صفي الدين
الذهاب إلى القناة على Telegram
قناة شخصية أشارك فيها قراءاتي حول الأحداث المهمة مع محاولة تقليل الضجيج الإخباري الى جانب الاهتمام بأرشفة فصائل وشخصيات المقاومة في العراق.
إظهار المزيد8 218
المشتركون
+524 ساعات
+267 أيام
+10630 أيام
أرشيف المشاركات
8 217
فجر الأربعاء وصلت الى كربلاء. وكحال آلاف القلوب التي سبقت أجسادها كنا نسابق الوقت لنكون في وداع السيد. كنت أظن أنني رسمت في مخيلتي أقصى ما يمكن أن تكون عليه جنازة مرجع وولي وقائد شهيد أحبه الناس لكن ما شهدته بالأمس كان أكبر من الخيال وأوسع من قدرة الكلمات على الاحتواء.
كل مشهد رأيته كان حكاية مستقلة وكل وجه كان يحمل رواية من الحزن. بعد صلاة الظهر بدأنا نقترب من الحرمين ومع كل ساعة كانت الجموع تتقدم خطوة وكأنها تمشي بقلب واحد. هنا قوم افترشوا الأرض انتظاراً وهناك آخرون اعتلوا أسطح العمارات ليحظوا بنظرة الوداع الأخيرة. أناس يوزعون الثواب وآخرون يذرفون الدموع ويرددون الأهزوجات وغيرهم يحجزون أقرب مكان الى الطريق لا لشيء إلا ليقولوا للسيد وداعاً… ولو بإشارة. حتى بلغنا مشارف طريق النجف وهناك بدأت حكاية أخرى وهي حكاية التأخر. لكنه لم يكن تأخر جنازة بل امتداداً للوداع. ساعات الانتظار لم تورث الناس ضجراً بل زادت في قلوبهم خزين الدموع وأججت لوعة الاشتياق. والعجيب أن العراقي وهو الذي لا يصادق الانتظار أحبه في ذلك اليوم. أحبه لأنه كان انتظاراً أخيراً لمن يستحق أن يُنتظر العمر كله.
ثم وصلت الجنازة… ووصلت معها كل الدموع التي كانت مؤجلة وكل الانكسارات التي عجزت الصدور عن حملها. دموع الناس عليك يا سيد لم تقنعني أنها كانت لك وحدك. بدا لي أن هذا البكاء كان مؤجلاً منذ سنوات وأن كل واحد منهم جاء يحمل في قلبه ميتاً لم يكتمل وداعه. حتى ظننت أن موتى النجف كانوا يسيرون خلف جنازتك وأن الناس وهم يبكونك كانوا يلتقون بهم واحداً واحداً. لذلك كان البكاء أكبر من جنازة وأثقل من فقد رجل كان وداعاً متأخراً لكل الذين رحلوا فاختاروا أن يعودوا معك للمرة الأخيرة. قرب الجنازة كان موكب الشور في الجانب الآخر من الطريق. وهناك لطمت الشور لأول مرة. وأنا الذي طالما حملت علامات الاستفهام وكثيراً من الاعتراضات على هذه الشعيرة وجدت يدي ترفض السكون وتسبقني الى صدري دون أن تستأذن عقلي. في تلك اللحظة أدركت أن بعض المشاعر لا تناقش وبعض المواقف لا تفهم إلا إذا عشتها. فعلنا كل ما ظنناه يليق بك يا سيد… وما فعلناه ليس إلا قليلاً أمام مقامك في قلوب محبيك.
العراقيون لا يكتشفون حقيقتهم إلا في الجنازات وعلى طريق الحسين. هناك تسقط الأقنعة وتتكلم الدموع بلغة لا يعرفها إلا هذا الشعب. وهذه المرة اجتمع الأمران معاً كانت جنازتك هي الجنازة وكان طريق الحسين هو الطريق. سلاماً عليك يا سيد…يوم حملتك الأكف ويوم بكتك المدن ويوم وقفت كربلاء لتودع كربلاء أخرى..
8 217
كان ثمة فيلم إيراني اعتادت شاشات التلفاز أن تبثه في اليوم العاشر من محرم من كل عام يحمل اسم "يوم الواقعة" لم يكن مجرد فيلم بل كان سؤالاً مفتوحاً يطرق القلب كلما أقبل عاشوراء.
تدور أحداثه في سنة ٦١ للهجرة حول شاب مسيحي من أهل الموصل يدعى عبد الله. وفي ليلة كان يفترض أن تكون ليلة زفافه شق سكون روحه نداء لم تسمعه الآذان وإنما سمعته البصيرة "هل من ناصر ينصرني؟" تكرر النداء حتى غلب صوت السماء ضجيج الأرض فترك العرس خلفه ومضى يطارد النداء لا يدري الى أين يقوده.
اجتاز الصحارى وعبر المحن وساقته المقادير الى كربلاء… لكنه وصل حين كانت الشمس قد شهدت آخر فصول المأساة وبعدما ارتقى الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه شهداء. لم يبقى هناك إلا الخيام المحترقة والرؤوس المرفوعة على الرماح ورسالة أثقل من الجبال حملتها السيدة زينب فأوصته أن يعود الى الناس شاهداً وأن ينقل إليهم ما رأت عيناه وما لم تستطع العيون احتماله.
عبد الله النصراني وصل متأخراً الى كربلاء..ونحن أيضاً وصلنا متأخرين لكن تأخرنا لم يكن في الطريق بل في الزمن. خرجنا من أرحام أمهاتنا بعد الواقعة بقرون وكلما وقفنا عند ضريح الإمام الحسين لم نجد في صدورنا إلا الحسرة وهي تتمتم يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً. غير أن الإمام الحسين لم يكن يوماً ابن زمن مضى ولا كانت كربلاء حادثة انقضت فمن لبى نداءه وإن فصلت بينهما القرون فقد أدرك عاشوراء. ولهذا كان الشهداء هم الذين سبقونا إليه.
ومن بينهم الولي الشهيد السيد علي الخامنئي الذي سيبلغ كربلاء غداً شهيداً لا زائراً. سيصل إليها محمولاً بدمه قبل أن تحمله الأكتاف ليقف بين يدي جده الحسين وكأن القرون كلها قد تهاوت في لحظة ثم يقول "يا جدي… لقد بلغني نداؤك وإن باعدت بيننا الأزمنة ها أنا ذا أجيبك وما تركتك يا حسين". وقبل أن يصل الى كربلاء سيمر بمدينة النجف حيث يرقد جده الأكبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وهناك لن يكون مرور مودع بل مرور وارث يحمل في جراحه شيئاً من جراح جده. كأنه يقول له "يا أمير المؤمنين تمر بك الجنائز كل يوم تلتمس جوارك تحت التراب أما أنا فأمر بك لأقول لقد قتلني سليل أشقى الأشقياء.. وفزت ورب الكعبة في شهر رمضان كما فزت أنت واخترت أن أرفض كما رفضت وأن أمضي كما مضيت وأن يكون دمي شاهداً على أن الطريق الذي بدأته لم ينقطع وأن السيف الذي هوى على هامتك ما زال يبحث عن رؤوس الأحرار".
أما نحن الذين لم نجد سيفاً يهوي على رؤوسنا ولم ندرك عاشوراء الأولى فسنحاول غداً بين النجف وكربلاء أن نكون شيئاً من عمار وشيئاً من المقداد وشيئاً من سلمان وشيئاً من مالك… مع علي عصرنا كما كانوا هم مع عليهم وعلينا الأكبر والأقدس...
8 217
تمثل المناسبات الجماهيرية الكبرى وبالأخص تشييع الشخصيات البارزة لحظات ذروة بالنسبة لأجهزة الاستخبارات وفي مقدمتها الموساد. ففي مثل هذه المناسبات تتقاطع عمليات الجمع الإلكتروني للمعلومات مع المراقبة الميدانية المباشرة وتتحول الحشود الى بيئة غنية بالمعطيات التي تسمح بتحديث قواعد البيانات ورسم شبكات العلاقات وتقييم الحالة الأمنية والصحية والسياسية للأشخاص المستهدفين. لذا فإن مراسم تشييع الشهيد السيد علي الخامنئي ستكون من أكثر الأحداث التي تستقطب اهتمام أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في الأعوام الأخيرة.
