السبيل
مشروع ثقافي إسلامي وسطيّ، هدفه التوعية ومواجهة التفاهة والتضليل والاستبداد. نفتح ملفات دينية وفكرية وسياسية، ونقدم مراجعات للكتب والشخصيات، ونصنع برامج كرتونية هادفة لليافعين. لا نتبع دولة ولا تنظيمًا ونعتمد على التمويل الذاتي والإعلانات www.al-sabeel.net
Ko'proq ko'rsatish📈 Telegram kanali السبيل analitikasi
السبيل (@al_sabeel) Arab til segmentidagi kanali faol ishtirokchi. Hozirda hamjamiyat 24 019 obunachidan iborat bo'lib, Din & Maʼnaviyat toifasida 3 105-o'rinni va Saudiya Arabistoni mintaqasida 2 856-o'rinni egallagan.
📊 Auditoriya ko‘rsatkichlari va dinamika
невідомо sanasidan buyon loyiha tez o‘sib, 24 019 obunachiga ega bo‘ldi.
29 Avgust, 2026 dagi oxirgi ma’lumotlarga ko‘ra kanal barqaror faollikka ega. Oxirgi 30 kunda obunachilar soni 455 ga, so‘nggi 24 soatda esa -1 ga o‘zgardi va umumiy qamrov yuqori darajada qolmoqda.
- Tasdiqlash holati: Tasdiqlanmagan
- Jalb etish (ER): Auditoriya o‘rtacha 5.33% darajada jalb etiladi. Nashrdan keyingi dastlabki 24 soatda kontent odatda umumiy obunachilar sonining 2.99% ini tashkil etuvchi reaksiyalarni to‘playdi.
- Post qamrovi: Har bir post o‘rtacha 1 281 marta ko‘riladi; birinchi sutkada odatda 718 ta ko‘rish yig‘iladi.
- Reaksiyalar va o‘zaro ta’sir: Auditoriya faol: har bir postga o‘rtacha 26 ta reaksiya keladi.
- Tematik yo‘nalishlar: Kontent إِنسَان, دِين, كِتَاب, نَفس, اِبن kabi asosiy mavzularga jamlangan.
📝 Tavsif va kontent siyosati
Muallif resursni shaxsiy fikrni ifoda etish maydoni sifatida ta’riflaydi:
“مشروع ثقافي إسلامي وسطيّ، هدفه التوعية ومواجهة التفاهة والتضليل والاستبداد. نفتح ملفات دينية وفكرية وسياسية، ونقدم مراجعات للكتب والشخصيات، ونصنع برامج كرتونية هادفة لليافعين. لا نتبع دولة ولا تنظيمًا ونعتمد على التمويل الذاتي والإعلانات www.al-sabee...”
Yuqori yangilanish chastotasi (oxirgi ma’lumot 30 Avgust, 2026 da olingan) sababli kanal doimo dolzarb va katta qamrovli bo‘lib qoladi. Analitika auditoriya kontent bilan faol hamkorlik qilishini, uni Din & Maʼnaviyat toifasidagi muhim ta’sir nuqtasiga aylantirishini ko‘rsatadi.
Ma'lumot yuklanmoqda...
| Sana | Obunachilarni jalb qilish | Esdaliklar | Kanallar | |
| 29 Avgust | +5 | |||
| 28 Avgust | +1 | |||
| 27 Avgust | +6 | |||
| 26 Avgust | 0 | |||
| 25 Avgust | +6 | |||
| 24 Avgust | +4 | |||
| 23 Avgust | +3 | |||
| 22 Avgust | +2 | |||
| 21 Avgust | +4 | |||
| 20 Avgust | +10 | |||
| 19 Avgust | +1 | |||
| 18 Avgust | +6 | |||
| 17 Avgust | +2 | |||
| 16 Avgust | +5 | |||
| 15 Avgust | +14 | |||
| 14 Avgust | +9 | |||
| 13 Avgust | +7 | |||
| 12 Avgust | +6 | |||
| 11 Avgust | +11 | |||
| 10 Avgust | 0 | |||
| 09 Avgust | +8 | |||
| 08 Avgust | +17 | |||
| 07 Avgust | +12 | |||
| 06 Avgust | +12 | |||
| 05 Avgust | +13 | |||
| 04 Avgust | +10 | |||
| 03 Avgust | +26 | |||
| 02 Avgust | +38 | |||
| 01 Avgust | +77 |
| 2 | للدكتور آدم الجماعي كلمة مميزة، يقول فيها ما معناه إن "المثقف عمود توازن" وهذا دقيق للغاية، فالثقافة تمنح صاحبها مسؤولية تتجاوز امتلاك المعرفة والقدرة على الكتابة؛ فهي أمانة في النظر، وواجب في التثبت، ومسؤولية في تشكيل وعي الناس.
تظهر قيمة الثقافة الحقيقية حين تضطرب المواقف، وترتفع أصوات الجماعات، ويصبح اتخاذ الموقف جزءًا من معركة الاصطفاف.
يصنع بعض المثقفين مواقفهم تحت تأثير انتماءاتهم الفكرية والسياسية، ويضبط آخرون أقلامهم على إيقاع الجمهور؛ فينشطون حين ينسجم الحدث مع اتجاههم، ويتراجع حضورهم حين تصبح الحقيقة ثقيلة على جماعتهم.
