صفي الدين
رفتن به کانال در Telegram
قناة شخصية أشارك فيها قراءاتي حول الأحداث المهمة مع محاولة تقليل الضجيج الإخباري الى جانب الاهتمام بأرشفة فصائل وشخصيات المقاومة في العراق.
نمایش بیشتر8 141
مشترکین
-524 ساعت
+187 روز
+6530 روز
آرشیو پست ها
8 143
يحمل تقرير رويترز الأخير بشأن إنشاء الحرس الثوري خلايا عملياتية سرية داخل العراق لتنفيذ هجمات ضد المصالح الأمريكية وحلفائها في الخليج دلالات تتجاوز مجرد توصيف أمني عابر. فالتقرير يتحدث عن بنية عمل موازية لمنظومة الفصائل المعروفة صممت خصيصاً لتقليل البصمة الاستخبارية وتوفير هامش إنكار أكبر للجهات الراعية لها. ووفقاً للمعلومات الواردة تتكون هذه الشبكة من ثلاث الى أربع خلايا يضم كل منها نحو عشرة عناصر من المقاتلين العراقيين ذوي الخبرة العالية وقد نُسب إليها تنفيذ ما لا يقل عن سبع هجمات بالطائرات المسيرة بين ٢٠ نيسان و١٧ أيار استهدفت مواقع في الكويت والسعودية والإمارات انطلاقاً من مناطق صحراوية قرب البصرة والسماوة. كذلك يذكر التقرير الى أن بعض أفراد هذه الخلايا يرتبطون تنظيمياً بالمقاومة الإسلامية في العراق إلا أن آلية عملهم تتم بصورة منفصلة عن الهياكل التقليدية للفصائل. كما تحدث عن ظهور تشكيلات تحمل أسماء غير مألوفة نسبياً تبنت بعض تلك العمليات. وهذه الجزئية تحديداً تمنح التقرير قدراً من المصداقية لكنها تتطلب قراءة أكثر دقة إذ إن ما ظهر على الأرض لم يكن بالضرورة جماعات جديدة بقدر ما كان إعادة تدوير لأسماء وواجهات عملياتية جديدة لجماعات قائمة بالفعل.
بعد يوم واحد فقط من وقف إطلاق النار وتحديداً في ٩ نيسان تعرضت الكويت لهجوم بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي العراقية. وفي اليوم التالي ظهرت جماعة تحمل اسم “أبو هاشم العراقي” لتتبنى العملية. ويبدو أن هذا المثال ينسجم مع ما أورده تقرير رويترز حول استخدام مسميات جديدة لتغطية نشاط شبكات قائمة. وبالنظر الى سياق العملية ودوافعها يرجح أن تكون هذه المجموعة مرتبطة بكتائب حزب الله خصوصاً أن الهجوم جاء عقب استشهاد ثلاثة من عناصر الكتائب في البصرة. أما الهجمات التي استهدفت الإمارات والسعودية فهي على الأرجح تلك التي طالت محطة براكة النووية الإماراتية في ١٧ أيار إضافة الى الهجوم المتزامن بثلاث طائرات مسيرة ضد أهداف داخل السعودية في اليوم نفسه وهي عمليات أكدت الدول المستهدفة أن مساراتها انطلقت من الأراضي العراقية وكانت ألوية الوعد الحق التي تعد إحدى الواجهات الإعلامية والعملياتية للفصائل قد هددت قبل الهجوم وتحديداً يوم ١١ مارس باستهداف محطة براكة النووية الإماراتية.
تشير المعطيات الى أن فكرة إنشاء هذه الخلايا لم تكن وليدة الحرب الأخيرة بل تعود جذورها الى مرحلة سابقة. غير أن نقطة التحول الحاسمة جاءت مع اندلاع الحرب وما أعقب استشهاد السيد علي خامنئي حيث تدفقت الدفعة الأولى من ضباط قوة القدس الى العراق. ومع بداية الحرب بدأت فصائل المقاومة العراقية بتوسيع نطاق عملياتها بصورة لافتة إذ أعلنت في بيان صادر بتاريخ ٢٨ شباط تنفيذ ست عشرة عملية باستخدام عشرات الطائرات المسيرة داخل العراق وخارجه وذلك بعد ساعات من إعلان استشهاد السيد الخامنئي. وكانت لدى بعض المؤسسات الأمنية العراقية معلومات عن انتشار عدد من الضباط الإيرانيين في منازل آمنة داخل بغداد والنجف وديالى والبصرة. وقد تعرض أحد هذه المواقع في منطقة الجادرية ببغداد للاستهداف وأسفر الهجوم عن استشهاد المستشار الإيراني المعروف بالحاج عبد الله. ومنذ تلك الحادثة دخلت العلاقة بين الفصائل وجهاز المخابرات مرحلة من التوتر غير المسبوق وتحولت الاتهامات التي كانت تتداول في الغرف المغلقة الى اتهامات علنية ومباشرة ضد عدد من ضباط الجهاز.
وفي تقديري فإن هذا السياق لا يمكن فصله عن المعلومات التي ذكرها تقرير رويترز. فطبيعة التفاصيل الواردة في التقرير وتركيزها على البنية التنظيمية وأماكن النشاط توحي بأن مصدرها يرتبط بشكل أو بآخر بملف الصراع الذي نشأ عقب استهداف أحد مواقع الضباط الإيرانيين وبشبكة الاتهامات المتبادلة التي أعقبت تلك الأحداث…
8 143
شكل الكمين العظيم الذي نفذه حزب الله مساء أمس في مرتفعات علي الطاهر في النبطية إحدى أكثر العمليات تعقيداً على الجبهة اللبنانية. فبحسب المعطيات المتداولة نجحت القوة المنفذة في استدراج وحدة إسرائيلية متقدمة الى منطقة مهيأة مسبقاً للقتال قبل أن تبادر الى استهدافها بنيران دقيقة أدت الى إعطاب ثلاث دبابات ميركافا ومقتل أربعة جنود إسرائيليين من بينهم قائد كتيبة.
وتكتسب خسارة قائد الكتيبة دلالة تتجاوز بعدها التكتيكي المباشر. فوفق ما أوردته منصات وصحف عبرية كان الضابط قد تولى منصبه قبل نحو شهرين فقط خلفاً لقائد أُصيب خلال العمليات السابقة. ويعزز هذا المعطى الانطباع المتنامي داخل الأوساط العسكرية الإسرائيلية بأن حزب الله لا يكتفي باستنزاف القوات المتقدمة بل يعمل بصورة منهجية على استهداف المفاصل القيادية الميدانية داخل الكتائب والألوية بما يضاعف من التأثير العملياتي والنفسي للخسائر.
