السبيل
مشروع ثقافي إسلامي وسطيّ، هدفه التوعية ومواجهة التفاهة والتضليل والاستبداد. نفتح ملفات دينية وفكرية وسياسية، ونقدم مراجعات للكتب والشخصيات، ونصنع برامج كرتونية هادفة لليافعين. لا نتبع دولة ولا تنظيمًا ونعتمد على التمويل الذاتي والإعلانات www.al-sabeel.net
Ko'proq ko'rsatish📈 Telegram kanali السبيل analitikasi
السبيل (@al_sabeel) Arab til segmentidagi kanali faol ishtirokchi. Hozirda hamjamiyat 23 547 obunachidan iborat bo'lib, Din & Maʼnaviyat toifasida 3 230-o'rinni va Saudiya Arabistoni mintaqasida 2 955-o'rinni egallagan.
📊 Auditoriya ko‘rsatkichlari va dinamika
невідомо sanasidan buyon loyiha tez o‘sib, 23 547 obunachiga ega bo‘ldi.
26 Iyul, 2026 dagi oxirgi ma’lumotlarga ko‘ra kanal barqaror faollikka ega. Oxirgi 30 kunda obunachilar soni -61 ga, so‘nggi 24 soatda esa -13 ga o‘zgardi va umumiy qamrov yuqori darajada qolmoqda.
- Tasdiqlash holati: Tasdiqlanmagan
- Jalb etish (ER): Auditoriya o‘rtacha 6.68% darajada jalb etiladi. Nashrdan keyingi dastlabki 24 soatda kontent odatda umumiy obunachilar sonining 3.23% ini tashkil etuvchi reaksiyalarni to‘playdi.
- Post qamrovi: Har bir post o‘rtacha 1 574 marta ko‘riladi; birinchi sutkada odatda 760 ta ko‘rish yig‘iladi.
- Reaksiyalar va o‘zaro ta’sir: Auditoriya faol: har bir postga o‘rtacha 32 ta reaksiya keladi.
- Tematik yo‘nalishlar: Kontent إِنسَان, دِين, كِتَاب, نَفس, اِبن kabi asosiy mavzularga jamlangan.
📝 Tavsif va kontent siyosati
Muallif resursni shaxsiy fikrni ifoda etish maydoni sifatida ta’riflaydi:
“مشروع ثقافي إسلامي وسطيّ، هدفه التوعية ومواجهة التفاهة والتضليل والاستبداد. نفتح ملفات دينية وفكرية وسياسية، ونقدم مراجعات للكتب والشخصيات، ونصنع برامج كرتونية هادفة لليافعين. لا نتبع دولة ولا تنظيمًا ونعتمد على التمويل الذاتي والإعلانات www.al-sabee...”
Yuqori yangilanish chastotasi (oxirgi ma’lumot 27 Iyul, 2026 da olingan) sababli kanal doimo dolzarb va katta qamrovli bo‘lib qoladi. Analitika auditoriya kontent bilan faol hamkorlik qilishini, uni Din & Maʼnaviyat toifasidagi muhim ta’sir nuqtasiga aylantirishini ko‘rsatadi.
Ma'lumot yuklanmoqda...
| Sana | Obunachilarni jalb qilish | Esdaliklar | Kanallar | |
| 27 Iyul | +2 | |||
| 26 Iyul | +2 | |||
| 25 Iyul | +4 | |||
| 24 Iyul | +3 | |||
| 23 Iyul | +1 | |||
| 22 Iyul | +1 | |||
| 21 Iyul | +2 | |||
| 20 Iyul | +1 | |||
| 19 Iyul | +6 | |||
| 18 Iyul | +3 | |||
| 17 Iyul | +13 | |||
| 16 Iyul | +4 | |||
| 15 Iyul | +7 | |||
| 14 Iyul | +5 | |||
| 13 Iyul | +10 | |||
| 12 Iyul | +1 | |||
| 11 Iyul | +7 | |||
| 10 Iyul | +3 | |||
| 09 Iyul | +17 | |||
| 08 Iyul | +3 | |||
| 07 Iyul | +6 | |||
| 06 Iyul | +3 | |||
| 05 Iyul | +6 | |||
| 04 Iyul | +5 | |||
| 03 Iyul | +10 | |||
| 02 Iyul | +10 | |||
| 01 Iyul | +5 |
| 2 | قد يحب الإنسان المال لذاته، وقد لا يتعلق بالأوراق أو الأرقام، وإنما يتعلق بما يتوهم أن المال يمنحه الأمان، والقدرة، والاستقلال، وضمانًا لغدٍ لا يعلم ما يخبئه فيه. ولهذا يغدو المال، من حيث لا يشعر المرء، موضعًا تتقاطع فيه أعمق مخاوف النفس: خوف الفقر، ومرارة الحرمان، وقلق الحاجة، وفقدان المكانة، والرغبة في ألا يكون الإنسان يومًا تحت رحمة أحد. ومن هنا كان المال، عبر التاريخ، من أعظم ميادين الابتلاء؛ لأنه يكشف حقيقة النفوس حين تسقط عنها المجاملات، ويظهر الأخلاق كما هي، لا كما يحب أصحابها أن تبدو.
ولهذا لا تكون الخصومات المالية في الغالب خصوماتٍ على المال وحده، بل على المعاني التي يحملها المال في أعماق النفوس. فقد يغضب أحدهم لأنه يشعر بالاستغلال، ويشتد نزاع آخر لأنه يحس أن جهده غير مُقدَّر، ويبالغ ثالث في المطالبة بحقوقه؛ لأنه يحمل في داخله ذاكرةً مثقلة بالخوف من الفقد أو بتجارب الحرمان القديمة. فالمال كثيرًا ما يكون لغةً صامتة تتحدث بها الجراح التي لم تلتئم، بينما يظن أصحابها أنهم لا يتحدثون إلا عن أرقام وحسابات.
ومن هنا كان صلاح القلب في باب المال عظيمًا وينبئ عن جوهر الإنسان المستغني عن المادة والمتكل على الله. لأنه علم أن الغنى ليس ما يكثر في اليد، وإنما ما يسكن في القلب، وأن العبد يعلم أن الرزق بيد الله، وأن ما كُتب له سيأتيه، وما لم يُكتب له فلن تناله الحيل ولا المنافسة ولا القلق. فإذا استقر هذا اليقين، خفَّ تعلُّقه بالمال، وصار يتعامل معه وسيلةً لا غاية، وأمانةً لا معبودًا خفيًّا.
ولعل أعظم ما يحفظ القلب يتجلى في أن يحرص صاحبه على طيب ماله؛ فإن المال إذا دخله الحرام أو الشبهة، فسد من الداخل لرصيد وامتد أثره إلى الروح.
والعجيب أن كثيرًا من الناس يقلقون على مستقبلهم المالي، ويخططون لكل صغيرة وكبيرة، ثم لا يقلقون بالقدر نفسه على الطريق الذي جاء منه المال، وكأنهم يطلبون الثمرة مع إفساد الجذور.
