عبدالجبار الرفاعي
Open in Telegram
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Show more3 664
Subscribers
+224 hours
-37 days
-2130 days
Data loading in progress...
Similar Channels
Tags Cloud
Incoming and Outgoing Mentions
---
---
---
---
---
---
Attracting Subscribers
June '26
June '26
+10
in 1 channels
May '26
+18
in 1 channels
Get PRO
April '26
+16
in 1 channels
Get PRO
March '26
+23
in 1 channels
Get PRO
February '26
+41
in 1 channels
Get PRO
January '26
+33
in 1 channels
Get PRO
December '25
+36
in 1 channels
Get PRO
November '25
+42
in 2 channels
Get PRO
October '25
+30
in 1 channels
Get PRO
September '25
+33
in 0 channels
Get PRO
August '25
+24
in 1 channels
Get PRO
July '25
+27
in 1 channels
Get PRO
June '25
+31
in 1 channels
Get PRO
May '25
+31
in 1 channels
Get PRO
April '25
+21
in 0 channels
Get PRO
March '25
+48
in 1 channels
Get PRO
February '25
+57
in 3 channels
Get PRO
January '25
+54
in 1 channels
Get PRO
December '24
+40
in 1 channels
Get PRO
November '24
+50
in 0 channels
Get PRO
October '24
+345
in 1 channels
Get PRO
September '24
+45
in 2 channels
Get PRO
August '24
+47
in 1 channels
Get PRO
July '24
+70
in 3 channels
Get PRO
June '24
+58
in 1 channels
Get PRO
May '24
+24
in 1 channels
Get PRO
April '24
+42
in 1 channels
Get PRO
March '24
+38
in 0 channels
Get PRO
February '24
+77
in 1 channels
Get PRO
January '24
+167
in 3 channels
Get PRO
December '23
+164
in 2 channels
Get PRO
November '23
+89
in 3 channels
Get PRO
October '23
+28
in 0 channels
Get PRO
September '23
+140
in 0 channels
Get PRO
August '23
+805
in 0 channels
Get PRO
July '23
+17
in 0 channels
Get PRO
June '23
+21
in 0 channels
Get PRO
May '23
+19
in 0 channels
Get PRO
April '23
+37
in 0 channels
Get PRO
March '23
+32
in 0 channels
Get PRO
February '23
+75
in 0 channels
Get PRO
January '23
+15
in 0 channels
Get PRO
December '22
+21
in 0 channels
Get PRO
November '22
+27
in 0 channels
Get PRO
October '22
+23
in 0 channels
Get PRO
September '22
+23
in 0 channels
Get PRO
August '22
+25
in 0 channels
Get PRO
July '22
+20
in 0 channels
Get PRO
June '22
+25
in 0 channels
Get PRO
May '22
+14
in 0 channels
Get PRO
April '22
+39
in 0 channels
Get PRO
March '22
+14
in 0 channels
Get PRO
February '22
+35
in 0 channels
Get PRO
January '22
+53
in 0 channels
Get PRO
December '21
+33
in 0 channels
Get PRO
November '21
+36
in 0 channels
Get PRO
October '21
+29
in 0 channels
Get PRO
September '21
+39
in 0 channels
Get PRO
August '21
+39
in 0 channels
Get PRO
July '21
+41
in 0 channels
Get PRO
June '21
+17
in 0 channels
Get PRO
May '21
+41
in 0 channels
Get PRO
April '21
+93
in 0 channels
Get PRO
March '21
+40
in 0 channels
Get PRO
February '21
+163
in 0 channels
Get PRO
January '21
+35
in 0 channels
Get PRO
December '20
+2 176
in 0 channels
| Date | Subscriber Growth | Mentions | Channels | |
| 18 June | 0 | |||
| 17 June | +2 | |||
| 16 June | +1 | |||
| 15 June | +1 | |||
| 14 June | +2 | |||
| 13 June | 0 | |||
| 12 June | 0 | |||
| 11 June | 0 | |||
| 10 June | 0 | |||
| 09 June | +1 | |||
| 08 June | +1 | |||
| 07 June | 0 | |||
| 06 June | 0 | |||
| 05 June | 0 | |||
| 04 June | 0 | |||
| 03 June | 0 | |||
| 02 June | 0 | |||
| 01 June | +2 |
Channel Posts
محنة كاتب ... عبد الجبار الرفاعي الظمآن أبدًا
عبد الحق الزموري[1]
لم أتمكن من اقتناء كتاب الصديق عبد الجبار الرفاعي، الذي اختار له عنوانًا فرعيًا: "فصل من سيرة كاتب"، إلا منذ فترة قصيرة، في معرض الرباط للكتاب 2026، على الرغم من مرور ثلاث سنوات على صدوره، وما حظي به من احتفاء واسع في المشرق والمغرب.
التهمتُ الكتاب في زمن قياسي، ولا أشك أنني مررتُ على فقرات كاملة مرورًا خاطفًا، من دون تروٍّ أو تأمل، حتى إني لو عدت إليها اليوم لما تذكّرت أنها عبرت أمام ناظري. كنت أبحث فيه عن سيرة أخٍ تواصلت معه بعض مساراتي خلال العقود الأربعة الأخيرة، غير أنني ما إن بلغت صفحته الأخيرة حتى شعرت أن نفسي قد انقطع، وأن عطشي ما زال قائمًا.
ليس هذا الكتاب سيرةً عادية كما ألفنا في المذكرات والسير الشخصية، على الرغم من أن مؤلفه أضاف إلى عنوانه الرئيس عنوانًا فرعيًا، هو: "فصل من سيرة كاتب". وأحسب أنه فعل ذلك عن وعي، احترازًا مما قد يوحي به العنوان الأصلي: "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة"، من أن الكتاب دراسة فكرية موضوعية في القراءة والكتابة. غير أن القارئ يكتشف سريعًا أنه أمام نص تتداخل فيه السيرة بالفكرة، والتجربة بالتأمل، والذاكرة بالرؤية الفكرية، إلى الحد الذي يغدو معه الحديث عن القراءة والكتابة حديثًا عن تكوّن الذات ومسار تشكّلها الروحي والأخلاقي والمعرفي، وتغدو السيرة نافذة لفهم عالم الكاتب أكثر من كونها تسجيلًا لأحداث حياته وتعاقب مراحلها.
يصبح العنوان الفرعي، إذًا، تنبيهًا إلى أن المسرّات والمخاض يعنيانه شخصيًا، وليسا مرتبطين بالقراءة والكتابة بوصفهما موضوعات "باردة". نحن في حضرة "حفلة موجعة" عاشها الرفاعي، وما زال يعيشها، على مرّ السنين، تطبع كيانه بكلّيته، عوانٌ بين بهجة القراءة وألم مخاض الكتابة. لذلك يقول في أول سطر من هذه "السيرة": "أنا قارئ قبل كل شيء وبعد كل شيء".
تعالوا نفكك طبيعة النص نفسه، ونبحث في علاقة الجُبّة التي ألبسه إياها المؤلف بالغاية الدفينة من إهدائنا هذه القطعة الأدبية. هل النص سيرة ذاتية؟ هل هو نص فكري أو فلسفي عن القراءة والكتابة؟ هل هو تأملات شخصية في موضوع مخصوص أمْلتها تجربة الكاتب الممتدة لعقود من الزمن؟ أم أنه مزيج من هذه جميعًا، تتداخل فيه السيرة بالفكرة، والتجربة بالتأمل، على نحو يصعب معه إخضاعه لتصنيف جاهز أو وضعه في قالب مألوف؟
نؤكد منذ البدء أن الرفاعي حاول، من خلال العنوان، أن يساعدنا على ولوج أسرار نصه، حين أخبرنا أن محتواه يتعلق بما منحته له القراءة من مسرّات، وما عاناه من آلام المخاض في كل مرة يخوض فيها تجربة الكتابة. نعم، من هذه الزاوية يمكن اعتبار النص سيرة شخصية، وإن كانت سيرة مخصوصة ومتميزة عن نظائرها.
