نعرف الخوف في مواقف أخرى. وقد نصدق حتى يُضرَّنا الصدق، ثم تضعف نفوسنا في موطنٍ آخر فنلتمس لأنفسنا عذرًا لا يخلو من الكذب. ونبذل بسخاءٍ في أمر، ثم تمسك أيدينا في أمرٍ آخر، حتى ليجتمع الكرم والبخل في القلب الواحد، كلٌّ بحسب داعيه وغلبته.
وحتى العقل الذي نتفاخر به، ليس ملكةً مستقرةً على حالٍ واحدة؛ فلكل إنسانٍ زاويةٌ يعمى فيها عن أوضح الحقائق، ويغلبه فيها هواه أو عاطفته أو طبعه، كما أن لكل إنسانٍ لحظاتٍ من البصيرة والحنكة قد يعجز عنها من اشتهر بالحكمة.
ولهذا كان من الخطأ أن نحكم على الناس من موقفٍ واحد، أو نصفهم بصفةٍ واحدة، وكأن الإنسان خُلق من لونٍ واحد.
ومن أدرك هذا المعنى، خفَّت وطأة الناس على قلبه؛ فلم يعد يطلب منهم كمالًا لم يكتبه الله لبشر، ولم يعد يضيق بكل زلة، ولا ييأس من كل تقصير، لأنه يعلم أن الفضيلة هي مجاهدة الضعف، وأن الاستقامة تتحقق بالرجوع إلى الله.
وما إن يستقر هذا المعنى في القلب، يهن كثيرٌ من العتب، ويتسع باب العذر، ويعظم الرجاء في رحمة الله؛ لأننا جميعًا متورطون ببشريتنا، نسير إلى الفضيلة بأقدامٍ يثقلها النقص، ونبلغ شيئًا من الكمال كلما ازددنا معرفةً بعجزنا، وافتقارًا إلى ربنا. ولذلك لا نطلب الكمال من البشر، ولا نرجو المغفرة إلا من ربِّ البشر. | 1 012 |
| 14 | من أذكار الصباح قول النبي ﷺ: «وأعوذ بك من سوء الكِبَر»، وهذه الجملة من الأذكار التي تتسع معانيها، فيتجدد بها حضور القلب كلما تكررت.
وقد ذكر أهل العلم فيها معنيين:
الأول: قراءة الكِبَر، بكسر الكاف وفتح الباء، والمراد بها بلوغ أرذل العمر، وما يصاحبه من ضعفٍ، وخرفٍ، وذهابٍ للعقل، وعجزٍ عن الطاعة. فإذا استعاذ العبد بهذا المعنى، استحضر نعمة العافية، وسأل الله حسن الخاتمة، وأن يقبضه إليه قبل أن يرده إلى حالٍ تذهب فيها قواه، ويضعف فيها بدنه، ويثقل عليه القيام بحقوق ربه وحقوق عباده.
والثاني: قراءة الكِبْر، بكسر الكاف وإسكان الباء، والمراد بها التكبر على الخلق، واحتقار الناس، وردُّ الحق إذا جاء. فيستعيذ العبد بالله من مرضٍ يفسد القلب، ويحبط العمل، ويحجب صاحبه عن قبول الحق، ويحرمه لذة التواضع لله ولعباده.
ومن الجميل أن يستحضر المؤمن هذا المعنى تارة، وذاك تارة؛ فإن تنويع الاستحضار يجدد حياة الذكر في القلب، ويمنع تحوله إلى ألفاظٍ تجري على اللسان دون أثر.
فإذا قرأها مستعيذًا من سوء الكِبَر، أورثه ذلك الزهد في الدنيا، والاستعداد للقاء الله، وشكر نعمة الصحة، وحسن اغتنام أيام القوة قبل الضعف.
وإذا قرأها مستعيذًا من الكِبْر، أورثه ذلك تواضعًا، ولينًا، وحسن ظنٍ بالمسلمين، ومحبةً لهم، وسلامةً من احتقارهم أو الاستعلاء عليهم.
وكلا المعنيين يجتمعان في غايةٍ واحدة؛ وهي أن يزداد القلب افتقارًا إلى الله، ويوقن أن العافية في الظاهر والباطن، وصلاح الجسد والقلب، والتواضع وحسن الخاتمة، كلها نعمٌ لا يملكها إلا الله، ولا تُنال إلا بعونه وتوفيقه. | 955 |
| 15 | من الأسئلة التي تُعين على فهم حقيقة العبودية أن يسأل العبد نفسه: كيف استطاع موسى عليه السلام، في أشد لحظات حياته اضطرابًا، أن يقول بكل هذا اليقين: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾؟
البحر أمامه، وفرعون بجنوده خلفه، وقومه قد استولى عليهم الخوف حتى قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. إنها لحظة تتزلزل فيها القلوب، وتضطرب فيها العقول، ومع ذلك لم يكن أول ما حضر في قلب موسى الخطر، وإنما حضر الله.