والحق أن الرزق الطيب لا يورث زيادةً في المال فحسب، بل يورث بركةً في العمر، وسكينةً في القلب، وألفةً في البيت، وانشراحًا في الصدر، ولذةً في الطاعة، وهي نعم لا تُشترى بكثرة الأموال. ورب مبلغٍ قليلٍ باركه الله، صار سببًا لسعادة أهله، ورب ثروةٍ عظيمة نزعت منها البركة، فكانت همًّا على صاحبها في يقظته ومنامه. ولذلك فإن أعظم الغنى أن تلقى الله بقلبٍ مطمئن، ويدٍ طاهرة، ورزقٍ تعلم أنه جاءك من بابٍ يرضاه الله. | 402 |
| 3 | من تأمل قوله تعالى: ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ وجد أن هذه الآية الكريمة تلخص أسباب التعاسة وتكشف سر شقاء الإنسان في هذه الدنيا.
تأمل أن الله جعل الظلم بادئا بالنفس وإن تعدى إلى الغير، حيث قال: ﴿فقد ظلم نفسه﴾؛ لأن أول من يدفع ثمن المعصية هو صاحبها. وما من ذنب إلا ويترك في القلب ظلمة، وفي الصدر ضيقًا، وفي الطاعة فتورًا، وفي الحياة نقصًا بقدر ما شاء الله، وإن ظن صاحبه أنه قد ظفر بلذة أو مكسب.
إن حدود الله ليست قيودًا تحرم الإنسان من السعادة، وإنما هي سياج يحفظها. وما حرم الله شيئًا إلا وفيه فساد عاجل أو آجل، وما أمر بشيء إلا وفيه صلاح الدنيا والآخرة. ولذلك فإن تجاوز حدود الله ليس خروجًا على أمره فحسب، بل هو اعتداء على النفس قبل كل شيء؛ لأنها هي التي ستذوق مرارة البعد عن الله، ووحشة المعصية، وضيق القلب، وذهاب البركة.
ولهذا كانت أعظم عقوبة للذنب تقع في داخل الإنسان؛ أن يقسو قلبه، وتضعف لذة الطاعة لديه، ويأنس بالمعصية، ويبتعد شيئًا فشيئًا عن ربه، حتى يصبح يرى حدود الله وحرماته وأوامره ونواهيه ثقيلة عليه، مع أنها كانت سبب سعادته وحفظه.
حين ترى أمرًا ينهى الله عنه، فلا تنظر إلى ما يفوتك بتركه، بل انظر إلى ما يحفظه الله لك بتركه. واعلم أن كل حد من حدود الله إنما وضعه سبحانه رحمةً بعباده، وأنه لا يريد تضييقًا بهم، وإنما التمييز بين من يقف عند حدوده، ومن يحفظ نفسه ويطيع ربه، ومن تعدى حدود الله فهو منالظالمين، وأول المظلومين هي نفسه، ولو لم يشعر بذلك إلا بعد حين. | 535 |
| 4 | من جملة التأملات المرتبطة بأذكار الصلاة قول الإنسان: (تباركت يا ذا الجلال والإكرام)
لأن العبد إذا سلَّم من صلاته، وأثنى على ربه بقوله: اللهم أنت السلام ومنك السلام، ثم ختم هذا الثناء بقوله: تباركت يا ذا الجلال والإكرام. فإن ذلك يتضمن مزيدًا من الإقرار والاعتراف بكمال الله وعظمته وكمال فضله.
ومعنى الدعاء متشعب، كأنك تقول: تعاظم يا رب خيرك، وكثرت بركاتك، ودام إحسانك، واتسعت عطاياك. والبركة كلها منه سبحانه، فأنت الذي يبارك في الأعمار، والأرزاق، والأعمال، والأماكن، والأزمنة، ولا يملك أحد أن يفيض البركة إلا أنت.
وهذا لعمري من أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله؛ فأن تأتي وتلتمس البركة، فذلك استحضار لقول الله في كتابه الذي وصفه بالقول: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾.
أما الجلال، فهو كمال العظمة والكبرياء والعزة والمجد، وله التعظيم المطلق لجلاله وهيبته. فإذا استحضر المؤمن هذا الاسم، امتلأ قلبه توقيرًا لله، وخشيةً منه، واستصغر نفسه بين يدي مولاه. ولهذا كان من أعظم ثمرات معرفة جلال الله أن يراقبه العبد في السر كما يراقبه في العلن، وأن يستحي أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره.
ومن ثم كان من المتناسق أن يأتي ذكر الجلال عقب الصلاة؛ لأن الصلاة أعظم مظاهر تعظيم العبد لربه. ففيها قيام بين يديه، وركوع لعظمته، وسجود لكبريائه، ومناجاة له. فإذا فرغ منها، جدد الاعتراف بأن الله هو صاحب الجلال الحقيقي، وأن ما أداه من عبادة لا يليق بجلال ربه إلا أن يتقبله بفضله.
وأما الإكرام، فقد ذكر أهل العلم فيه معنيين صحيحين، يجتمعان ولا يتعارضان.
الأول: أن الله هو ذو الإكرام؛ أي صاحب الفضل العظيم، والإنعام الواسع، والجود الذي لا ينفد، فهو الذي يكرم أولياءه في الدنيا بالتوفيق والهداية، وفي الآخرة برضوانه والنظر إلى وجهه الكريم.
والثاني: أنه سبحانه المستحق لأن يُكرم؛ أي أن يُعظَّم، ويُطاع، ويُعبد، ويُجل، فلا يُعصى أمره، ولا تُنتهك حرماته. وهذا المعنى ذكره جماعة من أهل العلم، وهو داخل في دلالة الاسم؛ لأن من كان ذا جلال، كان أهلًا لكل تعظيم وإكرام.
ولهذا اقترن الجلال بـ الإكرام؛ لأن العبودية الكاملة تقوم على أمرين عظيمين: تعظيم الله، وحسن الظن بفضله. فمن نظر إلى جلاله وحده ربما غلب عليه الخوف، ومن نظر إلى كرمه وحده ربما أمن مكر الله، أما إذا جمع بين جلاله وإكرامه، عبد الله بقلب يمتلئ هيبةً ومحبةً، وخوفًا ورجاءً، وتعظيمًا وأنسًا.
ومن هنا يظهر سر اقتران هذا الاسم باسم السلام في هذا الذكر. فالعبد يفرغ من صلاة يعلم أنها لا تخلو من نقص وغفلة، فيثني أولًا على ربه بأنه السلام؛ الكامل المنزه عن كل نقص، ومنه السلامة كلها، ثم يثني عليه بأنه ذو الجلال والإكرام؛ صاحب العظمة التي تستوجب الإجلال، وصاحب الكرم الذي يُرجى معه قبول العمل والعفو عن التقصير.
فكأن المصلي يقول بلسان حاله: يا رب، أنت الكامل الذي لا نقص فيك، وأنا العبد الذي لا يخلو عملي من نقص، وأنت صاحب الجلال الذي أستحي أن ألقاك بعمل لا يليق بعظمتك، وأنت صاحب الإكرام الذي أطمع في فضله، وأرجو أن تتقبل مني، وتتجاوز عن تقصيري.