ولم يكن نجاح الكمين نتاجاً لطبيعة الأرض الجبلية الوعرة فحسب بل جاء أيضاً نتيجة تراكم طويل من التحصينات والبنى التحتية العسكرية التي بناها الحزب في المنطقة على مدى سنوات. وتشير تقارير إسرائيلية الى أن مرتفعات علي الطاهر تضم شبكة أنفاق ومنشآت تحت الأرض بينها نفق يقدر طوله بنحو كيلومتر واحد يحتوي على مرافق قيادة وتحكم ومستودعات للأسلحة وربما منصات إطلاق صاروخية. ورغم تعرض المنطقة لسلسلة غارات جوية مكثفة خلال السنوات الماضية فإن محدودية قدرة الذخائر الإسرائيلية على اختراق التحصينات العميقة أسهمت في الحفاظ على فاعلية هذه المنشآت.
وتفيد صور الأقمار الصناعية وتقارير المتابعة بأن أعمال تطوير وتوسعة استمرت في الموقع خلال الأعوام الأخيرة فيما تتحدث تقارير لبنانية غير مؤكدة عن ارتباطه بمنشأة “عماد ٤”. وبغض النظر عن دقة هذه الروايات فإن الوقائع الميدانية تؤكد أن الموقع يمثل أحد أهم العقد الدفاعية التي يتمسك بها حزب الله في القطاع الجنوبي. ومن اللافت أن محاولات الاقتراب من المنطقة لم تتوقف حتى خلال فترات التهدئة ووقف إطلاق النار إذ تشير مصادر إسرائيلية الى استمرار محاولات التقدم والاستطلاع بصورة شبه يومية. غير أن هذه الجهود اصطدمت مراراً بطبيعة الموقع الدفاعية وبالتحضيرات المسبقة التي تجعل أي اقتراب منه عملية عالية الكلفة.
لذا تبرز أهمية الكمين الأخير إذ إن الدبابة التي كانت تقل قائد الكتيبة بحسب التقارير العبرية استُهدفت على مسافة تقارب ٣٠٠ متر فقط من أحد مداخل المنشأة الرئيسية. وهو ما يعكس ليس فقط دقة الرصد والاستهداف بل أيضاً قدرة حزب الله على فرض منطقة حرمان عملياتي حول أحد أكثر مواقعه الاستراتيجية حساسية جنوب لبنان..
8 143
في الفترة الأخيرة بدا الإصرار الإيراني على ربط لبنان بأي اتفاق لوقف إطلاق النار أو إنهاء الحرب مع أمريكا أمراً لافتاً لا يمكن المرور عليه بوصفه تفصيلاً تفاوضياً عابراً. فإيران لا تكتفي بالحديث عن وقف الحرب بل تصر على أن يكون لبنان جزءاً من معادلتها السياسية والعسكرية تماماً كما رسخت معادلة أخرى مفادها أن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت لن يبقى شأناً لبنانياً صرفاً بل سيقابل برد إيراني يستهدف مستوطنات شمال فلسطين المحتلة. للوهلة الأولى يمكن تفسير هذا الموقف على أنه تجسيد طبيعي لمبدأ وحدة الساحات وأن إيران لا تترك حليفها الأكبر حزب الله وحيداً في الميدان. لكن كلما استمعت الى هذه المعادلات واستحضرت هذا الإصرار الإيراني أجد نفسي أفكر في شخص نحن على أعتاب ذكراه السنوية الأولى. إنه الشهيد محمد سعيد إيزدي المعروف بالحاج رمضان مسؤول الملف الفلسطيني في فيلق القدس الذي ارتقى في مدينة قم خلال حرب الـ١٢ يوم.
لم يكن الحاج رمضان مسؤولاً عن الملف الفلسطيني بالمعنى التقليدي للكلمة. لم يكن مجرد حلقة وصل أو مسؤول دعم وتمويل وتنسيق. لقد كان أحد العقول التي ساهمت في صياغة الرؤية الاستراتيجية لمحور المقاومة وأحد أبرز المنظرين لمفهوم وحدة الساحات قبل أن يتحول هذا المفهوم الى عنوان إعلامي متداول.
امتد تأثيره الى ما هو أبعد من فلسطين. فقد لعب أدواراً محورية في دعم المقاومة في لبنان ونسج علاقات وثيقة مع قيادات المقاومة في العراق واليمن حتى بات أحد الأسماء القليلة التي تربط جغرافيا المحور الممتدة من غزة الى بيروت ومن بغداد الى صنعاء. ولهذا السبب تحديداً كان هدفاً دائماً لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ومحاولات الاغتيال المتكررة منذ عام ٢٠٠٠.
بدأت علاقته بلبنان منذ ثمانينيات القرن الماضي حين كان من بين ضباط الحرس الثوري الذين وصلوا الى الأراضي اللبنانية في السنوات الأولى لتشكل حزب الله. غير أن المنعطف الأهم في حياته جاء في السابع عشر من كانون الأول عام ١٩٩٢ يوم أُبعد نحو ٤١٥ مقاوماً فلسطينياً الى مرج الزهور في جنوب لبنان. هناك في تلك البقعة المعزولة التي حاول الاحتلال أن يحولها الى منفى مفتوح أمضى الحاج رمضان ثلاثة عشر شهراً كاملة الى جانب المبعدين. تولى تأمين احتياجاتهم وشاركهم تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم وآمالهم. وخلال تلك الأشهر لم يكن يبني مجرد علاقات شخصية بل كان يؤسس لشبكة من الثقة والتفاهم مع جيل كامل من القيادات الفلسطينية التي ستعود لاحقاً الى الداخل المحتل لتقود مسيرة المقاومة في غزة.