هذا الاهتمام لا ينبع من فراغ بل يستند الى سوابق تشير الى أن المناسبات العامة كانت في أكثر من مرة نقطة انطلاق لعمليات رصد ومتابعة. فقد تداولت تقارير صحفية سابقة أن الشهيد السيد حسن نصر الله تم رصده قبل ساعات من استشهاده في مراسم تشييع الشهيد محمد سرور قائد وحدة المسيرات في الحزب قبل انتقاله الى حارة حريك برفقة نائب قائد فيلق القدس في لبنان الشهيد عباس نيلفروشان. وتشير روايات أخرى الى أن الشهيد أحمد بلوط أحد قادة قوة الرضوان ظهر في صور التقطت خلال تشييع الشهيد فؤاد شكر وأن تلك الصور شكلت بحسب ما تم تداوله إحدى نقاط البداية في عملية متابعته استخباراتياً قبل استشهاده في الحرب الأخيرة. وبغض النظر عن دقة كل رواية على حدة فإن القاسم المشترك بينها هو أن التجمعات الجماهيرية توفر كماً هائلاً من البيانات التي يصعب الحصول عليها في الظروف الاعتيادية. ولهذا فإن أي مراسم تشييع واسعة النطاق لشخصية بحجم الشهيد السيد علي الخامنئي لن تقرأ في الكيان بوصفها حدثاً بروتوكولياً أو شعبياً فحسب بل باعتبارها فرصة استخباراتية استثنائية. فكل مسؤول يظهر وكل قائد يتحرك وكل إجراء أمني يتخذ وكل تفصيل يتعلق بالحماية أو الحركة أو التسلسل القيادي يتحول الى معلومة قابلة للتحليل والربط مع قواعد بيانات تراكمت عبر سنوات. بل إن حجم الاهتمام الاستخباراتي بالحدث كان لافتاً الى درجة أن بعض الصحف فسرت الظهور العلني لقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي على أنه رسالة تحدي للموساد في ظل الإدراك الإيراني بأن مراسم التشييع تمثل هدفاً استخباراتياً من الدرجة الأولى.
وتزداد أهمية هذه المناسبة إذا ظهر السيد مجتبى الخامنئي بصورة علنية. فسواء كان استهدافه مطروحاً أم لا فإن مجرد ظهوره يمنح أجهزة الاستخبارات فرصة لتحديث معلوماتها بشأنه بدءاً من حالته الصحية وهيئته الجسدية مروراً بطبيعة الحماية المرافقة له وانتهاءً بدائرة الشخصيات المحيطة به وآليات تحركها. يقول رونين سولومون المحلل الإسرائيلي المتخصص في شؤون الاستخبارات والشأن الإيراني أن مثل هذه المناسبات تمثل منجماً ذهبياً للأجهزة الاستخباراتية لأن كل مسؤول رفيع يشارك فيها يترك ما يمكن وصفه بالبصمة الاستخباراتية وقد خص سولومون السيد مجتبى الخامنئي باهتمام كبير معتبراً أن ظهوره العلني سيكون فرصة ثمينة لتحديث التقديرات الاستخباراتية بشأنه وهو تركيز بدا أقرب الى أمنية استخباراتية منه الى مجرد قراءة تحليلية. كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الأجهزة الأمنية الإيرانية نصحت السيد مجتبى الخامنئي بتأجيل أي ظهور علني ولا سيما خلال مراسم التشييع تجنباً لمنح الخصوم فرصة مجانية لجمع المعلومات. كذلك انتشرت في الساعات الأخيرة روايات غير مؤكدة تزعم أنه شارك في مراسم وداع والده بصورة غير علنية...
8 217
أحياناً لا يكون تشييع أحد مجرد وداع لجثمان انتهت رحلته فوق التراب بل يكون الفصل الأخير من حكاية تبدأ بعد أن يوارى الجسد لا قبل ذلك. فثمة جنازات لا تكون خاتمة أصحابها بل بداية الذين يمشون خلفها.
في عام ٢٠٢٠ وقفت عند بوابة الخضراء من جهة الجسر المعلق في بغداد. كنت أنتظر أن يدخل الناس أو أن يخرج إليهم ما كانوا ينتظرونه وأعني بذلك جنازة الشهيدين سليماني والمهندس. أذكر أن أحد الضباط أخبر الجموع المتزاحمة أن الموكب سيسلك شارعاً آخر فتراجع كثيرون أما أنا فبقيت في مكاني. وفجأة انفتح الباب وفي اللحظة التي خرجت فيها التوابيت شعرت كأن عيني انفتحتا معها. لم أستدعي دموعي ولم أُعد لها موعداً سالت من تلقاء نفسها كما يسيل الماء إذا وجد منفذاً. كان الناس يتدافعون نحو التوابيت لا بدافع الفضول بل كما يهرع الابن الى أبيه في وداعه الأخير يريد أن يلمس شيئاً قبل أن يغيب الى الأبد. قبل ذلك اليوم كان الإحباط يجثم على صدور كثيرين ممن تجمعوا هناك. كان الانتماء الذي يحملونه قد صار عبئاً وربما خطراً حتى بدا لبعضهم أنه يسير في الطريق الخطأ. لكن الله شاء أن تكون تلك الجثامين وهي صامتة أبلغ من كثير من الخطب أطفأت رماد اليأس وأشعلت نار الغضب وردت الى أصحابها شعوراً بالفخر بما ينتمون إليه.
ومنذ ذلك اليوم ترسخ في يقيني أن بعض الجنائز لا تقل أثراً عن المعارك. وأن موكباً يلتف حول نعش إذا لامس وجدان الناس قد يعادل في أثره ألف صاروخ يطلق على قاعدة أمريكية وألف جندي إسرائيلي يسقط وربما أقسى من مئات الصفعات التي تهوي على وجوه أولئك الجهلة لأن السلاح يغير موازين القوة أما المشهد الذي يسكن الذاكرة الجمعية فإنه يعيد تشكيل موازين البقاء.. واليوم وبعد ست سنوات يعود المشهد بروحه نفسها لكن بخصوم صاروا يعرفون ما الذي يمكن أن تصنعه جنازة كهذه. لذلك يسبقونها بالسخرية ويلجؤون الى الانتقاص ويكثرون من التهوين لا لأنهم واثقون من ضعفها بل لأنهم يخشون قوتها. يخافون أن يأتي تشييع الأربعاء بالصورة التي تلجم ألسنتهم وتوقظهم من أوهام نسجوا خيوطها ثم صدقوها. وأنا على يقين أن ما بعد هذا التشييع لن يكون كما قبله تماماً كما لم يعد ما بعد تشييع عام ٢٠٢٠ يشبه ما سبقه...
8 217
عندما نشيع موتانا جرت العادة أن يرتفع صوت من بين المشيعين في اللحظات الأخيرة قبل أن تمضي الجنازة الى النجف “رحم الله والديكم… أبرئوه الذمة.” وكأن الناس في تلك اللحظة الفاصلة بين الدنيا والآخرة يضعون عن الراحل ما استطاعوا من أثقال لأنه صار في محكمة العدل الإلهي حيث لا سلطان إلا للحق ولا ميزان إلا ميزان الله.