وهكذا يعلمنا هذا الذكر أن نخاطب الله بأسمائه الحسنى، وأن نجمع في عبادتنا بين إجلاله ورجاء كرمه، وأن ندرك أن قبول الأعمال ليس بكمالها، وإنما بفضل الله وإكرامه. ولذلك كانت هذه الكلمات القليلة مدرسةً في معرفة الله، وتربيةً للقلب على أكمل معاني التوحيد والعبودية. | 581 |
| 5 | إذا أحاطت بك الفتن، ورأيت المنكر يكثر حتى تعجز عن تغييره، فلا تظن أن القرآن يتركك حائرًا، بل يهديك إلى ما تحفظ به دينك وقلبك، قبل أن يأمرك بما لا تطيق.
أولا: إذا بذلت ما تستطيع من النصح والإنكار، ثم غلبتك الأحوال، فالجأ إلى الله بالدعاء، كما فعل أنبياؤه. وهو ما ذكره الله على لسان لوط حين قال عليه السلام: ﴿رب نجني وأهلي مما يعملون﴾. حيث إنه سأل النجاة من القوم ومن عملهم؛ أي من الوقوع في فاحشتهم، ومن آثارها، وما يترتب عليها من العقوبة. وفي ذلك إشارة إلى أن أعظم ما يخشاه المؤمن في زمن الفتن ليس أذى الناس، وإنما أن يتسرب شيء من باطلهم إلى قلبه، أو أن يضعف أمام إغراءاتهم.
ثانيا: من الهدايات العظيمة أيضًا أن تعلم أن الهداية بيد الله وحده. فقد يبذل الإنسان وسعه في نصح قريب أو ولد أو صديق، ثم يراه يقع في الفتنة، فلا يحمل نفسه ما ليس لها، ولا يستسلم لليأس أو الجزع، ويفوض الأمر إلى الله، ويواصل الدعاء، ويوقن أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
ثالثا: الواجب عند انتشار الفتن عدم الاستسلام لها من جهة، وعدم الانشغال بها حتى تستهلك القلب، وإنما الثبات على الحق، وكثرة الدعاء، وحراسة الأهل، والصبر على الطاعة، والبعد عن مواطن الشبهات، مع دوام سؤال الله الثبات. فما أكثر من حفظهم الله في زمن الفتن بدعوة صادقة، وما أكثر من زلت أقدامهم حين ركنوا إلى قوتهم.
ولهذا كان من أعظم الأدعية في زمن الفتن: ﴿رب نجني وأهلي مما يعملون﴾؛ فهو يجمع سؤال سلامة الدين، وحفظ الأهل، والنجاة من أسباب الفتنة وآثارها، ويغرس في القلب حقيقةً لا غنى عنها: أن العصمة ليست بقوة العبد، وإنما بتوفيق الله ورحمته. | 781 |
| 6 | من أجمل ما يستقر في قلب المؤمن أن يعلم أن الزواج، قبل أن يكون اختيارًا أو ترتيبًا بشريًا، هو رزق من الله. وكما أن الأرزاق تُطلب من رازقها، فإن خير ما يُطلب به الزواج هو صدق اللجوء إلى الله، وكثرة الدعاء، وحسن الظن به.
لا تجعل همك متعلقًا بالأسباب وحدها، بل اجعل قلبك معلقًا بمسبب الأسباب. وأكثر من سؤال الله أن يرزقك الزوج أو الزوجة الصالحة، فإن خزائن الله لا تنفد، وهو سبحانه أعلم بمن يصلح لك، وأقدر على أن يجمع بين قلبين في الوقت الذي يختاره بحكمته.
اجعل لنفسك وردًا يوميًا من هذا الدعاء العظيم الذي علمنا الله إياه:
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
وتأكد أن هذا الدعاء ليس خاصًا بمن لم يتزوج، بل هو من أجلِّ أدعية المتزوج أيضًا؛ لأنه يسأل وجود الزوجة والذرية، ويسأل أن يكونوا قرة عين، وأن يرزقهم الله الصلاح، والمودة، والسكينة، وأن يجعل البيت قائمًا على التقوى والطاعة.
لا تبخل على نفسك بهذا الدعاء، ولا على أهلك، ولا تيأس إن تأخر الرزق؛ فكم من نعمةٍ أخرها الله حتى تأتي في وقتها الأكمل، وكم من قلبٍ أكرمه الله بعد طول دعاء، لأن الكريم سبحانه يحب من عبده أن يلح عليه، وأن يطرق بابه، وأن يوقن أن ما عند الله لا يُنال إلا بسؤاله، وأنه سبحانه إذا أعطى، أعطى خيرًا مما يتمنى العبد، وأبقى مما يتصور. | 801 |
| 7 | من أعظم ما يلفت النظر في الشريعة أن الله سبحانه جعل لكل عبادة حدًّا معلومًا؛ فالصلاة خمس، والزكاة لها نصاب، والصيام شهر، والحج مرة في العمر لمن استطاع. أما الذكر، فلم يجعل الله له حدًّا ينتهي إليه، بل فتح بابه ما دامت الروح في الجسد، فقال: ﴿اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾، ولم يقل: ذكرًا معدودًا أو محدودًا.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما فرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله." ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم﴾؛ أي في جميع الأحوال، وفي كل زمان ومكان، في السفر والحضر، وفي الصحة والمرض، وفي الغنى والفقر، وفي السر والعلانية.
وهذا يكشف أن الذكر ليس عملًا يؤديه المسلم في وقت معين ثم ينصرف عنه، بل هو الحالة التي ينبغي أن يعيشها قلب المؤمن. فاللسان يلهج بالذكر، والقلب يستحضر الله، والجوارح تتحرك على وفق أمره، حتى يصبح ذكر الله هو الإطار الذي تنتظم فيه حياة المسلم كلها.
ولذلك اختلف العلماء في معنى الذكر الكثير، ولم يختلفوا في أصله. فقال ابن عباس: يتحقق بالمحافظة على الأذكار في أدبار الصلوات، وعند الصباح والمساء، وعند النوم والاستيقاظ، والخروج والدخول. وقال مجاهد: هو أن يذكر العبد ربه قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا. وقال عطاء: بإقامة الصلوات بحقوقها. وبيّن ابن الصلاح أن من أوضح صوره المحافظة على الأذكار النبوية الواردة في مختلف الأوقات والأحوال؛ لأن السنة لم تترك شأنًا من شؤون حياة المسلم إلا وربطته بذكر الله.
وهذا يدل على أن الكثرة ليست كثرة الألفاظ، وإنما كثرة الصلة بالله. فقد يردد الإنسان كلمات كثيرة وقلبه غافل، وقد يكون قليل الكلام، لكنه لا يغيب عن استحضار ربه في أمر ولا نهي، فيكون من الذاكرين كثيرًا.
