صفي الدين
رفتن به کانال در Telegram
قناة شخصية أشارك فيها قراءاتي حول الأحداث المهمة مع محاولة تقليل الضجيج الإخباري الى جانب الاهتمام بأرشفة فصائل وشخصيات المقاومة في العراق.
نمایش بیشتر8 544
مشترکین
اطلاعاتی وجود ندارد24 ساعت
+187 روز
+9030 روز
در حال بارگیری داده...
کانالهای مشابه
ابر برچسبها
اشارات ورودی و خروجی
---
---
---
---
---
---
جذب مشترکین
سپتامبر '26
سپتامبر '26
+27
در 4 کانالها
اوت '26
+204
در 10 کانالها
Get PRO
ژوئیه '26
+339
در 26 کانالها
Get PRO
ژوئن '26
+215
در 27 کانالها
Get PRO
مه '26
+313
در 32 کانالها
Get PRO
آوریل '26
+352
در 31 کانالها
Get PRO
مارس '26
+1 858
در 70 کانالها
Get PRO
فوریه '26
+292
در 25 کانالها
Get PRO
ژانویه '26
+309
در 19 کانالها
Get PRO
دسامبر '25
+370
در 28 کانالها
Get PRO
نوامبر '25
+281
در 22 کانالها
Get PRO
اکتبر '25
+194
در 17 کانالها
Get PRO
سپتامبر '25
+220
در 23 کانالها
Get PRO
اوت '25
+261
در 22 کانالها
Get PRO
ژوئیه '25
+186
در 22 کانالها
Get PRO
ژوئن '25
+594
در 49 کانالها
Get PRO
مه '25
+206
در 16 کانالها
Get PRO
آوریل '25
+179
در 18 کانالها
Get PRO
مارس '25
+286
در 20 کانالها
Get PRO
فوریه '25
+241
در 24 کانالها
Get PRO
ژانویه '25
+311
در 29 کانالها
Get PRO
دسامبر '24
+392
در 20 کانالها
Get PRO
نوامبر '24
+423
در 26 کانالها
Get PRO
اکتبر '24
+940
در 30 کانالها
Get PRO
سپتامبر '24
+523
در 17 کانالها
Get PRO
اوت '24
+218
در 16 کانالها
Get PRO
ژوئیه '24
+84
در 10 کانالها
Get PRO
ژوئن '24
+287
در 10 کانالها
Get PRO
مه '24
+87
در 6 کانالها
Get PRO
آوریل '24
+383
در 9 کانالها
| تاریخ | رشد مشترکین | اشارات | کانالها | |
| 03 سپتامبر | +14 | |||
| 02 سپتامبر | +5 | |||
| 01 سپتامبر | +8 |
پستهای کانال
ما جرى اليوم في تلة علي الطاهر جنوب لبنان لا يمكن قراءته ببساطة باعتباره انتصاراً عسكرياً إسرائيلياً صافياً. ثمة مؤشرات تدفع الى احتمال أن العملية كانت جزءاً من تفاهم أوسع وأن ما حدث على الأرض قد تكون له ترتيبات لا تظهر في الرواية العلنية.
إسرائيل لم تخض بحسب المعطيات المتاحة معركة واسعة أو طويلة في هذه المنطقة خلال الفترة الماضية ولم تدفع بقواتها الى ما وراء خطوط تمركزها المعروفة في وقت تحدث فيه الجيش الإسرائيلي عن تحقيق سيطرة عملياتية على سلسلة جبال علي الطاهر فوق الأرض وتحتها. وهذه العبارة تحديداً تستحق التدقيق. بحسب الخبراء فإن السيطرة العملياتية ليست مرادفاً للاحتلال ففي العمليات البرية السيطرة الحقيقية لا تقاس بالوصول الى المرتفع فقط وإنما بالقدرة على الاحتفاظ به وتأمين محيطه وإنشاء خطوط إمداد إليه ومنع الخصم من العودة الى المواقع التي أُخرج منها. وهذه المرحلة هي التي لم تتضح صورتها بعد في علي الطاهر. كذلك فإن استمرار القصف بعد الإعلان عن السيطرة العملياتية يحمل دلالة ميدانية. فالقصف المستمر يعني أن المنطقة لم تتحول بعد الى مساحة آمنة بالكامل للقوات الموجودة فيها وأن إسرائيل ما زالت تستخدم النيران لإبقاء المجال المحيط بها تحت الضغط. استمرار الضربات يوحي بأن الصورة أكثر تعقيداً من مجرد إعلان تحرير منطقة عسكرياً. وربما تكون إسرائيل قد حققت هدفاً عملياتياً محدوداً لكنها لم تحقق بالضرورة الهدف السياسي والعسكري الأكبر الذي يمكن لنتنياهو أن يقدمه لجمهوره بوصفه انتصاراً حاسماً.
والأهم هو ما إذا كان مقاتلو المقاومة قد انسحبوا نتيجة قرار عسكري مستقل وبشروطهم الخاصة لا نتيجة انهيار في القدرة على القتال. فالفرق بين الحالتين جوهري. انسحاب منظم بعد فترة استثنائية من الصمود وربما مقابل شروط وهذا أمر مختلف تماماً. حتى نتنياهو نفسه تحدث بحذر لافت ولم يتعامل مع التطورات كما لو أنها نهاية معركة كبرى أو حسم استراتيجي نهائي. لذلك فإن أفضل طريقة لقراءة ما حدث ليست من خلال العنوان الإسرائيلي عن السيطرة بل من خلال ما لم يحدث وهو لا توغل واسع ولا معركة حاسمة ولا تغيير واضح في خطوط الانتشار وفي المقابل استمرار للقصف وبعض الإجراءات التي توحي بأن ثمة طبقات أخرى من الترتيب لم تكشف بالكامل. قد يكون ما جرى عملية عسكرية محدودة. وقد يكون جزءاً من تفاهم أوسع. لكن المؤكد أن الرواية الإسرائيلية عن السيطرة التامة غير صحيحة..
| 2 | عن ضجة تشرين المفتعلة الآن لنتحدث بكل وضوح ومن دون مجاملات. هادي العامري مهما كان تاريخه وموقعه هو اليوم سياسي استهلكه العمر قبل أن تستهلكه السياسة ويتعامل مع تعقيدات الوضع العراقي بمنطق "المنگول" في الفصول العشائرية "طيحلي وبوس عمك". يقود حزباً سياسياً لكن السؤال البسيط الذي يفرض نفسه أين أثر هذا الحزب؟ ماذا صنع من مفاهيمه؟ أين كوادره؟ وأين القاعدة الشعبية الحقيقية التي يفترض أن تكون ثمرة سنوات طويلة من العمل السياسي؟ مع تشوه مستمر في المعايير لا هم قادرون على الانفصال عن ماضيهم ولا هم قادرون على الارتباط بتحولات الحاضر وتحديثاته. ثم تأتي العبارة التي قالها "المقاومة أنهت فتنة تشرين". أي مقاومة يقصد؟ وهل أنت جزء منها حتى تتحدث باسمها؟ ولماذا في هذا التوقيت الحساس تحديداً تحمل اسم المقاومة موقفاً وتفصيلاً هي في غنى عنهما؟ ولماذا إعادة فتح مواجهة سياسية مع تشرين وهي حركة انتهى حضورها الفعلي منذ سنوات وكأن المطلوب إحياؤها من جديد بعد أن فقدت قدرتها على التأثير؟
المشكلة ليست في تشرين ولا في الدفاع عنها أو مهاجمتها المشكلة في عقلية سياسية لا تزال تتعامل مع الوضع وكأنه متوقف عند لحظة قديمة بينما تغير الشارع وتغيرت الأولويات وتبدلت الأسئلة. هذه التصريحات لا تكشف قوة سياسية بقدر ما تكشف انفصالاً عن المزاج العام. فالسياسي الذي يقرأ الشارع يعرف متى يتحدث وبماذا يتحدث وباسم من يتحدث ومتى يكون الصمت أكثر فائدة من فتح معركة لا يحتاجها أحد… حجينا أشرب چايك لا يبرد. | 1 578 |
| 3 | أكرم الكعبي يوم ٤/٤ من عام ٢٠٠٤ هو أكرم الكعبي نفسه اليوم بعد اثنين وعشرين عاماً.
تبدلت الرايات وتغيرت الوجوه وتفرق الرفاق منهم من غادر ومنهم من هادن ومنهم من اختار أن يكتب الماضي بلغة الحاضر. أما هو فبقي حيث كان لم يتبدل الهدف ولم يتغير السلاح.