في عام ١٩٩٦ تسلم رسمياً مسؤولية الملف الفلسطيني في قوة القدس لتبدأ مرحلة جديدة من العمل الطويل والهادئ الذي لم يكن يقاس بالسنوات بل بالتحولات التي أحدثها على الأرض. له علاقة وثيقة أيضاً بالحاج فلسطين وهو الشهيد عماد مغنية ولم تكن علاقة عمل اعتيادية بين مسؤولين في محور واحد بل علاقة استثنائية ذات بعد أخوي عميق. وقد انعكس هذا الانسجام على مستوى الدعم والتطوير الذي شهدته فصائل المقاومة الفلسطينية. وفي الواقع كان الثلاثي المؤلف من الشهداء قاسم سليماني وعماد مغنية ومحمد سعيد إيزدي يشكل أحد أهم مراكز التخطيط والعمل في تاريخ محور المقاومة واضعاً أمامه هدفاً واضحاً وهو بناء محور مقاومة مترابط ومتين. وحين استشهد عماد مغنية في دمشق عام ٢٠٠٨ كان الحاج رمضان معه قبل دقائق من الانفجار. وكان من المفترض أن يغادرا المكان معاً إلا أن اتصالاً هاتفياً أخر نزوله للحظات. وقع الانفجار واستشهد مغنية فيما كان رمضان أول الواصلين الى الموقع. يومها نجا الرجل من الموت بفارق دقائق فقط وربما كانت الخطة الأصلية أن يرحل الاثنان معاً في تلك الليلة.
بعد ذلك امتدت بصمات الحاج رمضان الى معظم المحطات المفصلية في تاريخ المقاومة الفلسطينية المعاصر من الانتفاضة الثانية الى حروب غزة المتعاقبة مروراً بانتفاضة السكاكين عام ٢٠١٥ وجهود إعادة بناء خلايا المقاومة في الضفة الغربية وتسليحها، وصولاً الى معركة سيف القدس ثم طوفان الأقصى عام ٢٠٢٣. حتى أنه زار قطاع غزة أكثر من مرة خلال السنوات التي سبقت عام ٢٠٢٣ متخفياً عبر الأراضي المصرية وبوثائق سفر فلسطينية. كما تدعي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أنه كان من بين الحلقة الضيقة التي امتلكت معرفة مسبقة بخطة السابع من أكتوبر فيما تحدثت تقارير إعلامية عن تواصله مع الشهيد يحيى السنوار خلال أشهر الحرب.
وهنا تبدو الصورة أكثر وضوحاً فعندما تصر إيران على أن لبنان حاضر في أي اتفاق فهي تستحضر عملياً فلسفة وحدة الساحات. وعندما نتحدث عن وحدة الساحات فإننا نتحدث بصورة أو بأخرى عن الإرث الذي تركه الحاج رمضان الرجل الذي أمضى حياته في وصل الجبهات ببعضها حتى أصبحت معاركها مترابطة ومصائرها متداخلة وحساباتها واحدة…
8 143
بحسب ما نشرته بعض الصحف العبرية وفي مقدمتها يديعوت أحرونوت تواجه إسرائيل اليوم واحدة من أعمق حالات الإحباط الاستراتيجي منذ تأسيسها. فبعد أشهر من العمليات العسكرية المكثفة وجدت نفسها أمام معضلة كلاسيكية في تاريخ الحروب وهي ربحت جميع المعارك لكنها خسرت الحرب. المعضلة ذاتها التي واجهتها أمريكا في فيتنام وأفغانستان والعراق وواجهتها إسرائيل سابقاً وربما تواجهها حالياً في جنوب لبنان. ولعل أقرب تشبيه لهذا المشهد هو لعبة الشطرنج حيث ينجح لاعب في تحطيم معظم قطع خصمه ويسيطر على رقعة اللعب ويقترب من إعلان النصر لكنه في اللحظة الأخيرة يكتشف أن خصمه احتفظ بما يكفي من الأدوات والقدرة على المناورة لقلب الطاولة وتحويل الهزيمة المتوقعة الى انتصار استراتيجي. هذا بالضبط ما حدث مع إيران التي تعرضت لضربات غير مسبوقة لكنها استطاعت الحفاظ على جوهر قدرتها على الرد والصمود والأهم أنها منعت خصمها من ترجمة تفوقه العسكري الى نتيجة سياسية حاسمة.
المفارقة التي تعترف بها الصحافة العبرية تكمن في أن هذا الإخفاق لم يكن نتيجة ضعف في أداء المؤسسة العسكرية أو الاستخبارية الإسرائيلية. على العكس تماماً فقد قدم الجيش وسلاح الجو وأجهزة الاستخبارات أداءً يوصف داخل الكيان بالاستثنائي. ومع ذلك انتهت الحملة الى نتائج أقل بكثير من التوقعات المعلنة. الى درجة أن مسؤولاً إسرائيلياً رفيع المستوى نقل عنه قوله إن إسرائيل لو كانت تعلم مسبقاً أن هذه ستكون النتيجة النهائية لكان من المستبعد جداً أن تتخذ قرار الذهاب الى الحرب أساساً. يعود السبب الرئيسي بحسب الإسرائليون الى الفجوة العميقة بين الإنجاز العسكري والهدف السياسي. فالحملات العسكرية مهما بلغت ضخامتها لا تستطيع وحدها إنتاج واقع استراتيجي جديد إذا كانت القيادة السياسية عاجزة عن استثمار نتائجها. وهكذا تبددت ثمار واحدة من أكبر الحملات العسكرية التي شنتها إسرائيل بينما نجحت إيران في تحويل قدرتها على الصمود الى مكسب سياسي ومعنوي يتجاوز بكثير حجم الخسائر التي تكبدتها. وفي المقابل كشفت الحرب عن أزمة أعمق داخل المنظومة الإسرائيلية تتمثل في التبعية شبه المطلقة لأمريكا. وبحسب الصحف العبرية أن ربط الأمن القومي الإسرائيلي بحسابات رئيس أمريكي متقلب مثل ترامب يحمل مخاطر استراتيجية هائلة. فالتوترات السياسية والشخصية بين أمريكا وإسرائيل والتخبط في إدارة المفاوضات قيدت حرية الحركة الإسرائيلية وأضعفت قدرتها على فرض إرادتها السياسية رغم تفوقها العسكري.
هذه التفاصيل تعيد الى الواجهة التحذيرات التي أطلقتها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عام ٢٠٢٣ حين أكدت أن خصوم إسرائيل في إيران ولبنان كانوا يراقبون بدقة مؤشرات التصدع في العلاقة مع أمريكا ويعتبرونها نقطة ضعف استراتيجية يمكن البناء عليها. وقد حذر المسؤولون الإسرائيليون آنذاك من أن تآكل صورة التماسك بين الحليفين يشجع خصوم إسرائيل على اختبار حدود الردع الإسرائيلي. وكان ذلك الضعف أحد العوامل التي استغلتها حماس لاحقاً في التخطيط وتنفيذ هجومها المفاجئ في السابع من أكتوبر بعدما رأت أن البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل باتت أكثر هشاشة مما كانت عليه في السابق…
8 143
لن يكون هذا المجيء الأول له الى العراق ولن يكون غريباً على هذه الأرض في رحلته الأخيرة. فقد مر من هنا ذات يوم بين عامي ١٩٥٨ و١٩٦١ حين كان يتردد على النجف برفقة والده المولود في أزقتها. وعندما نفي السيد الخميني الى العراق عام ١٩٦٥ عاد الفتى نفسه الى النجف يحضر الدروس ويعبر طرقاتها القديمة حتى غادر أستاذه العراق عام ١٩٧٨. كان يومها طالب علم عابراً واسماً مجهولاً بين آلاف الأسماء وغريباً لا يلتفت إليه أحد. لكن الغربة لا تبقى كما هي دائماً.