ثم تأتي البشارة التي لا يكاد القلب يحيط بعظمها: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾. فإذا أكثر العبد من ذكر ربه، ذكره الله برحمته، وأثنى عليه في الملأ الأعلى، ودعت له الملائكة بالمغفرة والهداية. فأي منزلة أعظم من أن يكون ذكرك لله سببًا لذكر الله لك؟
إن الذكر الكثير روح للحياة نفسها. وكلما ازداد العبد ذكرًا، ازداد قلبه حياة، ولسانه طهرًا، وعمله بركة، حتى يصبح من الذين وصفهم الله بقوله: ﴿والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا﴾. | 821 |
| 8 | كل مقامٍ شريفٍ في الدنيا أو الآخرة له بابٌ لا يُفتح إلا بالمجاهدة، ومفتاحه الصبر، وثمنه أن يؤثر الإنسان ما يبقى على ما يفنى. فمن طلب الراحة أول الطريق، طال عليه الطريق، ومن رضي بمشقة البدايات، أدرك لذة النهايات.
من أراد علمًا يورثه خشية الله، ويمنحه الفهم والبصيرة، فإنه لا يبلغه بكثرة التمني، وإنما بساعاتٍ طويلةٍ من القراءة، ومدارسة النصوص، ومراجعة النفس، والتضحية بالدعة والاستناد إلى الراحة التي يرنو إليها.
من أراد رزقًا حلالًا يغنيه عن سؤال الناس، حفظ وقته، وأحسن سعيه، وصبر على تعب البناء قبل أن يجني ثماره.
من أراد مقام العابدين، علم أن النفس لا تُقاد إلى معالي الأمور إلا إذا فُطمت عن لذاتها العاجلة، وابتعدت عن الحرام، وأُلزمت بالصبر على الطاعة.
هذه كلها من سنن الله التي لا تتبدل؛ فكلما علت المنزلة، عظم ثمنها، وكلما شرف المطلوب، ازدادت المجاهدة إليه.
لم يجعل الله الهداية، وهي أعظم نعمةٍ ينالها العبد، ثمرة أمنيةٍ عابرة، ولا هبةً تُعطى لمن لا يبذل، بل جعل لها طريقًا واضحًا، وهو طريق المجاهدة والمصابرة، فقال سبحانه: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾.
والمقصود بالمجاهدة أن يغالب العبد أعداءه في الخارج، وأن يغالب نفسه قبل ذلك؛ فيجاهد كسلها، وشهواتها، وغفلتها، وكثرة تسويفها، ويعيدها إلى الله كلما مالت عنه.
من انتصر على نفسه، هان عليه ما بعدها، ومن عجز عن قيادتها، عجز عن بلوغ كثيرٍ من المقامات.
والقلوب لا تُفتح لها أبواب النور إلا بقدر ما تبذله في طلبه، ولا يُرزق العبد من الهداية والثبات إلا على قدر صدقه في السير إلى الله، وأعظم الخسارة أن تنقضي الحياة قبل أن يبلغ الإنسان المقام الذي خُلق ليسعى إليه. | 914 |
| 9 | لا يمكن أن يكون الطريق إلى الله تابعًا لأهوائنا، ولا السير إليه قائمًا على تقلبات مزاج العبد؛ ولو كانت العبودية تُبنى على ما تشتهيه النفوس، لما كان للصبر معنى، ولا للمجاهدة منزلة، ولا للاستقامة ثمن. وإنما سُمِّي التكليف تكليفًا لأنه يحمل النفس حملاً على ما ينفعها، وإن خالف ما تميل إليه.
اليأس في التزكية من أعظم ما يعطل سير العبد إلى الله. وما دام في القلب نبض، فباب التوبة مفتوح، وباب المجاهدة مفتوح، وباب الإصلاح مفتوح. والله لا يطلب منك أن تبلغ الكمال، وإنما يطلب منك أن تواصل السعي إليه، وأن تصدق في المجاهدة، ولو كثرت عثراتك.
فليس لك أن تترك تزكية نفسك لأنك يئست منها؛ وليس لك أن تترك واجبًا أو تتخلى عن ثغرٍ أقامك الله فيه، لأن المشقة اشتدت، أو لأن الطريق طال، أو لأنك لم تر ثمرة تعبك، فالنفوس تمل، والأبدان تضعف، والهمم تفتر، لكن أهل الصدق يجعلون الحق قائدهم، سواء وافق أهواءهم أم خالفها.
لا بد أن تأتيك لحظات تشعر فيها أن أعباء الحياة أثقل من أن تُحمل، وأن الناس سبقوك إلى متاع الدنيا بينما أنت تزداد فقرًا وتعبًا، وههنا عليك أن تتذكر أن الطريق الذي تمشيه ليس طريقًا ينتهي إلى راحة مؤقتة، وإنما إلى نعيم لا ينقطع. وكل خطوة تخطوها اليوم، وكل شهوة تكفها، وكل دمعة تصبر عليها، وكل مجاهدة تخفيها عن أعين الناس، هي مما يدخره الله لك يوم تلقاه.
تشبث يا أخي وأختي بالطريق، وعض عليه بالنواجذ، ولا تجعل هوى عابرًا، أو فتورًا مؤقتًا، أو محنةً طارئة، يقطع بينك وبين الغاية التي خُلقت لها. فإن المقابل جنة عرضها السماوات والأرض، ودرجاتٌ يتفاوت فيها أهلها بقدر ما صبروا، وجاهدوا، وثبتوا.
ومن عرف عظم المقصود، هان عليه طول الطريق، وصغر في عينه كل ما يبذله في سبيل الوصول إليه. | 942 |
| 10 | من أعجب ما يكشفه القرآن عن النفس الإنسانية أنها، مهما ابتعدت، تعرف طريق ربها حين تضيق بها السبل. فإذا انقطعت الأسباب، وسقطت أوهام القوة، وتهاوت كل وسائل النجاة، لم يبق في القلب إلا التوجه إلى الله. ولذلك قال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
ولهذا قال الإمام الشوكاني رحمه الله: "هذا دليل على أن الخلق جُبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد." فالإيمان بالله ليس فكرةً يبتدعها الإنسان عند ضعفه، وإنما هو فطرة كامنة تظهر بجلاء عندما تنكشف الحجب، وتسقط دعاوى الاستغناء. ففي الرخاء قد تخدع الإنسان كثرة الأسباب، أما في الشدة فلا يرى إلا مسبب الأسباب.
إن العبودية الصادقة تتمثل في أن نبقى على هذا الافتقار بعد انكشافه. ولهذا ذم القرآن من يعود إلى الغفلة إذا نجا، فقال سبحانه: ﴿فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق﴾. فكأن المحنة أعادتهم إلى فطرتهم، ثم أعادتهم العافية إلى غفلتهم.
والمؤمن لا ينتظر الشدة حتى يعرف ربه، بل يجعل أيام الرخاء امتدادًا لأيام الافتقار، فيدعوه وهو آمن كما يدعوه وهو خائف، ويشكره وهو معافى كما يحمده وهو مبتلى. فالشأن الصحيح أن لا ترى لك ملجأً سواه، في الرخاء قبل الشدة، وفي العافية قبل البلاء. فذلك هو كمال التوحيد، وصدق العبودية، وثبات القلب على الفطرة التي فطر الله الناس عليها. | 1 073 |
| 11 | يوم الجمعة، يوم تتنزّل فيه الرحمات، وتُرجى فيه ساعة الإجابة، ويجتمع فيه المؤمنون على أعظم شعائر الإسلام.