هو الوحيد الذي يحق له أن يستذكر النجف بتفاصيلها وكربلاء والمالية والصولة لأنه كان وما يزال هناك. ومع ذلك فهو لا يحتاج الى أن يستعير شرعية الماضي ولا الى أن يستدعي أمجاد الأمس ليبرر تناقضات الحاضر لأن من بقي ثابتاً لا يحتاج الى الماضي كي يثبت نفسه ولا الى التاريخ كي يمنحه شرعية. فهو لم يتغير كي يحتاج الى أن يبرر ما تغير.. | 1 849 |
| 4 | بدلاً من أن تكون ذكرى فك الحصار عن آمرلي مناسبة لاستحضار واحدة من أهم صفحات المواجهة مع تنظيم داعش ومناسبة تجمع حولها القوى الشيعية التي شاركت في القتال تحولت في كل عام تقريباً الى موسم جديد للسجال والمناكفة حول من كان أول من فك الحصار؟ ومن دخل المدينة فاتحاً؟ ومن يحق له أن يضع اسمه في صدر الرواية؟ المشكلة أن آمرلي لم تعد حالة استثنائية. فالسجال حول "من فعلها أولاً" أصبح جزءاً من نمط أوسع في الخطاب السياسي العراقي وخصوصاً لدى جمهور التيار الصدري الذي يصر في كثير من المناسبات على إعادة إنتاج نفسه بوصفه الطرف الأكثر تعرضاً للظلم والإقصاء وكأن التاريخ العراقي لم يعرف معارضة ولا قمعاً ولا تضحيات قبل ظهوره. خذوا مثلاً مرحلة صدام حسين. في كل مرة يفتح فيها ملف المعارضة يحاول بعض هذا الجمهور تقديم نفسه باعتباره الجهة الوحيدة أو الأكثر التي واجهت النظام في سنوات الرعب. لكن التاريخ أكثر قسوة من هذه الرواية الانتقائية. فالحركة الصدرية بصورتها المعروفة ظهرت في مرحلة متأخرة من حكم صدام بعد أن كان النظام قد سحق أجيالاً كاملة من المعارضين وأعدم واعتقل وشرد وأباد قوى سياسية واجتماعية متعددة. وإذا أردنا الحديث بلغة الأرقام والوقائع لا بلغة المظلومية فإن الحزب الشيوعي العراقي فضلاً عن الحركات الإسلامية الشيعية وعوائل ومجاميع شيعية واسعة دفع ثمناً دموياً هائلاً في مواجهة النظام.
ثم جاء عام ٢٠٠٣ وبدأ فصل جديد من السجال عنوانه من كان أول المقاومين؟ من أطلق الرصاصة الأولى؟ من قاوم الاحتلال قبل الآخر؟ وهنا أيضاً تظهر مفارقة تستحق التوقف. الجمهور الذي يكثر اليوم من الحديث عن تقوية الدولة وعن ضرورة إنهاء الفصائل وعن حصر السلاح بيد الدولة والذي يصفق اليوم لمعادلة سياسية يرعاها بريمر الجديد وتتحرك في ظل نفوذ أميركي هو نفسه الذي يريد أن يحتفظ في الوقت ذاته برصيد المقاومة التاريخي وكأنه شهادة حصرية لا يجوز لغيره الاقتراب منها. فإذا كانت القاعدة اليوم هي أن الدولة هي الإطار الوحيد وأن السلاح خارج مؤسساتها خطأ استراتيجي فلماذا لم تكن هذه القاعدة نفسها حاضرة عام ٢٠٠٤؟ وإذا كانت المقاومة فعلاً موقفاً سياسياً قبل أن تكون سلاحاً فما الذي كان ينقصكم آنذاك لتطبيق هذا المبدأ؟ وهل الاحتلال يصبح احتلالاً فقط عندما يقف الجندي الأميركي في الشارع؟ أو فقط عندما يدير بريمر العراق؟
أما آمرلي فالرواية هنا أوضح من أن تحتاج الى حرب على الذاكرة. في ٣١ آب ٢٠١٤ لم يكن فك الحصار عملية منفردة نفذتها جهة واحدة ثم جاء الآخرون لتسجيل أسمائهم في دفتر الإنجاز. كانت عملية عسكرية واسعة شاركت فيها تشكيلات متعددة من سرايا وكتائب وعصائب وبدر وكتائب الإمام علي وغيرها الى جانب الجيش العراقي والشرطة الاتحادية وغيرها فضلاً عن مشاركة البيشمركة في المحور الشمالي. وهذه ليست رواية دعائية. هذه طبيعة المعركة نفسها. ومن يعرف جغرافية العمليات العسكرية ويفهم معنى القاطع يعرف أن المعارك لا تداو بمنطق من دخل أولاً؟ كما لو أننا أمام سباق للوصول الى بوابة مدينة. كانت هناك محاور وقواطع ومسؤوليات مختلفة وكل تشكيل يعمل ضمن المساحة العملياتية المخصصة له ويتحرك وفق خطة أوسع من حدود اسمه وشعاره. ولهذا فإن محاولة اختزال تحرير آمرلي في اسم واحد ليست فقط تبسيطاً للتاريخ بل إهانة لمن قاتل وسقط هناك.
والأهم أن مع كل ذكرى آمرلي هناك ذكريات لرجال لم يكونوا جزءاً من سجالات مواقع التواصل بل كانوا في المكان الذي تحسم فيه الروايات فعلاً في الميدان. قبل ثلاثة أيام مرت الذكرى السنوية لاستشهاد القائد مهدي صالح شلكام الذي استشهد في المحور الجنوبي لآمرلي. وقبل يومين مرت الذكرى السنوية لاستشهاد القائد أبو شرار الموسوي الذي استشهد على أبواب المدينة. واليوم تحل ذكرى استشهاد القائد وليد ثجيل السويراوي. وهؤلاء لا يحتاجون الى إعادة ترتيب القصة لصالح هذا الطرف أو ذاك. دماؤهم سبقت كل هذا السجال. والحقيقة التي يعرفها كل من شارك في معارك التحرير وكل من تابعها من موقع مهني لا من موقع المناكفة السياسية هي أن آمرلي لم تتحرر باسم فصيل واحد. تحررت عبر قواطع متعددة ومحاور متعددة وتشكيلات متعددة ومقاتلين من خلفيات مختلفة جمعهم في تلك اللحظة هدف واحد وهو كسر الحصار وإنقاذ المدينة من داعش.. | 1 745 |
| 5 | بحسب تقرير لرويترز يرغب مساعدو ترامب الكبار في منع تصاعد الحرب مع إيران قبل انتخابات التجديد النصفية في نوفمبر في محاولة للحد من الخسائر المتوقعة للحزب الجمهوري. وأفاد المصادر بأن البيت الأبيض قد يفكر في زيادة التصعيد في الحرب مع إيران بعد الانتخابات التي ستجرى في ٣ نوفمبر ولكن هذا الأمر "لم يتم اتخاذه كقرار نهائي". وفي الوقت الحالي وبحسب قولهم يركز الإدارة على زيادة الضغط الاقتصادي على إيران في محاولة لتحقيق تنازلات من خلالها في المفاوضات المستقبلية. وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض "نحن نواصل الضغط على إيران ولكن شهر نوفمبر هو الأولوية".. | 1 726 |
| 6 | بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب الأخيرة وتحديداً في الرابع من الشهر الثالث أعلنت وسائل الإعلام الإسرائيلية بالتزامن مع تصريحات وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أن القوات الأميركية والإسرائيلية نجحت في اغتيال مسؤول الوحدة ٤٠٠٠ في الحرس الثوري والذي اتهمته أمريكا بالتخطيط لاستهداف ترامب قبل الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٢٤. ووفقاً للمدعين الفيدراليين الأميركيين فإن الحرس الثوري كلف في أيلول ٢٠٢٤ مواطناً أفغانياً يدعى فرهاد شاكري بمهمة مراقبة ترامب وفي النهاية اغتياله. ومنذ ذلك الحين، حاولت أمريكا وإسرائيل تقديم استهداف المسؤول الإيراني باعتباره إنجازاً استخبارياً وأمنياً كبيراً وضربة لشبكة العمليات الخارجية الإيرانية.