غير أن هذا الإحساس الأولي، أو هذا الاستعداد لفهم الكتاب بوصفه حديثًا عن مسرّات القراءة ومخاض الكتابة، سرعان ما يتعقّد، وربما يختلّ، كلما تقدمت في تصفح الكتاب. فعندما تتوقف عند فهرس الفصول، وعددها ثلاثة وعشرون فصلًا، تكتشف أن الكتابة ومتعلقاتها تتكرر في عناوين واحدٍ وعشرين فصلًا، أي بنسبة تزيد على 91%، في حين لا تظهر القراءة إلا في أربعة عناوين فقط. ويعبّر الرفاعي عن ثقل الكتابة على نفسه منذ المقدمة، حين يصرّح: "كلما فكرت بعمق وأنا أكتب ضاق فضاء الأجوبة واتسعت الأسئلة، ذلك ما يجعلني أتهيب اقتحام الكتابة، وأحاول ألوذ بخيمة القراءة" (ص 8).
قطعا لا تنتمي هذه الصفحات إلى طابع المذكرات الشخصية في شكلها التقليدي. لن تجد فيها تفاصيل حياة عبد الجبار الرفاعي والمراحل التاريخية التي مرّ بها وعلقت تفاصيلها بذاكرته، ولا يذكر شخوصها وتواريخها إلا بالقدر الذي يقتضيه السياق، كقصته مع مكتبته الشخصية التي يجددها في كل مرة بسبب الظروف القاهرة، أو حديثه عن علاقة القراءة بالواقع في سياق علاقته بأبنائه، أو علاقته الحميمة بأخيه الأكبر عند حديثه عن الكتابة الأيديولوجية في الفصل السادس عشر... إلخ. بل إن المؤلف لا يركّز حتى على شخصه فاعلًا في الأحداث أو متفاعلًا معها، وإنما يعرض حالاته، أو أطواره الذهنية والنفسية والعاطفية، التي يمرّ بها وهو يقرأ أو يكتب. تصبح الكتابة والقراءة الموضوع الرئيس في عملية السرد، ولا يحضر هو إلا باعتباره متفاعلًا، أو أداة، أو مولّدًا لهذا الموضوع. يقول: "حاولت في هذا الكتاب التحدث عن سيرتي ككاتب... أذكر خبرتي ككاتب وقارئ بغض النظر عن كيف يقرأ ويكتب الآخرون" (ص 89).
الكتاب هو بطل هذا السفر، وليس الرفاعي؛ لذلك كان حضوره بلسمًا للروح، لأنه كما يقول: "يشعرني بالأمن النفسي، ويؤنسني حين أشعر بوحشة الوجود"، بل ويصبح "أحد مهدئات الاكتئاب" (ص 22). يصف الكاتب بدايات شغفه بالقراءة، والتِهامه كل ما يقع بين يديه من صحائف، ويقرر سريعًا أن القراءة العشوائية: "حالة ملازمة للقراءة، تأكل عمر القارئ وتستنزف وقته"، لذلك يحذّر منها وينبّه إلى ضرورة تجاوزها عاجلًا (ص 31). يغوص الكاتب في أعماق فعل القراءة نفسه، فيستشهد بكانط وقولته الشهيرة: "ليست كل الكتب نافعة للقراءة"، ويفكك القراءة باعتبارها "ضربًا من الدهشة" و"متعة اكتشاف" (ص 32). لذلك يخصص إحدى فقراته لـ "تبذير العمر بقراءة كتابات تُفقر العقل" (ص 35)، ويفصّل في ذلك النوع من القراءات التي تزيد الجهل وتسطّح الوعي، ويضرب مثالًا على ذلك بمجال التنمية البشرية ودوره في تعطيل العقل وتفشي الرداءة والانحطاط.
يمكن تصنيف هذا "الفصل من سيرة كاتب" في خانة أنثروبولوجيا الكتابة والكتاب، وما يحيط بهما من دوائر، لا بمعناها المتداول بوصفها مبحثًا علميًا مخصوصًا، وإنما باعتبارها تجربة شخصية جدًا، يرفض صاحبها أن تكون بالضرورة معبّرة عن تجارب الآخرين: "ليست هناك وصفة جاهزة... تنطبق على كل إنسان في القراءة أو الكتابة" (ص 33). غير أن ذلك لم يمنعه من استخلاص محصلات من التجربة هنا وهناك، يتخذها أحكامًا عامة، كحديثه المطوّل في الفصل الحادي عشر عن علاقة الكتابة، ويقصد كتابته هو، بالاعتراف، والتخلص من الأوهام، والتحرر من قيود الجماعة والواقع التاريخي، وصولًا إلى موضوع الكتابة بوصفها حرفةً: "الكتابة هي الهوية المعرفية والأخلاقية للكاتب.كل كتابة تخون لغة كاتبها وتغرق بلغة مستعارة، كتابةٌ تخون قارئها وكاتبها" (ص 85).
عندما نقول إن أنثروبولوجيا الكتابة عند عبد الجبار الرفاعي، كما سطّرتها تجربته الشخصية، هي موضوع هذا الكتاب، فإننا نحيل بالأساس إلى ذلك العدد الكبير من الفقرات التي خُصصت للتفصيل في هوية الكتابة، ووصف حالاتها ومراتبها تحت عناوين، من قبيل: "الكتابة بوصفها مرانًا متواصلًا"، و"الكتابة بوصفها تجربة وجود"، و"الكتابة بوصفها سلطة"، و"الكتابة بوصفها امتحانًا للضمير الأخلاقي"... إلخ. وهي عناوين تتقصّى العلاقات الداخلية لفعل الكتابة، وتستكشف صلته العميقة بفعل القراءة وما يتولد عنه من أسئلة وتحولات.
بالرغم من المتعة والمسرّات التي وجدها الكاتب وحصّلها من وسط آلام المخاض التي عرفتها كتابته طيلة عقود، فإن هذه السردية لم تخلُ من بعض الفراغات التي اقتصر الكاتب على إلقاء حصى فيها لتحريك مياهها الراكدة، وهي فراغات تحتاج، ربما، إلى تفكيك وتشريح بالآليات نفسها المستعملة في هذا الفصل. ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، تعرضه في أكثر من موضع لنقد كتابات سيد قطب وأضرابه من أنصار تيار الإخوان المسلمين، وما جرّه طابعها الأيديولوجي المغلق من كوارث على العقل العربي والواقع المتردي لكثير من البلدان الإسلامية (ص 18؛ 115-118؛ إلخ).
غير أنه يسرد علينا على امتداد كتابه، أسماء كتّاب قرأ لهم وكان تأثيرهم سلبيًا، وأكثرهم من فضاء التيارات الإسلامية السنية، بينما يمرّ مرورًا عابرًا على كتّاب التيارات المنتمية إلى الفضاء الشيعي، مع أن الوصف نفسه، وربما النقد نفسه، يمكن أن ينطبق على بعض نتاجاتهم، خاصة أن الرفاعي انتمى إلى الحوزة العلمية في النجف ثم في قم، ومكث فيهما سنوات طويلة. من هنا يبرز سؤال يفرض نفسه: هل كان أولئك غائبين فعلًا عن المشهد؟ أم أن الساحة الحركية الشيعية لم تعرف في تلك المرحلة كتّابًا ومفكرين يمكن تطبيق النقد الذي ساقه الرفاعي على نتاجهم الأيديولوجي؟ يبقى هذا السؤال مفتوحًا، ويستحق مزيدًا من الإضاءة والتأمل.
غير أن الإنصاف يقتضي التذكير بأن الرفاعي لا يستثني الإسلام السياسي الشيعي من نقده في مؤلفاته الأخرى؛ فكتابات هذا النوع من الإسلام السياسي شأنها في ذلك شأن كتابات سيد قطب والمودودي ويكن وغيرهم. ويبدو أن تركيزه في هذا الكتاب على الإسلام السياسي السني يعود إلى أن معظم أدبيات الحركات الإسلامية الشيعية وُلدت في سياقه وتأثرت به، وكانت كتابات البنا والمودودي والنبهاني أسبق من جميع كتاباته. التساؤل لا يتعلق بموقفه الفكري العام من الإسلام السياسي الشيعي بقدر ما يتعلق بالمساحة التي خصصها له في هذه السردية، وبحدود ما اختار استعادته من ذاكرته القرائية وتجربته الفكرية، ويعود ذلك إلى تأثره في مرحلة مبكرة من حياته في الدراسة الثانوية بكتابات سيد قطب.