يحسن في هذا اليوم بكل مسلم ومسلمة أن يتذكر أعظم حقيقة في وجوده، وأشرف وصفٍ ينال به الكرامة عند الله: أنه عبد الله، وأنها أمةٌ لله قبل أن تكون ابنا أو ابنة، أو زوجا أو زوجة، أو أمًّا أو أبا، أو صاحب منصبٍ أو نجاح.
أتمنى ألا يضمحل عند كل مسلم ذلك الدور النوراني الذي يستمد منه القيمة الحقيقية، فلا يجعل ميزانه نظرة الناس إليه، ولا كثرة الإنجازات الدنيوية، ولا ما يملكه أو يفقده، بل أن يكون أعظم ما يعتز به عبوديته لرب العالمين، اصطفانا لنعرفه، ونعبده، ونسير إليه.
يوم الجمعة فرصة متجددة لتجديد هذا العهد؛ ففيه يكثر الذكر، والصلاة على النبي ﷺ، والدعاء، وتلاوة القرآن، والوقوف بين يدي الله بقلبٍ حاضر، وكأن الله يدعو عباده كل أسبوع ليجددوا معنى العبودية في نفوسهم، ويستعيدوا بوصلتهم إلى الغاية التي خُلقوا لها.
لا تفقد أخي المسلم فرصة الوصول إلى منزلةٍ تُذكر فيها في الملكوت الأعلى، فإن أشرف ما يرفع العبد عند الله ما يراه الله في قلبه من إخلاص، وصدق، وخضوع، وإقبال. وأعظم الأدوار جميعًا، الذي يمنح سائر الأدوار معناها وبركتها، وهو تحقيق العبودية لله؛ فهذه هي المكانة التي لا تزول، والكرامة التي لا تنقطع، والهوية التي تبقى حين يفنى كل شيء إلا وجه الله. | 1 027 |
| 12 | لا تجعل صلاح الكلام دليلًا على كمال صاحبه، ولا تجعل زلته سببًا لردِّ كل ما عنده. فالناس ليسوا ملائكةً يُقتدى بهم في كل شيء، ولا شياطين يُطرح عنهم كل شيء، وإنما هم بشرٌ يخطئون ويصيبون، ويجاهدون أنفسهم كما تجاهد نفسك.
خذ الحكمة حيث وجدتها، فإن الحكمة قد تخرج من قلبٍ ما زال يصارع هواه، وقد ينطق المرء بالحق وهو أول المحتاجين إليه. وليس هذا نفاقًا بالضرورة، بل قد يكون من أعظم صور محاسبة النفس؛ إذ يذكِّر غيره بما يرجو أن يبلغه هو قبل غيره.
لا تُفتِّش في بواطن الناس لتبحث عن التناقض بين أقوالهم وأحوالهم، فإنك لن تجد أحدًا يسلم من التقصير، ولو كشف الله للناس خفايا نفوسهم، لما بقي لأحدٍ عند أحدٍ منزلة. وإنما ستر الله عباده رحمةً بهم، وأمرهم أن يتعاونوا على البر، لا أن يتتبع بعضهم عثرات بعض.
إن سمعت كلمةً تهديك إلى الله، فاشكر الله عليها، ولا تجعل أول همك أن تسأل: هل عمل قائلها بها؟ لأن الحق لا يفقد حقانيته بتقصير قائله، كما أن الباطل لا يصير حقًّا بصلاح صاحبه. والموفَّق من انتفع بالموعظة، ودعا لقائلها بالثبات، بدل أن ينشغل بهدم صورته في القلوب.
واذكر دائمًا أنك كما تحب أن يُؤخذ من كلامك أحسنه، وأن يُستر من حالك أسوأه، فكذلك الناس. فاقبل منهم ما وافق الحق، واستر ما علمت من زلاتهم، وأحسن الظن بمجاهدتهم، فإن من تتبع عيوب الخلق شُغل عن إصلاح نفسه، ومن اشتغل بقلبه، ضاق وقته عن الخوض في قلوب الآخرين. | 1 138 |
| 13 | من أعظم الأذكار التي يختم بها المسلم صلاته قوله ﷺ: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام».
وهو ذكر قصير في ألفاظه، عظيم في معانيه، حتى إن التأمل فيه يفتح أبوابًا واسعة من معرفة الله، وتعظيمه، وتحقيق العبودية له.
وأول ما يلفت النظر أن الذكر يبدأ بقوله: «اللهم»، وهي كلمة دعاء، ثم لا يأتي بعدها طلب من مطالب الدنيا أو الآخرة، وإنما يأتي الثناء المحض: «أنت السلام». وكأن من أعظم الدعاء أن يبدأ العبد بتمجيد ربه، فإن الثناء على الله في نفسه عبادة، بل هو من أحب ما يتقرب به إليه. ولهذا افتتح الله أعظم سور القرآن بالحمد والثناء قبل السؤال: ﴿الحمد لله رب العالمين...﴾، ثم جاء الطلب بعد ذلك: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾.
ثم يقول: «أنت السلام»، أي أنك سبحانه السالم من كل نقص وعيب وآفة، الكامل في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله. فلا يلحق علمه جهل، ولا حكمه ظلم، ولا وعده خلف، ولا خبره كذب، ولا قضاؤه عبث. وكل كمال في الوجود فمن آثار كماله، وكل سلامة فمن فيض سلامه.
ولهذا جاء بعدها: «ومنك السلام»، لأن كل سلامة ينعم بها الخلق إنما هي منه سبحانه؛ سلامة الأبدان، وسلامة الأوطان، وسلامة الإيمان، وسلامة القلوب، وسلامة العاقبة. فلا يملك أحد أن يمنح سلامًا حقيقيًا إلا الله، ولذلك كان أهل الجنة إذا دخلوها سمعوا: ﴿سلامٌ قولًا من ربٍّ رحيم﴾، وكانت تحيتهم فيها: ﴿سلامٌ عليكم بما صبرتم﴾، لأن السلام يبدأ منه سبحانه وينتهي إليه.
هنا تتجلى مناسبة هذا الذكر بعد الصلاة. فالمصلي خرج لتوه من عبادة بدنية، لكنه يعلم يقينًا أن صلاته لم تبلغ الكمال الذي يليق بجلال الله؛ فقد شرد قلبه، أو غفل، أو قصر في الخشوع، أو وقع منه نقص لا يشعر به. فيأتي بعد السلام من الصلاة مستغفرًا أولًا، ثم مثنيًا على الله باسمه السلام، كأنه يقر بأن الله وحده الكامل، وأن عبادته مهما اجتهد فيها تبقى محتاجة إلى قبول الله وعفوه. فهو لا يعتمد على عمله، وإنما يعتمد على رحمة ربه وكماله.