لكن الرواية الأميركية الإسرائيلية تواجه الآن رواية مضادة. فقد بدأت خلال الفترة الأخيرة تقارير متداولة من بينها تقارير نشرتها جهات معارضة إيرانية تتحدث عن أن رحمن مقدم قائد الوحدة ٤٠٠٠ لا يزال على قيد الحياة وأن عملية الاغتيال التي أعلنت أمريكا وإسرائيل نجاحها لم تحقق هدفها. وإذا صحت هذه المعطيات فإن الأمر يتجاوز مجرد إخفاق عملياتي لأنه يضع الرواية الاستخبارية التي بني عليها الإعلان الأميركي والإسرائيلي أمام اختبار صعب. لكن المفارقة الأهم أن اسم الوحدة ٤٠٠٠ بدأ يظهر في سياق يتجاوز بكثير حدود منطقة الصراع الحالية أو أمريكا أو إسرائيل. إنها الجغرافيا البحرية ففي الحسابات الاستراتيجية الإيرانية لم تعد ساحات المواجهة محصورة في الخليج أو البحر الأحمر. وقد سبق لقائد فيلق القدس العميد إسماعيل قاآني أن أشار الى أن جبهة المقاومة تمتلك الى جانب مضيقي هرمز وباب المندب أهدافاً بحرية أخرى. وهذه الإشارة تكتسب اليوم أهمية خاصة مع تداول تقارير تتحدث عن اهتمام رحمن مقدم قائد الوحدة ٤٠٠٠ بالممرات البحرية في شرق آسيا. وبحسب هذه المعلومات فإن السفن التجارية والعسكرية والخاصة التي تعبر مضيق ملقا وكذلك مضيق بانغكا قد تدخل ضمن دائرة الاهتمام العملياتي للوحدة.
وهنا تبدأ الصورة الحقيقية بالظهور. مضيق ملقا ليس مجرد ممر مائي ضيق بين دول جنوب شرق آسيا إنه أحد الشرايين التي يتنفس عبرها الاقتصاد الآسيوي والعالمي. فهو أقصر طريق بحري بين مراكز إنتاج الطاقة في الشرق الأوسط والأسواق الكبرى في شرق آسيا. وخلال النصف الأول من عام ٢٠٢٥ عبره نحو ٢٣٫٢ مليون برميل من النفط يومياً أي قرابة ٢٩ في المئة من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً. وهذا الرقم وحده يفسر لماذا يمثل مضيق ملقا قيمة استراتيجية تتجاوز بكثير حجمه الجغرافي. فإذا كان مضيق هرمز يمثل بوابة خروج الطاقة من الخليج فإن ملقا يمثل أحد أهم أبواب وصولها الى آسيا. ومن هنا تظهر معادلة شديدة الحساسية هرمز في غرب آسيا وملقا في جنوب شرق آسيا. أي اضطراب واسع ومتزامن في الممرين لن يكون مجرد حادث أمني أو بحري بل يمكن أن يتحول الى أزمة في واحدة من أهم سلاسل إمداد الطاقة العالمية مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وزيادة مخاطر الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة واضطراب حركة التجارة الدولية. أما مضيق بانغكا الواقع بين سومطرة وجزيرة بانغكا في إندونيسيا فلا يملك الأهمية العالمية نفسها التي يتمتع بها ملقا لكنه يمثل جزءاً من شبكة الممرات البحرية الإقليمية التي ترتبط بحركة الملاحة في جنوب شرق آسيا.
وهنا تحديداً ينبغي قراءة المسألة من منظور أوسع. فالردع لا يعني بالضرورة إطلاق النار أحياناً يكفي أن يعرف الخصم أن الحرب التي بدأها في نقطة جغرافية محددة يمكن أن تفتح أمامه أبواباً في نقاط أخرى بعيدة آلاف الكيلومترات. هذه هي فلسفة الجغرافيا الاستراتيجية الإيرانية وهي لا تبحث عن مواجهة متناظرة مع أمريكا بل عن تحويل نقاط التفوق الأميركية الى نقاط ضعف محتملة وعن نقل كلفة الصراع الى الممرات التي لا تستطيع التجارة العالمية الاستغناء عنها. فأمريكا تستطيع ضرب منشأة واغتيال قائد وتدمير موقع لكن ماذا يحدث إذا أصبحت شبكة الملاحة العالمية نفسها جزءاً من معادلة الردع؟ هنا تتحول المسألة من اغتيال مسؤول الى اختبار لشبكة ومن ضربة استخبارية الى صراع على الجغرافيا ومن ساحة حرب محدودة الى منظومة مصالح تمتد من الخليج الى البحر الأحمر ومن المحيط الهندي الى جنوب شرق آسيا. | 2 009 |
| 7 | المحكمة الجنائية في بغداد تحكم على شخصين بالسجن لمدة ١٥ عاماً بتهمة استهداف السفارة الأمريكية. في نظر الدولة هؤلاء يزعزعون هيبة الدولة وينتهكون حرمة البعثات الدبلوماسية ويهددون السلم الأهلي.
لكن المفارقة أن الدولة نفسها تتناسى أن هيبتها المزعومة تنتهك كل يوم داخل مؤسساتها وأن دماء أبنائها لا تبدو في ميزانها بذات القيمة التي تمنح لحرمة البعثات الدبلوماسية وأن السلم الأهلي لا يهدده فقط سلاح يوجه نحو الأمريكيين بل تهدده أيضاً شبكات المصالح السياسية والعقود والملفات التي تستنزف موازنة الدولة حتى أصبحت بعض الملفات الاجتماعية والوظيفية ألغاماً سياسية يصعب تفكيكها من دون كلفة. هذه نبذة صغيرة من مفارقات دولة تريد استعادة هيبتها دولة تكون كالسبع الضاري على أبنائها ثم تتحول أمام من ينتهك سيادتها الى ما هو أدنى من الدجاجة. السؤال الحقيقي أين كانت هذه الهيبة في الحرب الأخيرة؟
فالحرب الأخيرة. وبحسب تسلسل الأحداث لم تبدأ بهجوم من الفصائل على الأمريكيين أو الكيان الصهيوني بل على العكس بعد ساعات قليلة من شن الهجوم على طهران واغتيال السيد الشهيد الخامنئي تعرض جرف الصخر لهجوم أمريكي في صبيحة ذلك اليوم استشهد على إثره اثنان من المجاهدين في وقت لم تكن فيه الفصائل قد بدأت هجومها بل ولم تكن قد استعدت بعد للدخول في الحرب. وهذا الهجوم لا يمكن فصله عن سلسلة هجمات أخرى أوقعت مجازر في صفوف الحشد الشعبي في الموصل والقائم والرمادي وديالى وصلاح الدين وكركوك. والسؤال هنا بسيط في ذلك اليوم هل استدعت الدولة التي تريد اليوم استرجاع هيبتها بسبب السلاح ولو شكلياً المبعوث الأمريكي أو القائم بالأعمال في السفارة ووجهت إليه احتجاجاً رسمياً؟ هل فتحت تحقيقاً؟ هل طالبت بتعويضات عن دماء العراقيين؟ وهل اتخذت موقفاً واضحاً من انتهاك الأجواء العراقية؟ وإذا كانت الدولة تعتبر استهداف السفارة الأمريكية انتهاكاً لهيبتها وسيادتها فلماذا لا يكون انتهاك أجوائها وقتل أبنائها انتهاكاً للسيادة أيضاً؟
والأشد من ذلك لماذا لا تعترف الدولة ومن يديرها وأحزابها ورعاة إصلاحها وبنو عباسها وبنو أميتها بأنهم مجرد بيادق على رقعة توم باراك بدلاً من التظاهر بأن معركة الهيبة تدور داخل الحدود العراقية فقط فأين هي الهيبة التي يريدون استعادتها؟ الهيبة لا تستعاد بإصدار الأحكام على طرف واحد ولا باستعراض القوة على الداخل ولا بتحويل القانون الى أداة انتقائية. الهيبة تستعاد عندما تكون سيادة الدولة واحدة على الجميع عندما يصبح دم العراقي مصاناً بذات القدر الذي تصان به حرمة البعثات الأجنبية وعندما يكون انتهاك الأجواء العراقية والأرض العراقية فعلاً يستوجب موقفاً أياً كان الفاعل. أما أن تكون الدولة صارمة مع أبنائها ومرنة أمام من ينتهك سيادتها فهذه ليست استعادة للهيبة بل اعتراف ضمني بأن الهيبة نفسها ما زالت مفقودة. ما قامت به الفصائل في الحرب الأخيرة بعيداً عن الموقف من خياراتها السياسية والعسكرية يمثل وجهاً آخر من هذه المفارقة فحين عجزت الدولة عن منع استباحة الأراضي والأجواء العراقية اختارت تلك الفصائل أن تخوض المواجهة وتدفع أثمانها. وهنا يبقى السؤال الذي لا تستطيع كل بيانات استعادة الهيبة الإجابة عنه إذا كانت الدولة تريد استعادة هيبتها فمن الذي انتزعها منها أولاً؟ ولماذا يطلب من العراقي أن يقوي دولة لا تستطيع أن تجعل سيادتها متساوية على الجميع؟. | 2 466 |
| 8 | لاحقاً استمر تصاعد الصراع وصولاً لعمليات استهداف طالت بعض ضباطه حتى الحرب الأخيرة حيث تحول الأمر الى حرب دارت بين المخابرات والفصائل تستمر احداثها الى اليوم كان آخرها اعتقال أحد قيادات حركة النجباء من منزله وثم اعتقال شخصية قيادية في الحشد الشعبي. على هذا الأساس يمكن قراءة الأحداث الحالية بطريقة مختلفة. عندما أعيد بناء جهاز المخابرات العراقي بعد سقوط النظام لم يبدأ العمل من الصفر. عادت الى المؤسسة شبكات من ضباط وخبراء وعلاقات استخبارية تشكلت في الجهاز القديم قبل ٢٠٠٣ وتداخلت معها شبكات جديدة نشأت في المنفى وتحت الرعاية الأميركية. ومن الطبيعي أن تترك طريقة التأسيس هذه أثراً عميقاً في بنية الجهاز وفي نظرته الى مصادر التهديد ولهذا فإن الصراع الحالي بين المخابرات والفصائل لا ينبغي قراءته باعتباره خلافاً أمنياً بدأ بالأمس. جذوره أقدم بكثير ففي جانب كبير منه يوجد امتداد لصراع أمريكا مع محور المقاومة.