يبقى نص عبد الجبار الرفاعي بديعًا في بابه، فهو يتموضع في "برزخ" بين التأمل الفلسفي الأنثروبولوجي ومحاولة التعبير عن حالة التجربة الشخصية وهي تتشكل في صيرورة متواصلة، أي قبل أن تتحول إلى سيرة أو ذكرى أو إحداثيات.
كما أنه بديع في لغته المغمّسة برداء الشفافية والمباشرة والصدق والبوح والانكسار والاعتذار... إلخ. وهي لغة تأسر القارئ، لأنها تحكي، أحيانًا، عن كثير مما هو مدفون في غياهب نفسه.
وهو بديع في الرسائل التي يحملها إلى القارئ؛ إذ يريك كيف أن المكانة العلمية وهيبة الموقع الفكري لم تستطع أن تحجب عنه طيبة أجدادنا القدامى، ولا تواضع علمائنا الكبار، ولا شفافية روحه المحبة للإنسان، حيثما كان، وفي أي زمان ومكان.
[1] باحث وكاتب تونسي. https://almothaqaf.com/memoir02/988164
| 2 | عبد الجبار الرفاعي وإعادة تعريف المفاهيم الدينية
بهاء سوادي
عندما نقرأ عن تجديد علم الكلام، نعيش لحظات استثنائية تتخللها الدهشة والإعجاب بهذا الجهد النقدي والفلسفي العميق الذي يقدّمه الدكتور عبد الجبار الرفاعي. فهو يمارس التجديد عقلية الناقد، ورؤية الفيلسوف، وشخصية المفكر الذي يغوص في أعماق الفكر الديني، محللًا ومفككًا بنياته ومفاهيمه. لا يكتفي الرفاعي بالنظر إلى الجوانب السطحية للموضوع، بل يتجاوزها إلى ما هو أبعد وأعمق؛ إذ تتجه رؤيته النقدية إلى البنية التحتية الكامنة في أعماق الفكر الديني، فيعيد النظر في المسلّمات والبديهيات التي اعتاد كثيرون التعامل معها على أنها مفاهيم ثابتة لا تقبل التغيير. في سياق ذلك، يعمد إلى نقد تعريفاتها، باحثًا في عوامل نشأة هذه التعريفات، والأحوال السياسية والاقتصادية والاحتماعية، ومختلف الإكراهات التاريخية التي أسهمت في تشكيل دلالاتها وبناء معانيها. ويعيد تعريفها في ضوء فلسفة الدين الحديثة.
بدأ الرفاعي مشروعه في تجديد الفكر الديني بإعادة تعريف الدين تعريفًا يحرّره من الاختزال العقدي والفقهي والأيديولوجي، حين عرّفه بأنه: "الدين حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية". وانطلاقًا من هذا التفسير للدين، أعاد بناء منظومته الفكرية على أساس أن الدين يستجيب أولًا لحاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، قبل أن يكون منظومة أحكام أو مؤسسة سلطة أو هوية مغلقة. لذلك انشغل بإعادة تعريف المفاهيم المحورية في الدين، المتمثلة بـ :الإيمان، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف، سعيًا إلى اكتشاف دلالاتها الحيّة القادرة على إشباع حاجة وجود الإنسان إلى المعنى في عالم متغير.
لم يتعامل الرفاعي مع هذه المفاهيم باعتبارها معاني نهائية مكتملة أُنجز فهمها في الماضي، وإنما نظر إليها بوصفها مفاهيم مفتوحة تتجدد قراءتها بتجدد علوم ومعارف وخبرة الإنسان وتحول شروط حياته وأسئلته. لذلك عمل على توسيع آفاقها الدلالية، وكشف ما تختزنه من إمكانات روحية وأخلاقية وجمالية، بما يجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع تحولات العصر والاستجابة لتحديات الإنسان المعاصر. هكذا انتقل بهذه المفاهيم من فضاء التكرار والاستنساخ إلى فضاء الاجتهاد المواكب للواقع، حيث يغدو الدين مصدرًا لإثراء المعنى، وتحرير الإنسان، وحماية كرامته، وإيقاظ وعيه، بدل أن يتحول إلى أداة للوصاية أو الإقصاء أو إعادة إنتاج الماضي. في سياق هذه القراءة سعى الرفاعي إلى بناء فهم للدين يظل وفيًّا لجوهره الروحي، وفي الوقت نفسه منفتحًا على متطلبات الحياة الحديثة وأسئلة الإنسان المتجددة.
إن تجديد الفكر الديني يعني إعادة إحياء فاعليته الفكرية والاجتماعية والثقافية في حياة المسلم. وهذا التجديد مرهون بتجديد علم الكلام، كما أن تجديد علم الكلام مرهون ببذل جهد استثنائي وفريد، يستمد فرادته من الجرأة والقدرة على مقاربة المفاهيم الدينية الأساسية والحساسة، ونقدها، وإعادة النظر فيها، وصياغة تعريفاتها من جديد. يقتضي ذلك عدم الخضوع للرؤى الكلامية التقليدية المهيمنة على الفكر الديني الإسلامي، التي غدت رؤاها وتعريفاتها بمنزلة خطوط حمراء لا يجرؤ كثيرون على المساس بها أو الاقتراب منها.
عندما نتحدث عن علم الكلام، فهذا يعني أننا نتحدث عن "نظرية المعرفة في الإسلام" حسب رأي الرفاعي، لذلك يشدد على: "أن أية محاولة لتجديد الفكر الديني الإسلامي تتجاوز علم الكلام، فإنها تقفز إلى النتائج دون المرور بالمقدمات". علم الكلام، الذي يبحث في أصول العقيدة الإسلامية والدفاع عنها، يشكّل أساسًا للبنية التي تصوغ الرؤية للعالم في الدين الإسلامي. علم الكلام هو من يبحث عن: الله ووجوده، والقضاء والقدر، والثواب والعقاب، واليوم الآخر، والبعث والحساب. ويعرّف: النبوة والوحي، ويتجاوز ذلك إلى الشريعة والتكليف، مؤسسًا الأساس الذي تستنبط منه الأحكام الشرعية المتصلة بمختلف شؤون حياة الإنسان الدينية.
علم الكلام التقليدي، الذي تطوّر مع الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية والإمامية وغيرهم من مؤسسي الفرق، انبثق في سياقات دينية وسياسية وثقافية خاصة، تعكس الأسئلة العقائدية في عصره، والتي فرضتها مرحلة تاريخية محددة على مجتمع بعينه، مما يعني أن جميع المفاهيم الدينية، مثل: الوحي، والنبوة، ومصير الإنسان، والقضاء والقدر، والبعث، وغيرها، يتلقاها الإنسان ويفهمها ضمن أفقه المعرفي وقدراته الذهنية والثقافية. من هنا فإن طرائق فهم هذه المفاهيم والتعبير عنها ليست ثابتة، وإنما تتأثر بتطور العلم والمعرفة وتبدّل السياقات التاريخية والثقافية. وفي ضوء هذا الفهم، يرى الرفاعي أن هناك حاجة ضرورية تدفعنا باستمرار إلى تجديد علم الكلام، وإعادة النظر فيه، ونقده، وإعادة بنائه.
يشرح الرفاعي الفرق بين ثلاثة مفاهيم، هي: الإحياء والإصلاح والتجديد. | 132 |
| 3 | فالتجديد في نظره عملية ابتكار وتطوير، تتضمن تجديدًا في اللغة والمنهج والهدف والموضوع، وتسعى إلى إعادة بناء فهم الدين بما يستجيب لروح العصر ولتحولات الإنسان والعالم. أما الإصلاح فينشغل بمراجعة ما اعتراه من خلل أو انحراف في الفكر أو الممارسة الدينية، والعمل على تقويمه وتصحيحه داخل البنية القائمة، من دون أن يفضي بالضرورة إلى إعادة تأسيس المفاهيم أو إنتاج رؤى جديدة. في حين أن الإحياء هو "استئناف ما كان في الماضي كما هو". أي إن الإحياء يتحول، وفق هذا الفهم، إلى توسيع لحضور الدين في مختلف مجالات الحياة وعلومها ومعارفها، وتدخله في شتى نشاطات الإنسان، على نحو يفضي إلى إهدار المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي في حياة الإنسان. وفي ضوء ذلك يميز الرفاعي بين الإصلاح الذي يستهدف تصحيح القائم، والتجديد الذي يبتكر آفاقًا جديدة للفهم، والإحياء الذي يسعى إلى استعادة ما كان في الماضي وإعادة حضوره.