مع استمرار هذه الممارسة يتحول المثقف تدريجيًا إلى جزء من آلة التعبئة، ويصبح قلمه وسيلة لتعزيز القناعة القائمة بدل أن يكون أداة لفحصها وتصحيحها.
تفرض المسؤولية الثقافية منهجًا مختلفًا؛ يبدأ بجمع الوقائع، والاستماع إلى الأطراف، وفهم السياقات، والتمييز بين الخبر والتفسير، ومراجعة الأدلة، ثم تحديد موضع القلم بعد اكتمال الصورة بقدر المستطاع، وهنا يصبح المثقف عمود توازن في مجتمعه.
تزداد أهمية هذا الدور في لحظات الأزمات؛ لأن الانفعال يختصر الوقائع، والانتماء ينتقي منها، والغضب يسرّع الأحكام، بينما يعيد المثقف المسؤول إلى المشهد عناصره التي أسقطتها حرارة اللحظة. يمنح كل واقعة وزنها، ويضع كل خبر في سياقه، ويمنح الخصم حقه من الإنصاف، ويمنح جماعته نصيبها من النقد.
ويحتاج الانحياز نفسه إلى معيار أخلاقي ومعرفي. يستطيع المثقف أن ينحاز إلى قضية عادلة وهو محتفظ بقدرته على نقد أخطاء أصحابها، ويستطيع أن يتخذ موقفًا محايدًا في مسألة ملتبسة وهو يمارس البحث والتثبت. تأتي قيمة الموقف من الأساس الذي قام عليه، ومن مقدار ما يحمله من عدل ووعي ومسؤولية.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
ويظهر الفارق بين المثقف وصوت الجمهور في هذه المساحة تحديدًا: الجمهور يستطيع أن ينفعل، والمثقف مطالب بأن يفهم؛ والجمهور يستطيع أن يصطف، والمثقف مطالب بأن يبصر؛ والجمهور يستطيع أن يردد، والمثقف مطالب بأن يفحص.
وتبلغ الثقافة ذروة أمانتها حين تمنح صاحبها القدرة على قول الحقيقة التي تثقل على جماعته بالقدر نفسه الذي يقول به الحقيقة التي تثقل على خصومها.
فالمثقف عمود توازن؛ يحرس المجتمع من طغيان الانفعال على المعرفة، ويحرس الحقيقة من أن تتحول إلى ملكية خاصة لهذا الفريق أو ذاك، ويحرس قلمه من أن يصبح تابعًا للضجيج الذي يفترض أن يساعد الناس على فهمه. | 409 |
| 3 | في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة نغوص في واحدة من أكثر فترات التاريخ العثماني خطورة وحساسية؛ عصر التنظيمات والإصلاحات الكبرى. كيف تحولت دولة الخلافة من التقليد إلى التحديث؟ وما الذي حدث خلف كواليس القرارات المصيرية التي غيرت وجه المنطقة؟
نستضيف في هذه السلسلة د. باسم فليفل، وهو محاضر في التاريخ العثماني بجامعة بيروت العربية، ومساعد لأمين المكتبة في الجامعة الأميركية في بيروت، وإداري في موسوعة ويكيبيديا العربية.
رابط الفيديو
youtu.be/svjdeQ1cji4 | 499 |
| 4 | في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة نغوص في واحدة من أكثر فترات التاريخ العثماني خطورة وحساسية؛ عصر التنظيمات والإصلاحات الكبرى. كيف تحولت دولة الخلافة من التقليد إلى التحديث؟ وما الذي حدث خلف كواليس القرارات المصيرية التي غيرت وجه المنطقة؟
نستضيف في هذه السلسلة د. باسم فليفل، وهو محاضر في التاريخ العثماني بجامعة بيروت العربية، ومساعد لأمين المكتبة في الجامعة الأميركية في بيروت، وإداري في موسوعة ويكيبيديا العربية.
رابط الفيديو
youtu.be/svjdeQ1cji4 | 1 |
| 5 | اكسب القلوب بالاهتمام، فكن لطيفا في حديثك، وتعلم أن تكسب ود الآخرين بأن تشاركهم اهتماماتهم، وتسألهم عما يحبون، وتصغي إلى ما يتحدثون عنه بشغف.
يميل الإنسان بطبعه إلى من يشعره بأنه مرئي ومسموع ومقدر. وقد تنسى كثيرا مما قاله لك شخص، لكنك لن تنسى بسهولة ذلك الذي أصغى إليك باهتمام، وسألك سؤالا يدل على أنه كان يتابع حديثك، ومنحك مساحة تتحدث فيها دون أن ينتظر أول فرصة ليعيد الكلام إلى نفسه.
الاستماع في مثل هذه المواقف فضول صادق تجاه عالم الآخر: ما الذي يشغله؟ ماذا يتعلم؟ ما المشروع الذي يعمل عليه؟ ما الكتاب الذي أعجبه؟ ما الهواية التي يجد نفسه فيها؟ وما الفكرة التي يستطيع الحديث عنها ساعات؟
حين تعرف هذه الأشياء، تصبح أحاديثك أعمق، وتخرج العلاقة من دائرة المجاملات المتكررة إلى مساحة المعرفة الحقيقية.