في مطلع التسعينيات لم يعد ذلك الطالب أسماً عادياً وغريباً في أوساط الحوزة النجفية. كانت فكرته هي الغريبة هذه المرة كما كان هو غريباً من قبل. يومها لم يكن مصطلح الولائي قد ولد بعد في القاموس العراقي لكنه كان موجوداً في هيئة رجال سبقوا المصطلح نفسه. ولعل أولهم الشيخ الشهيد الشيخ فاضل العمشاني ذلك الرجل الذي وقف بقناعته وحيداً وسط جيوش من القناعات الأخرى غريباً مثل الفكرة التي آمن بها. ثم بدأت تلك الغربة تتراجع. تراجعت مع أول عبوة ناسفة نصبها الشايب رفيق العمشاني القادم من أقصى مدينة الصدر وانفجرت في وجه الاحتلال الأميركي في أكتوبر ٢٠٠٣ قرب شارع القناة في منطقة البلديات ببغداد العبوة التي لم تكن مجرد انفجار بل افتتاحاً لمرحلة كاملة. وجاء أيضاً مع الشهيد علي الشويلي الذي وجد في السيد خير من يواسي قذائفه وعبواته. وجاء مع القادمين من ضاحية بيروت مع الشهداء يوسف هاشم وعلي دقدوق ومع تلك القبلة التي طبعها على جبين والد الشهيد حسام الحميداوي. وجاء مع شيبات الشهيد المهندس ومع الكف التي تركها الشهيد سليماني قرب المطار. وكان حاضراً في خاطر أبي تقوى السعيدي حين انهمرت عليه صواريخ الهيل فاير.
لم يعد غريباً فكل أولئك الذين عبروا طريق الشهادة كانوا يحملون شيئاً منه أو كان يحمل شيئاً منهم. ومع السنوات تحول العمشاني وتلك العبوات الأولى والقادمون من ضاحية بيروت وقبلة والد الحميداوي وأشلاء المطار ومخيلة السعيدي الى جمهور واسع ينتظر عودته. لكن العودة هذه المرة مختلفة. لن يعود حياً كما كان شاباً. سيعود شهيداً تطوف جنازته في النجف وكربلاء بين مدينتين عرفهما وعرفتاه. وسيكون أصدق المشيعين له أولئك الشهداء الذين لحقوا به بعد استشهاده وأولئك الذين كانوا على مشارف الشهادة تحت ظلال صواريخهم ومسيراتهم. أما أكثر الحاضرين نفاقاً فسيكونون أولئك الذين بدلوا ألوانهم كما تبدلت الرايات يوم أمس أولئك الذين صاروا سهاماً تصوب على من أطلق السهام على قاتليه ثم سيأتون ليزاحموا الصادقين في موكب الوداع..
8 143
جرى تداول كتاب منسوب الى رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض يتضمن إعفاء علي العقيلي من مهام قيادة عمليات سامراء المرتبطة بسرايا السلام وتعيين يوسف مزبان بدلاً عنه. ويرجح أن المقصود بيوسف مزبان هو الشيخ يوسف المياحي آمر اللواء ٣٦ في الحشد الشعبي المعروف باسم لواء الإمام الهادي والمتمركز في سامراء والذي لا يرتبط بسرايا السلام أو بالتيار الصدري.
وإذا صحت صحة هذا الكتاب فإنه قد يؤسس لإجراءات جديدة تتعلق بالفصائل وآلية ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي وما قد يترتب على ذلك من تغييرات في الهيكلية الإدارية أو القيادية لبعض التشكيلات..
8 143
مع اقتراب توقيع اتفاق وقف الحرب والذي يرجح أن يكون يوم الجمعة ١٩ يونيو يعود سؤال العام الماضي الى الواجهة وهو من الذي انتصر؟
للوهلة الأولى يبدو السؤال بسيطاً لكن الحقيقة أنه تحول خلال حرب الـ١٢ يوم التي نعيش ذكراها الأولى وخلال هذه الحرب الى واحدة من أعقد الإشكاليات السياسية والعسكرية. إشكالية بدأت في يونيو الأول وتحسم اليوم في يونيو الثاني. قبل عام كانت إيران تبدو كدولة خرجت من تحت المقصلة. اغتيالات متتالية طالت قادة الصف الأول في الحرس الثوري وعلماء البرنامج النووي وشخصيات اعتبرت لعقود من أعمدة الأمن القومي الإيراني. كانت الضربات من النوع الذي لا يراد منه إيلام الخصم فحسب بل إقناعه بأنه انتهى. وفي ذروة ذلك المشهد وقف الإسرائيليون يتحدثون بثقة المنتصرين مؤكدين أنهم أنجزوا في إيران خلال دقائق ما احتاجوا الى أيام طويلة لإنجازه في لبنان. لكن الهدف الحقيقي من تلك الحرب لم يكن يوماً بضعة منشآت نووية أو منصات صاروخية. هذه كانت العناوين فقط. أما النص الخفي للحرب فكان شيئاً آخر تماماً وهو إسقاط النظام من رأسه وتفكيك مركز قراره ودفع الدولة الى الشلل ثم تحويل الشارع الإيراني الى القوة التي تكمل ما بدأته الصواريخ والطائرات. ولهذا السبب لم تتوقف الدعوات الإسرائيلية الموجهة للإيرانيين قبل عام للخروج الى الشوارع. لم يكن ذلك خطاباً دعائياً عابراً بل كان جزءاً من الخطة نفسها. كانت الحرب العسكرية مجرد مقدمة لحرب سياسية أكبر يفترض أن تنتهي بانهيار إيران من الداخل. لكن إيران لم تسقط وهنا بدأ الشك يتسلل الى رواية النصر الإسرائيلي.
ثم جاء يونيو الثاني.