في ضوء ذلك لا يمكن تصنيف الرفاعي في إطار الإحياء أو الإصلاح بالمعنى الشائع لهذين المفهومين، وإنما يتموضع في أفق التجديد بوصفه مشروعًا فلسفيًا ومعرفيًا يسعى إلى إعادة بناء التفكير الديني في إطار الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة. الرفاعي مجدد يمارس التجديد بوصفه فعلًا نقديًا، لا يكتفي بمراجعة الأجوبة الموروثة، وإنما يذهب إلى الأسئلة المؤسسة التي أنتجتها، ويعيد فحص منطلقاتها ومقدماتها في ضوء التحولات الكبرى التي شهدها وعي الإنسان الحديث ومعارفه. وينشغل الرفاعي بمشروع متكامل للتجديد الديني، يهدف إلى إعادة اكتشاف المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، بعد أن حجبتْه في كثير من الأحيان قراءات مغلقة ومقولات تراثية استُهلكت تاريخيًا. لذلك يدعو إلى إعادة التفكير في المفاهيم الدينية الأساسية، وإعادة صياغتها بلغة جديدة تستوعب تحولات الإنسان والعلوم والمعارف، وتفتح أفقًا أرحب لفهم الدين بوصفه مصدرًا للمعنى والحرية والكرامة والحب والرحمة. في سياق هذا المسعى يعمل على بناء وعي ديني أكثر قدرة على الحوار مع العصر، وأكثر استعدادًا للاستجابة للأسئلة الوجودية والروحية التي يواجههاالإنسان اليوم.
https://al-aalem.com/عبد-الجبار-الرفاعي-وإعادة-تعريف-المفا/ | 114 |
| 4 | الفهم ضرب من تحقق الموجود
د. عبد الجبار الرفاعي
تفسير النصوص الدينية لا يمكنه أن يواصل حضوره إن لم يتأسس على تعدد الفهم وتنوعه، تبعًا لتعدد الأحوال والأزمان وتنوعها. تتوقف المعرفة عندما تكف عن توالد الفهم وتعدد المعنى وتنوعه. رفض التعدد والتنوع في الفهم يعني أن الواقع يلبث ساكنًا، والقرآن يظل صامتًا، لا يبوح برؤية يتكشف فيها المعنى الذي يستجيب لما تفرضه حياة الإنسان وأنماط عيشه المتغيرة.
كأن الإنسان مكث منذ لحظة وجوده في الأرض كما هو؛ لا يتحرك، لا يتحول، لا يتغير، لا يتطور، بينما واقع حياة الإنسان في الأرض يكذّب ذلك. الإنسان يختلف عن الحيوان، الحيوان يستمر كما هو في حياته مهما طال عمره، ولا يخرج على ما فعله نوعه بشيء. كل نسخة من ذلك النوع تكاد تطابق أول نسخة منه في كل شيء، ولا يتغير سلوكه، حتى لو مضت آلاف السنين وامتد وجوده إلى نهاية الحياة في الأرض. طبائع النمل مثلًا وسلوكه في تأمين قوته، وحماية نفسه، وحفر ملاذاته، كانت وما زالت وستبقى كما هي منذ وجدت أول نملة على الأرض.
تفسير القرآن، وتفسير الكتب المقدسة في مختلف الأديان، أفهمه فلسفيًا على أنه تحقّق أنطولوجي لذات تمارس الفهم. الفهم نمط من الوجود يتجلى فيه الموجود وينكشف، وتتحقق فيه الذات بطور وجودي جديد. التفسير لا يكشف عن معنى النص فحسب، وإنما يكشف أيضًا عن أفق المفسر وكيفية حضوره في العالم، والواقع. تكرار الفهم ذاته في كل زمان تعبير عن تكرار الموجود لذاته وتعطل صيرورته الوجودية، ذلك أن الوجود الإنساني يتشكل باستمرار في سياق خبراته وأسئلته وتحولاته التاريخية. كل فهم جديد ولادة جديدة للمعنى، وكل أفق تاريخي جديد يتيح إمكانات جديدة للفهم. وعندما يكفّ الفهم عن التعدد والتنوع تتعطل حركة المعرفة ونموها، ويخفت أثر النص في مواكبة الواقع المتغير. يظل النص غنيًا بإمكاناته الدلالية، غير أن استنطاق هذا الثراء مرهون بقدرة الإنسان على تجديد أسئلته وتوسيع أفق فهمه واكتشاف ما يستجيب لحاجاته الروحية والأخلاقية والجمالية والوجودية في كل زمان.
تكرار فهم واحد لآيات الكتاب الكريم في كل زمان ينتهي إلى تكرار المعرفة، وتكرار المعرفة يفضي إلى جمودها واستنفاد قدرتها على إنتاج المعنى. حين تتعطل المعرفة يغدو النص أسير قراءات موروثة لا تتجدد، فتتسع المسافة بين دلالاته الحية والواقع المتحول. لا يتغير النص، غير أن أسئلة الإنسان تتغير، وتتبدل أحوال المجتمعات، وتتنوع الوقائع والخبرات البشرية. لذلك تظل الحاجة قائمة إلى تجدد الفهم. القراءة المتجددة تستنطق ما تختزنه الآيات من إمكانات دلالية لم تكن مطروحة في أزمنة سابقة، وتكشف ما يلهم الإنسان في حياته المتغيرة من معانٍ روحية وأخلاقية وجمالية. أما الاكتفاء بتكرار ما قيل من قبل فيحجب قدرة الكتاب الكريم على الحضور الفاعل في حياة الناس، ويجفف منابع إلهام المعنى الديني التي تحتاجها الحياة في مختلف الأزمنة والأحوال والوقائع.
أبدية معاني القرآن وعبورها الزمان والمكان تتجلى في تعدد قراءاتها وتنوع فهمها، وتعدد الدلالات التي يكتشفها القارئ فيها، انطلاقًا من أسئلته الوجودية وآفاق وعيه ومناهج فهمه وقراءته. كل قراءة جادة تفتح أفقًا جديدًا للمعنى، وتكشف وجهًا لم يكن ظاهرًا من قبل، من غير أن تستنفد ما يختزنه النص من طاقات دلالية متجددة. لا ديمومة لفهم يدّعي أنه الفهم النهائي والأبدي للقرآن، فمثل هذا الادعاء يغلق أفق المعنى، ويعطل حيوية النص، ويحول بينه وبين مواكبة تحولات الإنسان وتبدل أحواله في مختلف الأزمنة والأمكنة. القرآن يظل حيًا بقدر ما تتجدد قراءته، ويتجدد حضوره في الوعي بقدر ما تتجدد الأسئلة التي يتوجه بها الإنسان إليه.
مفهوم الذات يتوفر على إمكان وجودي، يوفّر هذا الإمكان الفهم وعملياته المختلفة: التفكير، والتساؤل، ومكوّنات التساؤل، والأفهام العلمية السابقة لهذا الفهم، وشبكة العلاقات بين مكوّنات الفهم، وبنية الفهم، ومنطق الفهم، وغيرها. يبدأ الفهم بفهمنا لذواتنا، الذات مرآة تنكشف فيها لنفسها. هذا النحو من انكشاف الذات هو وجودها بطور جديد في كل عملية فهم، وتحقّقها داخل عملية الفهم التي تنتجها وجوديًا، أي إن الذات تشتبك وجوديًا مع النص حالة الفهم. الفهم يشاكل الذات، والفهم ضرب من تحقّقها بوجود جديد. هذه هي تجربة الفهم بما هي صيرورة وجودية يعيشها قارئ النص الحاذق.
كل ذات، في الوقت الذي تكتشف فيه النص، تتكشف هي أيضًا فيه، لذلك تتغير انطلاقًا من الفهم الجديد الذي تنتجه. نرى هنا معادلة أطرافها ثلاثة: "الذات – الفهم – التغير". تبتني صيرورة الفهم على منظارين عميقين أنطولوجيًا:
1. اختلاف الذوات.
2. اختلاف المنظورات.