غير أن تشييع الأربعاء لن يكون ككل تشييع. لن يكون السؤال هل نبرئه الذمة؟ بل سيكون السؤال هل سيبرئنا هو الذمة؟ هل سيبرئ من أثقل اسمه بما ليس فيه ولوث سيرته بما برأه الله منه؟ وهل سيبرئ من جعل الناس يرون في بعض من يدعون محبته صورة تناقض كل ما عاش له وضحى من أجله؟ وهل سيبرئ من حملوا رايته بأيديهم ثم أسقطوا مبادئها من قلوبهم فبدلوا نهجه بالمصالح واستبدلوا لغة المقاومة بلغة خصومها حتى صاروا يرددون ما كان هو يقاومه ثم وقفوا بعد ذلك يرفعون صوره ويزعمون الوفاء؟
سيحضر الأربعاء من قتل السيد في حياته ثم عاد فاغتال فكره بعد استشهاده. سترفع رايات كانت ولاتزال كالرماح في صدر مشروعه وستسيل الدموع وتلتقط الصور وتلقى الخطب فإذا انفض الجمع وانتهى التشييع نصبت السقيفة من جديد.. سقيفة المصالح وسقيفة الالتفاف على المبادئ ليبدأ الانقضاض على آخر جذوة رفض لا تزال مشتعلة في الصدور وعلى آخر سلاح يأبى أن يغمد في وجه الباطل. أما أصدق المشيعين فليسوا أصحاب الضجيج بل أولئك المجهولون الذين لم تمهلهم الأقدار ليبلغوا الشهادة وهم يسيرون في درب قائدهم فبقوا يحملون عهده في قلوبهم لا يطلبون منصباً ولا صورة ولا تصفيقاً..
8 217
وفقاً لتقرير في صحيفة نيويورك تايمز خلال محادثات أبريل اشتبهت أمريكا في أن إسرائيل كانت تحاول اغتيال رئيسي فريق التفاوض وهما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي. ونتيجة لذلك طلبت أمريكا من دول مختلفة أن تحذر إيران من هذه الاحتمالية.
في أبريل كان من المقرر أن يسافر قاليباف الى إسلام آباد للقاء نائب الرئيس فانس ولكن مصادر أمنية إيرانية خشيت من أن تستغل إسرائيل هذه الفرصة لاغتيال قاليباف أو عراقجي وبالتالي عرقلة المفاوضات. ووفقاً للصحيفة طلبت إيران من خلال وسطاء باكستانيين وقطريين ضمانات بأن إسرائيل لن تقوم بأي عمليات سرية ضد الوفد الإيراني. رافقت طائرات مقاتلة باكستانية الطائرات الإيرانية من الحدود مع إيران وحتى إسلام آباد والعودة بعد انتهاء الاجتماع. ومع ذلك خلال العودة الى طهران، نشأ تهديد أمني حيث أبلغت قوات الأمن الإيرانية الطائرة التي كان على متنها قاليباف بأنها تلقت معلومات استخباراتية تفيد بأن إسرائيل تخطط لمهاجمة الطائرة وأن طائرتين مقاتلتين إسرائيليتين قد اخترقتا المجال الجوي الإيراني من خلال الحدود الغربية بالقرب من العراق. أكد أحد مستشاري قاليباف أن الطائرة قامت بهبوط اضطراري في مدينة مشهد وهي أقرب مطار للحدود الباكستانية ومن هناك سافر الوفد الإيراني على الأرض لمدة ثماني ساعات تقريباً حتى وصل إلى طهران. ووفقاً لثلاثة مسؤولين إيرانيين كاد قاليباف أن يقتل أيضاً في الحرب في يونيو ٢٠٢٥ وفي الحرب الأخيرة عندما هاجمت إسرائيل اجتماعاً سرياً لقادة الحكومة في منشأة جبلية. وفي الحالتين وفقاً لما قالوه تم إنقاذه من بين الأنقاض..
8 217
مع تزايد الضغوط على الفصائل لتسليم سلاحها وهي ضغوط أمريكية تمارس على الحكومة العراقية التي حددت مهلة تنتهي بنهاية الشهر التاسع لتسليم السلاح يبدو أن هذه الضغوط لم تعد تأتي بالصيغة التقليدية التي استمرت لسنوات والمتمثلة في اعتبار سلاح الفصائل مجرد تهديد للمصالح الأمريكية وحلفائها بل تعاظمت مع تعاظم القدرات العسكرية التي أظهرتها الفصائل خلال الحرب الأخيرة. مؤخراً كشف مركز الأبحاث الأمريكي التابع للأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت عن تقييم لتطور قدرات الفصائل العراقية والسياق الزمني الذي شهد هذا التعاظم.
يقسم المركز هذا التطور الى عدة مراحل ويتناول في الجزء الأول مراحل الانخراط في الحرب الأخيرة. يرى المركز أنه في ظل استمرار حزب الله اللبناني في التعافي وإعادة الحوثيين في اليمن تسليح أنفسهم أتيحت للفصائل العراقية فرصة نادرة لكسر الصورة النمطية التي كانت تصور بها بوصفها أعضاء هامشيين في محور المقاومة والتحول الى طرف عسكري رئيسي داخل المحور. ويعتقد مؤلفو التقرير أن المقاومة العراقية ارتقت الى مستوى هذا التحدي بقدر ما سمحت به قدراتها. وبحسب التقرير أظهرت الحرب الأخيرة وجهاً مختلفاً للمقاومة العراقية اتسم بمزيد من الصرامة والاستعداد لتحمل المخاطر إذ شنت الجماعات العراقية أكثر حملاتها كثافة على الإطلاق ضد الأمريكان وإقليم كردستان والأردن والخليج. كما نفذت وفق التقرير أولى محاولاتها المعروفة لتنفيذ عمليات خارجية في إشارة الى سلسلة الهجمات التي حاولت جماعة حركة أصحاب اليمين تنفيذها في أوروبا وأمريكا. ويشير المركز الى أن هذا التوسع في وتيرة العمليات استلزم استخداماً أوسع لقوات الحشد الشعبي الى جانب دعم لوجستي إيراني غير مسبوق شمل تقديم المشورة والمساعدة الفنية والعسكرية للفصائل.
مرحلة الصفر التحضير قبل الحرب. تميزت هذه المرحلة بالتحضير والإشارات المبكرة لاحتمال اندلاع الحرب. ويذكر التقرير أن المقاومة العراقية عملت خلال الأشهر الأولى من عام ٢٠٢٦ على إعداد نفسها للقيام بدور أكبر في حرب كان يتوقع على نطاق واسع أن تكون صراعاً وجودياً بالنسبة لإيران. ومع اقتراب الحرب استعرضت واجهة سرايا أولياء الدم منظومات أسلحة يقدر مؤلفو التقرير أنها تدار من قبل كتائب سيد الشهداء. وأظهرت هذه المواد منصة إطلاق لصواريخ باليستية قصيرة المدى من طراز القارع مثبتة على شاحنة فضلاً عن مجموعة متنوعة من الطائرات المسيرة من بينها شاهد ١٠١ وشاهد ١٠٧ إضافة الى طائرات أبابيل. ويرجح التقرير أنه تحسباً لاستهدافها بشكل مكثف قامت المقاومة بإعادة توزيع أنظمة الصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع اختباء جديدة بحلول ٢١ فبراير ٢٠٢٦ أي قبل نحو أسبوع من اندلاع الحرب. ويقال إن هذه العملية جرت على نطاق واسع في محافظة نينوى وفي غرب الأنبار وربما في مناطق أخرى أيضاً. وباحتساب الوافدين الجدد والمخزونات الموجودة مسبقاً يرى المركز أن المقاومة امتلكت في تلك المرحلة ما وصفه بالشحنة الأولى من الذخائر. كما جرى توزيع أسلحة بعيدة المدى يعتقد أنها مخزونات من صواريخ كروز في مناطق صناعية مجاورة لمعقل كتائب حزب الله في جرف الصخر. وبحسب المركز شهدت الفترة بين ١٥ و٢٠ فبراير تدفقاً لأسلحة إيرانية متطورة شملت أنظمة أسلحة كاملة إضافة الى مكونات طائرات مسيرة لتسهيل عمليات التجميع المحلي.