وهنا يظهر سر العبودية.
فالعبد لا يستحضر الله في الشدائد فجأةً، وإنما يستحضره في الشدائد لأنه لم يغب عنه في الرخاء. فمن عمر قلبه بذكر الله في أيام السعة، وجد ذكره حاضرًا في أيام الكربة. ومن أكثر من الاعتماد على الله في الأمور الصغيرة، لم يعجز عن الاعتماد عليه في أعظم المصائب.
ولهذا، لو تأملت سيرة موسى عليه السلام، لرأيت أن الله كان حاضرًا في حياته كلها؛ في دعائه، وخوفه، ورجائه، وأوامره، وقراراته، وحركته، وسكونه. فلما جاءت ساعة الابتلاء، لم يحتج إلى أن يبحث عن هذا المعنى، لأنه كان ساكنًا في قلبه من قبل.
وهذا هو معنى العبودية: أن يكون الله أعظم حاضرٍ في قلبك. أن تعمل ابتغاء مرضاته، وتترك ما يكرهه، وتستعين به، وتتوكل عليه، وتزن أمورك كلها بميزان شرعه. فإذا امتلأ القلب بهذا المعنى، أصبح ذكر الله أقرب إليه من كل خاطر، وكانت معيته أول ما يخطر له عند الشدائد.
فاسأل نفسك: كم يحتل الله من مساحة تفكيرك في يومك؟ كم تستحضره قبل قرارك، وفي عملك، وفي حديثك، وعند فرحك، وحين يشتد عليك البلاء؟ فإن مقدار حضوره في قلبك هو مقدار قوة توحيدك وصدق عبوديتك.
وكل لحظة غفل فيها القلب عن ربه فهي خسارة لأنها مضت بغير زادٍ إلى الله. فإذا تنبهت من غفلتك، فلا تيأس، بل جدد نيتك، وأكثر من ذكره، وأقبل عليه بقلبٍ أشد حضورًا؛ فإن الله يحب التوابين، ويجبر ما انكسر من قلوب المقبلين عليه.
ويبقى سؤالٌ ينبغي أن يكثر المؤمن من التفكر فيه:
إذا كان حضور الله في القلب هو سرُّ الثبات، فبأي الوسائل يحاول الشيطان أن يغيب هذا الحضور؟
إنه يشغل القلب بالدنيا حتى تستغرقه، ويزرع فيه الغفلة حتى ينسى، ويملؤه بالخوف من الأسباب حتى ينسى مسببها، ويؤجل الطاعة، ويهوِّن من شأن الذكر، ويثقل عليه القرآن، ويشغله بتوافه الأخبار، ويغريه بطول الأمل، حتى يصبح استحضار الله أمرًا عارضًا بعد أن كان ينبغي أن يكون أصل الحياة.
فمن عرف مداخل عدوه، كان أقدر على حفظ قلبه، ومن حفظ قلبه، وجد عند الشدائد ما وجده موسى عليه السلام: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. | 1 024 |
| 16 | إلى كل عينٍ وقعت على هذه الكلمات:
نسأل الله أن يفيض عليك من رحماته ما يشرح صدرك، وأن يفتح لك من خزائن فضله ما يغني قلبك قبل يدك، وأن يكسوك لباس العافية في دينك، ونفسك، وأهلك، ومالك، وأن يجعل أيامك عامرةً بذكره، مطمئنةً بقربه، محفوظةً بلطفه.
ونسأله سبحانه أن ينير بصيرتك بالحق، ويملأ قلبك بالإيمان، ويزينك بالتقوى، ويعصمك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقك يقينًا لا يتزعزع، وتوكلًا لا يخالطه ضعف، ورضًا لا تعكره الأقدار، وأن يغنيك به عن كل أحد، فلا يتعلق قلبك إلا به، ولا يرجو سواه، ولا يخشى غيره.
ونسأله أن يبارك لك في عمرك، ويصلح لك شأنك كله، وييسر لك الخير حيث كان، ويصرف عنك الشر حيث كان، وأن يجعل القرآن ربيع قلبك، ونور صدرك، وجلاء همك، وأن يرزقك من واسع فضله رزقًا طيبًا مباركًا، ويجعل لك في كل خطوةٍ توفيقًا، وفي كل أمرٍ رشدًا، وفي كل ضيقٍ فرجًا، وفي كل دعاءٍ إجابة.
اللهم حقق له من الخير فوق ما يرجو، وادفع عنه من السوء ما لا يعلم، واختر له خير مما يختاره لنفسه، وافتح له من أبواب رحمتك، وتوفيقك، وبركتك، ما تقر به عينه، وتطمئن به نفسه، وتصلح به دنياه وآخرته.