ما تقدم ملخص شديد لرؤيتي لتنوع فهم القرآن الكريم وتفسيره، ومواكبة المعنى الديني فيه لتنوع العصور وتعددها. ومن دون ذلك لا يمكن القول باستمرار القرآن في إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة، تبعًا لاختلاف الأحوال والأزمان والواقع. | 180 |
| 5 | وهي رؤية تتكشف فيها الإمكانات المعرفية والإبستيمولوجية للقراء، لبناء فهمهم المتجدد لآيات القرآن، وكذلك سائر الكتب المقدسة في الأزمنة المتوالية.
يستمد كل إنسان فهمه من ذاته ووجوده الخاص، وأحكامه السابقة، وأفق انتظاره. يتلون الفهم على الدوام بفضاء الذات وخبراتها. لا يًفهم الإيمان إلا في فضاء الإيمان، فما لم يتحقق الإنسان بالحياة الروحية ليس بوسعه تقديم فهم واضح لها. مثلما لا يفهم طبيعة الحب إلا مَن يتذوق الحب، ولا يفهم البهجة إلا مَن تشرق نفسه ابتهاجًا بالنور، ولا يفهم القلق إلا مَن يمزقه القلق.
تنكشف ذات المفسر في كيفية تلقيه للنص وتفاعله معه، وفي الكيفية التي يعيد بها بناء معانيه وفهم دلالاته. لا يقرأ المفسر النص بعين محايدة منفصلة عن تكوينه المعرفي وخبرته الحياتية، إذ تتدخل رؤيته للعالم، ومسلّماته الفكرية، وخلفياته الثقافية، وأفق انتظاره في تشكيل فهمه وتأويله. كل تفسير يحمل بصمة صاحبه، ويعكس جانبًا من شخصيته العلمية والروحية والوجدانية. يرى المفسر ما تسمح له رؤيته باكتشافه، وما تتيحه أدواته المعرفية من إمكانات للفهم. النص الواحد قد يلد قراءات متعددة، لا لأن معناه متناقض، وإنما لتنوع تكوين المفسرين ومناهجهم وأسئلتهم وآفاق انتظارهم.
لا يرى المفسر في النص إلا ما تسمح له ذاته والواقع الذي يعيش فيه باكتشافه، وما تتيحه أدواته المعرفية من إمكانات للفهم. القراءة ليست استنساخًا لمعنى جاهز، وإنما هي حوار حي بين النص والقارئ والواقع، يتكشف فيه المعنى تدريجيًا، كما تتكشف فيه ذات المفسر. لذلك لا يخبرنا التفسير عن النص وحده، وإنما يخبرنا أيضًا عن الإنسان الذي يفسره، وعن رؤيته للعالم وموقفه من الحياة والإنسان والوجود، وعن حياته ونمط عيشه. في كل تفسير ينعكس شيء من أحلام المفسر وأسئلته وهموم عصره وتطلعاته، حتى يغدو التفسير مرآة للواقع ومرآة للمفسر في آن واحد.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=386810 | 165 |
| 6 | No text... | 157 |
| 7 | تمت اليوم الخميس 11-6-2026 مناقشة رسالة الماجستير التي قدمها الطالب مخلوف شمس الدين في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة عبد الحميد مهري – قسنطينة 2، في الجزائر، بعنوان: "علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة". وقد مُنحت الرسالة تقدير "جيد جدًا". هذه الرسالة هي الثلاثون في تسلسل أطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير المنجزة لدراسة مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني في جامعات عراقية وعربية وأجنبية.
وفيما يأتي قائمة بأطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير التي تمت مناقشتها حتى اليوم:
أولا. الدكتوراه:
1. الفكر الإسلامي المعاصر والتجديد في علم الكلام: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، اطروحة دكتوراه، صافية مناد،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة وهران بالجزائر، 2020.
2. النزعة الإنسانية في الفكر العربي المعاصر عند حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، اطروحة دكتوراه، حسين علي منصور، كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
3. في تأويلية علم الكلام: قراءة زمانية مركبة في أعمال يمنى طريف الخولي وباسل الطائي، وعبد الجبار الرفاعي ومحمد إقبال، إيمان مخينيني، أطروحة ما بعد الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سوسة في تونس، 2023.
4. الموقف من التصوف الإسلامي في الفكر العربي المعاصر: من العراق هادي العلوي، وعبد الجبار الرفاعي، ومن مصر زكي نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوي، ومن سوريا طيب تيزيني، وأدونيس، ومن المغرب محمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن، اطروحة دكتوراه، رغد سليم داود، كلية الآداب في الجامعة المستنصرية ببغداد، 2024.
5. نقد العقل التراثي، جيل ما بعد محمد باقر الصدر في العراق: "عمار أبو رغيف، كمال الحيدري، يحيى محمد، عبد الجبار الرفاعي"، اطروحة دكتوراه، علي المدَن، جامعة الأديان والمذاهب بقم، 2016.
ثانيا. الماجستير:
6. التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، مروة حسن فرحان الأعرجي،كلية الآداب بجامعة الكوفة، 2017.
7. تفكيك بنية التعصب في الفكر الإسلامي: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، علي قاسم محمد، كلية العلو الإسلامية بجامعة بغداد، 2018.
8. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، أحمد لقمان فهمي، المعهد العالي للحضارة الإسلامية، جامعة الزيتونة، 2019.
9. علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي: عرض ومناقشة، راضية نوري، وفاء بن قطران، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر في الوادي بالجزائر، 2020.
10. الانهمام بالإنسان في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي نموذجا، بن شليخ مريم،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة عبد الحميد بن باديس في مستغانم بالجزائر، 2021.
11. التجديد الديني في الفكر الشيعي المعاصر: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، طارق أمين، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة في تونس، 2022.
12. التجديد في علم الكلام الأسلامي: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، أسعد صباح شنان،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2022.
13. مسألة الكرامة الإنسانية في علم الكلام المعاصر بين مشروعي عبد المجيد النجار وعبد الجبار الرفاعي، مسعودة الأعور، مروة عـــــزوز، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر الوادي، 2022.
14. فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، سهيلة شريكي، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامـــــعة محمد بوضيـــــاف – مسيـــلة في الجزائر، 2022.
15. الإنسان بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد: الراغب الأصفهاني وعبد الجبار الرفاعي نموذجا، هاجر فرزولي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة -1 الحاج لخضر، الجزائر، 2023.
16. تجديد علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، حراث أنغام، مشري روفيدة، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامعة الشهيد الشيخ العربي التسي بتبسة، الجزائر، 2023.
17. الكرامة الإنسانية في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي من خلال كتابه الدين والكرامة الإنسانية، زينب بشار أحمد الخفاف، كلية العلوم الإسلامية بجامعة الموصل، 2023.
18. مبادئ تفسير القرآن عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي: دراسة نقدية،كلية العلوم والمعارف القرآنية في جامعة الاديان والمذاهب بقم، 2023.
19. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد: دراسة مقارنة بين محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي، داود سالم عيسى حسن،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2023.
20. مفهوم الوحي عند عبد الجبار الرفاعي وحيدر حب الله، سرى مقداد شاكر،كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
21. فلسفة الدّين في فكر عبد الجبّار الرّفاعي: أنسنة الإسلاميّات أم أسلمة الإنسانيّات؟، روي روبير عيد، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة اللبنانية، 2024.
22. | 242 |
| 8 | التحربة الدينية في علم الكلام المعاصر: عبد الجبّار الرّفاعي أنموذجا، مريم عزيز عبد، كلية الآداب، جامعة واسط بالعراق، 2024.
23. موقف عبد الجبار الرفاعي من التراث الكلامي الإسلامي: عرض ومناقشة، شروق محمد محمد هاشم بصرة، كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، 2024.
24. الإنسان ومشكلة المعرفة في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي، منال عوني عبد الخالق غنيم،كلية الآداب بجامعة طنطا، مصر، 2025.
25. آفاق فلسفة الدين عربيا: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، بلبية فريحة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، بجامعة ابن خلدون، في مدينة تيارت، غربي الجزائر، 2025.
26. التجربة الدينية دراسة مقارنة بين محمد إقبال وعبد الجبار الرفاعي، فاطمة صالح عزيز، كلية الامام الكاظم ببغداد، 2025.
27. سؤال التجديد في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، اعداد: شيماء قدح، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة محمد بوضياف المسيلة في الجزائر، 2025.