وليس اسم السلام متعلقًا بالأعمال الظاهرة فحسب، بل هو من أعظم ما يصلح أعمال القلوب. فالقلوب لا يفسدها شيء أكثر من الشرك الخفي، والرياء، والعجب، والتعلق بالمخلوق، وسوء الظن بالله، والغفلة عنه. فإذا أكثر العبد من استحضار هذا الاسم، تعلق قلبه بمصدر السلامة كلها، وسأل الله أن يسلمه من هذه الآفات قبل أن يسلمه من مصائب الدنيا. ولهذا كان أعظم ما وصف الله به أولياءه يوم القيامة أنهم جاءوا ﴿بقلب سليم﴾، ولم يقل: بقلب سعيد أو مطمئن، لأن سلامة القلب هي الأصل الذي تنبني عليه سائر المقامات.
ثم يختم الذكر بقوله: «تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، وفي هذا جمع بين جناحي العبودية. فـالجلال هو عظمة الله وكبرياؤه وهيبته وكمال سلطانه، وهو ما يورث القلب التعظيم والخوف والإجلال. أما الإكرام فهو إحسانه وجوده ورحمته وفضله وإنعامه على عباده، وهو ما يورث القلب المحبة والرجاء. فلا يعبد الله بالخوف وحده، ولا بالرجاء وحده، وإنما يعبد بإجلال جلاله، والطمع في إكرامه.
فإذا قال المؤمن هذا الذكر حاضر القلب، خرج من صلاته وهو يحمل تصورًا جديدًا عن ربه؛ ربٌّ كامل لا نقص فيه، وكل خير منه، وكل سلامة بيده، وهو مع جلاله وعظمته أكرم الأكرمين. وحين يستقر هذا المعنى في القلب، يصبح التوحيد أعمق، والافتقار إلى الله أكمل، والثقة به أعظم، ويغدو هذا الذكر مدرسةً يوميةً يتربى فيها القلب خمس مرات، حتى يتعلم أن السلام الحقيقي ليس في خلو الحياة من الابتلاء، وإنما في أن يكون القلب موصولًا بربه السلام. | 1 085 |
| 14 | أبطال الإسلام | سلمة بن الأكوع بطل غزوة الغابة والعدّاء الذي لا يُسبَق
في الحلقة العاشرة من سلسلة "أبطال الإسلام" نكتشف قصة الصحابي الجليل سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، ونتعرف على موهبته النادرة في الجري، ومهارته في الرمي، وبطولاته المذهلة في غزوة الغابة، وثناء رسول الله ﷺ عليه وإعجابه بقدراته النادرة.
كتاب "أبطال الإسلام" مناسب لكل أفراد الأسرة، ويمكن تقديم الكتاب وسلسلة الحلقات للأطفال في المدارس والمحاضن التربوية.
رابط تحميل الكتاب مجانا من موقعنا: https://bit.ly/Abtal_A...
نعتمد على تفاعلكم في الإعجاب والتعليق والمشاركة كي نحقق معًا رسالتنا في رفع الوعي ونشر المعرفة.
للمتابعين في كندا: يمكنكم شراء هدايا رمزية تحمل شعار السبيل وكذلك شراء إصداراتنا من الكتب للكبار والصغار من متجر السنابل: https://alsanabel.net
==========================
https://youtu.be/JgnSctbh8Tw?si=xsbe1bKeRUTtu7jt | 999 |
| 15 | كلُّ ما يمرّ بنا يعلمنا أنَّه لا شيء يدوم، وأنَّ البقاءَ للهِ وحدَه، وأنَّنا إليه راجعون، فالعمر ليس سلسلةً من الأحداث المتفرقة، وإنما مدرسة واحدة تتكرر فيها الدروس بأشكال مختلفة.
مرةً يعلمنا الدهر الفقد، وأن ما تعلقت به لم يكن خُلِق للبقاء، ومرةً يعلمنا تغير الأحوال وأن الثبات الذي نبحث عنه لن نجده في الدنيا، ومرةً يكشف لنا رحيل الأشخاص، وانقضاء الأعمار، وتبدل القلوب، طأن هذه الحياة بطبيعتها لا تعرف السكون، وأنها لا تمنح أحدًا عهدًا بالبقاء.
ومع الأيام ندرك أن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس ذهاب الأشياء، بل ظنه أنها ستبقى. فإذا بنى قلبه على هذا الوهم، صار كل تغير عنده مصيبة، وكل فقد نهاية، وكل رحيل انكسارًا لا يلتئم. أما إذا أيقن أن الله وحده هو الباقي، وأن كل ما سواه عارية مستردة، استقبل الأقدار بقلب أكثر سكينة، لا لأنه لا يحزن، ولكن لأنه يعرف أن سنة الله في خلقه جارية، وأن ما عند الناس ينفد، وما عند الله باق.
يردّ القرآن في كل موطن إلى هذه الحقيقة الكبرى: ﴿كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾، ويذكره بأن كل محبوب إلى زوال، وكل نعمة إلى تحول، وكل اجتماع إلى افتراق، إلا ما كان موصولًا بالله، فإنه لا ينقطع بانقطاع الدنيا، ولا يزول بزوال أهلها. ولهذا لم يكن قول المؤمن: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ خاصًا بالمصائب، بل هو إعلان دائم عن حقيقة الوجود؛ أننا خرجنا من عند الله، ونعيش بفضله، وسنعود إليه، وأن رحلتنا كلها ليست إلا طريقًا إلى لقائه؛ حتى يرى في تعاقب الأيام تربيةً إلهيةً تخلع من قلبه أوهام الخلود، فإذا جاء يوم الرجوع، لم يكن غريبًا عن وجهته، بل عائدًا إلى الموطن الذي كانت روحه تشتاق إليه منذ البداية. | 1 168 |
| 16 | كلما اهتزت الأرض تحت أقدام الناس، واستيقظت المدن على رجفة لم تكن في الحسبان، تذكر المؤمن أن أعظم زلزال لم يقع بعد. فما نشهده في الدنيا، على شدته وهوله، ليس إلا آية من آيات الله، وتذكيرًا بيوم ترجف فيه الأرض رجفتها الأخيرة، لتعلن انتهاء عالم بأسره، وابتداء عالم آخر لا موت فيه ولا رجعة.
زلازل الدنيا، مهما بلغت قوتها، تبقى رجفة في جسد الأرض، تصيب بقعة وتدع أخرى، وتنتهي بعد دقائق أو ساعات، ثم يبدأ الناس في ترميم ما تهدم، ودفن موتاهم، واستئناف حياتهم. أما الزلزلة التي أخبر الله عنها، فهي ليست حادثًا جيولوجيًا، بل حدث كوني تتغير فيه قوانين الوجود كلها. إنها اللحظة التي تنتهي فيها دار العمل، وتبدأ دار الجزاء، وتنكشف فيها الحقائق التي طالما غطتها الغفلة، ويقف الإنسان أمام سجل عمره لا يملك أن يزيد فيه حسنة، ولا أن يمحو منه سيئة.