لفهم حالة جهاز المخابرات يقودنا الأمر في النهاية الى التسعينيات الى تجنيد الشهواني الى مشروع الانقلاب الفاشل ثم الى عودته الى العراق ومن ثم اختياره لتأسيس جهاز المخابرات الجديد بعد سقوط صدام .. من هناك فقط تبدأ القصة الحقيقية لا قصة رجل واحد بل قصة جهاز تشكل داخل دولة كانت تعاد صناعتها بالكامل وتحت تأثير قوى خارجية وداخلية متنافسة. وما يجري اليوم لا يكون سوى أحدث فصل من ذلك الصراع القديم… | 3 232 |
| 9 | لماذا تتكرر مع كل عملية أمنية تستهدف الفصائل يربط اسم جهاز المخابرات العراقي بوصفه الجهة التي تدير العملية أو إحدى أبرز الجهات المشاركة فيها؟ هل يكفي تفسير ذلك بالقول إن الجهاز بحكم طبيعته مختص بالعمل الاستخباري وجمع المعلومات وملاحقة الأهداف من صميم صلاحياته يجعله أبرز الأسماء لهذا؟! هذا التفسير السطحي وربما المنطقي، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم وهو لماذا تحولت المخابرات على مدى سنوات الى إحدى أكثر المؤسسات حساسية في الصراع مع الفصائل؟ هنا يبدأ بعد أخر من القصة.
قبل أشهر قال المتحدث الأمني باسم كتائب حزب الله إن نسبة كبيرة من ضباط جهاز المخابرات ينتمون الى المكون الآخر وذهب الى اتهام عدد منهم بوجود ارتباطات مع الجانب الأميركي. اللافت أن هذه الفكرة ليست جديدة بل تعود الى السنوات الأولى لتأسيس الجهاز بعد عام ٢٠٠٣ حتى إن أحمد الجلبي تحدث عنها قبل أكثر من عشرين سنة. ولفهم جذور هذه المسألة اكثر علينا العودة الى التسعينيات وتحديداً الى اللواء محمد عبد الله الشهواني التركماني الأصل الذي كان ضابطاً في الجيش العراقي قبل مغادرته العراق في مطلع ذلك العقد. في الأردن حيث جرى تجنيده لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في إطار جهود لإحداث تغيير في نظام صدام حسين. انتهت تلك المحاولة الانقلابية بالفشل وقُتل أبناء الشهواني الثلاثة لكن الرجل بقي اسماً مهماً في الحسابات الأميركية المتعلقة بالعراق. ولهذا لم يكن غريباً أن يكون الشهواني من الأسماء التي حضرت بقوة عندما بدأت سلطة الائتلاف المؤقتة بقيادة بول بريمر التفكير في إعادة بناء جهاز مخابرات عراقي جديد. وفي عام ٢٠٠٤ تم تعيين الشهواني رئيساً لجهاز المخابرات العراقي.
لكن قصة الشهواني في العراق الجديد لم تبدأ يوم تسلم المنصب رسمياً. في شهادة منشورة على اليوتيوب يروي نبراس الكاظمي الذي كان من المقربين الى أحمد الجلبي واقعة تعود الى الأيام الأولى بعد سقوط النظام عام ٢٠٠٣ مفادها أن الشهواني كان موجوداً في النجف في اليوم نفسه الذي قُتل فيه عبد المجيد الخوئي وكان في اجتماع مع السيد مقتدى الصدر في البراني المجاور لمرقد الإمام علي بينما كانت أحداث قتل الخوئي تتصاعد واستغاثات الخوئي تصل الى المكان. هذه الرواية بصرف النظر عن تقييم تفاصيلها تكشف أن الشهواني لم يظهر فجأة في المشهد العراقي عام ٢٠٠٤ بل كان يتحرك في العراق منذ الأيام الأولى لسقوط النظام. وبعد توليه المنصب بدأت مرحلة جديدة. كان أحمد الجلبي قد اتهم الشهواني عام ٢٠٠٤ بتوظيف عدد كبير من عناصر الأجهزة البعثية السابقة، في الوقت ذاته كان الخلاف بين الطرفين يتصاعد على خلفية اتهامات متبادلة. قبل تصريحات الجلبي بأيام كان الشهواني قد اتهم عناصر مرتبطة بالمجلس الأعلى بالضلوع في عمليات استهدفت عناصر من جهاز المخابرات. يمكن النظر الى تلك المرحلة بوصفها واحدة من أولى نقاط الاحتكاك بين شبكات أمنية وسياسية مختلفة داخل العراق الجديد وهي شبكات ارتبطت بعضها تاريخياً بأمريكا البعض الآخر كانت القوى الشيعية التي دخلت النظام الجديد بعد عام ٢٠٠٣. كانت هناك معركة أوسع على سؤال جوهري وهو من يملك الجهاز الأمني الذي سيجمع المعلومات عن العراق والعراقيين؟ ومن يحدد أولوياته؟ ومن يقرر من هو الخصم ومن هو الحليف؟ بحسب ما معروف فإن المخابرات أنشئت في ظل ترتيبات أميركية خاصة وبهيكلية وصلاحيات واسعة. ومن أكثر الوقائع التي يستشهد بها في هذا السياق حادثة عام ٢٠٠٧ عندما زار نوري المالكي مقر جهاز المخابرات وقيل إنه منع من دخول القسم المسؤول عن النشاط الاستخباري المتعلق بإيران.
كانت الخلافات حول الشهواني تتكرر وكانت وسائل الإعلام تتناولها بصورة دورية لكن إقالته لم تكن مسألة بسيطة. فقد جاء تعيينه ضمن ترتيبات أميركية خاصة واستمر في منصبه حتى انتهاء المدة التي ارتبط بها عقد إدارته للجهاز ليغادر المنصب عام ٢٠٠٩. لكن خروج الرجل لا يعني بالضرورة خروج الشبكة التي بناها عن العمل. وهذه نقطة جوهرية في فهم نظام عمل المؤسسات، حيث أن الشخص قد يغادر لكن البنية التي أنشأها والعلاقات التي نسجها والثقافة المؤسسية التي تركها خلفه يمكن أن تستمر لسنوات طويلة. خلف الشهواني جاء زهير الغرباوي واستمر في رئاسة الجهاز حتى عام ٢٠١٦ ثم تولى مصطفى الكاظمي قيادة المخابرات. ومع الكاظمي عادت المؤسسة الى قلب الصراع السياسي والأمني بصورة أكثر وضوحاً خصوصاً بعد اغتيال الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس عام ٢٠٢٠ عندما وجهت اتهامات علنية الى شخصيات داخل الجهاز أو مرتبطة به بالمساعدة في العملية… | 3 136 |
| 10 | بعد عام ٢٠٠٣ كان السلاح الذي تمتلكه الفصائل العراقية موجهاً بالدرجة الأولى ضد عدو قريب يتشارك معها الشارع والمنطقة والمدينة. وكانت العبوة الناسفة في بداياتها سلاحاً بدائياً ومرتجلاً قبل أن تبدأ مع مرور الوقت رحلة تطور فرضتها طبيعة المواجهة نفسها. ومع انتقال الجيش الأمريكي الى تدريع آلياته وتطوير وسائل الحماية تطورت العبوات بدورها وانتقلت من الوسائل البسيطة الى أنماط أكثر تخصصاً وتوجيهاً وكذلك تطورت بقية منظومات السلاح من الصواريخ والأسلحة المتوسطة الى منظومات قادرة على إحداث تأثير أكبر من مسافات مختلفة. كانت القاعدة الأساسية في تلك المرحلة واضحة وهي كلما تطورت وسائل الحماية الأمريكية تطورت معها وسائل الاستهداف. لم يكن ذلك سباقاً تقنياً مجرداً بل سباقاً بين سلاح يحاول اختراق منظومة الحماية وسلاح يحاول البقاء خلفها.