ويشير المركز الى وجود جهد موازي خلال شهري فبراير ومارس لتسريع عملية إنقاذ الأسلحة الإيرانية المتطورة التي تركت في سوريا بعد سقوط نظام الأسد. كما يبدو أنه جرى نقل صواريخ باليستية إيرانية متوسطة المدى قادرة على استهداف إسرائيل الى داخل الحدود الشرقية للعراق وتحديداً في محافظتي واسط وميسان. وبالاقتران مع الطائرات المسيرة الموجودة أصلاً داخل العراق مطلع عام ٢٠٢٦ أصبحت المقاومة العراقية تمتلك ما يسميه التقرير الشحنة الأولى من الذخائر. ويرى المركز أن اختيار الأهداف وتخصيصها كان يمثل الجانب الأخير من الاستعدادات السابقة للحرب. فالصواريخ الجوالة والطائرات المسيرة تحتاج الى برامج تخطيط مهام تتضمن إحداثيات الأهداف ومسارات الطيران وأنماط الارتفاع بينما تتطلب الصواريخ الموجهة الأخرى تحديد إحداثيات دقيقة لنقاط الإصابة. وعادة ما يحمل ملف المهمة على السلاح قبل الإطلاق بوقت قصير بالتزامن مع معايرة نظام تحديد المواقع العالمي GPS. وبحلول فبراير ٢٠٢٦ يرجح التقرير أن المقاومة كانت تمتلك مكتبة جاهزة من حلول الاستهداف يمكن اعتبارها مجموعة الأهداف الأولية التي أعدت للاستخدام مع بداية الحرب..
8 217
عندما تتأمل تداعيات حملة صولة الفجر يخيل إليك للوهلة الأولى أن تلك الأموال التي تجاوزت في ضخامتها حدود ما يتخيله كل محتاج وهو يغمض عينيه كل ليلة قد استخرجت من قبر الشهيد أبو باقر الساعدي أو أن ذلك الذهب قد انتزع من كفن الشهيد أبو حسن الفريجي أو أن قناني المياه المكدسة بالأموال كانت مدفونة الى جوار قبر الشهيد أبو تقوى السعيدي أو أن خيول مربط عالية نصيف كانت الوسيلة التي تنقلت بها مفارز المقاومة أثناء تنفيذ عملياتها.
ولماذا يراد لنا أن نتصور ذلك؟ لأنهم في الوقت الذي كانوا يرفعون فيه الستار عن أموال الفاسدين وهم في معظمهم من دعاة حصر السلاح وبناء الدولة التي تحفظ تدفق ثرواتهم ومصالحهم كانوا يوجهون أبصارهم وخطابهم نحو السلاح الذي تطالب أمريكا بمكافحته. وهكذا وبذكاء إعلامي محسوب استثمروا حملة مكافحة الفساد لتمرير خطاب مكافحة المقاومة حتى يغدو الأمران متلازمين في الوعي الشعبي الذي يتقاذفه الإعلام حيث شاء يميناً ويساراً والأعجب من ذلك أن يخرج شبل الزيدي وهو أول من رسخ مفهوم الاقتصاديات في العراق وأحد أبرز من أثقل اسم المقاومة والحشد بذلك الإرث ليتحدث اليوم عن العنف والفساد ويمنح الناس دروساً في ماهية المقاومة وحصر السلاح. ولعلنا نؤمن بأن أجساد الشهداء لا تأكلها ديدان الأرض لكني أجزم أن أرواحهم تضيق وتضطرب في مراقدها من الدود الذي ينهش سيرتهم فوق الأرض. دود يتجسد في أمثال شبل الزيدي وأقرانه ممن أثقلوا الأسماء الكبيرة بما لا يليق بها وجعلوا من التضحيات العظيمة مادة للمتاجرة والالتباس…
8 217
في أواخر شهر يونيو عام ٢٠٢٠ وفي الأسابيع الأولى من تولي مصطفى الكاظمي رئاسة الوزراء وسط بيئة أمنية وسياسية شديدة التعقيد نفذت القوات الأمنية عملية دهم استهدفت أحد المقار في منطقة البوعيثة جنوب بغداد. وأسفرت العملية عن اعتقال عدد من منتسبي كتائب حزب الله الى جانب مصادرة ذخائر تضمنت صواريخ عيار ١٠٧ ملم. لم يمر ذلك التحرك من دون رد فبعد ساعات دفعت كتائب حزب الله بعناصرها الى المنطقة الخضراء حيث استعرضت حضورها العسكري في خطوة هدفت الى إظهار قدرتها على فرض معادلات ردع ميدانية وإيصال رسالة سياسية مفادها أن أي استهداف مباشر لها سيقابل برد مماثل. وبعد أيام قليلة أُطلق سراح المعتقلين تحت ضغط الأزمة التي فرضتها تلك المواجهة في مؤشر على أن ميزان القوة آنذاك لم يكن يسمح للكاظمي بالمضي في مواجهة مفتوحة مع الفصائل.
من اللافت أن توقيت عملية “صولة الفجر” التي نفذت فجر أمس تزامن مع الذكرى السنوية لتلك الحادثة. ورغم أن العملية قدمت رسمياً باعتبارها حملة واسعة لمكافحة الفساد وتجفيف منابعه فإن أثرها السياسي والإعلامي يبدو أكثر وضوحاً من نتائجها التنفيذية. فقد أسهمت في توليد زخم شعبي داعم للحكومة وهو أحد أهدافها الرئيسية بالتوازي مع توجيه رسائل ردع مبطنة الى أطراف محددة داخل المشهد الأمني والسياسي. اليوم يمكن استشراف الهدف المقبل من خلال التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء التي قال فيها إن “المقاومة حاجة وليست مهنة وقد انتفت الحاجة إليها” مع تحديد موعد للفصائل لتسليم سلاحها. وانطلاقاً من ذلك يمكن النظر الى الزخم الشعبي الذي ولدته عملية صولة الفجر بوصفه تهيئة تدريجية للرأي العام لأي خطوات لاحقة قد تستهدف شخصيات أو تشكيلات مرتبطة بفصائل المقاومة بما قد يسهم في كسر ميزان القوة الذي فرض على الكاظمي سابقاً تجنب الصدام المباشر.
تشير التجارب الى أن كسب معركة السردية يسبق في كثير من الأحيان أي تحرك أمني واسع إذ تصبح الإجراءات التي كانت تعد شديدة الحساسية أكثر قبولاً عندما تقدم ضمن خطاب إعلامي متماسك يحظى بتأييد شعبي. وكمثال على ذلك قد تصل آثار هذه التعبئة الإعلامية الى حد أن شريحة من المجتمع كانت تنظر الى شخصيات مثل الشيخ أكرم الكعبي بوصفه شخصية مجاهدة بعيدة عن الشبهات قد تجد نفسها تحت تأثير هذا الزخم الإعلامي أكثر استعداداً لتأييد إجراءات بحقه بل وحتى التصفيق لاعتقاله إذا جرى تقديم ذلك في إطار حملة عنوانها فرض هيبة الدولة ومكافحة الفساد وحصر السلاح بيدها. لذلك تبدو التعبئة الإعلامية الراهنة جزءاً من مرحلة تمهيدية تسبق أي تصعيد أمني محتمل إذ يعاد من خلالها تشكيل البيئة النفسية والسياسية بما يجعل استهداف القيادات أو المقرات أو المصالح التابعة للفصائل أكثر قابلية للتقبل لدى الرأي العام. وإذا استمرت الفصائل في التمسك بموقفها الرافض لتسليم السلاح مهما كانت الأثمان فإن الضغوط السياسية والإعلامية والأمنية قد تتصاعد بصورة متوازية ضمن مسار قد يهدف الى دفعها نحو تسويات تتوافق مع الرؤية التي تتبناها الحكومة وداعموها الأمريكان..
8 217
ما جرى فجر اليوم في العراق لا يزال عصياً على بناء رواية مكتملة. فالمشهد تحكمه الضبابية والمعطيات المتوافرة حتى الآن لا تسمح بإصدار أحكام نهائية لكنها تتيح رسم ملامح أولية لما قد تكون عليه الصورة.