ومن أكثر ما يفسد الحوار أن يدخل الإنسان إليه وفي داخله سؤال واحد: كيف أبدو أمامهم؟ بينما السؤال الأجمل: ماذا يمكنني أن أعرف عنهم؟
وقد جمع النبي ﷺ أصلا عظيما من أصول العلاقات في قوله: «الكلمة الطيبة صدقة» متفق عليه.
فالكلمة الطيبة قد تكون سؤالا صادقا، أو إنصاتا حسنا، أو تذكرا لتفصيل أخبرك به صاحبك منذ مدة، أو تشجيعا لإنجاز يعني له الكثير.
حاول أن تكون من أولئك الذين يخرج الناس من مجالسهم وهم يشعرون أنهم كانوا موضع اهتمام. | 546 |
| 6 | من النعم التي نألفها حتى لا نكاد ننتبه إليها: نعمة الانشغال بما ينفع؛ وأن يكون في يومك من العمل والمسؤوليات والأهداف ما لا يتركك فريسةً دائمة لاجترار الأحزان، واستعادة الخيبات، ومراقبة الجراح، والإشفاق المستمر على النفس وما فاتها.
وقد يقول قائل ما علاقة هذا بالحزن، فالفراغ ليس متصلاً به بالضرورة؟
وهذا صحيح.. إلا أن العقل المنغمس في الحزن يضخم مساحة الهم ويعطيها مجالا أكبر مما تستحق؛ فيعيد العقل الحادثة مرة بعد مرة، ويستحضر الكلمات والمواقف، ويسأل أسئلة مهما انتهى زمن الإجابة عنها استعادها وكررها، مثل: لماذا حدث هذا؟ ماذا لو كان كذا؟ ماذا كان ينبغي أن يحصل؟.. إلخ، ومع كثرة الاجترار قد يصبح الإنسان منشغلًا بما وقع أكثر من انشغاله بما ينبغي أن يقع بعده.
يلفت النظر ذلك التوجيه القرآني العجيب الذي جاء بعد التذكير بانشراح الصدر ووضع الوزر، وبعد الوعد المكرر:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 5-8].
فكأن من هدي السورة: أن تبتعد عن الفراغ لأن في الفراغ تعب للقلب أيضًا. فإذا انتهيت من شأن، فانهض إلى شأن آخر من العبادة والعمل والخير، واجعل رغبتك في ذلك كله متجهة إلى الله.
ولا يعني هذا أن نهرب من أحزاننا بالعمل، أو نمنع أنفسنا حقها في الحزن والراحة والتعافي؛ فبعض الآلام تحتاج أن تُفهم وتُعالج. لكن الفرق كبير بين معالجة الحزن وبين الإقامة فيه، وبين أن تتذكر ألمك لتفهمه، وأن تعيده كل يوم حتى يصبح هو القصة التي تعرف بها نفسك.
وقد يكون العمل الصالح، والتعلم، والقراءة، والرياضة، ورعاية الأسرة، وخدمة الناس، وإنجاز المسؤوليات، من الوسائل التي تسترد بها النفس توازنها؛ لأنها تعزز سؤال كل امرئ لنفسه: ماذا أستطيع أن أفعل بما بقي لي منها؟
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. | 608 |
| 7 | تمر بنا في سورة الأعلى آيتان قصيرتان، تختصران امتحانًا يتكرر في حياة الإنسان كل يوم:
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الأعلى: 16-17].
ولعل من أسرار تكرارهما على الأسماع أن مشكلة الإنسان في أنه يتصرف في لحظة الاختيار وكأن الدنيا أبقى، فنعرف أن الصلاة خير، ثم نؤثر عليها شاغلًا عاجلًا.
ونعرف أن الحلال خير، ثم تضيق النفس بتأخر الرزق الحلال.
ونعرف أن العفو خير، ثم تستلذ النفس بالانتصار في الظلم.
ونعرف أن رضا الله أعظم، ثم يثقل علينا أن نخسر لأجله مالًا أو مكانة أو إعجاب الناس.
وهنا يلفت ابن عاشور إلى معنى دقيق؛ وهو أن للمؤمن بالموعظة نصيب بمقدار ما يأخذ ويفرط منها، فالقرآن لا يدعو الإنسان إلى هجر الدنيا، ولا يجعل الانتفاع بطيباتها مذمومًا في ذاته؛ وإنما يوجهنا لإعادة ترتيب الأولويات. ولهذا قال سبحانه:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].
فاملك المال ولا تجعله يملكك، واطلب النجاح ولا تبع لأجله مبادئك ودينك، واستمتع بالمباح ولا تجعله غاية وجودك، واعمر دنياك دون أن تهدم آخرتك.
والفارق كله كامن في كلمة واحدة: ﴿تُؤْثِرُونَ﴾.
فالمشكلة في أن تتقدم في قلبك الدنيا حتى إذا تعارض عاجلها مع آجل الآخرة اخترت الأقرب لأنه حاضر، ونسيت الأبقى لأنه غائب عن العين.