عاد الإسرائيليون وهذه المرة لم يعودوا وحدهم. دخلوا الحرب مدعومين بكل ما تستطيع أمريكا توفيره من قوة سياسية واستخبارية وعسكرية. لم يعد المطلوب تقليص نفوذ إيران أو إبطاء برامجها الاستراتيجية بل إنجاز المهمة المؤجلة بالكامل. كان المطلوب هذه المرة قطع الرأس نفسه. ولهذا جاءت الضربة الأولى بحجم اغتيال الشهيد السيد علي الخامنئي في عملية لم تستهدف رجلاً بقدر ما استهدفت فكرة الدولة كلها. كان التقدير أن النظام الذي فقد قائده الأعلى في اللحظة الأولى لن يملك الوقت الكافي لالتقاط أنفاسه وأن إيران ستدخل في فراغ تاريخي يفتح الطريق أمام الانهيار الكبير. لكن ما حدث بعد ذلك يكاد يكون خارج الحسابات التقليدية للقوة. دولة فقدت كبار قادتها قبل عام وتعرضت لأعنف اختراقات أمنية في تاريخها وتاريخ المنطقة وفوضى داخلية عنيفة سبقت الحرب ثم فقدت قائدها الأعلى في افتتاحية الحرب وواجهت تحالفاً أمريكياً إسرائيلياً حشد من الإمكانات ما يكفي وفق منطق القوة المجردة لإسقاط دول بأكملها..لم تنهار. لا الجيش تفكك ولا مؤسسات الدولة تعطلت ولا الشارع انفجر ولا النظام سقط.
بل حدث ما هو أكثر إدهاشاً استمرت الدولة في العمل واستمر القرار في الصدور واستمرت الصواريخ في الانطلاق واستمرت المعادلات في التشكل حتى انتهى الأمر بالحديث عن اتفاق لوقف الحرب لا عن مراسم دفن النظام. وهنا يتحول السؤال من جديد إذا كانت إسرائيل قد انتصرت في الحرب الأولى فلماذا اضطرت الى خوض حرب ثانية لتحقيق الأهداف نفسها؟ وإذا كانت الحرب الثانية قد شنت لتحقيق ما لم يتحقق في الأولى ثم انتهت دون تحقيقه أيضاً فأين يقع النصر بالضبط؟ في يونيو الأول قيل إن إيران انتهت. وفي يونيو الثاني إيران التي كان يفترض أن تسقط مرتين وجدت نفسها واقفة. لذا فإن القضية لم تعد إشكالية يونيو بل إعجاز يونيو. وهذه المرة ليس الأمر نصراً لإيران فحسب بل لحظة انحنى فيها المستحيل قليلاً حتى ظنه الناس إعجازاً..
8 143
في العاشر من تشرين الثاني ٢٠٢٤ نفذ الطيران الإسرائيلي غارة على منطقة السيدة زينب جنوب دمشق. بعد ساعات سارعت هيئة البث الإسرائيلية ومعها وسائل إعلام عديدة ومسؤولون أمريكيون الى إعلان النتيجة وهي تم قتل علي موسى دقدوق.
بدا الأمر محسوماً. صدق كثيرون الرواية خصوصاً أن اسم الشهيد دقدوق لم يكن اسماً عادياً. ومع ذلك لم يصدر أي إعلان رسمي عن استشهاده لا في أعقاب الغارة ولا حتى خلال المحطات اللاحقة التي أعلن فيها حزب الله أسماء قادته الشهداء.
كان السبب بسيطاً وهو أن القائد علي دقدوق لم يستشهد يومها.
خرج من تحت أنقاض الغارة مصاباً وعاد الى لبنان مثخناً بجراحه. لكنه لم ينشغل بعلاج نفسه بل انصرف الى تضميد جراح حزب الله وإعادة بنائه وتعزيز قدراته حتى استعاد حضوره وأصبح على الهيئة التي نعرفها اليوم. بعد سنة ونصف من تلك الغارة وقبل عشرة أيام وعلى خطوط الاشتباك في جنوب لبنان اكتملت القصة. هناك في المكان الذي قضى عمره يستعد له ويعمل من أجله عرج شهيداً مقبلاً غير مدبر. كان الشهيد دقدوق الذي بلغ السابعة والخمسين من عمره محور المقاومة على هيئة إنسان. مقاتلاً منذ الثمانينيات في لبنان ومدرباً للمقاومين في معسكرات إيران وفاعلاً أساسياً في ساحات متعددة امتدت من لبنان الى العراق وسوريا. وفي كل مرحلة كان يؤدي دوراً مختلفاً لكن ضمن المهمة نفسها وهي بناء القدرات ونقل الخبرات وإعداد أجيال جديدة من المقاتلين. في العراق عمل الى جانب الشهيد يوسف هاشم في واحدة من أكثر الساحات تعقيداً واضطراباً قبل اعتقاله في البصرة عام ٢٠٠٧. وفي سوريا تولى قيادة وحدة الجولان حيث انصب جهده على مراقبة إسرائيل وبناء بنية قتالية متقدمة على الجبهة الأكثر حساسية.
في هذا الفيديو يتحدث الشهيد القائد علي موسى دقدوق عن لحظة استلام جثمان الشهيد هادي نصر الله مستذكراً أيضاً حضور الشهيد عماد مغنية حينها..
8 143
كنت من القلة الذين لم يدفعهم الفضول الى التطلع لوجهك للمرة الأولى لأنك كنت قد ضحيت بهذه الجزئية على أرض العراق يوم اقتادك الأميركيون من البصرة الى سجونهم. حينها تظاهرت بأنك أخرس لمدة شهرين كاملين لتمنح رفاقك الوقت الكافي لتغيير مواقعهم وتأمين أنفسهم.
لكن الفضول دفعنا لاحقاً الى البحث عن موقعك في الصور بين أقرانك ورفاق دربك. في هذه الصورة التي يكشف عنها للمرة الأولى يظهر الشهيد القائد علي موسى دقدوق مع الشهيد القائد إبراهيم عقيل..صورة تختصر تاريخاً من الجهاد..
8 143
القائد الكبير في حزب الله علي موسى دقدوق “أبو حسين ساجد”.. أسير وجريح وأحد رموز العمل الجهادي في العراق..ارتقى شهيداً في سبيل الله.
8 143
يحمل هذا اليوم في ذاكرته حدثين لا تبدو العلاقة بينهما واضحة للوهلة الأولى ..ذكرى ولادة الحشد الشعبي وذكرى حرب الاثني عشر يوماً على إيران قبل عام. وكلاهما مترابطان جداً. ما يربط بينهما هو ذلك الرجل الذي ظن أعداؤه أنهم أنهوا حضوره ليلة المطار في بغداد. الرجل الذي لم يعش يوماً لنفسه بل عاش لقضية ما زالت حية تتفاعل في أحداث المنطقة حتى اليوم وهو الشهيد الجنرال قاسم سليماني.