لكن الأهم أن تطور السلاح لم يكن منفصلاً عن تطور الهدف السياسي والعسكري من استخدامه. في البداية كان الهدف منع القوات الأمريكية من الاستقرار في العراق ورفع كلفة وجودها واستنزافها. ثم انتقلت المعادلة تدريجياً الى هدف أكثر وضوحاً وهو إخراج القوات الأمريكية من العراق وهي تدرك أن كلفة البقاء أصبحت أعلى من كلفة الانسحاب. وبعد ذلك تطورت الرؤية نحو تثبيت العراق باعتباره إحدى القلاع الأساسية في منظومة محور المقاومة بحيث يصبح امتلاك القوة وسيلة لصناعة معادلة ردع لا مجرد أداة للاشتباك. لذا فإن الأسلحة التي بدأت بالعبوات المرتجلة والأسلحة المتوسطة ثم وصلت لاحقاً الى الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة لا يمكن النظر اليها باعتبارها مخزوناً عراقياً منفصلاً عن سياق إقليمي أوسع. فقد تشكلت على مدى سنوات شبكة من الخبرات والبرامج والجهود التي شاركت فيها قيادات وخبرات من دول وفصائل مختلفة وكان من أبرز رموزها الشهيدان قاسم سليماني وعماد مغنية الى جانب خبرات التصنيع السورية ومن بينها اللواء الشهيد محمد سليمان. وفي المجال الجوي برزت جهود الشهيد حسان اللقيس في تطوير القدرات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة ضمن مسار طويل جعل هذه المنظومات تنتقل من مرحلة التجربة المحدودة الى قدرات أكثر تعقيداً وتنظيماً. ولهذا فإن فهم سلاح الفصائل اليوم يتطلب النظر اليه باعتباره نتاجاً لمسار بدأ منذ نهاية التسعينيات ثم مر بمحطات متعددة بعد عام ٢٠٠٣ وتغيرت أهدافه ووسائله كلما تغيرت البيئة الإقليمية والدولية.
بعد السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ ثم سقوط نظام بشار الأسد دخلت المنطقة مرحلة مختلفة تماماً. حيث أصبح أحد أهم الأدوار التي يمكن أن يؤديها سلاح الفصائل هو الحفاظ على بيئة آمنة وحاضنة لمحور المقاومة ومنع اختلال ميزان القوى الإقليمي وكذلك الحفاظ على قدر من التوازن داخل العراق نفسه. وهنا تظهر نقطة غالباً ما تفهم بصورة ناقصة وهي أن قوة الفصائل لا تقاس بالسلاح وحده بل بالموقف الذي يقف خلف السلاح. قد تمتلك جهة ما ترسانة كبيرة لكن إذا كان موقفها السياسي متردداً أو عاجزاً عن ترجمة تلك القوة الى معادلة سياسية فإن السلاح يتحول عملياً الى رقم كبير بلا تأثير حقيقي. وهنا يمكن قراءة رفض تسليم السلاح بوصفه قبل أي شيء، محاولة للحفاظ على مساحة من التوازن الداخلي ومنع انتقال العراق بالكامل الى ضفة واحدة في المعادلة الإقليمية. وفي الوقت نفسه فإن امتلاك الفصائل نفوذاً وسلاحاً لا يعني بالضرورة أن هدفها هو كسر التوازن والسيطرة على الدولة فالحفاظ على التوازن قد يكون في حد ذاته هو الهدف، لأن كسره يفتح الباب أمام نتائج وعواقب تدرك الفصائل كلفتها جيداً. وهنا تحديداً تكمن أهمية السلاح. فالسلاح في هذه المعادلة ليس مجرد قضية تقنية عراقية يمكن اختزالها في سؤال من يمتلكه ومن ينزعه؟ إنه جزء من منظومة أوسع من الردع والنفوذ والتوازنات الإقليمية تشكلت على مدى عقود وتطورت بتطور الصراع نفسه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط هل تستطيع الدولة نزع السلاح؟ بل ماذا سيحدث للتوازن الذي نشأ حول هذا السلاح إذا نزع؟ لأن السلاح في نهاية المطاف ليس هو المعادلة كلها إنه إحدى أدواتها. والمعادلة كما أثبتت السنوات الماضية أكبر من أن تفهم من خلال قطعة سلاح أو مستودع أو منصة إطلاق. إنها نتاج تاريخ طويل من الصراع وتراكم الخبرة وتبدل الأهداف وتغير خرائط المنطقة.. سلاح الفصائل هو جسد عماد مغنية المتهشم في ضواحي دمشق وهو جرح محمد سليمان النازف في منزله على شاطئ اللاذقية وهو حسان اللقيس الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة في بيروت. السلاح هو كف قاسم سليماني المقطوعة في الكرخ وهو جسد أبو باقر الساعدي وأبو تقوى السعيدي الذي لم يتبقى في الرصافة. السلاح هو حسن نصر الله الذي عرج وهو يقاوم فقدان الهواء وهو الخامنئي الذي عرج… وهو الخامنئي وكفى. السلاح هو كل تلك الجثث المتناثرة وكل أولئك القادة الذين لم يجدوا منهم في النهاية سوى أكياس من اللحم… | 3 995 |
| 11 | كانت ليلة سقوط النظام المصري على يد عبد الفتاح السيسي ليلة حزينة على قلب الشهيد السيد علي الخامنئي كما يروي أسامة حمدان نقلاً عن قيادات إيرانية. لم تكن رابعة العدوية مجرد ميدان حاصرته الدبابات في الرابع عشر من آب قبل ثلاث عشرة سنة ولم يكن ما جرى حدثاً معزولاً عن خرائط المنطقة بل كان جزءاً من إعادة ترتيب أوسع بدأت بإسقاط محمد مرسي ثم تحولت الى إعادة تعريف موقع مصر من غزة وحماس بصورة أكثر وضوحاً مما كانت عليه قبل عام ٢٠١١.
في الثالث من تموز أطاح الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي بالرئيس محمد مرسي وبعد أسابيع جرى فض اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة. كانت أهمية مصر بالنسبة الى غزة تتجاوز كونها دولة مجاورة فسيناء تمثل البوابة البرية الوحيدة التي تصل القطاع بالعالم العربي خارج فلسطين فيما تحولت الأنفاق الممتدة تحت الحدود المصرية طوال سنوات الحصار الى شرايين تدخل عبرها السلع والوقود ووصل عبر بعضها أيضاً السلاح والتقنيات العسكرية الى القطاع. وكانت إيران في جانب من هذه المعادلة بمثابة الدم الذي يسري في تلك الشرايين. ولهذا لم يكن وصول الإخوان المسلمين الى الحكم في القاهرة تفصيلاً ثانوياً في الحسابات الإقليمية. خلال حكم مرسي تحسنت علاقة مصر بحماس بصورة واضحة حتى إن دراسات غربية وصفت العلاقة المصرية بحماس في تلك المرحلة بأنها تعمقت بصورة غير مسبوقة فيما رأت تقارير معاصرة أن سقوط مرسي سيشكل ضربة قاسية لحماس. لكن المفارقة أن حكومة مرسي نفسها لم تفتح الحدود بلا قيود بل واصلت مصر خلال عهده اتخاذ إجراءات ضد بعض الأنفاق خصوصاً بعد الهجوم الذي قتل جنوداً مصريين في سيناء عام ٢٠١٢. لذلك لم يكن الفارق ببساطة بين فتح الأنفاق وإغلاقها بل بين بيئتين سياسيتين مختلفتين تماماً في نظرة القاهرة الى غزة وحماس وإيران.
ثم جاء السيسي. وبعد الانقلاب انتقلت مصر من علاقة أكثر انفتاحاً مع حماس الى سياسة أمنية أكثر صداماً معها فأغلقت معابر ودمرت أعداد كبيرة من الأنفاق ثم تطورت الحملة الى استخدام وسائل قاسية لتدمير الشبكة الحدودية. وبمرور الوقت أصبح خنق الطريق المصري الى غزة واحداً من الثوابت الأمنية للنظام الجديد. وهنا تتجلى رابعة على الخريطة بأكملها وليس فقط كميدان في العاصمة المصرية. فبينما كانت عيون العالم تتجه الى ميدان يفض بالقوة كانت خريطة المنطقة ترسم في الاتجاه المعاكس من إقصاء الإخوان من السلطة وتشديد حصار غزة ومحاصرة حماس وتدمير شبكة الأنفاق وإغلاق أحد أهم المنافذ التي كانت تصل غزة بعمقها العربي والإقليمي. لم يكن السيسي بحاجة الى إعلان حرب على غزة حتى يغير معادلتها كان يكفي أن يجعل البوابة المصرية أضيق. وهكذا يمكن قراءة انقلاب السيسي من منظور إقليمي باعتباره أكثر من مجرد صراع على السلطة في القاهرة. لقد كان أيضاً انقلاباً في وظيفة مصر نفسها من دولة تستطيع حماس التعامل معها سياسياً الى دولة تنظر الى حماس بوصفها امتداداً لخصمها الداخلي وتتعامل مع الحدود المصرية الفلسطينية باعتبارها جبهة أمنية ينبغي إحكام إغلاقها.