ولهذا تختم الآية الميزان بكلمتين لا تحتاجان بعدهما إلى كثير بيان:
﴿خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.
خير في حقيقتها، وأبقى في مدتها.
وكلما ازدحمت عليك الاختيارات، فاسأل نفسك سؤالًا واحدًا:
هل أختار الآن ما هو أقرب، أم ما هو خير وأبقى؟ | 653 |
| 8 | تاريخ الأقليات والطوائف | 4. هل أنقذت "التنظيمات" الدولة العثمانية أم عجلت وسقوطها؟ | د. باسم فليفل
في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة نغوص في واحدة من أكثر فترات التاريخ العثماني خطورة وحساسية؛ عصر التنظيمات والإصلاحات الكبرى. كيف تحولت دولة الخلافة من التقليد إلى التحديث؟ وما الذي حدث خلف كواليس القرارات المصيرية التي غيرت وجه المنطقة؟
نستضيف في هذه السلسلة د. باسم فليفل، وهو محاضر في التاريخ العثماني بجامعة بيروت العربية، ومساعد لأمين المكتبة في الجامعة الأميركية في بيروت، وإداري في موسوعة ويكيبيديا العربية.
أجرى الحوار أحمد دعدوش
https://youtu.be/svjdeQ1cji4?si=FCJumYsqanC3bmN0 | 757 |
| 9 | أيها الأب، لا تُقنع ابنك أن قوته في وجودك خلفه، سوف تدفع عنه تبعات خطئه، وتقف في وجه الناس تدافع عنه إذا أساء، وتبحث له عن الأعذار إذا ظلم؛ فإنك بهذا تحرمه فرصة أن يتعلم العدل وتحمل المسؤولية.
ابنِ قوته في داخله، علّمه أن يلزم الأدب حين يقدر على الإساءة، وأن يعدل حين يغضب، وأن يعتذر حين يخطئ، وأن يرد الحق إذا ظلم، وأن تحفظه مروءته حين تغيب عنه عين أبيه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
من أخطر ما يفعله الأب أن يمنح ابنه يقينًا خفيًا بأنه سينجو من نتائج أفعاله دائمًا؛ يسيء فيجد من يبرر، ويعتدي فيجد من يدافع، ويخطئ فيُلام الآخرون. ومع تكرار ذلك، لا يرى نفسه مخطئًا أصلًا، ويكبر جسده بينما يبقى ضميره طفلًا ينتظر أباه ليصلح ما أفسده.
دافع عن ابنك إذا ظُلم، وقف معه إذا احتاجك، واحفظ كرامته، لكن إذا أخطأ فقف مع الحق قبل أن تقف معه، فساعده على إصلاح خطئه، وعلى رد المظلمة، فالعدل مع ابنك ليس تخليًا عنه، بل من أصدق صور محبتك له.
قد يكون الأب الذي ينقذ ابنه من كل نتيجةٍ لخطئه قد أنقذه من ألم صغير اليوم، لكنه أعدّه لألم أكبر غدًا.
قوة ابنك الحقيقية أن يستطيع الوقوف مستقيمًا حين لا يسانده أحد، يحرسه أدبه، ويردعه ضميره، ويقيمه عدله، وتحمله مروءته على ما يليق. | 790 |
| 10 | يأتي يوم الجمعة فتأتي معه سورة الكهف، كأنها موعد أسبوعي يعيد للقلب ترتيب نظرته إلى الدنيا.
تقرأ قصة أصحاب الكهف، فتتعلم أن الدين يستحق أن تفر إليه حين تشتد الفتنة:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.
وتقرأ قصة صاحب الجنتين، فتتعلم ألا تغتر بالمال والنعمة؛ فما تراه ثابتًا اليوم قد يصبح غدًا: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾.
وتصحب موسى والخضر، فتتعلم أن ما تراه شرًّا في لحظته قد تخفي وراءه حكمة لم تبلغها معرفتك؛ فكم من سفينة خُرقت لتحفظ، وكم من أمر ضاق به الإنسان ثم عرف بعد حين شيئًا من الحكمة فيه.
وتبلغ قصة ذي القرنين، فتتعلم أن القوة إذا اقترنت بالإيمان تتحول إلى عدل وعمل وإصلاح؛ وحين أنجز السد قال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾.
تجمع لك السورة في كل جمعة أصولًا من أعظم ما يحتاجه قلبك في مواجهة الحياة: فتنة الدين، وفتنة المال، وفتنة العلم، وفتنة القوة.
لا تجعل نصيبك منها مجرد إسراع في القراءة لتبلغ آخر الصفحة. اقرأها واسأل نفسك: أين أنا من فتنها؟ ما الجنة التي أخشى أن تفتنني؟ وما الأمر الذي لم أفهم حكمته فاعترض قلبي عليه؟ وأين أحتاج أن أفر بديني؟ وأي نعمة ينبغي أن أقول عندها: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾؟
وقد قال النبي ﷺ: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين».