الآن قد يتساءل البعض ما الذي يربط بين هذين الحدثين؟
أحياناً لا نستطيع التكلم بوضوح مفرط لأن بعض الحقائق تكون من الوضوح بحيث لا تحتاج الى تصريح مباشر. لكن ولادة الحشد الشعبي عند العودة الى ظروفها وسياقاتها تقودنا بالضرورة الى اسم الشهيد سليماني. أما ما بعد الولادة فهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. فبعيداً عن السردية الشعبية العاطفية كان الشهيد سليماني حاضراً بوصفه صانعاً للمسارات لا مجرد قائد ميداني. أسهم في رسم تموضع إقليمي جديد للحشد ضمن محور المقاومة ولم ينظر الى معركة داعش بوصفها مواجهة مع تنظيم إرهابي فحسب بل باعتبارها محطة استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. كان يقاتل في الموصل لكن عينيه كانتا على العدو الأكبر إسرائيل. كانت معركة داعش بالنسبة إليه جزءاً من صراع أوسع ومن خلالها أعاد تعريف موقع فصائل المقاومة العراقية داخل جسم المحور وهو ما شاهدنا آثاره ومفاعيله خلال الحرب الأخيرة.
أما حرب الاثني عشر يوماً التي وقعت بعد خمسة أعوام من استشهاده فارتباطها به لا يقل وضوحاً. فما جرى منذ عام ٢٠٢٠ ربما لم يكن ليأخذ المسار نفسه لو كان حاضراً. كانت الأحداث مترابطة وكان اغتياله إحدى النقاط المؤسسة لهذا المسار. وبوجوده ربما كنا سنشهد واقعاً مختلفاً في سوريا ولبنان والعراق وإيران. حتى خصومه يعترفون بذلك. فهم أنفسهم يربطون حرب الاثني عشر يوماً بما سبقها من تحولات في سوريا ولبنان وترامب الذي لا يكف عن التفاخر باغتياله قال خلال الحرب الأخيرة إن الأمور كانت ستكون أكثر صعوبة لو كان سليماني لا يزال موجوداً وإنهم كانوا سيتعاملون مع إيران مختلفة.
لذلك فهذه ليست قراءة عاطفية لرجل تحول الى رمز عظيم لدى البعض ورمز كابوس لدى آخرين بل قراءة لمسار كامل من الأحداث. فحين ننظر إلى المنطقة منذ عام ٢٠٢٠ وحتى اليوم لا نجد أن الحدثين فقط يشيران الى الشهيد سليماني بل تكاد كل التحولات الكبرى تقود إليه بوصفه أحد أهم مفاتيح فهم ما جرى وما زال يجري…
8 143
في مثل هذا اليوم قبل عام وتحديداً في ساعات الفجر شنت إسرائيل هجماتها على إيران. وتذكر بعض الصحف أن اللحظة التي قررت فيها إسرائيل مهاجمة إيران كانت لحظة سقوط بشار الأسد وإضعاف حزب الله بعد استشهاد قادته. واستمر التخطيط للهجوم عدة أشهر وكان الهدف الأول منه استهداف قادة الحرس الثوري والعلماء النوويين وكبار المسؤولين بهدف إلحاق الضرر بالبرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين.
حلقت قرابة ٢٠٠ طائرة في المنطقة وكان هدفها جعل الرادارات الإيرانية ترصدها بما يدفع قادة القوة الجوفضاء الى الاجتماع تمهيداً لتنفيذ الهدف الأول المتمثل باغتيال الشهيد أمير حاجي زادة. وبالفعل لاحظ الشهيد أمير حاجي زادة تحركات جوية إسرائيلية مريبة في الشرق الأوسط ما دفعه للتوجه الى مقرك القوة والاجتماع مع ضباط القوة. وأثناء وجوده في الاجتماع أطلقت الصواريخ من الطائرات. غير أن المفاجأة بالنسبة لإسرائيل كانت أن الشهيد حاجي زادة قرر مغادرة المكان قبل وصول الضربة لأن الصواريخ كانت لا تزال في طريقها بعد إطلاقها من مسار جوي عبر المجال العراقي أو السوري. عند هذه النقطة اضطر الإسرائيليون الى تنفيذ مناورة عاجلة لإعادة الهدف الى نقطة الاغتيال تمثلت في أمر الطائرات باختراق المجال الجوي الإيراني وتعريض نفسها للرادارات عمداً. وكانت هذه الحركة هي التي دفعت الشهيد حاجي زادة الى العودة الى موقع الاجتماع وبعدها وصلت الصواريخ ونجحت عملية الاغتيال. وفي التوقيت نفسه نُفذت ضربات متزامنة استهدفت علماء نوويين وقادة عسكريين ومسؤولين في محاولة لصناعة صدمة افتتاحية واسعة تشل القيادة الإيرانية منذ اللحظة الأولى.
كذلك كان ترامب على علم مسبق بالهجوم ويراقب تطوراته وسادت أجواء من النشوة داخل الكيان بعد الضربة الأولى. إلا أن هذه النشوة لم تدم طويلاً إذ سرعان ما تلاشت مع وصول الصواريخ الإيرانية الى العمق الإسرائيلي وما رافق ذلك من اهتزاز للجبهة الداخلية. بعد الحرب كشف نتنياهو أنه كان يريد أن تكون الحرب سريعة وقصيرة لا تتجاوز خمسة أيام وأن تسوق سياسياً تحت مسمى “حرب ترامب” ليس فقط استلهاماً لنموذج حرب الأيام الستة عام ١٩٦٧ بل أيضاً للعب المتعمد على غرور ترامب نفسه. وتذكر بعض التسريبات أن ترامب أبلغ الإسرائيليين بأنه سيدخل الحرب ويضرب منشأة فوردو، لكن ليس فوراً لأن تجهيز الذخائر الخاصة بقاذفات B2 كان يتطلب بحسب ما ورد ما لا يقل عن أسبوع. وأيضاً قال وزير الدفاع الإسرائيلي إنهم كانوا يرغبون فعلياً في اغتيال الشهيد السيد الخامنئي لكنهم فشلوا بسبب صعوبة الوصول إليه برأيي كانت هذه كذبة إعلامية متعمدة. كما أقر سلاح الجو الإسرائيلي بأنه عانى بشدة في الأجواء الإيرانية بفعل منظومات الدفاع الجوي وأن هناك مخاوف حقيقية على سلامة الطيارين في حال استمرار الحرب. كذلك بدأت الجبهة الداخلية داخل الكيان بالاهتزاز منذ الأسبوع الأول وفرضت الصواريخ الباليستية الإيرانية معادلة ردع مؤلمة إذ كانت بعض الضربات قادرة على تدمير حي كامل ما وضع قيادة الجبهة الداخلية أمام تحدي غير مسبوق. ورغم ذلك كان الاعتقاد السائد لدى القيادة الإسرائيلية أن حجم الدمار الذي تحدثه الصواريخ الإيرانية في الداخل هو ما سيدفع ترامب في النهاية الى الدخول المباشر في الحرب. أما على مستوى الأهداف الأبعد فكان أحد رهانات الحرب محاولة إسقاط النظام الإيراني بأي وسيلة. ولهذا لجأ الإسرائيليون الى استهداف سجن إيفين في طهران بهدف إطلاق المعارضين وإحداث فوضى داخلية. كذلك كانوا يعلمون خلال الضربة الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية أن اليورانيوم ربما لم يكن موجوداً في المواقع المستهدفة ومع ذلك لم يتمكنوا من الوصول إليه أو استهدافه.