افتتح الله سورة الزلزلة بقوله: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾، فأضاف الزلزال إليها، إشارة إلى الزلزلة التي كُتبت لها وحدها، والتي لا تشبه ما عرفه البشر من قبل. ثم قال: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾، وكأن الأرض التي حملت أسرار الناس آلاف السنين، وأخفت آثار أعمالهم، قد أُمرت أن تلقي كل ما استودع فيها، فلا يبقى سر مكتوم، ولا أثر مدفون، ولا حق ضائع. ثم يبلغ الذهول بالإنسان منتهاه فيقول: ﴿ما لها﴾، لأنه يرى كونًا لم يألفه، وأرضًا لم يعد يعرفها، ونظامًا قد تبدلت قوانينه كلها.
وفي ذلك اليوم لا تكون الشهادة من الناس وحدهم، بل من الأرض نفسها: ﴿يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها﴾. الأرض التي مشى عليها الإنسان، وصلّى فوقها، وعصى الله عليها، وظن أن خطواته قد ذهبت مع الزمن، تصبح شاهدة على كل حركة، وكل كلمة، وكل عمل. ولذلك كان خوف الصالحين من الذنوب ليقينهم بأنها لا تخفى على الله، وأن الأرض التي حملتهم يومًا ستشهد عليهم يومًا آخر.
إن استحضار زلزلة الآخرة لا يراد به بث الرعب في النفوس، وإنما إيقاظها من وهم الدوام. فالإنسان يعتاد الدنيا حتى يظن أن نظامها ثابت، وأن الأيام ستظل تسير كما عرفها، فإذا جاءت آية من آيات الله، كزلزال أو فيضان أو عاصفة، تذكر أن هذا الكون كله ليس إلا مرحلة مؤقتة، وأن الثبات الحقيقي لوعد الله. ومن عقل هذه الحقيقة لم يجعل قلبه متعلقًا بعالم كتب الله عليه الزوال، بل عمل لعالم لا يعرف الانتهاء.
كل زلزال في الدنيا رسالة قبل أن يكون خبرًا، وعظة قبل أن يكون حدثًا، يذكر الإنسان بأن الزلزلة الكبرى لم تبدأ بعد، وأن أعظم ما ينبغي الاستعداد له ليس رجفة تهز الأرض، وإنما ذلك اليوم الذي تهتز فيه القلوب قبل الجبال، وتوضع الموازين، وتنكشف السرائر، ويقال للإنسان: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾. هناك لا ينفع الندم، ولا تؤجل التوبة، ولا يستعاد ما ضاع من العمر، وإنما يحصد كل امرئ ما زرع، ويجد بين يديه ما قدمه لنفسه، كاملًا غير منقوص. | 1 186 |
| 17 | ثمة ابتلاءات يومية يتعرض لها الإنسان، سواء كانت ابتلاءات عطاءأو منع، ولا يمكن القول إنها محض عقوبة، سواء الفقد أو العطاء، فهناك ابتلاءات لا يراد بها إيلام العبد، وإنما تنبيه العبد إلى ضرورة تخليص قلبه مما ينافس محبة الله فيه.
ومن هنا تأتي الكلمة البليغة لابن الجوزي رحمه الله: "الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل له شيئًا يأنس به، فهو يكدر عليه الدنيا وأهلها، ليكون أنسه به."
ولا أجد في هذا المعنى دعوة إلى كراهية الدنيا أو الانقطاع عن الناس، وإنما دعوة للمرء لتربية للقلب على ألا يجعل سكينته المطلقة معلقة بمخلوق أو عطاء زائل. فالإنسان بطبعه يأنس، ويحب، ويتعلق، وهذه فطرة أودعها الله فيه، لكن الخلل يبدأ حين يتحول التعلق إلى اعتماد على غير الله، والمحبة إلى استغناء عن الله، والوسائل إلى غايات تبعد المرء عن الغاية من وجوده. عندها قد ينزع الله من الشيء بعض لذته، أو يكشف للعبد هشاشته، أو يذيقه مرارة التعلق به، ليحرره من عبوديته له.
على المؤمن أن يرى أقدار الله بعين مختلفة عن عين المادة؛ فقد يغلق الله بابًا لأن القلب أوشك أن يقيم عنده، ويؤخر أمنية لأن النفس بدأت تظن أن سعادتها لا تكون إلا بها، ويكشف حقيقة بعض الناس بعد أن كانوا موضع ثقة، حتى لا يبقى في القلب ركن يأوي إليه أكثر من ركنه إلى الله. إن المؤمن يحب أهله وأصحابه وعمله، ولكن عليه أن يحب ذلك جميعًا في الله، ويعلم أن بقاءهم نعمة، وفقدهم قدر، وأن المنعم أولى بالمحبة من النعمة، وأعظم الأنس هو ما لا يزول بزوال الأسباب. فمن أنس بالله وجد في ذكره سكينة لا يمنحها بشر، وفي مناجاته عزاء لا تعوضه الدنيا، وفي القرب منه غنىً يغنيه عن لهاث القلب خلف ما يتغير ويفنى. وكل أنس بغير الله يبقى عرضة للنقص، لأن كل ما سوى الله قابل للتغير، أما الأنس بالله فهو وحده الذي يزداد مع الأيام صفاءً وثباتًا.
إذا رأيت الله ينزع من قلبك تعلُّقًا، أو يكشف لك حقيقة شيء كنت تظنه مصدر سعادتك، فلا تعجل بالحكم على القدر. فقد يكون ذلك من ألطاف الله الخفية، يردك بها إلى الباب الذي لا يغلق، ويقودك إلى الأنس الذي لا ينقطع، ويعلمك أن القلب الذي خُلق لمعرفة الله لا يطمئن اطمئنانه الكامل إلا بالله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. ففي هذه الطمأنينة يستقر القلب، لأنه وجد رب الدنيا. | 1 122 |
| 18 | ذكر الحديث القدسي أوسع أبواب الرجاء: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني». فكأن الله يفتح لعبده بابًا لا يغلقه شيء؛ فمن أحسن الظن بربه، وانتظر فضله، ولزم ذكره، لم يكن وحده في مواجهة الحياة، بل كان في معية من بيده السموات والأرض، ومن إذا تولى عبدًا، كفاه.
من أعظم ما يهب الله لعبده أن يعرّفه به قبل أن يعرّفه بالدنيا. فمعرفة الله ليست علمًا يضاف إلى العلوم، بل هي السكينة التي إذا دخلت القلب هان عليه ما أقلقه، واتسع صدره لما ضاق به، وأبصر في الأقدار رحمةً حيث كان يرى أسباب الخوف.
إن الذكر ههنا مقام يخرج القلب من ضيق الاعتماد على الأسباب إلى سعة الثقة برب الأسباب. وكلما أكثر العبد من ذكر الله، خفت وطأة الدنيا على قلبه، لا لأن البلاء انقطع، ولكن لأن القلب امتلأ بمن هو أكبر من البلاء.