لكن غزة بعد أن أُغلقت البوابة المصرية لم تتوقف عن البحث عن طرق أخرى. فالأنفاق التي حاولت القاهرة دفنها لم تكن مجرد حفر تحت الأرض بل كانت تعبيراً عن حقيقة أعمق وهي أن غزة المحاصرة لن تتوقف وستبحث دائماً عن طريق بديل. وبعد ذلك الحصار بسبعة أعوام وفي عام ٢٠٢٠ ظهر عناصر من حماس في وثائقي على قناة الجزيرة وهم يجمعون أجزاء صاروخ فجر ٤ الإيراني داخل قطاع غزة المحاصر. | 4 143 |
| 12 | فجر يوم أمس أقدم جهاز مكافحة الإرهاب على اعتقال عباس حسين اليعقوبي مسؤول استخبارات قيادة عمليات حزام بغداد وأحد الكوادر القيادية في حركة النجباء من منزله في مدينة الناصرية. أهمية الحادثة لا تكمن في الاعتقال وحده بل في الطريقة والمستوى القيادي المستهدف. فقد سبق للقوات الحكومية أن اعتقلت عناصر من فصائل المقاومة لكن معظم تلك الحالات جرت في الميدان أو داخل مقرات الفصائل. أما مداهمة منزل شخصية قيادية متقدمة فهذه خطوة أكثر جرأة وتحمل في عرف العلاقة بين الدولة والفصائل رسالة تتجاوز الشخص نفسه.
الرواية الحكومية التي أُبلغت بها الأطراف الأخرى تقول إن اليعقوبي متهم بالمشاركة في هجمات بالطائرات المسيرة خلال الحرب الأخيرة. لكن الحقيقة إن قيمة الرجل لا تتوقف عند مشاركته المحتملة في عمليات هجومية الأهم هو ما قد يعرفه عن البنية اللوجستية التي تقف خلفها من أماكن تخزين المسيرات ومواقع التصنيع وشبكات النقل ومسارات إدخال هذه المنظومات الى العراق. وهنا يصبح الاعتقال محاولة للحصول على شيء أكثر قيمة من اعتراف فردي وهو محاولة فك شبكة كاملة. وقد يكون لهذا الأمر صلة أيضاً بالمحاولة الفاشلة لاقتحام أحد مقرات النجباء في جرف النداف والتي كان البحث خلالها يدور حول الصواريخ والطائرات المسيرة. وعندما تفشل عملية الوصول الى المواد مباشرة يصبح الوصول الى الأشخاص الذين يعتقد أنهم يمسكون بمفاتيح هذه الشبكة خياراً بديلاً.
لكن حكومة الزيدي لم تكن تختبر المعلومات الأمنية وحدها. كانت تختبر حدود القوة نفسها. اعتقال اليعقوبي يمكن قراءته كاختبار مزدوج هل تستطيع الدولة أن تستخدم أدواتها الأمنية للوصول الى كوادر متقدمة من الفصائل من دون أن تتحول العملية الى مواجهة مفتوحة؟ وهل ستقبل الفصائل بانتقال الحكومة من سياسة الاحتواء والتنسيق الى سياسة فرض الأمر الواقع؟ ولهذا جاء تسليم الرجل لاحقاً الى أمن الحشد بمثابة مخرج تفاوضي. فالخطوة سمحت للحكومة بإظهار قدرتها على التصعيد وفي الوقت نفسه منعت التصعيد الأول من التحول الى صدام أكبر.
لكن رد الفصائل كان واضحاً. فقد ارتفعت حدة التهديدات الى مستويات وصلت الى الحديث عن اقتحام المنطقة الخضراء فيما جاء موقف هادي العامري متشنجاً وداعماً للفصائل. وهذا يعني أن الاختبار الأمني تحول سريعاً الى اختبار سياسي وأمني أوسع لحدود سلطة الحكومة.
أما بيان المسؤول الأمني في كتائب حزب الله أبو مجاهد العساف فكان الأكثر حدة. أهميته لا تأتي فقط من لغته وإنما من السياق الذي صدر فيه. فقد تعاملت كتائب حزب الله خلال الفترة الماضية بقدر كبير من المرونة مع إجراءات الحكومة واستجابت لعدد من الطلبات المتعلقة بالتأكد من بعض المقرات أو تفتيشها. لكن اعتقال شخصية قيادية من منزلها مثل في نظرها انتقالاً من التعاون المشروط الى محاولة اختبار ميزان القوة نفسه. ولهذا جاءت العبارة الشعبية التي استخدمها العساف عن أن "ابن الاخت إله سبع دبجات على صدر خاله" قبل أن يعلن عملياً انتهاء هذه "الدبجات" والمعنى السياسي هنا أكثر أهمية من العبارة نفسها وهي أن مساحة المرونة التي كانت تسمح بامتصاص إجراءات الدولة بدأت تضيق وكل خطوة جديدة يمكن أن تنتج عنها خطوة مقابلة.
يمكن النظر الى اعتقال عباس اليعقوبي باعتباره الصدام الثالث بين حكومة الزيدي والفصائل ولا سيما حركة النجباء خلال فترة قصيرة. الأولى كانت ملف شاحنات الطائرات المسيرة التي ضبطتها الأجهزة الأمنية ووثقتها ونشرتها قبل أن تنتهي القضية بتسليم المسيرات الى أحد الفصائل. والثانية كانت محاولة اقتحام مقر النجباء في جرف النداف وهي عملية لم تحقق هدفها. الثالثة كانت اعتقال عباس اليعقوبي من منزله وهي الأكثر جرأة من حيث طبيعة الهدف وطريقة التنفيذ لكنها انتهت أيضاً الى نتيجة شبيهة إذ أصبح اليعقوبي حالياً في منزله يستقبل المهنئين بسلامته.
وهنا تكمن المفارقة العملية التي أرادت أن تثبت قدرة الدولة على الوصول الى قيادي من الصف الأول انتهت بإظهار أن المشكلة ليست في قدرة الحكومة على تنفيذ الاعتقال فحسب بل في قدرتها على تحمل ما يأتي بعده.. | 4 831 |
| 13 | أنا دائماً أؤمن بأن لولا سلاح الجميع المنفلتين وغير المنفلتين المقاوم وغير المقاوم الشريف ومن يفرض الإتاوات والعشائر والعصابات لمارس هؤلاء علينا أبشع أشكال الإجرام والدكتاتورية لأنهم يتدربون ويتربون على القسوة ذاتها التي أخرجت عناصر الأمن في زمن البعث الصدامي. أؤمن بأن وجود السلاح خارج سيطرة هؤلاء هو أحد العوامل التي تمنع احتكار القوة وتحمي السلم الأهلي من التحول الى طغيان.
هؤلاء ينتمون الى مؤسسة هي عبارة عن مستنقع من الفساد والمحسوبيات والانتهاكات ومع ذلك لا يتحدث أحد عنهم لأنهم ببساطة ليسوا "ميليشيا" بل جهة رسمية حكومية.. | 4 336 |
| 14 | قبل نحو عشرة أيام من استشهاده وبعد وصول حاملات الطائرات الأمريكية الى المنطقة قال السيد الشهيد علي الخامنئي إن الخطر الحقيقي ليس في حاملة الطائرات نفسها بل في السلاح القادر على استهدافها أو إغراقها. كان السؤال يومها هو ما الذي تملكه إيران فعلاً ويستطيع أن يهدد واحدة من أكثر أدوات القوة الأمريكية رمزية؟ الإجابة لم تأتي في شكل إغراق لحاملة طائرات بل في صورة أكثر تعقيداً وهي تغيير البيئة التي تستطيع فيها الحاملة أن تعمل.