وتذكر التسريبات أن القيادة الإسرائيلية هي من أبلغت ترامب بضرورة وقف الحرب بعد أن تلقت الجبهة الداخلية هزات عنيفة، وتضرر المواطنون وأصبح الطيارون في خطر حقيقي خصوصاً في أجواء طهران، فضلًا عن تراجع قائمة الأهداف المجدية.
هذه التفاصيل أوردها الفيلم الوثائقي الإسرائيلي “١٢ يوم في يونيو” الذي بثته القناة ١٣ بعد الحرب بثلاثة أشهر. وكان واضحاً أن تلك الحرب شكلت مقدمة للحرب الأخيرة إلا أن ما حدث لم يكن مطابقاً لما خططت له أمريكا وإسرائيل. فقد كان الرهان أن يؤدي قطع الرأس المتمثل باغتيال الشهيد السيد الخامنئي الى انهيار إيران ودخولها في حالة من الفوضى لكن شيئاً من ذلك لم يحدث. وعلى العكس من ذلك فإن نتائج الحربين لم تحقق لإسرائيل هدفها الأكبر وبدا الأمر وكأنها عادت الى النقطة التي كانت عليها قبل عام ٢٠٢٣..
8 143
بحسب رويترز بدأت الإمارات في إطلاق مليارات الدولارات لإيران، في ظل التقدم نحو اتفاق بين طهران وواشنطن. وافقت الإمارات على إطلاق مبلغ إجمالي قدره ١٠ مليارات دولار تم تحويل أكثر من ٣ مليارات دولار منها بالفعل..
8 143
بحسب تقرير في واشنطن بوست توجهت قطر الى إيران في بداية الحرب وحاولت الحصول منها على التزام بعدم مهاجمة منشأة الغاز المركزية في رأس لفان وفي المقابل عرضت الدوحة وقف إنتاج الغاز بهدف رفع الأسعار وزيادة الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة لإنهاء الحرب. قال مسؤول أمني رفيع إن قطر قدمت في الواقع "صفقة سرية". ووفقاً له التزمت باستخدام نفوذها على إمدادات الغاز للمساعدة في التوصل الى إنهاء سريع للحرب مع طلبها من إيران التزاماً بشرط واحد "لا تهاجمونا". في الواقع انهارت هذه المفاوضات عندما هاجمت إيران منشأة رأس لفان في قطر في منتصف الشهر الثالث..
8 143
أثارت رسالة المرجع الديني الشيخ محسن الأراكي عضو مجلس خبراء القيادة في إيران التي شدد فيها على حرمة تسليم سلاح المقاومة في العراق ولبنان ردود فعل غاضبة لدى بعض الجهات العراقية التي تبنت مشروع حصر السلاح بيد الدولة واتجهت الى فك ارتباطها بجسمها العسكري. رسالة الشيخ الأراكي عكست الموقف السائد داخل دوائر القيادة الإيرانية كما أنها حملت في طياتها رداً غير مباشر على دعوة علي الزيدي التي طالبت إيران بدعم جهود حصر السلاح.
هذه التطورات جاءت بالتزامن مع التصعيد الأمريكي الإيراني خلال الأيام الأخيرة ما دفع علي الزيدي بحسب الصحف الى تشديد لهجته تجاه الفصائل ملوحاً بإصدار مذكرات اعتقال وملاحقة قانونية بحق قادتها وعناصرها في حال انخراطهم في أي عمليات تصعيدية. إلا أن رد الفصائل جاء أكثر حدة إذ رفضت هذه التهديدات بشكل قاطع مؤكدة أنها تتحرك وفق التكليف الذي يحدد مسار عملها ومواقفها...
8 143
يمتلك الشهيد السيد علي الخامنئي شخصية سياسية استثنائية يصعب اختزالها ضمن تصنيف واحد. فقد مثل على مدى سنوات نقطة التقاء بين التيارات الرئيسية داخل إيران الى درجة جعلته قادراً على استيعاب اتجاهات تبدو متناقضة. وفي إيران لا يقتصر المشهد السياسي على ثنائية المحافظين والإصلاحيين كما يشاع بل يضم أيضاً تياراً ثالثاً مرتبط بالإصلاحيين يمكن وصفه بالأصوليين ذوي النزعة القومية وهو التيار الذي ارتبطت به شخصيات مثل رفسنجاني وروحاني وظريف وعلى امتداد عقود كان السيد يمثل عنصر التوازن بين هذه الاتجاهات لا بوصفه حكماً مفروضاً بينها بل لأن تكوينه الفكري والسياسي جعله قريباً منها جميعاً في آن واحد.