فاجعل لك من سورة الكهف في كل جمعة نورًا تصحح به ميزانك، وتقاوم به فتنتك، وتبصر به الطريق في أسبوع جديد، ومن رحمة الله أن جعل لنا من الوحي ما نعود إليه كلما أظلم الطريق. | 818 |
| 11 | الدعاء الذي رفعته إلى الله طويلًا ولم ترَ إجابته بعد، لن تندم عليه، فلا تظن أنه ضاع؛ فما ضاع شيء أودعته عند الله.
قد تتعلق نفسك بصورة محددة للإجابة، وفي وقت محدد، بينما يعلم الله من عواقب الأمور ما لا تعلم. فيؤخر عنك ما سألت، أو يصرف به عنك من السوء مثله، أو يدخر لك ثوابه؛ وأنت لا ترى الآن إلا أن حاجتك لم تتحقق.
قال النبي ﷺ: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي» متفق عليه.
وجاء في الحديث: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجّل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» رواه أحمد.
لا تجعل تأخر الإجابة سببا للقطيعة عن الدعاء؛ فقد يكون طول وقوفك على الباب نفسه من العطايا. كم من حاجةٍ بدأت تسأل الله إياها، ثم وجدت بعد زمن أن الدعاء بها أصلح قلبك، وزاد افتقارك، وعلّمك حسن الظن، وردّك إلى الله مرات لم تكن لتعودها لولا تلك الحاجة.
ولا تجزم بأن ما سألت سيأتيك بعينه في الدنيا؛ فالله وعد بالإجابة، لكنه سبحانه يختار لعبده صورتها ووقتها بما تقتضيه حكمته.
فادعُ ولا تستعجل، واسأل ولا تيأس، واترك لله اختيار الصورة والموعد، فقد يكون العطاء الأكبر فيما صرفه الله عنك، أو فيما ادّخره لك حيث لا يضيع عنده شيء. | 1 010 |
| 12 | قبل أن تدخل علاقةً لا ترضي الله، وقبل أن تخطو إلى علاقة محرمة، فعليك أن تفكر بما بعد لذة البداية؛ انظر إلى الطريق كله، وإلى ما يمكن أن تتركه تلك الخطوة في قلبك ودينك وحياتك.
تذكّر أنك ستستعمل في المعصية نعمًا وهبها الله لك: عينًا ترى، وأذنًا تسمع، ولسانًا يتكلم، وهذه الجوارح التي تستمتع بها اليوم هي نفسها التي قال الله عنها: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
وتذكّر أن العلاقات المحرمة تتطور دومًا، فقد تبدأ بنظرة، ثم فضول، ثم اعتياد، ثم تعلق، حتى يصبح القلب مشغولًا بإنسان أكثر مما ينبغي، ينتظر حضوره، ويتألم لغيابه، ويستهلك في مراقبته من الفكر والوقت والمشاعر ما كان أولى أن يُصرف فيما ينفع.
ولهذا جاء الشرع بسياج يقطع الطريق بداية، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]. فلم يقل: لا تزنوا فحسب، بل نهى عن القرب من الطريق؛ لأن بعض الطرق إذا توغل الإنسان فيها صَعُب عليه الرجوع.
قد يتلوث الخيال، ويضعف الحياء، ويعتاد القلب ما كان يستنكره، ثم يفقد شيئًا من حريته؛ لأن كل تعلق لا يضبطه شرع الله يمكن أن يتحول من لذة يختارها الإنسان إلى قيد يجرّه حيث لا يريد.
رغم ذلك، إن وقعت، فلا تجعل الذنب قدرًا دائمًا. اقطع الطريق، وامحُ أسبابه، وتب إلى الله، ولا تلتفت إلى طول ما مضى؛ قال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. | 968 |
| 13 | مع اشتداد الاضطراب، وتسارع الأحداث، وكثرة الأخبار التي تملأ النفوس قلقًا وعجزًا؛ يصبح من أهم ما يحتاجه الإنسان أن يميّز بين مساحة يملك فيها فعلًا، ومساحة لا يملك فيها إلا المتابعة والانفعال.
فاستغراقك فيما لا تملك تغييره يستنزف قلبك، أما اشتغالك بما تستطيع فعله فيحوّل القلق إلى عمل، والخوف إلى استعداد، والحيرة إلى بصيرة.
وأمامك اليوم مساحات واسعة للعمل:
أولًا: احفظ إيمانك وإيمان من حولك.
في أزمنة الفتن لا تكون المعركة على الأرض وحدها؛ بل تمتد إلى التصورات والقلوب والموازين. فارجع إلى القرآن، واستحضر آيات السنن والابتلاء والتدافع والعاقبة، واربط أهلك وأبناءك بالله، واجعل الأحداث بابًا لزيادة اليقين.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
ثانيًا: ابنِ وعيك من خلال الأحداث، فالأزمات الكبرى تكشف ما تستره أزمنة الاستقرار؛ تكشف حقيقة المصالح، وحدود الشعارات، وتناقض الخطابات، وطبيعة القوة، ومقدار المسافة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية.
فلا تجعل نصيبك من الحدث كثرة الأخبار والانفعال بها؛ وإنما عليك أن تتعلّم منه.