على المستوى الداخلي تكشف هوية المعتقلين عن مؤشرات سياسية يصعب تجاهلها. فالقسم الأكبر من الأسماء ينتمي الى كتلة السوداني وفي الساحة السنية شملت الحملة زعيم كتلة عزم مثنى السامرائي وعدداً من نوابه الى جانب زياد الجنابي ومضر الكروي المرتبطين بتحالفات انتخابية مع خميس الخنجر. وإذا ما وضعت هذه الأسماء في سياق واحد فإن الحملة تبدو وكأنها أصابت في وقت واحد محيط السوداني السياسي وشبكة حلفاء الخنجر مع تركيز واضح على الحلقة الأضعف داخل المكون السني والمتمثلة بمثنى السامرائي. كما يصعب إغفال اعتقال محمد جميل المياحي الذي كان حليفاً لشبل الزيدي قبل انتهاء شراكتهما السياسية قبل نحو شهرين. وباستثناء محمد الجبوري المنتمي الى كتلة الحلبوسي فإن أغلب الشخصيات المستهدفة تنتمي الى كتل تمتلك خصوماً سياسيين نافذين وهي القوى السياسية الكبرى المدعومة من الشخصية الاقوى في العراق والتي تدير موازين القوى ما يجعل هؤلاء الخصوم من أبرز المستفيدين سياسياً من نتائج الحملة. كذلك فإن غالبية الشخصيات السنية المعتقلة ترتبط بدرجات متفاوتة بملف عدنان الجميلي بما في ذلك محمد الجبوري الذي يبدو أن قيادة كتلته فضلت عدم خوض معركة سياسية للدفاع عنه.
أما على المستوى الدولي فتبرز مؤشرات على وجود تدخل أمريكي مباشر ببعض جوانب العملية. فقد تحدثت عدة وسائل إعلام من بينها شبكة تلفزيون العربي عن وصول محققين أمريكيين الى بغداد للتحقيق مع شخصيات لم يكشف عن جميع أسمائها في ملفات تتعلق بتمويل فصيل متهم باستهداف رتل دبلوماسي أمريكي. ومن المرجح أن يكون المقصود الهجوم الذي استهدف الرتل الذي كانت ترافقه الصحفية شيلي كيتلسون يوم إعلان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل الى جانب ملفات أخرى تتعلق بشخصيات مدرجة على قوائم الخزانة الأمريكية.
وانطلاقاً من هذه المعطيات يمكن النظر الى ما جرى بوصفه حملة ذات مسارين متوازيين. الأول داخلي يستهدف الخصوم الفاسدين مع تحقيق مكسب سياسي للحكومة عبر إظهار جدية أكبر في ملاحقة هذا الملف. لذا قد يكون قرار عدم قطع خدمة الإنترنت خلال وقت الامتحانات جزءاً من توجه أوسع هدف الى ضمان انتشار التغطية الإعلامية وتعظيم الأثر الشعبي للحملة. أما المسار الثاني فيبدو أكثر ارتباطاً بالأولويات الأمريكية إذ تشير الوقائع الى اهتمام أمريكا بإبعاد أو تحجيم شخصيات بعينها سواء عبر الإقالات التي شهدتها الأيام الماضية أو عبر بعض الاعتقالات الأخيرة خصوصاً مع اقتراب زيارة الزيدي الى أمريكا.
مع ذلك تبقى هذه القراءة تحليلاً أولياً يستند الى ما هو متاح من معلومات حتى الآن وليس استنتاجاً نهائياً. فما زال جزء مهم من الوقائع غائباً عن المجال العام وقد تكشف الأيام المقبلة معطيات جديدة.
8 217
كنت يا سيدي ترى أن تطبير الرؤوس ليس من نصرة الحسين بل مما يثقل رسالة التشيع ويشوه صورتها ويصرف الأبصار عن جوهر القضية..لكنك في صباح ذلك اليوم أذنت لرأسك أن ينزف دماً. وأنت صائم وربما عطشان وتركت جسدك يستقبل آلة الموت قطعةً قطعة. وربما أذنت ليدك أن تقطع ولجسدك أن يوارى تحت الركام ثم رضيت أن يقترب الموت من عيالك.
لماذا يا سيدي؟ لماذا لم تكتفي بشعيرة تنتهي بانتهاء النهار واخترت شعيرة لا ينتهي أثرها بانتهاء العمر؟ لماذا تركت ما يمارس كل عام وصنعت ما سيروى كل عام؟ لأنك كنت تعلم أن المواساة ليست دماً يراق والجسد في مأمن وإنما موقف يدفع ثمنه حين لا يبقى من الإنسان إلا إيمانه. لقد أديت يا سيدي شعيرةً لا يؤديها إلا من حمل الحسين في قلبه قبل أن يحمله على لسانه. من فهم أن "مثلي لا يبايع مثله" ليست عبارة تحفظ بل ميزاناً توزن به الحياة وأن "هيهات منا الذلة" ليست هتافاً يردد بل عهداً يوفى ولو كان ثمن الوفاء العمر كله.
وهل تعلم يا سيد حتى تشابيه واقعة الطف التي تقام كل عام ويبلغ القائمون عليها غاية جهدهم لينقلوا للناس شيئاً من هول الفاجعة. كان موتك أتقن منها في نقل الفاجعة. لم يكن بحاجة الى تمثيل ولا الى ممثلين ولا الى مؤثرات. كان الدم دماً والدخان دخاناً والموقف موقفاً..
اليوم لم تكن حاضراً في مجلس عاشوراء..بل كنت عاشوراء هذا العام..
8 217
قبل أيام شاهدت هذا اللقاء مع باحثة لبنانية تدعى رولا تلحوق وهي مسيحية مارونية. كان محور الحديث يدور حول شيعة لبنان وما تراه هي جوهر المعضلة اللبنانية والمتمثل بحسب رؤيتها في التفاف الشيعة حول حزب الله. وفي هذا المقطع تحديداً تنتقل للحديث عن ما تعتبره الإشكالية الأعمق في الوعي الشيعي أي استشهاد الإمام الحسين وكيف تحولت هذه الواقعة الى شعور دائم بالمظلومية والى قضية تستحضر باستمرار في قراءة الحاضر. في أصل الفكرة لا أجد ما قالته بعيداً عن الحقيقة لكنها أوظفت هذه الحقيقة في سياق يخدم استنتاجاً مختلفاً فهي ترى أن هذا الارتباط التاريخي بالحسين يمثل مشكلة ينبغي تجاوزها. والحقيقة أنه مشكلة… لكن على خصوم الحسين لا على أتباعه.
غداً سيُقتل الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه وتسبى نساؤه وستتحول كل ساعة من ذلك اليوم الى تاريخ مستقل وكل مشهد الى معنى قائم بذاته. غير أن المعضلة الحقيقية لن تكون في قتله بل فيما سيتركه قتله وراءه على كل طاغية يأتي بعد كربلاء. سيُقتل الحسين لكن قضيته لن تدفن معه. لن يقوم كما يؤمن المسيحيون بقيامة السيد المسيح بل ستقوم قضيته نفسها وتنهض من بين القرون ويكون بكاء المظلومين وحسرة المتأخرين عن نصرته ومداد الدموع التي سالت عليه هي الوقود الذي يبقي تلك القضية حية لا تموت. سيبكي الشيعة قروناً طويلة أكثر بكثير مما سيهتفون. ومن يجهر بتلك الدموع أو يجعلها موقفاً ولسان رفض سيدفع ثمنها قرباناً على يد أعدائه. وعلى امتداد أربعة عشر قرناً لم تكن الأحداث الثورية سوى ومضات متفرقة إذا قيست بطول هذا التاريخ.
نعم قامت دول وكيانات كرست الطقوس وأضافت إليها مفاهيم جديدة واستثمرت القضية الحسينية في صراعاتها كما فعلت الدولة الصفوية لكن ذلك كان في إطار قومي مذهبي أكثر منه مشروعاً ثورياً بالمعنى الذي نعرفه اليوم. كان التحول الأكبر جاء بعد عام ١٩٧٩ مع انتصار ثورة السيد الخميني. لم يكن السيد الخميني منشئ هذه الفكرة فالحسين أكبر من أن ينشئه أحد لكنه كان أعظم من رسخه وأعاد صياغته. منذ تلك اللحظة لم يعد الشيعة مجرد جماعة تمارس شعائرها بل تحولوا في نظر خصومهم الى مشكلة سياسية وحضارية لأن عاشوراء منذ ذلك اليوم أضافت الى طقوسها شعيرة المقاومة. ومن تلك المدرسة خرج رجال لم يعودوا أفراداً عاديين بل تحولوا الى ظواهر صنعت قلق أعدائها وأصبحت أسماؤهم عناوين في تاريخ المقاومة. خمسون عاماً فقط بدت وكأنها جاءت لتعوض قروناً طويلة من الانتظار.