28. تجديد الفكر الفلسفي والديني لدى عبد الجبار الرفاعي"، بلال الحمداني، كلية الإلهيات في جامعة دكوز ايلول في مدينة ازمير، تركيا، 2026.
29. منهج الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه مقدمة في علم الكلام الجديد، محمود الطائي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة الموصل، 2026.
30. علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة، مخلوف شمس الدين، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة عبد الحميد مهري، قسنطينة 02، الجزائر، 2026.
https://almothaqaf.org/e4/988062 | 184 |
| 9 | No text... | 139 |
| 10 | الظمأ الأنطولوجي عند عبد الجبار الرفاعي
وعطش الكينونة عند تولستوي وهِرمان هِسّه وساراماغو
د. ناجي الفتلاوي
ابتداء اسمح لنفسي بصياغة مكثفة لمفهوم الظمأ الانطولوجي عند المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي ويمكنني القول: إن الظمأ الأنطولوجي هو شعور الإنسان الدائم بالنقص الوجودي الذي يدفعه إلى البحث عن المعنى والحقيقة والسكينة الروحية، بوصفه حاجةً أصيلةً في الكينونة الإنسانية لا تقل أهمية عن حاجاته البيولوجية. يرى الرفاعي أن الدين في جوهره التاريخي والروحي نشأ، استجابةً لهذا الظمأ، أي بوصفه محاولةً لإرواء عطش الإنسان إلى المعنى، لا مجرد منظومة من الأحكام والطقوس.
وانطلاقًا مما تقدم، وولوجًا إلى مقاربة رباعية يحضر فيها ليو تولستوي وجوزيه ساراماغو وهرمان هِسّه، فضلًا عن الرفاعي، يمكن أن ننتهي إلى تعريف مكثف "للظمأ الأنطولوجي" بأنه "صرخة الروح للاستيقاظ"، أو أنه "عطش الروح إلى المطلق، ذلك العطش الذي لا ترويه مباهج الدنيا، وإنما يرويه المعنى حين يستقر في أعماق الكينونة". فليس الجوع إلى الخبز وحده ما يحرك الإنسان، ولا العطش إلى الماء وحده ما يدفعه إلى البحث، ففي أعماق الكائن البشري عطش آخر أشد خفاءً وأكثر إلحاحًا، عطش لا ترويه الثروة ولا السلطة ولا الألقاب الزائفة ولا أوهام العظمة والشهرة، ولا لذة التعرف إلى تضاريس الحياة وتجاربها المتنوعة. إنه ما يسميه الرفاعي "الظمأ الأنطولوجي"، هو ذلك الشوق العميق إلى المعنى، والشعور بالحاجة إلى ما يمنح الوجود قيمة تتجاوز حدود اليومي والعابر. يرى الرفاعي أن الإنسان، فضلًا عن كونه كائنًا بيولوجيًا واجتماعيًا، هو أيضًا كائن معنوي وروحي يعيش قلقًا وجوديًا دائمًا، يمكن وصفه بالقلق النبيل، لأن في داخله فراغًا لا تستطيع المادة وما يترشح عنها أن تملأه. الظمأ الأنطولوجي عنده هو الحاجة الأصيلة إلى المعنى الخلاق، وإلى اكتشاف أسرار ما وراء الحياة والموت والألم والحب والمصير. إنه سؤال البدايات، والغوص بحثًا عن الجذور.
وعندما ننتقل إلى الروسي ليو تولستوي، الكاتب والمفكر والروائي المتوفى سنة 1910، نجد أنفسنا أمام تجربة مشابهة، وإن اختلفت اللغة والمصطلحات. فقد بلغ تولستوي قمة المجد الأدبي والاجتماعي، ثم وجد نفسه فجأة أمام سؤال مرعب: لماذا أعيش؟ وما جدوى هذا النجاح كله إذا كان الموت ينتظر الجميع؟ في كتابه "اعتراف" يصف تلك الأزمة الوجودية التي كادت تدفعه إلى الانتحار. لم يكن ينقصه شيء من متاع الدنيا، غير أن روحه كانت تصرخ طلبًا للمعنى. هنا يتجلى الظمأ الأنطولوجي في صورته الحادة؛ المشكلة ليست في فقدان الأشياء، وإنما في فقدان دلالتها.
أما هرمان هِسّه، الروائي الألماني السويسري وأحد أبرز كتّاب القرن العشرين، فقد عبّر عن هذا الظمأ بلغة أكثر شاعرية وروحانية، ففي "سدهارتا" و"دميان" و"ذئب البراري" تتكرر صورة الإنسان الذي يشعر بالغربة عن ذاته والعالم، فينطلق في رحلة داخلية بحثًا عن الحقيقة. والأزمة الوجودية عند هِسّه ليست لعنة، وإنما بداية تحول روحي؛ الروح لا تستيقظ إلا عندما تشعر بعدم كفاية الأجوبة الجاهزة، وتدرك أن الامتلاء الحقيقي لا يأتي من الخارج، وإنما من رحلة اكتشاف الذات.
أما جوزيه ساراماغو، الروائي والكاتب والصحفي البرتغالي المتوفى سنة 2010، والحائز جائزة نوبل للآداب سنة 1998، فيقارب المسألة من زاوية مختلفة. ففي أعماله الروائية تتجلى هشاشة المعنى عندما تفقد المؤسسات قدرتها على إقناع الإنسان، ويجد الفرد نفسه وحيدًا أمام أسئلة المصير والحرية والمسؤولية. تبدو شخصياته وكأنها تعيش في عالم فقد يقينياته الكبرى، لكنها لا تتوقف عن البحث. إن الظمأ عند ساراماغو ليس بحثًا عن أجوبة نهائية، بقدر ما هو مقاومة للفراغ وإصرار على أن الإنسان لا يكتمل إلا بالسؤال، فهو كائن خُلق ليسأل.
وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات الفكرية لهؤلاء الأربعة، فإن ثمة خيطًا عميقًا يجمع بينهم. الظمأ الأنطولوجي عند الرفاعي، وأزمة المعنى عند تولستوي، والرحلة الروحية عند هِسّه، والبحث القلق عند ساراماغو، كلها تعبر عن حقيقة واحدة مفادها أن الإنسان أكبر من حاجاته المادية، ففي داخله توق دائم إلى ما يتجاوز الواقع المباشر، وإلى ما يمنحه إحساسًا بأن حياته ليست حادثة عابرة في كون صامت.
غير أن الاختلاف يتجلى في مآلات هذا الظمأ؛ فتولستوي انتهى إلى الإيمان بوصفه جوابًا عن سؤال المعنى، ورأى هِسّه أن الطريق يمر عبر التجربة الروحية الفردية واكتشاف الذات، أما ساراماغو فظل أقرب إلى أفق السؤال المفتوح، حيث لا توجد إجابات نهائية بقدر ما توجد مسؤولية إنسانية مستمرة في مواجهة العبث. | 191 |
| 11 | في حين يحاول الرفاعي أن يؤسس لرؤية ترى في الدين مجالًا لإرواء العطش الوجودي، كما يعرفه بوصفه: "حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية"، شريطة أن يتحرر من الجمود والتوظيف الأيديولوجي، وأن يستعيد بعده الروحي والأخلاقي والإنساني.
https://almothaqaf.org/readings-2/988059 | 187 |
| 12 | هذه المحاولات المتنوعة تسعى إلى خلع غطاء ديني على الفلسفة، وتعمل على أسلمتها. أسلمة الفلسفة ضربٌ من التفلسف ضدّ الفلسفة، وإن كان مَن يدعو إلى ذلك عبقريًّا. هذا ليس غريبًا، فأحيانًا نرى إنسانًا عبقريًّا فذًّا في مجال يقظ من عقله، وعلى الضد من ذلك في مجال آخر نائم من عقله، تحكمه فيه المسلّمات الموروثة، ويعجز فيه عن ممارسة التفكير النقدي الذي يمارسه في مجالات أخرى. يتراجع العقل وينزاح بالتدريج، بعد أن تتسع المساحة النائمة فيه، فتعطّل ما هو يقظ. تدهشك قدرتُه على توظيف المغالطات المنطقية لعقله اليقظ، للاستدلال على أوهام عقله النائم. المراوغات الذهنية والثغرات المنطقية في تفكير العباقرة يتطلب تفسيرُها الانتباهَ إلى حضور هذه الحالة الذهنية في الطبيعة البشرية. هذا هو السر الذي يجعل بعضهم يبدأ بمقدمات عقلية، وينتهي إلى نتائج غير معقولة، أو يشرع بالتفكير الفلسفي الحر، ثم ينتهي إلى يقين مغلق يناقض مقدماته الأولى.