فقبل أن يتولى موقع القيادة كان صديقاً لعلي شريعتي الذي لاقت أفكاره انتقادات في الأوساط الحوزوية لدرجة أن شريعتي كان يولي اهتماماً خاصاً لآرائه ويمتنع عن الذهاب بعيداً في أطروحاته الجدلية كما أبدى السيد اهتماماً بمشاريع العدالة الاجتماعية التي تبناها رموز التيار الإصلاحي وفي الوقت نفسه حافظ على علاقة وثيقة مع رفسنجاني وكذلك كان السيد هو الأب الروحي للتيار المحافظ والحرس الثوري. ومن هنا نشأ ذلك التوازن الطبيعي الذي ميز شخصيته وهو التوازن الذي سعى الى ترسيخه داخل بنية النظام الإيراني نفسها. وكمثال استبعاد الشهيد لاريجاني من السباق الرئاسي الأخير لم يكن بالضرورة تعبيراً عن انعدام الثقة به بل جاء نتيجة فائض الثقة والهدف هو تمهيد الطريق أمام فوز الإصلاحيين ومرشحهم بزشكيان بما يساهم في معالجة آثار الانقسام الممتد منذ انتخابات عام ٢٠٠٩ واستعادة التوازن السياسي الذي يحافظ على استقرار إيران. هذا المنطق نفسه انعكس على السياسة الخارجية وخصوصاً في العلاقة مع أمريكا. فكما كان هناك توازن بين التيارات داخل إيران كانت هناك أيضاً خطوط اشتباك غير معلنة تحكم الصراع بين إيران وأمريكا. ورغم العداء بين الطرفين فإن كلاً منهما كان يدرك حدود المواجهة ويتجنب الانزلاق الى صدام مباشر. وقد تبنى هذا النهج بشكل خاص المنظرون السياسيون والإصلاحيون داخل إيران الذين رأوا أن إدارة الصراع أكثر جدوى من تفجيره بينما كان تيار الحرس يعتقد أن المواجهة مع أمريكا مسألة مؤجلة لا أكثر.
لكن المفارقة أن ترامب ونتنياهو اللذين أرادا إخضاع إيران وكسر إرادتها ساهما عملياً في تقوية التيار الذي كانا يخشيانه أكثر من غيره. فاغتيال الشهيد سليماني عام ٢٠٢٠ شكل أكبر خرق لقواعد الاشتباك القائمة آنذاك. ورغم أن الرد الإيراني جاء مدروساً مقارنة بحجم الحدث فإنه عكس استمرار هيمنة منطق الاحتواء وضبط التصعيد كما تأثر بحسابات الانتخابات الأمريكية وعدم منح ترامب فرصة لتوظيف مواجهة واسعة في حملته الانتخابية. ولم تكن هذه المرة الأولى التي تحضر فيها الانتخابات الأمريكية في الحسابات الإيرانية فذاكرة إيران السياسية ما زالت تحتفظ بتجربة أزمة الرهائن الأمريكيين عام ١٩٧٩ حين تأخر الإفراج عنهم حتى نهاية عهد كارتر وتم إطلاق سراحهم يوم تنصيب ريغان. واستمرت هذه الرؤية خلال السنوات اللاحقة. عند اندلاع حرب غزة ثم استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق وصولاً الى عمليات الاغتيال التي طالت الشهيد هنية والشهيد السيد نصر الله بدا واضحاً أن إيران لا تزال تحاول الرد ضمن سقف يمنع الانزلاق الى حرب مفتوحة. غير أن هذا الحرص على ضبط الصراع تم تفسيره في الكيان باعتباره تردداً يمكن استغلاله.
وهنا وقع التحول الأهم. فكلما ارتفع مستوى الضربات الإسرائيلية والأمريكية تراجعت مكانة دعاة الاحتواء داخل إيران وارتفعت أسهم التيار الذي كان يقول منذ سنوات إن المشكلة ليست في قوة الرد الإيراني بل في محدوديته. ومع كل تجاوز جديد لخطوط الاشتباك كان هذا التيار يكتسب حججاً إضافية تؤكد صحة رؤيته.
لذلك عندما دخلت إيران في مواجهة أوسع في حرب الـ١٢ يوم قبل عام لم يعد النقاش يدور حول كيفية احتواء الحرب بل حول كيفية فرض معادلات ردع تمنع تكرارها. ومن هنا بدأ ميزان التأثير يميل بصورة أكبر نحو الحرس على حساب المدرسة الدبلوماسية التي راهنت طويلاً على إدارة الصراع ضمن حدود محسوبة.
بهذا المعنى يمكن القول إن التحول الذي شهدته إيران لم يكن نتيجة صعود مفاجئ للتيار المحافظ بل نتيجة مسار طبيعي ساهم خصوم إيران أنفسهم في صناعته. فترامب ونتنياهو لم ينجحا في دفع إيران الى الاستسلام أو التراجع بل دفعاها تدريجياً الى الاقتناع بأن سياسة ضبط النفس لم تعد كافية وأن تثبيت خطوط الاشتباك لا يتم بمجرد احترامها بل بفرضها على الطرف الآخر. وبدا أن السيد الشهيد الخامنئي وفق ما ظهر من مواقفه كان يحاول لسنوات الموازنة بين رؤيتين رؤية تدعو الى ضبط الصراع وأخرى ترى أن الردع لا يصنع إلا بالمواجهة. لكن التجارب المتراكمة دفعت الكفة تدريجياً نحو الخيار الثاني وهو ما انعكس في تحذيراته الأخيرة بأن أي اعتداء جديد لن يقابل برد محدود بل بحرب إقليمية شاملة…
8 143
ترامب يهاجم المعارضة الكردية الإيرانية ويدعي أنهم استولوا على أسلحة أمريكية كانت مخصصة لتسليح المتظاهرين ضد النظام. يقول "في الواقع أرسلنا لهم أسلحة وللصراحة خاب أملنا كثيراً من الأكراد. الأكراد خذلونا... أعتقد أنهم احتفظوا بالأسلحة لأنفسهم أعتقد أن هذا عار. لكنني سأتذكر هذا يا أكراد، سأتذكر هذا"..
8 143
بحسب وول ستريت جورنال يصر ترامب على أن الأزمة مع إيران تحت السيطرة لكن مصادر أمريكية تقول إن ترامب لم يتوقع أن تنهار الهدنة التي استمرت شهوراً وبالتأكيد لم يتوقع رؤية إيران تطلق صواريخ وطائرات بدون طيار بلا توقف وأن التضخم يرتفع الى أعلى مستوى له خلال ثلاث سنوات وأن أسعار الوقود ترتفع وتمحو المكاسب الأخيرة في الأجور..
8 143
يديعوت أحرنوت: الإيرانيون بالطبع ينكرون أنهم تواصلوا مع ترامب وطلبوا وقف الهجمات ومن المحتمل أنهم على حق..
8 143
الوفد القطري الذي سافر الى طهران هذا الصباح للقاء المسؤولين الإيرانيين لا يزال في طهران…
اکنون در دسترس! پژوهش تلگرام ۲۰۲۵ — مهمترین بینشهای سال 