اللهم اجعل لنا من دعوات الغيب أوفر الحظ والنصيب، وألّف بين قلوبنا على طاعتك، واجعل محبتنا فيك، واجمعنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، ثم اجمعنا في جنات النعيم، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر. | 870 |
| 17 | إنَّ الدعاء للأحبة من أنبل صور الوفاء، وأصدق دلائل المودة؛ لأنه عمل متجردت
من حظوظ النفس، وكلمات تجاوزت حدود اللفظ إلى مقام المناجاة. فما أعجز اللسان أحيانًا عن التعبير، ويبلغه الدعاء في لحظةٍ واحدة؛ إذ يحمل المحبُّ أحبابه إلى باب الله، ويستودعهم من لا تضيع عنده الودائع.
وما أجمل أن يذكرك إنسان في سجوده، أو في خلوته، أو في ساعة إجابة، لا يريد منك جزاءً ولا شكورًا، وإنما ساقه إليك قلبٌ امتلأ وُدًّا ورحمة. فذلك من أخلص المحبة، وأبقاها أثرًا، وأرجاها نفعًا.
ولعلَّ الدعاء أكمل ما تجتمع فيه المنفعة والشفاعة؛ إذ يعجز المرء عن دفع البلاء بيده، أو جلب الخير بقدرته، فيرفعه إلى من بيده خزائن كل شيء، فيسأل لأحبابه من الرحمة، والبركة، والعافية، والهداية، ما لا تبلغه أسباب الدنيا.
يعلم الله مقدار مودة فريق السبيل لكم، وصدق محبته في الله فيكم، ونسأله أن يجعلكم في حفظه الذي لا يضيع، وكنفه الذي لا يُرام، وأن يفتح لكم من أبواب رحمته ما تقرُّ به أعينكم، وأن يرزقكم من الطمأنينة ما تسكن به قلوبكم، ومن العافية ما تستقيم به حياتكم، ومن الخير ما يفوق آمالكم، وأن يجعل لكم في كل دعوةٍ نصيبًا، وفي كل همٍّ فرجًا، وفي كل أمرٍ رشدًا، وأن يجمعنا وإياكم على طاعته في الدنيا، وفي جناته يوم اللقاء. | 974 |
| 18 | تأمل عظمة الدعاء كل يوم من أذكار الصباح والمساء قول العبد: «اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا». وهي كلمة قد تمر على اللسان في لحظات، لكنها لو استقرت في القلب غيّرت نظرته إلى الحياة كلها.
فما معنى أن تقول: «بك أصبحنا وأمسينا»؟
معناها أن تعترف، بقلبك قبل لسانك، أن صباحك لم يكن بقوتك، واستيقاظك لا بعزمك؛ ولا حتى بانتظام سنن الكون استقلالًا، وإنما بالله وحده. فهو الذي أحياك بعد موتة النوم، وأذن لقلبك أن ينبض، ولرئتيك أن تتنفسا، ولعينيك أن تنفتحا، ولعقلك أن يعي، وللشمس أن تشرق، ولليوم أن يبدأ. فكل ما تراه مألوفًا إنما يجري بأمره وتدبيره، ولو حُبس عنه أمر الله لحظةً واحدة لما كان منه شيء.
وحين تقول: «بك»، فإنك تنفي من قلبك كل اعتمادٍ على غيره. كأنك تقول: بك وحدك أصبحت، وبك أحيا، وبك أتحرك، وبك أقوى، وبك أرجو أن أتم يومي. فهي كلمة تخلع القلب من الالتفات إلى الأسباب، ثم ترده إليها بعد أن يربطه بمسببها.
ومن عرف حقيقة العبودية، فهم هذه الكلمة. فالعبد لا يملك لنفسه حياةً ولا موتًا، ولا نفعًا ولا ضرًا، ولا قيامًا ولا قعودًا إلا بإذن سيده. فإذا استيقظ من نومه، علم أن أول نعمةٍ في يومه لم يصنعها هو، وإنما وهبها الله له، فكان أول كلامه اعترافًا بالفضل، لا ادعاءً للاستحقاق.
تُحيي هذه الكلمة في القلب أجلَّ أعماله؛ فهي تُجدد التوحيد، وتغرس التوكل، وتورث الافتقار، وتبعث الرجاء، وتكسر العجب، وتُذهب الغفلة، وتُشعر العبد أن الله متولٍّ أمره من أول يومه إلى آخره. فإذا استقرت هذه المعاني في قلبه، أصبح اعتماده على الله في صلاته، ورزقه، وعمله، وأهله، وسائر شؤونه أمرًا طبيعيًا؛ لأنه قد بدأ يومه باعترافٍ صادق: «اللهم بك أصبحنا».