ومن دقائق لطف الله بعباده أنه إذا أراد أن يعطيهم، فتح لهم أولًا باب السؤال. فما ألقى في قلب عبدٍ رجاءً صادقًا، ولا ألهمه دعاءً ملحًا، ولا علق قلبه ببابه، إلا وفي ذلك بشارة بأن الله يريد به خيرًا. ولهذا قال بعض أهل المعرفة.
فإذا وجدت قلبك يفر إلى الله كلما ضاقت بك الدنيا، فلا تنظر إلى ذلك على أنه مجرد دعاء، بل انظر إليه على أنه اصطفاء ورحمة؛ فإن الذي دعاك إلى بابه، وأجراك على لسان الرجاء، أكرم من أن يرد قلبًا عرف طريقه إليه، وأعظم جودًا من أن يعلّم عبده السؤال ثم يحرمه فضل الجواب. | 1 392 |
| 19 | لا تنس مشاهدك اليومية أمام نفسك وربك وخلقه.. فإن من أشق ما يمر بالإنسان أن ينزل به أمر لم يختره، أو بلاء كان يتمنى ألا يراه. وفي مثل هذه اللحظات ينشغل كثير من الناس بالسؤال: لماذا حدث هذا؟
يوجه ابن القيم رحمه الله -في هذه الحال- القلب إلى سؤال آخر أكثر هداية: كيف أنظر إلى ما حدث؟ لأن طريقة النظر إلى البلاء قد تكون سببًا في السكينة، كما قد تكون سببًا في ازدياد الألم.
وهنا يذكر ستة مشاهد يعيشها المؤمن مع الأقدار، ليهديه إلى المعنى الذي يحفظ قلبه من الاعتراض واليأس.
أولها مشهد التوحيد؛ وهو أن يستقر في القلب أن ما وقع لم يكن ليقع خارج مشيئة الله، وأن الأمر كله بيده سبحانه، لا ينازعه فيه أحد. فإذا أيقن العبد بذلك، انقطع قلبه عن التعلق بالأسباب وحدها، وعاد إلى مسبب الأسباب.
ثم يأتي مشهد العدل، فيوقن أن الله لا يقضي ظلمًا، ولا يجري في ملكه إلا ما هو قائم على كمال عدله، وإن خفي وجه ذلك على العبد. فقصور العلم لا دليل فيه على غياب الحكمة، وإنما هو دليل على محدودية نظر الإنسان فيما جرى ويجري وسيجري.
ويعقب ذلك مشهد الرحمة، وهو من ألطف هذه المشاهد. فكم من بلاء كان في ظاهره ألمًا خالصًا، ثم انكشف مع الأيام أنه صرف عن صاحبه ما هو أعظم، أو قاده إلى توبة، أو أعاده إلى باب ربه بعد غفلة. ولذلك قد تخفى الرحمة في أول الطريق، لكنها لا تغيب عن تدبير الله.
ثم يرتقي بنا إلى مشهد الحكمة، فيعلم أن أفعال الله منزهة عن العبث، وأن كل ما يقدره يجري وفق علم محيط وحكمة بالغة، سواء أدركها العبد أم بقيت غائبة عنه. وليس من شرط الإيمان أن يعرف العبد الحكمة كلها، وإنما أن يوقن بأن لله فيها حكمة بالغة.
ويأتي بعد ذلك مشهد الحمد، وهو من أرفع المقامات؛ فما أجمل أن يحمد العبد ربه لأنه يعرفه، ويوقن أن الحمد له في السراء والضراء، وفي العطاء والمنع، وأن اختيار الله لعبده خير من اختيار العبد لنفسه.
أما المشهد الأخير فهو مشهد العبودية؛ وهو ثمرة ما قبله كله، وخلاصته أن يعلم الإنسان أنه عبد لله، يجري عليه حكم مولاه في القدر كما يجري عليه حكمه في الشرع، فيتلقى أوامر الله بالطاعة، وأقداره بالصبر والرضا، ويظل قلبه متعلقًا بربه في الحالين جميعًا.
وهذه المشاهد معانٍ يُربَّى عليها القلب منذ نعومة أظفار الإنسان؛ حتى إذا جاءت الأقدار وجد في الإيمان ما يحمله، وفي معرفة الله ما يطمئنه، وفي حسن الظن بربه ما يمنعه من السقوط في اليأس أو الاعتراض. وكلما ازداد العبد معرفةً بأسماء الله وصفاته، صار أثبت عند البلاء، وأقرب إلى السكينة؛ لأن القلب إذا عرف ربه، هان عليه ما يجري به قضاء ربه. | 1 254 |
| 20 | أتدري؟ لعل أكثر ما يُتعب الإنسان هو ما يحمله مما لم يُكلَّف بحمله. فمنذ أن يفتح عينيه كل صباح، تراه مهمومًا بتدبير غده، وحساب احتمالاته، وبناء السيناريوهات، وكأن مفاتيح الغيب قد وُضعت في يده، أو أن دوران هذا الكون متوقف على حسن تقديره. ثم يثقل صدره، ويضيق قلبه، ويتساءل: لِمَ لا أجد الطمأنينة في هذه الحياة؟
تولد الطمأنينة من التدبير؛ وهو ما لا ننكره بالمجمل؛ وأهم من ذلك اليقين بأن التصريف بيد من عنده التدبير.
فمن أخرجك من العدم إلى الوجود، وصورك فأحسن صورتك، وأجرى عليك رزقك قبل أن تعرف كيف تطلبه، لم يتركك نهبًا للمصادفات. والذي تكفل بأمسك، حتى عبرت أيامًا كنت تظن أنك لن تتجاوزها، هو سبحانه الذي يتولى غدك كما تولى أمسك. فالزمان يتغير، أما المدبر فلا يتغير.
ومن أعجب أوهام النفس أنها تريد أن تحمل ما لم يضعه الله على عاتقها. تريد أن تعرف الغيب قبل أوانه، وأن تؤمن مستقبلها بنفسها، وأن تضمن النتائج قبل أن تخطو إليها. فإذا عجزت عن ذلك، وهو أمر لا بد منه، امتلأت همًّا وقلقًا، مع أن الله لم يطلب منها إلا السعي، وأبقى التدبير لنفسه.
ولو عرف الإنسان قدر نفسه، لاستراح. فهو عبد ضعيف، محدود العلم، قصير النظر، ربما يرى من الطريق أوله، أو لا يراه اصلا، واليقين أنه لا يرى آخره، بينما ربه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. فكيف يطمئن قلبٌ جعل زمام أمره بين يدي الحكيم الخبير، وكيف يضطرب إلا إذا نازع ربه شيئًا من خصائص ربوبيته؟
دع عنك ما ليس إليك، وخذ بما أمرك الله به. اعمل، واسع، وأحسن الأخذ بالأسباب، ثم سلِّم الأمر لمن بيده الأمر كله. فما أثقل الحياة على من يظن أنه يدبرها وحده، وما أطيبها على من أيقن أن له ربًّا لا يغفل، ولا ينسى، ولا يكل عبده إلى نفسه طرفة عين. | 1 117 |