قبل ستة وعشرين عاماً أثبت هجوم الزورق المفخخ على المدمرة الأمريكية كول في ميناء عدن أن سفينة حربية أمريكية متطورة يمكن أن تتعرض لأضرار كارثية من سلاح بسيط نسبياً فقد قُتل ١٧ بحاراً أمريكياً وأصيب ٣٧ آخرون وفتح الانفجار فجوة هائلة في بدن المدمرة. لكن ما حدث مع حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لنكولن في الحرب الحالية ينتمي الى طبقة مختلفة تماماً من الصراع. فالحاملة لم تغرق ولم يكن الهدف بالضرورة تدميرها. الأهم أن البيئة المحيطة بها بدأت تفرض على البحرية الأمريكية حسابات لم تكن مضطرة الى إجرائها بالحدة نفسها في العقود الماضية. أمضت لنكولن أكثر من ٢٤٠ يوماً متواصلاً في البحر بينها أكثر من ٢٠٠ يوم من دون زيارة ميناء في أطول انتشار من هذا النوع في هذه العملية. وهنا تكمن أهمية المسألة. في الحروب التي خاضتها أمريكا لعقود لم تكن حاملة الطائرات مجرد سفينة تحمل الطائرات. كانت رأس شبكة هائلة من القواعد والموانئ ومحطات الوقود والذخيرة والإسناد والصيانة. كانت الحاملة تتحرك في المقدمة فيما تعمل هذه الشبكة خلفها على إبقائها في المعركة. لكن عندما تصبح القواعد والموانئ نفسها عرضة للاستهداف تتغير المعادلة.
فالقوة البحرية لا تقاس فقط بعدد حاملات الطائرات وإنما أيضاً بعدد الأماكن التي تستطيع تلك الحاملات دخولها وتزود فيها وتستريح أطقمها وتصلح أعطالها وتعيد تنظيم عملياتها. وهنا تحديداً نجحت إيران في إدخال عامل جديد الى المعركة وهو المسافة. كلما ابتعدت الحاملة عن الموانئ الآمنة ارتفعت كلفة إبقائها في منطقة العمليات. وكلما اتسعت المسافة بين السفينة وشبكة الدعم أصبحت اللوجستيات نفسها جزءاً من المعركة. ولهذا فإن المسألة ليست أن أمريكا فقدت حاملة طائرات. بل إن المشكلة الأعمق هي أن إحدى أهم أدوات الهيمنة الأمريكية أصبحت تعمل في بيئة أقل راحة وأكثر كلفة وأشد تعقيداً مما اعتادت عليه.
منذ الحرب العالمية الثانية بنت أمريكا جزءاً كبيراً من تفوقها العسكري على فكرة بسيطة وهي نقل القوة الى مسافات بعيدة مع إبقاء شبكة الإسناد قادرة على العمل خلفها. أما الآن فالمعادلة بدأت تنقلب. لم تعد الحاملة وحدها هي الهدف. الهدف هو النظام الذي يجعل الحاملة فعالة. ولهذا فإن الثقب الذي أحدثته الحرب ليس بالضرورة ثقباً في بدن حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لنكولن. إنه ثقب في اليقين الذي رافق القوة البحرية الأمريكية لعقود أن بإمكان حاملات الطائرات أن تصل الى المنطقة وأن تعمل فيها وأن تجد خلفها دائماً شبكة لوجستية آمنة تكفل استمرار وجودها.
الحاملة ما زالت عائمة. لكن البيئة التي جعلت وجودها سهلاً لم تعد كما كانت. وهذه، في الحروب الكبرى قد تكون أحياناً أهم من إغراق سفينة. | 4 269 |
| 15 | ما يحدث بالدرجة الاساس هو حرب إعلامية وتهيئة نفسية لعوام الناس الذين يميلون مع كل ريلز ومنشور يميناً ويساراً من دون محاولة لفهم الصورة الأوسع.
تخيل حجم السذاجة التي وصل إليها الخطاب العام خصوصاً في موضوع العدوان السعودي. فبدلاً من أن يكون النقاش منصباً على العدوان نفسه أو حتى على كيفية الرد عليه إعلامياً وسياسياً أصبح الترند هو لماذا لم يخلي الفياض مقرات الحشد؟ وكأن إبلاغ الفياض وإخلاء المقرات كان سيحول القصف الى مجرد دغدغة تستوجب الفرح وأن المشكلة ليست في الجهة التي قصفت بل في الجهة التي كان يفترض بها أن تتلقى الضربة بطريقة أقل إيلاماً.. هنا تحديداً يظهر حجم اللعبة الإعلامية التي تدار بعناية من بعض الجهات وبعض الأجهزة الأمنية التي لها ارتباطات وثيقة بالسعودية والتي دأبت على تمرير معلومات حساسة الى قناة العربية فيما يجري اليوم دفع الرأي العام باتجاه عنوان واحد..حاسبوا الفياض وامنعوا الفصائل من الرد. وفي المقابل يجري التطبيل لحكومة الزيدي التي أرسلت وزير خارجيتها بطريقة مهينة الى السعودية ثم أتبعته بوفد أمني. ولنفهم حجم المفارقة يكفي أن نتذكر بشار الأسد فعلى الرغم من الضعف الذي بلغته سوريا في سنواته الأخيرة وحجم الاستنزاف الذي تعرض له الجيش والدولة ظل يرفض الاذعان لاردوغان حتى آخر أيامه.
ثم يأتي بعض السذج ليقدموا لنا دروساً في الوطنية ويتحدثوا عن قوة الدولة وضرورة حصر السلاح بيدها ويشرحوا لنا كم يمتلك سيد فلان من الحكمة. طبعاً لو كان علي الزيدي هو خصمهم السياسي لتكررت على ألسنتهم عبارات جيش الزيدي وشرطة الزيدي ولنبشوا عن كل هفوة أو خطأ داخل الجيش والشرطة ومكافحة الإرهاب. أما الآن فقد تحولت هذه المؤسسات الى ما يشبه المقدسات رغم الأخطاء المتكررة والمشاهد التي توثق انتهاكات منسوبة الى عناصرها من دون أن نسمع الضجيج نفسه للمطالبة بإصلاح الوزارة. والأمر ذاته ينطبق على وزارة الدفاع فبعدما شملت صولة الفجر عدداً من كبار ضباطها كان يفترض أن يكون السؤال عن الحاجة الى إصلاح جذري وحقيقي داخل المؤسسة لا أن يتحول الخطاب فجأة الى شعار أن السلاح يجب أن يكون حصراً بيدها.
ما أريد قوله ببساطة هو أن هذا الضجيج في جزء كبير منه ليس نقاشاً وطنياً بريئاً كما يقدم للجمهور بل واجهة لصراع أوسع يقف خلفها "أمير ولاية العراق والشام" توم باراك الذي يتحرك في مساحة تتجاوز بكثير مسألة الفصائل وحدها. توم باراك يريد تفكيك منظومة السلاح غير المركزي بالكامل حتى لو وصل الأمر الى البيشمركة لكن العين ستكون في النهاية على الفصائل التي لن تسلم سلاحها بأي ثمن. أما الحديث عن حصار جرف النداف وجرف الصخر فهو في تقديري جزء آخر من المعركة نفسها.. حرب إعلامية ونفسية تهدف الى صناعة بيئة سياسية وشعبية تمهد لما هو أبعد من مجرد إجراء أمني… | 4 459 |
| 16 | منذ العدوان السعودي بدأت المسارات تتفرع في العراق على مستويات متعددة ولعل أكثرها حساسية هو ملف الفصائل. فقد وضع الهجوم الكرة في ملعبها سواء من ناحية الرد المباشر أو من ناحية إدارة الضغوط ومحاولة تخفيفها بطريقة أو بأخرى.
الأهم أن العدوان السعودي كان ثنائي الأبعاد الأول تمثل بالهجوم العسكري أما الثاني فكان الحملة الإعلامية الواسعة التي تبعته. وسرعان ما جرى تحميل المقتول مسؤولية الجريمة. سيد مقتدى الصدر كان المبادر الأول الى تحميل الفصائل مسؤولية الهجوم وهو موقف جاء كما هي عادته في توقيت خاطئ. وضع سيد مقتدى نفسه في فوهة المدفع وفي لحظة سياسية وأمنية بالغة التعقيد فكانت ردود الأفعال متفاوتة في حدتها وهو أمر ليس مستغرباً في مثل هذه الظروف. لكن المستغرب كان خروج صلاح العبيدي يوم أمس مستغرباً من الانتقادات التي وجهت الى سيد مقتدى واعتباره أن هذه الردود جاءت ضمن حملة إعلامية ممنهجة بقرار سياسي هدفها إغلاق الباب أمام السؤال الأهم وهو من المسؤول عن هذه الجريمة؟ وكأن سيد مقتدى كان يراقب المشهد بصمت ولم يصدر بياناً مستفزاً أو يتخذ موقفاً واضحاً. تناسى صلاح العبيدي إن لهجة سيد مقتدى تجاوزت ما صدر عن السعودية نفسها. وبمعزل عن ذلك فإن سيد مقتدى هو من وضع نفسه في مواجهة ما سماه صلاح العبيدي الحملات الإعلامية. وهي في الواقع تبدو محدودة إذا ما قورنت بحجم الحملات التي شنها التيار الصدري نفسه والتي استهدفت أغلب القوى والشخصيات الشيعية في العراق والمنطقة.