اقرأ التاريخ، وافهم السياسة، وتثبت من الأخبار، وقارن الخطاب بالفعل، وابنِ تصورك على المعرفة والعدل لا على الاندفاع.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
ثالثًا: أعدّ نفسك للمستقبل بدل أن تستهلكها في توقعه، فالمرء لا يعرف ما تحمله السنوات المقبلة، ولذلك فإن خير استعداد لها هو أن تصبح أصلب إيمانًا، وأوسع علمًا، وأنضج وعيًا، وأقدر على النفع.
ابنِ نفسك علميًا ومهنيًا، وربِّ أبناءك، وقوِّ روابطك بأهل الخير والعلم والصلاح، وأكثر من دعاء الله أن يستعملك في مرضاته، وأن يجعلك نافعًا حيث يضعك.
رابعًا: الزم الثغر المتاح أمامكؤ فلا يمكن تكليف كل الناس بمهمة واحدة وإنجاز العمل نفسه، وإنما يُسأل كل واحد عما آتاه الله من قدرة ومسؤولية. وثغور الخير كثيرة: تعليم، ودعوة، وتربية، وإغاثة، وبذل مال، وإصلاح اجتماعي، ونصح، ورعاية أسرة، وإتقان تخصص، ودفاع مشروع عن الناس والحقوق بالوسائل المشروعة.
ولا تنتظر دائمًا "المهمة الكبرى"؛ فالذي يضيّع واجب الساعة انتظارًا لدور استثنائي قد لا يحسن القيام به إذا جاء. والأعمال الصغيرة المتراكمة هي التي تبني الرجال والمؤسسات والمجتمعات القادرة على حمل الأعمال الكبيرة.
وفي خضم ذلك كله، يبقى المؤمن مستحضرًا أن حركة التاريخ أكبر من اللحظة التي يراها، وأن سلطان الله نافذ فوق تدبير البشر:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
لا تخرج من موقع العبودية إلى أسر القلق؛ أصلح قلبك، وابنِ وعيك، وأعدّ نفسك، واعمل في ثغرك، وأحسن فيما تستطيع، واستودع عند الله ما لا تستطيع. | 957 |
| 14 | منطق الفسيلة
اغرس فسيلةً ولو كانت القيامة تقوم.. فقد قال النبي ﷺ: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»، رواه أحمد في المسند، والبخاري في الأدب المفرد.
تأمل المشهد: الساعة تقوم، والدنيا تبلغ نهايتها، ولا مستقبل تنتظره الشجرة، ولا ثمر سيدركه غارسها، ولا أجيال ستجلس في ظلها. وبحساب المنفعة المجردة، يبدو الغرس بلا جدوى.
ومع ذلك قال النبي: اغرسها، ليعطينا درسًا في معنى العمل حين تنعدم في أعيننا فرص النتائج.
المؤمن لا يستمد قيمة العمل الصالح من نتائجه وحدها، وإنما من كونه العمل الذي ينبغي أن يقوم به بين يدي الله. عليه أن يبذل، أما الثمرة فليست إليه.
وهذا معنى نحتاجه حين تضطرب الأحوال، وتتراكم النكسات، ويشيع خطاب اليأس: ما جدوى التربية وسط هذا الفساد؟ وما جدوى التعليم مع هذا الجهل؟ وما جدوى الإصلاح إذا كان الخراب أسرع؟ وما جدوى الكلمة إذا غلب الضجيج؟
الجواب: اغرس فسيلتك.
ربِّ طفلًا واحدًا، وعلّم طالبًا، وأصلح فكرة، واكتب كلمةً نافعة، وأغث محتاجًا، وابنِ ما تستطيع بناءه، ولو بدا لك أثر عملك ضئيلًا أمام اتساع الخلل.
فالرسالية الحقة أن تعرف واجبك حين تضطرب النتائج، ثم تظل وفيًّا له، وهذا منطق لا يفهمه اليائس؛ لأن اليائس يسأل دائمًا: ماذا ستغيّر فسيلتي؟، أما صاحب اليقين فيسأل: ماذا يريد الله مني الآن؟ | 940 |
| 15 | حاول أن تكون واحدًا من ثلاثة: هاديًا، أو مُهديًا، أو مُسلّيًا.
اهدِ من يسألك إلى خير ما تعرفه في أمر دينه ودنياه، ولا تحتكر تجربةً قد تختصر عليه طريقًا، ولا علمًا قد يبدد عنه الحيرة.
وأهدِ القارئ شيئًا مما وهبك الله: فكرةً ناضجة، أو علمًا نافعًا، أو حكمةً التقطتها من كتاب، أو أدبًا رقّق قلبك، أو تجربةً دفعت ثمنها من عمرك؛ فرب كلمة تنشرها عابرةً تقع في قلب إنسان في موضع حاجته إليها.
وسلِّ عن المُثقَلين؛ فقد يكون الإنسان مثقلًا، فيحتاج حكايةً لطيفة، أو طرفةً مؤدبة، أو خبرًا جميلًا يعيد إلى روحه شيئًا من خفتها.
ثم احذر أن تتحول هذه المساحات من أبواب للنفع إلى ميادين للخصومة وإثبات الذات؛ فتتعصب لشخص، أو تتكلف الانتصار لجماعة، أو تشتد لتثبت انتماءك، حتى يصبح الطعن بطولةً، والفظاظة صراحةً، والإجحاف غيرةً، وسوء الأدب قوةً في الحق.