كان هؤلاء يبكون الحسين لأنهم لم يكونوا معه يوم كربلاء ويتحسرون لأنهم حرموا من ذلك الفوز العظيم. لكنهم اكتشفوا بعد قرون أن الحسين لم يغادرهم يوماً. لم يكونوا معه قبل ألف وأربعمائة عام لكنه كان معهم حين انهالت عليهم صواريخ يزيد العصر وكان يزيد حاضراً أيضاً يتبدل اسمه ويتغير لباسه لكنه يبقى هو ذاته يتجسد في كل زمان. غداً سيصبح الحسين شهيداً ومع شهادته ستولد كل حركات المقاومة التي عرفها التاريخ أو ستجد أصلها الأول. سيصبح لكل تفصيل من تفاصيل كربلاء معنى يتجاوز حدود الواقعة..الشهادة والجسد المقطع والكف المبتورة والعطش والشيبة الوقورة والشاب والفتى والطفل الشهيد والأم الثكلى والأخت والابنة والزوجة المفجوعة والأسير الذي يحمل الرسالة. غداً لن يكون مجرد ذكرى لمأساة وقعت في القرن الأول الهجري بل سيكون اليوم الذي اكتسبت فيه كل هذه المفاهيم معناها الخالد. ومنذ ذلك اليوم كل من يقف في وجه الظلم يحمل شيئاً من الحسين وكل ظالم مهما تغير اسمه أو رايته يحمل شيئاً من يزيد…
8 217
روى جنود أمريكيون أصيبوا في الحرب لشبكة CBS أن الجيش الأمريكي قلل من شدة إصاباتهم في محاولة لإظهار صورة الحرب أفضل مما كانت عليه في الواقع. الجنود الذين أصيبوا في هجوم الصواريخ الإيرانية على القاعدة الأمريكية في الكويت في مارس الماضي يزعمون أن البنتاغون عرض إصاباتهم على أنها أقل خطورة مما كانت عليه فعلياً..
8 217
بحسب تقرير في شبكة CNN كشف طيار مقاتلة F15 التي أسقطت في إيران في شهر أبريل خلال الحرب في شهادته أنه قبل أن تتعرض الطائرة للضرب رأى مجموعة من الطائرات بدون طيار والطائرات الصغيرة تتحرك معاً في تشكيل موحد ومتشابك وكان هناك طائرات بدون طيار كبيرة وأخرى صغيرة. هذا المشهد النادر اعتُبر كنوع من "حقل ألغام" جوي وأثار جدلاً في الاستخبارات الأمريكية حول ما إذا كانت هذه في الواقع قدرة هجومية جديدة لإيران..
8 217
في مثل هذه الأيام من العام الماضي وفي ذروة حرب الـ١٢ يوم دوى انفجار على الطريق الواصل بين العراق وإيران بعد أن استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي عجلة كانت قد اجتازت منفذ الشيب الحدودي متجهة نحو الأراضي الإيرانية. أسفرت الغارة عن استشهاد المسؤول الأمني لكتائب سيد الشهداء السيد حيدر الموسوي ومرافق الشهيد السيد حسن نصر الله الشهيد أبو علي خليل إلا أن الاسم الذي منح العملية وزنها الإستراتيجي وجعلها حدثاً يتجاوز حدود الضربة التكتيكية كان العميد في الحرس الثوري الشهيد بهنام شهرياري الرجل الذي كان الهدف الرئيسي للعملية وأحد أكثر الشخصيات غموضاً وتأثيراً في شبكات الإمداد واللوجستيات لمحور المقاومة.
لم يكن شهرياري مجرد ضابط عسكري تقليدي بل كان العقل الذي وقف لسنوات طويلة خلف ما عرف بوحدة ١٩٠ التابعة لفيلق القدس وهي الوحدة المسؤولة عن بناء وإدارة مسارات نقل السلاح والعتاد الى مختلف أطراف محور المقاومة من العراق ولبنان الى اليمن وفلسطين وبأسماء حركية متعددة من بينها علي أكبر وكيلي ورضا شاه جراقي. نسج الرجل شبكة معقدة من العلاقات والشركات والطرق السرية التي جعلت منه أحد أكثر المطلوبين لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والغربية.
تعود جذور هذه المسيرة الى مطلع الألفية حين أوفد فيلق القدس الشهيد شهرياري الى لبنان ليتولى جانباً من ملف نقل الأسلحة والدعم اللوجستي. ومنذ ذلك الحين تحول الى مهندس لواحد من أكثر برامج الإمداد تعقيداً في المنطقة وهو برنامج لم يقتصر على استغلال الحدود البرية فحسب بل امتد الى الموانئ البحرية وشبكات الشحن الجوي والشركات التجارية العابرة للقارات.
في عام ٢٠٠٧ وبعد خروج قطار عن سكته داخل الأراضي التركية اكتشفت السلطات شحنة أسلحة كانت في طريقها من إيران الى سوريا ثم لبنان عبر تركيا. لم يكن ذلك سوى فصل من فصول النشاط الذي أشرف عليه شهرياري الذي كان يدير آنذاك جزءاً مهماً من عمليات النقل السرية عبر المسارات الإقليمية. وبعد عامين فقط في ٢٠٠٩ اعترضت البحرية الإسرائيلية سفينة "إم في فرانكوب" جنوب قبرص وعلى متنها ست وثلاثون حاوية تضم مئات الأطنان من الأسلحة والذخائر المتجهة نحو لبنان. ووفقاً للتقارير الإسرائيلية كانت الشركة المرتبطة بإدارة الشحنة إحدى الواجهات التجارية التي ارتبط اسم شهرياري بها في نموذج يكشف حجم التداخل بين النشاط التجاري الظاهري والوظيفة اللوجستية السرية. لكن دور شهرياري لم يتوقف عند خطوط الإمداد. فبحسب ما نسب إليه في مصادر أمنية إسرائيلية شارك في التخطيط لعمليات استهدفت مصالح إسرائيلية على الأراضي التركية بالتعاون مع حزب الله، إحداها عام ٢٠٠٩ والأخرى عام ٢٠١٠ في مؤشر على أن دوره تجاوز النقل والتسليح الى المساهمة في إدارة ملفات عملياتية أكثر حساسية.
ومع مرور السنوات اتسع نطاق نشاطه ليشمل مسارات تمتد من الشرق الأوسط الى آسيا وأمريكا اللاتينية. فقد أشرف على شبكات نقل وشركات واجهة توزعت بين الصين وروسيا وكوريا الجنوبية وفنزويلا واستخدم مزيجاً من الطرق البرية والبحرية والجوية لتجاوز العقوبات والرقابة الدولية. لهذا السبب لم ينظر الى استهدافه باعتباره اغتيالاً لضابط ميداني فحسب بل باعتباره محاولة لضرب أحد الأعمدة الخفية التي استندت إليها شبكات الإمداد الإقليمية طوال أكثر من عقدين. فبعض الشخصيات تصنع حضورها في ساحات القتال فيما يصنع آخرون أثرهم في الظل حيث ترسم الخرائط وتفتح الطرق وتدار الشبكات. وكان الشهيد بهنام شهرياري بالنسبة لخصومه وحلفائه على حد سواء واحداً من أبرز رجال الظل الذين تركوا بصمة عميقة في تاريخ الصراع مع الكيان...