أما في ملف سلاح الفصائل فإن الرواية الحكومية بشأن الأسلحة التي كشف عنها قبل يومين والتي قيل إنها ضبطت أثناء محاولة استخدامها لتنفيذ هجمات غير صحيحة. فقد سبق أن أشرت قبل أسابيع الى أن هذه الأسلحة كانت داخل شاحنتين جرى ضبطهما في إحدى المحافظات بالتزامن مع شاحنات سلاح ضبطت في سوريا. وفيما يتعلق بالرد على السعودية فإن ما ينبغي فهمه هو أن الفصائل وفق المعطيات المتداولة متفقة على مبدأ الرد وأن الخلاف لا يتعلق بمبدأ الرد بقدر ما يتعلق بتوقيته وشكله ومكانه. ولذلك فإن البيانات الصادرة عن بعض الجهات لا ينبغي قراءتها بالضرورة باعتبارها تراجعاً عن الرد بل باعتبارها جزءاً من إدارة مرحلة شديدة الحساسية.
حكومة الزيدي رغم محاولاتها التضييق على الفصائل ومنعها من الرد على السعودية لم تكن قادرة على إغلاق جميع مساحات الحركة أمامها. فالفصائل بحسب ما متداول كانت تتحرك باتجاه خيارات أخرى من بينها استهداف مصالح أمريكية خارج الساحة العراقية وهنا يبرز الحديث عن استهداف سفينة غاز أمريكية في ميناء دمياط المصري. وقد ظهرت معلومات تتحدث عن احتمال ارتباط الحادث بجهة عراقية ربما تحركت من العراق أو سوريا تمتلك معلومات مسبقة عن وجود هدف أمريكي محدد في ميناء دمياط فضلاً عن امتلاكها مسيرات بعيدة المدى قادرة على قطع المسافة والوصول الى إحداثيات ثابتة وفق معلومات استخبارية مسبقة.
في هذه المرحلة يبدو أن الفصائل تتجه الى سياسة الصبر المطلق واحتواء أي صدام مع الحكومة وتجنب الانجرار الى مواجهة داخلية والابتعاد حتى عن التشنجات الإعلامية التي يمكن أن تمنح خصومها فرصة لتوسيع الأزمة. ولهذا فإن المشهد لا يبدو كما تريده حكومة الزيدي ولا كما يتصور قبطانها توم باراك. فمحاولة دفع الفصائل الى زاوية المواجهة قد لا تنتج بالضرورة الانفجار الذي يريده البعض بل قد تنتج شيئاً أكثر تعقيداً.. صبراً طويلاً وحركة محسوبة ورداً لا يأتي بالضرورة في المكان أو التوقيت الذي يتوقعه أحد… | 5 059 |
| 17 | تغيرت المعادلة السياسية في إيران بعد الحرب الى جو سياسي جديد لا يمكن قياسه بمقياس الإصلاحيين مقابل المحافظين وانتج رأيين مختلفين في التعامل مع الحرب القائمة فترى الفئة الأولى التي تتضمن غالبية حكومة بزشكيان وصولا الى قاليباف رأياً مفاده بان لا أحد يريد الحرب لقد فرضت علينا الحرب ونحن نقاومها. ترى هذه الفئة بأن بقاء نظام الجمهورية الإسلامية قائم بعد كل ما حصل هو نصر عظيم واستراتيجي ويجب الحفاظ على هذا الإنجاز من دون المضي بعيدا فهم يرون ان الحرب القائمة استراتيجية لانهاك الجمهورية وتقليص حجمها. في الجانب الآخر ترى الفئة الأخرى المتكون أغلبها من ابناء الحرس أن الحرب الحالية تتكون فقط من ثنائية المقاومة أو الاستسلام وأن السلام المراد تحقيقة لا يكون باتفاقية دبلوماسية فقط دون انجاز عسكري يضمن استرداد حقوق الإيرانيين حتى لو عنى ذلك المضي بحرب ابعد من دول جوار إيران.
كلا الفئتين تؤطران الصراع مع أمريكا بوصفه صراعاً وجودياً واستراتيجياً طويل الأمد لكن ما يفصل بينهما ثبات العداء الأميركي وبين جدوى التفاوض بوصفه أداة استراتيجية لتحقيق المصالح الوطنية.
ما بين الإثنين يجمع العقل الاستراتيجي لقائد الثورة شرعية سياسية لاستمرار المفاوضات شرط أن تستند الى القوة والجاهزية العسكرية وعدم الثقة بواشنطن. هذا الأمر الذي ازداد مؤخراً بتعيين محسن رضائي بديلاً عن محمد باقر ذوالقدر في مجلس الأمن القومي. بهذا اعتبرت الدبلوماسية ليست بديلاً عن المواجهة فقط بل تتمثل استراتيجية القائد في جعل الحملة غير مجدية اقتصادياً وسياسياً بالنسبة أمريكا لدرجة تدفعهم إلى التراجع بسبب تفاقم الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية والانتخابات النصفية الأمريكية المقبلة. هذه نقاط ضغط تؤثر على حسابات البيت الأبيض في زمن الحرب وامتداد لأدوات الاستراتيجية ووسيلة لتثبيت مكاسبها… | 4 966 |
| 18 | وفقاً لآخر التقييمات المتعلقة برد الفصائل تدعي السعودية أنها رصدت تحركات لصواريخ وطائرات مسيّرة قد تُطلق باتجاه أراضيها… | 5 618 |
| 19 | تجد السعودية نفسها اليوم في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ سنوات بعدما باتت تواجه أنصار الله بمفردها في ظل غياب أي دعم عربي إذ لم يتقدم أي من جيرانها للمشاركة في المواجهة بينما تبدو غالبية الدول العربية أضعف من تحمل تبعات الصدام خصوصاً بعد انشغال كل واحدة من الدول التي شاركت سابقاً في القتال في اليمن بحل مشاكلها الحالية.
ويرى العديد من المحللين أن التصعيد الأخير مع أنصار الله غير ضروري وناتج عن سوء تقدير سعودي مما يجعل دوافع الرياض للانخراط في هذه الجولة من القتال لا تزال غامضة وكأنها تتحرك بالوكالة أكثر من دفاعها عن مصالحها.
وتشير التحليلات إلى الضربة التي استهدفت مطار صنعاء كمثال على سوء التقدير السعودي إذ هدفت الى منع هبوط طائرة تقل وفداً من أنصار الله عائد من جنازة الشهيد السيد علي الخامنئي إلا أن التحليلات والتقييمات اللاحقة تؤكد أن السماح للطائرة بالهبوط كان الخيار الأفضل وأن المخاطر المترتبة على القصف كانت أكبر بكثير من أي مكاسب محتملة.
تعزى الكثير من هذه الخطوات غير المدروسة الى وصول ترامب للبيت الأبيض في توقيت بالغ السوء بالنسبة للسعودية إذ شهدت العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة محطات أضرت بالمصالح السعودية من بينها ربط حصول السعودية على التكنولوجيا النووية بالتطبيع مع إسرائيل فضلاً عن أن سياساته الإقليمية أسهمت في تعزيز موقع طهران على حساب حلفاء واشنطن في الخليج.
أي انسحاب أميركي من المواجهة مع إيران مستقبلاً سيترك السعودية في مواجهة التداعيات وحدها وأفضل مثال هو عام ٢٠٢٦ الذي تصفه مجلة فورين بوليسي بأنه عام كارثي بالنسبة للسعودية التي باتت تجد نفسها محاصرة بين إيران وأنصار الله وسط تراجع الحماية الأميركية وعجز الرياض عن عزل نفسها عن أزمات المنطقة وما جرى قبل عدة أيام من قصف استهدف مواقع الحشد الشعبي في العراق خير مثال. | 6 682 |
| 20 | بحسب تقرير على قناة CNN أرسل ضابط رفيع المستوى في القيادة المركزية الأمريكية الأسبوع الماضي رسالة بريد إلكتروني الى مجموعة كبيرة من المحللين وكتب فيها "نحن نبحث عن طرق جديدة ومبتكرة وغير تقليدية للضغط على إيران ومعاقبتها". ووفقاً لمصدرين فإن هذه الخطوة غير اعتيادية نسبياً حيث تم اتخاذ قرار بإجراء "جلسة عصف ذهني" واسعة النطاق عبر البريد الإلكتروني. وتعكس هذه المبادرة إدراكاً بأن الخيارات المتاحة لإدارة ترامب محدودة وربما لا تكون مقبولة سياسياً أو عسكرياً وبالتالي هناك حاجة الى دراسة استراتيجية جديدة. ووفقاً للتقرير درس ترامب إمكانية شن موجة هجمات أخرى على غرار عرض الألعاب النارية وهي هجمات تستهدف نفس المواقع أو مواقع مماثلة لتلك التي تعرضت للهجوم العام الماضي بهدف تحقيق إنجاز رمزي يسمح له بإنهاء الحرب… | 5 188 |