وقد وضع القرآن ميزانًا بالغ الدقة للكلمة فقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، وقال: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53].
وكم أسقط التعصب أشخاصًا كانت لهم في النفوس منزلة؛ فما إن دخلوا معارك الانتماءات حتى أخرجت الخصومة أسوأ ما في لغتهم، واستبدلوا بالإنصاف التحيز، وبالعلم المهاترة، وبالسكينة ضجيجًا لا ينتهي.
فاسأل نفسك قبل أن تنشر أي كلمة على فضائك الرقمي: هل أهدي بهذا إنسانًا، أم أهديه شيئًا، أم أخفف عنه؟ أم أنني أبحث عن انتصار صغير لنفسي وجماعتي؟
فالمنصات تكشف المقاصد مع طول الصحبة؛ ومن جعل غايته نفع الناس رقَّت عبارته واتسع إنصافه، ومن جعل غايته إثبات نفسه أفسدته الخصومات ولو بدأها باسم الحق. | 1 037 |
| 16 | الصلاة دواء القلوب.. كيف ذلك؟ تأمل كيف جمع الله بعد ذكر السهو عن الصلاة مرضين من أمراض القلوب والسلوك:
﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 5-7]، سترى أن الرياء والشح يتعلقان بنظر الخلق، وبما في اليد.
هنا تلمس أن الصلاة، إذا أقامها العبد على حقيقتها، يجد فيها تربيةً يومية على مقاومة هذين الداءين.
يكرر المصلي في كل ركعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ فيتعلم أن العبادة لله وحده، وأن العمل لا يحتاج حتى تكون له قيمة إلى إعجاب الناس ولا ثنائهم. وكلما رسخ معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ في القلب، ضعف افتقاره إلى أعين الخلق.
ثم يقول: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ فيتعلم أن خزائن الرزق ليست فيما قبضت يداه، وأن بقاء النعمة لا يحفظه الشح، وأن الذي أعطاه قادر على أن يخلف عليه ما أنفق. وكلما قوي افتقار القلب إلى الله، هان عليه البذل مما في يده.
ولهذا لا ينبغي أن تمر الصلاة على قلوبنا بلا أثر؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].
إذا وجدت في نفسك تعلقًا شديدًا بنظر الناس، أو شحًا بما آتاك الله، فلا تنظر إلى الصلاة باعتبارها واجبًا منفصلًا عن هذه الأمراض؛ ارجع إليها لتداوي بها قلبك: أصلح حضورك، وجدّد إخلاصك، وتدبر ما تقوله بين يدي الله.
الصلاة إعادة بناء متكررة للقلب: تحرره من عبودية نظر الناس بـ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ومن وهم الاستغناء بما يملك بـ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
الصلاة دواء؛ ولا يظهر أثر الدواء إلا حين يدخل إلى موضع الداء. | 989 |
| 17 | من تمام الثقة بالله أن تدعوه بما لا تلوح لك أسبابه، ولا ترى في واقعك مقدماته؛ لأنك حين تدعو الله، فإنك تسأل من بيده الأسباب ومسبباتها جميعًا، وهذا المعنى ظاهر في دعوات الأنبياء عليهم السلام.
دعا زكريا عليه السلام بالولد وقد بلغ من الكبر عتيًا، وكانت امرأته عاقرًا، فقال:
﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: 89].
كانت الأسباب الظاهرة تقول: بعيد، لكن معرفته بالله كانت أوسع من معرفته بالأسباب، فجاء الجواب:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: 90].
ودعا إبراهيم عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع أن يجعل الله أفئدةً من الناس تهوي إلى أهله، وأن يرزقهم من الثمرات [إبراهيم: 37]؛ دعاءٌ بالرزق في موضع لا ترى العين فيه زرعًا ولا ماءً ولا أسباب عمران.
وقال موسى عليه السلام حين أدركه البحر، ورأى أصحابه جيش فرعون وراءهم فقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فأجاب بيقين لا تحكمه موازين اللحظة:
﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62].
من اليقين أن ترى الأسباب، وأن تأخذ بها. وكمال اليقين ألا تجعل حدود الأسباب حدودًا لقدرة الله.
خذ بالأسباب حتى تستنفد وسعك، ثم لا تجعل فقرها سببًا لفقر دعائك. ولا تقل: كيف يحدث هذا؟ ومن أين يأتي؟ وما الطريق إليه؟ فهذه أسئلة تحكمها معرفتك المحدودة، أما خزائن الله فلا تحكمها معرفتك.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المنافقون: 7].