8 217
بعد انهيار نظام صدام عام ٢٠٠٣ اختارت أمريكا اللواء محمد الشهواني لقيادة جهاز المخابرات العراقي الجديد. كان الشهواني ضابطاً من الموصل خدم في المؤسسة العسكرية للنظام السابق قبل أن ينخرط في تعاون طويل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA ويشارك في التخطيط لإحدى المحاولات الانقلابية الفاشلة ضد صدام ما اضطره الى مغادرة العراق قبل عودته بعد الغزو الأميركي. يصعب فهم تاريخ جهاز المخابرات بعد ٢٠٠٣ وبعض الإشكاليات التي تخصه أو حتى صعود أبو علي البصري وخلية الصقور لاحقاً من دون التوقف عند شخصية الشهواني. فمنذ تسلمه المنصب دخل في صدامات متواصلة مع القوى السياسية الشيعية آنذاك بما فيها أحمد الجلبي الذي كان ينظر إليه باعتباره حليفاً لأمريكا رغم تحوله الى ما يشبه الحليف الخصم بسبب اتهامات بامتلاكه علاقات وثيقة مع الإيرانيين ودعم الفصائل والقوى الشيعية المسلحة وخلافه مع وكالة الاستخبارات الأميركية. وبلغ الخلاف بين الطرفين حد اقتحام مكتب الجلبي عام ٢٠٠٤ بمشاركة عناصر أميركية. كما لم يخضع الشهواني لرغبات حكومة نوري المالكي وبقي محصناً بالدعم الأميركي حتى خروجه من الجهاز عام ٢٠٠٩. وبالنسبة للمالكي كانت المشكلة الأساسية أن جهاز المخابرات عملياً لم يكن خاضعاً لسلطته السياسية. ومن هنا بدأت فكرة بناء مسار استخباري موازي أكثر ارتباطاً بمكتب رئيس الوزراء فكانت ولادة خلية الصقور الاستخبارية عام ٢٠٠٦ بقيادة أبو علي البصري.
ينتمي أبو علي البصري الى خلفية مختلفة تماماً عن الشهواني. فقد كان من كوادر حزب الدعوة وعاش سنوات طويلة في المنفى انتهت باستقراره في السويد قبل أن يعود الى العراق بعد ٢٠٠٣. وسرعان ما بدأ يلفت الأنظار من خلال ملفات أمنية معقدة عجزت جهات أخرى عن تفكيكها. كان أحد أبرز هذه الملفات التحقيق في تفجير فندق القناة ببغداد عام ٢٠٠٣ وهو الهجوم الذي ظل لسنوات يكتنفه الغموض. استهدف التفجير مقر الأمم المتحدة وأسفر عن مقتل المبعوث الأممي البرازيلي سيرجيو فييرا دي ميلو الى جانب عدد من موظفي المنظمة الدولية. وقد شكل الهجوم نقطة تحول مهمة إذ دفع الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية الى تقليص وجودها أو الانسحاب من العراق. في تلك المرحلة وبعد سنوات من العمل الاستخباري تمكنت خلية الصقور من تحديد هوية أحد العناصر الرئيسيين المرتبطين بالتخطيط للهجوم وهو طيار مدني سابق ينتمي لتنظيم الزرقاوي.
لكن الإنجاز الذي رسخ مكانة البصري كان اعتقال مناف الراوي عام ٢٠١٠ وهو والي بغداد في تنظيم دولة العراق الإسلامية وأحد أخطر القيادات التكفيرية في تاريخ العراق. احتفظت خلية الصقور باعتقال الراوي بسرية تامة حتى عن الجانب الأميركي واستثمرت التحقيق معه للوصول الى معلومات قادت الى تعقب زعيم التنظيم أبو عمر البغدادي ووزير حربه أبو أيوب المصري. إلا أن السرية لم تستمر طويلاً. فبعد اعتقال شقيق مناف من قبل القوات الأميركية كشف الأخير أن شقيقه محتجز لدى السلطات العراقية ما أدى الى اطلاع الأميركيين على العملية الجارية للقضاء على البغدادي والمصري في صحراء سامراء. ومنذ تلك اللحظة بدأت تتشكل أولى ملامح التوتر بين البصري والأميركيين الذين لم يكونوا مرتاحين لوجود جهاز أمني عملياتي يعمل خارج نطاق التنسيق المباشر معهم. كما كانت خلية الصقور أول جهة تتعرف على هوية أبو بكر البغدادي بوصفه زعيماً جديداً بعد مقتل أبو عمر البغدادي عام ٢٠١٠ اعتماداً على اعترافات أدلى بها أحد أقارب الأخير. وخلال السنوات اللاحقة لعبت الخلية دوراً مهماً في إضعاف تنظيم دولة العراق الإسلامية قبل تحوله الى داعش ثم في استنزافه خلال مرحلة صعوده اللاحقة. استمر البصري في قيادة خلية الصقور حتى عام ٢٠٢١ عندما أُبعد عن منصبه عقب تفجير ساحة الطيران في بغداد. وجاء القرار بأمر الكاظمي الرئيس السابق لجهاز المخابرات وهي خطوة فسرت باعتبارها فصلاً متأخراً من الصراع التاريخي بين جهاز المخابرات وخلية الصقور أكثر من كونها مجرد استجابة لاعتبارات أمنية آنية وقد أشارت صحيفة ميدل إيست آنذاك الى أن الكاظمي استغل حادثة ساحة الطيران لتصفية حسابات قديمة وتنفيذ هذا الإجراء.
واليوم ومع إبعاد البصري من جهاز الأمن الوطني أيضاً يعود الجدل ذاته الى الواجهة. فهناك من يرى أن ما يجري ليس مجرد تغيير إداري اعتيادي بل امتداد لصراع قديم بين شبكات أمنية متنافسة داخل الدولة العراقية. وتزداد هذه القراءة حضوراً في ظل تقارير إعلامية ربطت موجة الإقالات الأخيرة بأجواء سياسية رافقت زيارة المبعوث الأميركي توم باراك وما تردد عن وجود اعتراضات أميركية على بقاء بعض الشخصيات الأمنية في مواقعها. لذلك ووفق هذا السياق فإن إقصاء البصري لا يقرأ بوصفه قراراً إدارياً فحسب بل باعتباره حلقة جديدة من سلسلة طويلة من الثأر المؤجل. كما أنه جاء متزامناً مع حملة اجتثاث لمسؤولين ينظر إليهم على أنهم خارج دائرة القبول والرضا الأميركي..
8 217
أعلن الجيش الصهيوني أسماء قتيلين إضافيين من قواته العاملة في جنوب لبنان. الجندي الذي يظهر في أعلى الصورة اسمه يوآف كلاين وقد قتل قبل يومين في مرتفعات علي الطاهر في الحادثة ذاتها التي أسفرت عن مقتل قائد كتيبة ٥٢ وجنديين آخرين لم ينشر اسم أو صورة أحدهما حتى الآن. أما الجندي الظاهر في أسفل الصورة فقد قُتل أمس إثر استهدافه بطائرة مسيرة.
وتتعامل الأوساط العسكرية والإعلامية الإسرائيلية مع معركة مرتفعات علي الطاهر باعتبارها واحدة من أكثر الاشتباكات أهمية في جنوب لبنان. ووفق الرواية الإسرائيلية فإن القوات تواجه هناك تجمعاً كبيراً من مقاتلي حزب الله يتمركز داخل شبكة بنى تحتية محصنة تحت الأرض يعتقد أنها تستخدم كمقر قيادة لوحدة بدر التابعة للحزب. وتشير التقديرات الإسرائيلية الى أن هذا المجمع لا يمثل مجرد موقع دفاعي بل عقدة عملياتية رئيسية تدار منها أنشطة المراقبة والاستطلاع وتوجيه النيران ضد القوات الإسرائيلية إضافة الى دوره في تنسيق وإطلاق الصواريخ باتجاه شمال الكيان...