العقل الفلسفي لا يتحقّق إلا أن تكون آفاقُه رحبة، يفكّر خارجَ المعتقدات والهويات والأيديولوجيات المغلقة. الأطر المقيِّدة للتفكير العقلي الحر تمارس تمويهًا بعنوانات مراوغة عبر الأدب والفن والدين والأسطورة، وأخطر أشكال هذا التمويه حين تتخفّى المعتقداتُ والأيديولوجيات والهويات من وراء قناع الفلسفة والعلم والمعرفة.
العقل الفلسفي قلّما يتوطن في بيئة الثقافة الشعرية، لأن الفلسفة تعكس أعمق تجليات العقل البرهاني، فيما يتوالد الشعر ويزدهر في فضاء المخيّلة، ويعاند العقلَ البرهاني، ويحتفي بالإيحاء والحدس والصورة، أكثر من احتفائه بالاستدلال والبرهان. إن كانت البيئةُ فلسفيةً بالأصل، كما في ألمانيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، تصبح بيئةً خصبة لظهور شعراء يبدعون شعرًا مشبعًا برؤيا فلسفية، على غرار فريدريش هولدرلين (1770 -1843)، وإن كانت بيئةُ الثقافة شعريةً بالأصل، فنادرًا ما نرى فيها ولادةَ فيلسوف، كما في تمركز الثقافة العربية على الشعر قبل الإسلام. الإنتاج الثقافي للبيئة يشبهها؛ ففي البيئة الفقيرة عقليًّا تسود ثقافةٌ تخيّلية، أما في البيئة الخصبة عقليًّا فتزدهر المعرفةُ المركبة العميقة، ويتسع أفقُ التفكير النقدي، وتتوالد أسئلةُ الفلسفة والعلوم والإنسانيات.
https://alsabaah.iq/133477-.html | 196 |
| 13 | البحث عن الطمأنينة والبحث عن الحقيقة
د. عبد الجبار الرفاعي
البحث عن الطمأنينة شيء، والبحث عن الحقيقة شيء آخر. الطمأنينة ثمرة الحياة الروحية، أما الحقيقة فتبحث عنها الفلسفة والعلوم الطبيعية والإنسانية. إثراء الحياة الروحية يهب الإنسان سلام القلب وسكينة الروح، فيما توقظ الفلسفة والعلوم قلق العقل، وتدفعه إلى التساؤل المفتوح الذي لا يعرف خاتمة نهائية. الإنسانُ في أعماقه لا يطلب الحقيقة دائمًا بقدر ما يطلب الطمأنينة، لذلك يميل إلى كل ما يخفف قلقه الوجودي، ويمنحه شعورًا بالأمان والمعنى، حتى لو كان ما يتكئ عليه وهمًا لذيذًا. كثيرٌ من البشر لا يحتملون مواجهة الحقيقة حين تكون قاسيةً أو عاريةً بلا قناع، لذلك يفضلون أحيانًا أوهامًا دافئة تداوي هشاشتهم، وتمنح أرواحهم شيئًا من السكينة.
من مظاهر افتقار الفلسفة إلى معناها: السعي إلى الظفر بالطمأنينة من خلالها، لا السعي إلى اكتشاف الحقيقة. الفلسفة لا تمنح يقينًا نهائيًا بقدر ما توقظ الأسئلة الكبرى، وتدفع العقل إلى التفكير المفتوح في معنى الوجود والقضايا المجهولة أو المنسية. الفلسفة تفكيرٌ متسائل يُنهك العقل، ويبعث القلق الوجودي، ويوقظ في الإنسان أسئلةً قد تفضي إلى الاكتئاب، لأنها تدفعه إلى مواجهة وهنه، والتحديق في الحياة والمصير والموت، من دون أن تهبه أجوبة نهائية مطمئنة. يقول جيل دولوز: "وظيفة الفلسفة أن تبث الحزن، الفلسفة التي لا تُحزن أحداً ولا تُزعج أحداً ليست بفلسفة. فائدتها أن تُلحق الأذى بالغباء، أن تجعل الغباء شيئاً مخزيًا، وأن تفضح كل صور الدناءة الفكرية".
البحث عن الطمأنينة في الفلسفة استنزف عقل لاهوتيين أذكياء في الأديان المتنوعة، وعلماء كلام عباقرة في الإسلام. وظيفة الحياة الروحية في الدين اكتشاف منابع الطمأنينة، والخلاص من التساؤلات الأبدية المزعجة التي يطرحها باستمرار العقل الفلسفي، عبر أجوبة نهائية للأسئلة الميتافيزيقية الكبرى وغلقها. تواصل الفلسفة إيقاظ السؤال، وتدفع العقل إلى الارتحال الدائم في الأسئلة من دون محطة أخيرة. العقل اللاهوتي الذكي بارع، يمنح الإنسان الحائر فرصة للخلاص من مرارات القلق، لذلك يلجأ أحيانًا إلى تفكير ينتهي إلى غلق نافذة تلك الأسئلة. ولا يصل إلى ذلك إلا بالفرار من العقل الفلسفي، فينتهي إلى نتائج على الضد مما تقوده إليه الفلسفة. هكذا نراه يبدأ بمقدمات فلسفية ومنطقية، وينتهي إلى نتائج لاهوتية، بغية ترسيخ اليقين بمسلّمات اللاهوت وعلم الكلام، والظفر بكفّ العقل عن الأسئلة المثيرة.
الفلسفة ضربٌ من التفكير العقلي خارج اللاهوت. لغةُ الفلسفة ومصطلحاتها تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآةٌ لحدوده وآفاقه. لا تتكلم لغةُ الفلسفة ومفاهيمُها لغة اللاهوت والمتخيَّل والاسطورة واللامعقول ومفاهيمها، لأن لكلِّ حقلٍ لغته الخاصة في التعبير عن العالم وفهم الإنسان لوجوده. يظلّ العقل معيارًا وسلطةً على كل ضرب من أنشطة الذهن مهما كان.
واحدة من مشكلات التفكير الديني: التفكير بالفلسفة ضد الفلسفة، والتحدث والكتابة بلغة تحاكي لغةَ الفلسفة، إلا أنها تنتهي إلى نقيضها. يجري توظيف اللاهوت وعلم الكلم والتصوف داخل الفلسفة، كما يجري التفكير في فلسفة الدين بعقل كلامي أو فقهي، الأمرُ الذي ينقض كونها فلسفة دين. هذا ما نلمسه لدى مَن يفكرون في التعددية الدينية بعقل المتكلم أو الفقيه، إذ ينشدون الدفاع عن مسلّمات متوارثة، ولا ينشغلون بالتفكير الفلسفي في الدين، المولعبتفسير الظاهرة قبل الانشغال بالدفاع عنها، والتمحيص العقلي للأدلة على المعتقدات الدينية، وتبرير كل ما تتضمنه نصوصها وتفسيراتها عبر العصور، وقبوله كما هو، من دون مساءلة أو إعادة تفكير في سياقاته التاريخية ودلالاته الإنسانية، وما يعكسه من ظروف المجتمع الذي ولد الدين فيه، وما أنتجه المتخيَّل الفعّال للجماعات التي اعتنقته، وعاشت تحت إكراهات الواقع وتحولاته المتواصلة.