ولهذا، فإن ما ييسره الله لك في يومك من صلاةٍ، أو ذكرٍ، أو رزقٍ، أو توفيقٍ، أو سلامةٍ، أو حسن خلقٍ، فاذكر أنه من آثار هذا الفتح الإلهي. فما أصبحت بالله ثم وكلك إلى نفسك، وإنما أصبحت به، وتعيش به، وتختم يومك به.
لا تجعل هذا الذكر عادةً يجري بها اللسان، بل اجعله تجديدًا للعهد مع الله كل صباح؛ فإن الفرق بين من يقولها عادةً، ومن يقولها عبوديةً، كالفرق بين لسانٍ ينطق، وقلبٍ يشهد. | 1 078 |
| 19 | الناس، في الغالب، يضيقون بكثرة الشكوى، وتثقل عليهم الهموم إذا كررت عرض مسألتك عليهم، وربما نفروا ممن لا يكاد يلقى أحدًا إلا بثَّ إليه أوجاعه. أما الله سبحانه، فإنه يحب من عبده أن يكثر الوقوف ببابه، وأن يبث إليه كل ما أثقل قلبه، صغيرًا كان أو كبيرًا.
فاشكُ إليه ضعفك وحزنك وذنبك وعجزك وخوفك. فإن الشكوى إلى الله ليست علامة ضعف، بل من تمام العبودية؛ لأنها إعلانٌ صادق بأن العبد لا يرى ملجأً ولا منجى إلا ربَّه.
لقد وصف الله خليله إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. وقد رجح الإمام الطبري، نقلًا عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره، أن الأواه هو كثير الدعاء، كثير التضرع، الذي يكثر التأوه بين يدي ربه. وأصل التأوه في لغة العرب: التنفس بالحزن، وإظهار الوجع، ثم صار يطلق على من يكثر الابتهال والدعاء، لما يصاحبه من انكسار القلب وإشفاقه.
ومن هنا كان الأنبياء أعرف الناس بالله، وأكثرهم شكوى إليه، لا شكوى منه. فهذا يعقوب يقول: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾، وأيوب ينادي: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، ويونس يدعو من بطن الحوت، وزكريا يناجي ربَّه خفية.
فإذا ضاق صدرك، فلا تبحث أولًا عمن يحتملك، بل الجأ إلى من يحب أن يسمع دعاءك، ولا يملُّ من تكرار سؤالك، ولا تنقص خزائنه كثرة عطائه. فما من بابٍ يزداد شرفًا بكثرة طرقه إلا باب الله، وما من شكوى ترفع إليه صادقةً إلا كانت عبادةً يرجو بها المؤمن رحمة مولاه، وقربه، وفرجه. | 1 022 |
| 20 | قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. في هذه الآية إشارةٌ دقيقة إلى أن الله لا يرى ما خرج من يدك فحسب، بل يرى ما دار في قلبك قبل أن يخرج. يرى تردد النفس، ومغالبة الشح، ومجاهدة الهوى، ثم يرى لحظة انتصار الإيمان على حب الإمساك، فيكتب ذلك كله قبل أن يكتب مقدار النفقة.
وتأمل قوله سبحانه: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ فهي كلمةٌ تفتح أبواب العطاء كلها، فلا تستصغر معروفًا، ولا تحتقر صدقةً، ولا تؤخر خيرًا لقِلَّته. فربَّ درهمٍ سبق آلاف الدنانير، لأن اليد كانت صغيرة، والقلب كان كبيرًا.
ولهذا ختم الله الآية بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، ولم يقل: فإن الله يراه؛ لأن العلم هنا أوسع من الرؤية؛ فهو سبحانه يعلم مقدار الإخلاص، ويعلم ما قاسته النفس قبل البذل، ويعلم صدق النية، ويعلم هل أردت بإنفاقك وجهه، أم أردت ثناء الناس، ويعلم ما لا يعلمه أحدٌ سواه.
فإذا مددت يدك بالعطاء، فلا يكن همُّك أن يراه الناس، ولكن أن يعلمه الله؛ فإن الناس لا يرون إلا النفقة، أما الله فيرى ما بين يدك وقلبك. وقد يرفع صدقةً يسيرة حتى تبلغ عنده منزلةً عظيمة، لأنها خرجت من قلبٍ امتلأ يقينًا ومحبةً وإخلاصًا.
فهنيئًا لمن عرف أن ما خرج لله لم يذهب، وأن ما أُودع خزائن السماء أبقى مما ادُّخر في خزائن الأرض، وأن أعظم الأرباح ليست ما بقي في اليد، وإنما ما سبق إلى الله بقلبٍ صادق. | 1 203 |
Available now! Telegram Research 2025 — the year's key insights 