8 217
يحمل تقرير رويترز الأخير بشأن إنشاء الحرس الثوري خلايا عملياتية سرية داخل العراق لتنفيذ هجمات ضد المصالح الأمريكية وحلفائها في الخليج دلالات تتجاوز مجرد توصيف أمني عابر. فالتقرير يتحدث عن بنية عمل موازية لمنظومة الفصائل المعروفة صممت خصيصاً لتقليل البصمة الاستخبارية وتوفير هامش إنكار أكبر للجهات الراعية لها. ووفقاً للمعلومات الواردة تتكون هذه الشبكة من ثلاث الى أربع خلايا يضم كل منها نحو عشرة عناصر من المقاتلين العراقيين ذوي الخبرة العالية وقد نُسب إليها تنفيذ ما لا يقل عن سبع هجمات بالطائرات المسيرة بين ٢٠ نيسان و١٧ أيار استهدفت مواقع في الكويت والسعودية والإمارات انطلاقاً من مناطق صحراوية قرب البصرة والسماوة. كذلك يذكر التقرير الى أن بعض أفراد هذه الخلايا يرتبطون تنظيمياً بالمقاومة الإسلامية في العراق إلا أن آلية عملهم تتم بصورة منفصلة عن الهياكل التقليدية للفصائل. كما تحدث عن ظهور تشكيلات تحمل أسماء غير مألوفة نسبياً تبنت بعض تلك العمليات. وهذه الجزئية تحديداً تمنح التقرير قدراً من المصداقية لكنها تتطلب قراءة أكثر دقة إذ إن ما ظهر على الأرض لم يكن بالضرورة جماعات جديدة بقدر ما كان إعادة تدوير لأسماء وواجهات عملياتية جديدة لجماعات قائمة بالفعل.
بعد يوم واحد فقط من وقف إطلاق النار وتحديداً في ٩ نيسان تعرضت الكويت لهجوم بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي العراقية. وفي اليوم التالي ظهرت جماعة تحمل اسم “أبو هاشم العراقي” لتتبنى العملية. ويبدو أن هذا المثال ينسجم مع ما أورده تقرير رويترز حول استخدام مسميات جديدة لتغطية نشاط شبكات قائمة. وبالنظر الى سياق العملية ودوافعها يرجح أن تكون هذه المجموعة مرتبطة بكتائب حزب الله خصوصاً أن الهجوم جاء عقب استشهاد ثلاثة من عناصر الكتائب في البصرة. أما الهجمات التي استهدفت الإمارات والسعودية فهي على الأرجح تلك التي طالت محطة براكة النووية الإماراتية في ١٧ أيار إضافة الى الهجوم المتزامن بثلاث طائرات مسيرة ضد أهداف داخل السعودية في اليوم نفسه وهي عمليات أكدت الدول المستهدفة أن مساراتها انطلقت من الأراضي العراقية وكانت ألوية الوعد الحق التي تعد إحدى الواجهات الإعلامية والعملياتية للفصائل قد هددت قبل الهجوم وتحديداً يوم ١١ مارس باستهداف محطة براكة النووية الإماراتية.
تشير المعطيات الى أن فكرة إنشاء هذه الخلايا لم تكن وليدة الحرب الأخيرة بل تعود جذورها الى مرحلة سابقة. غير أن نقطة التحول الحاسمة جاءت مع اندلاع الحرب وما أعقب استشهاد السيد علي خامنئي حيث تدفقت الدفعة الأولى من ضباط قوة القدس الى العراق. ومع بداية الحرب بدأت فصائل المقاومة العراقية بتوسيع نطاق عملياتها بصورة لافتة إذ أعلنت في بيان صادر بتاريخ ٢٨ شباط تنفيذ ست عشرة عملية باستخدام عشرات الطائرات المسيرة داخل العراق وخارجه وذلك بعد ساعات من إعلان استشهاد السيد الخامنئي. وكانت لدى بعض المؤسسات الأمنية العراقية معلومات عن انتشار عدد من الضباط الإيرانيين في منازل آمنة داخل بغداد والنجف وديالى والبصرة. وقد تعرض أحد هذه المواقع في منطقة الجادرية ببغداد للاستهداف وأسفر الهجوم عن استشهاد المستشار الإيراني المعروف بالحاج عبد الله. ومنذ تلك الحادثة دخلت العلاقة بين الفصائل وجهاز المخابرات مرحلة من التوتر غير المسبوق وتحولت الاتهامات التي كانت تتداول في الغرف المغلقة الى اتهامات علنية ومباشرة ضد عدد من ضباط الجهاز.
وفي تقديري فإن هذا السياق لا يمكن فصله عن المعلومات التي ذكرها تقرير رويترز. فطبيعة التفاصيل الواردة في التقرير وتركيزها على البنية التنظيمية وأماكن النشاط توحي بأن مصدرها يرتبط بشكل أو بآخر بملف الصراع الذي نشأ عقب استهداف أحد مواقع الضباط الإيرانيين وبشبكة الاتهامات المتبادلة التي أعقبت تلك الأحداث…
8 217
شكل الكمين العظيم الذي نفذه حزب الله مساء أمس في مرتفعات علي الطاهر في النبطية إحدى أكثر العمليات تعقيداً على الجبهة اللبنانية. فبحسب المعطيات المتداولة نجحت القوة المنفذة في استدراج وحدة إسرائيلية متقدمة الى منطقة مهيأة مسبقاً للقتال قبل أن تبادر الى استهدافها بنيران دقيقة أدت الى إعطاب ثلاث دبابات ميركافا ومقتل أربعة جنود إسرائيليين من بينهم قائد كتيبة.
وتكتسب خسارة قائد الكتيبة دلالة تتجاوز بعدها التكتيكي المباشر. فوفق ما أوردته منصات وصحف عبرية كان الضابط قد تولى منصبه قبل نحو شهرين فقط خلفاً لقائد أُصيب خلال العمليات السابقة. ويعزز هذا المعطى الانطباع المتنامي داخل الأوساط العسكرية الإسرائيلية بأن حزب الله لا يكتفي باستنزاف القوات المتقدمة بل يعمل بصورة منهجية على استهداف المفاصل القيادية الميدانية داخل الكتائب والألوية بما يضاعف من التأثير العملياتي والنفسي للخسائر.
ولم يكن نجاح الكمين نتاجاً لطبيعة الأرض الجبلية الوعرة فحسب بل جاء أيضاً نتيجة تراكم طويل من التحصينات والبنى التحتية العسكرية التي بناها الحزب في المنطقة على مدى سنوات. وتشير تقارير إسرائيلية الى أن مرتفعات علي الطاهر تضم شبكة أنفاق ومنشآت تحت الأرض بينها نفق يقدر طوله بنحو كيلومتر واحد يحتوي على مرافق قيادة وتحكم ومستودعات للأسلحة وربما منصات إطلاق صاروخية. ورغم تعرض المنطقة لسلسلة غارات جوية مكثفة خلال السنوات الماضية فإن محدودية قدرة الذخائر الإسرائيلية على اختراق التحصينات العميقة أسهمت في الحفاظ على فاعلية هذه المنشآت.
وتفيد صور الأقمار الصناعية وتقارير المتابعة بأن أعمال تطوير وتوسعة استمرت في الموقع خلال الأعوام الأخيرة فيما تتحدث تقارير لبنانية غير مؤكدة عن ارتباطه بمنشأة “عماد ٤”. وبغض النظر عن دقة هذه الروايات فإن الوقائع الميدانية تؤكد أن الموقع يمثل أحد أهم العقد الدفاعية التي يتمسك بها حزب الله في القطاع الجنوبي. ومن اللافت أن محاولات الاقتراب من المنطقة لم تتوقف حتى خلال فترات التهدئة ووقف إطلاق النار إذ تشير مصادر إسرائيلية الى استمرار محاولات التقدم والاستطلاع بصورة شبه يومية. غير أن هذه الجهود اصطدمت مراراً بطبيعة الموقع الدفاعية وبالتحضيرات المسبقة التي تجعل أي اقتراب منه عملية عالية الكلفة.
لذا تبرز أهمية الكمين الأخير إذ إن الدبابة التي كانت تقل قائد الكتيبة بحسب التقارير العبرية استُهدفت على مسافة تقارب ٣٠٠ متر فقط من أحد مداخل المنشأة الرئيسية. وهو ما يعكس ليس فقط دقة الرصد والاستهداف بل أيضاً قدرة حزب الله على فرض منطقة حرمان عملياتي حول أحد أكثر مواقعه الاستراتيجية حساسية جنوب لبنان..