اسأل الله حاجتك وإن لم تر طريقها، واسأله الفرج وإن أُحكمت أبواب أسبابه، واسأله الهداية لمن استبعدت هدايته، والإصلاح لما استعصى عليك إصلاحه، والرزق من حيث لا تحتسب. | 1 126 |
| 18 | إذا كان الإنسان هو غاية التنمية ووسيلتها، فالأصح أن تُقاس نهضة المجتمعات بدقة الإجابة عن سؤال: أيُّ إنسان تصنعه هذه التنمية؟
قد يرتفع الدخل ويزداد الاستهلاك وتتقدم التقنية، بينما يتسع في داخل الإنسان فراغ المعنى، وتضعف روابطه الأسرية والاجتماعية، ويصبح أكثر قلقًا ووحدةً وحيرةً في الغاية التي يعيش من أجلها. عندئذ نكون قد حسّنا شروط الحياة ولكننا لم نجب عن سؤال: لماذا نحيا أصلًا؟
وهنا تظهر قيمة المنظور الأسلامي للإنسان؛ فهو ينظر إلى الإنسان باعتباره مخلوقًا ذا غاية ومسؤولية ورسالة. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وقال: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].
يمنح الدين الإنسان إجاباتٍ للأسئلة التي تعجز مؤشرات التنمية المادية عن الإجابة عنها: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وما معيار الخير؟ ولأي شيء أبذل عمري؟ وما قيمة عملي وألمي وعطائي؟ وإلى أين تنتهي الرحلة؟
ومن هنا يصبح إصلاح الإنسان مؤسسًا للتنمية، لأن المجتمع يحمله بشرٌ تحدد أخلاقهم كيف يستخدمون التنمية، فالعلم بلا أمانة قد يتحول إلى أداة ضرر، والمال بلا قيم يتحول إلى جشع، والسلطة بلا ضمير تصبح ظلمًا، والتقنية بلا غاية قد تزيد قدرة الإنسان دون أن تزيد حكمته.
قد تستطيع الحضارة أن تمنح الإنسان وسائل العيش، لكن يبقى الدين قادرًا على أن يمنحه شيئًا أعمق: المعنى الذي يستحق أن يعيش من أجله، والميزان الذي يعرف به كيف يعيش. | 973 |
| 19 | هذه قاعدة تربوية ونفسية ثمينة جداً:
" الشخص الذي يتجنب أغلب المشاق، يصبح أقل استعداداً لتحملها".
ويمكن تطبيقها في التربية:
1. إن حرمت طفلك من المشاق اضعفته أمامها مستقبلاً.
٢. وإن قدمت له كل حل أضعفت عقله عن التعامل مع المشاكل.
٣. وإن لم تكلفه بمهام داخل البيت أو خارجه قتلت جسده.
وفي الزواج:
١. إن تجنبت النقاشات الحرجة والمشكلة كبرت وتعقدت ، وعجزت عن مواجهتها مستقبلاً.
٢. إن تنزلت دوماً أضعفت قدرة شريكك على تحمل مسؤولية العلاقة.
٣. وإن لم تتحمل مشقة الإدخار والانضباط المالي، ضعفت قدرة الأسرة على مواجهة الازمات الحياتية مستقبلاً.
عمار سليمان | 1 065 |
| 20 | هنيئًا لمن جعل الله لنفسه نصيبًا من الدلالة على الخير، وإن لم يكن صاحب المال الذي يُبذل، وهنيئًا لمن يطرق أبواب الأغنياء ليذكّرهم بحق الفقير، ولمن يصل صاحب النعمة بصاحب الحاجة، ولمن يسعى في مشروع نافع حتى يستوي ويؤتي أكله وثمره، وللعاملين الأمناء في الجمعيات والمؤسسات الخيرية الذين يحفظون أموال المتصدقين، ويضعونها في مواضعها، ويبلغون بها مستحقيها.
الخير أوسع من أن ينحصر أجره في صاحبه الأول؛ قد تبدأ الصدقة من مال إنسان، ثم يشترك في أجرها من دلّ عليها، ومن أعان عليها، ومن حمل أمانتها وأوصلها إلى موضعها، كلٌّ بحسب عمله ونيته.
قال النبي ﷺ: «الخازن المسلم الأمين، الذي ينفذ ما أُمر به، فيعطيه كاملًا موفرًا، طيبةً به نفسه، فيدفعه إلى الذي أُمر له به، أحد المتصدقين» متفق عليه.
تأمل وصفه ﷺ: الأمين؛ فالعامل في أموال الخير يحتاج الإحسان، ومعه الأمانة التي تحفظ المال، والدقة التي تحفظ الحقوق، والنفس الطيبة التي لا تمنّ على الناس بما ليس من مالها.
بيّن ابن تيمية رحمه الله معنى دقيقًا في الحديث: أن الخازن الأمين وافقت إرادته إرادة صاحب الصدقة، ثم فعل ما يقدر عليه من الامتثال وإيصال المال، فكان بذلك "أحد المتصدقين".
وهذا يفتح أبوابًا واسعة لمن لم يملك المال: كن سببًا.
دلّ غنيًا على حاجة، وعرّف صاحب قدرة بمشروع نافع، وانقل حاجة مستحق بأمانة، وابذل خبرتك ووقتك وعلاقاتك في إقامة أبواب الخير؛ فقد يكتب الله لك من الأجر بسبب مالٍ لم تملكه، لكنك كنت سببًا في وصوله إلى موضعه.
وقد قال ﷺ: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" رواه مسلم.
فلا تستصغر موقعك في سلسلة الخير؛ فقد يكون المال من يد غيرك، ويجري الله على يديك سببه، ويكتب لك من الأجر ما لم تكن تتوقعه. | 1 036 |