يتسيّد تفكير لاهوتي بالعربية يكتب الفلسفةَ برؤية علم الكلام للعالم ومقولاته، وذوق صوفي يكتب الفلسفةَ بمرآة التصوف ومكاشفاته. صارت هذه صنعةَ جماعة من المفكرين الذين نحتوا لأنفسهم أسماءً كبيرة، وأُغرم بهم شبابٌ عرب نفروا من تبسيط أدبيات الجماعات الدينية، فاحتلت كتابات هؤلاء المفكرين مواقعَ متقدمة في الجامعات والدراسات العليا، على الرغم من أنهم يفكرون في الفلسفة بعقلٍ كلامي وفقهي، وأحيانًا صوفي، ويصدرون مقولات كلامية وفتاوى فقهية لا صلة لها بالتفكير الفلسفي، وإن تنكرت بلغة الفلاسفة، وتحدثت بمصطلحاتهم، وحاكت أساليبهم في التعبير. الإغواء في لغة هؤلاء يعود إلى توكئهم على لغة ومصطلحات ومفاهيم الفلسفة، وفلسفة المنطق، وفلسفة اللغة، والألسنيات، والعلوم الإنسانية الحديثة، وإن كانوا يعملون بمراوغة على تعبئتها بمضامين غريبة عنها، فتغدو وكأنها لاهوتٌ متنكر يتحدث بلغة الفلسفة، ويستعير معجمها، فيما يظلّ وفيًّا لمواقفه الكلامية وأحكامه الفقهية المسبقة. | 211 |
| 14 | No text... | 162 |
| 15 | الهوية المغلقة تتلاعب بالمعرفة
د. عبد الجبار الرفاعي
تعمد الهوية المغلقة إلى التلاعب بالمعرفة؛ فبدلًا من أن تكون المعرفة سعيًا متواصلًا لاكتشاف الحقيقة، وأفقًا مفتوحًا للأسئلة والمراجعات النقدية، تتحول إلى أداة للدفاع عن الهوية وتبرير أخطائها وإخفاقاتها. ولا تكتفي بتسخير المعرفة لهذه الغاية، وإنما تعمل على غلق منافذ التساؤل والنقد، ومنع أية محاولة لتمحيص التراث خارج رؤيتها. كما تغذي الحنين إلى الماضي عبر التكرار والمبالغة، وتنسج له صورًا فاتنة في المتخيل الجمعي، تظهره عالمًا مضيئًا لا تشوبه عتمة، وتخفي ما فيه من تناقضات وإخفاقات.
حقل العلم غير حقل الدين، وحقل المعرفة غير حقل الإيمان. وظيفة العلم غير وظيفة الدين، ووظيفة المعرفة غير وظيفة الإيمان، كما أن مهمة رجل العلم في الحياة تختلف عن مهمة رجل الدين. العلوم كونية، لا هوية دينية أو اعتقادية أو أيديولوجية لها. ولو حاول كل مجتمع أن يبتكر العلوم من جديد، ويشتقها في سياقات دينه ومعتقده وميراثه، بدعوى أن العلوم أسيرة بيئات منتجيها وثقافاتهم ودياناتهم وهوياتهم، لأفضى ذلك إلى تعدد العلوم والمعارف بعدد الهويات والأديان والمعتقدات والثقافات في المجتمعات البشرية. وهذا أمر يتعذر تحققه، فضلًا عن أن البشرية احتاجت إلى آلاف السنين حتى بلغت العلوم ما بلغته اليوم من تراكم ونضج. ويكذب هذا الزعم الحضور المكثف للعلوم والمعارف في العالم كله؛ إذ نجد العلوم ذاتها ماثلة في مراكز الأبحاث والتربية والتعليم والتكنولوجيا ومختلف مجالات الحياة، سواء في الولايات المتحدة الأمريكية، أو أستراليا، أو بريطانيا، أو روسيا، أو فرنسا، أو الهند، أو الصين، أو اليابان، أو ماليزيا، أو إيران، أو تركيا، أو مصر، وغيرها من بلدان العالم.
منطق التاريخ وقوانينه شاملان، غير أن شعورًا كامنًا في لاوعي كثير من الناس في مجتمعنا يوحي لهم بأنهم استثناء في حضارتهم وهويتهم ومعتقدهم وثقافتهم وتاريخهم، وكأن تاريخهم لا يخضع لما تخضع له تواريخ المجتمعات الأخرى من قوانين، وثقافتهم تتفوق على كل الثقافات، وتراثهم يختلف عن كل تراث، وهويتهم تنفرد بخصوصيات استثنائية. ظل هذا الشعور بالخصوصية والاستثناء يغذي الهوية باستمرار، حتى تصلبت وانغلقت على نفسها، وبلغت حالة تتخيل فيها أنها مكتفية بذاتها، وتعتقد أن كل ما تحتاجه في حاضرها ومستقبلها يمدها به ماضيها. عندئذ يتحول التراث إلى منجم زاخر بكل ما هو ضروري للبناء والنهوض، وتتوهم هذه الهوية أن معارفها الموروثة تغنيها عن كل علم ومعرفة تبتكرهما المجتمعات الأخرى، بدعوى أن تلك المعارف منتجات أجنبية تنتهك خصوصيتها، وتهدد هويتها، وتقود إلى تغريبها.
في إطار الهوية المغلقة الساكنة، يخفق الإنسان في تحقيق حضور حقيقي في عالم يتغير فيه كل شيء، لأن الحضور الفعلي يفرض عليه أن يتغير مع تغير العالم. لم تعد أسوار أية هوية تعاند التاريخ قادرة على حماية نفسها أو الإبقاء على كل ما كان كما كان، في عالم بات فيه التغيير شرطًا للبقاء. حين تنغلق الثقافة والهوية والحضارة على ذاتها، وتتوهم أنها نهائية ومكتفية، تدخل مسار التراجع والاندثار، وتتعرض للنسيان. لا معرفة حية مكتفية بذاتها، ولا ثقافة حية مكتفية بذاتها، ولا هوية حية مكتفية بذاتها، ولا حضارة حية مكتفية بذاتها؛ فالحياة تتجدد بالانفتاح والتفاعل، ويبدأ الأفول حين تنغلق على نفسها وتكتفي بما ورثته من ماضيها.
كل هوية حية مركبة تغتني بالانفتاح والتفاعل مع غيرها من الهويات، وكل ثقافة حية مركبة تغتني بالتفاعل مع غيرها من الثقافات، وكل حضارة حية مركبة تنصهر فيها مكونات حضارات متعددة. لا تزدهر الحضارة إلا من خلال التفاعل الخلّاق للخبرات الإنسانية المشتركة، حين تلتقي في مركب أكثف ينتج أثمن ما أنجزه الإنسان في مسيرته الحضارية. موكب الحضارات عالمي ومحلي في آنٍ واحد. أما العلوم الطبيعية والعلوم الصرفة فهي علوم كونية، في حين يغلب البعد الكوني على العلوم الإنسانية، وإن ظلت تحمل بصمة العالم وثقافته وهويته. تعيد الهوية المغلقة بناء نظام معرفي خاص بها، وتحرص على تمييزه بلغة ومصطلحات خاصة، وتعمل على شيطنة المصادر الخارجية للمعرفة، خاصة في الفلسفة والعلوم الإنسانية، عبر تشويهها وتقويلها ما لا تقول. وأحيانًا تستعير بعض نظرياتها ومفاهيمها، ثم تخلع عليها تسميات تراثية لتبدو وكأنها من إنتاجها الخاص. يتجلى ذلك في محاولات "أسلمة" بعض العلوم الإنسانية، كعلم النفس، حين يُعاد إنتاج كثير من مفاهيمه الحديثة بأسماء مستمدة من التراث الديني، من دون إضافة معرفية حقيقية، ويتكرر الأمر نفسه في غيره من علوم الإنسان والمجتمع.
يوظَّف المقدس في الهوية المغلقة أداةً لاحتكار المعرفة، فيتحول التراث إلى مرجعية وحيدة تُقاس بها مشروعية المعارف وقبولها أو رفضها. وتُستعمل لغة عاطفية مشحونة بمفردات من قبيل "الغزو الثقافي" لتوصيف كل معرفة تأتي من خارج التراث، مع تعبئة المجتمع ضدها. | 223 |
| 16 | وقد أسهم هذا التحريض المتواصل على الفلسفة والعلوم الإنسانية في تعطيل الإفادة من مناهجها ومكاسبها في دراسة علوم الدين، حتى غدا التفكير فيها يدور في حلقة مغلقة، يبدأ حيث ينتهي وينتهي حيث يبدأ.
عندما تتحول المعرفة العلمية إلى موضوع للإيمان أو العقيدة، تفقد طبيعتها النقدية وتغترب عن ذاتها. ما يسمى بـ"أسلمة المعرفة" وأشباهها محاولة لإضفاء هوية دينية على المعرفة، في حين أن المعرفة العلمية تنبثق من السؤال والمراجعة والتمحيص لا على التسليم المطلق. حين تتدخل الهويات المغلقة في العلم تخنق روحه الحية وتفسد آلياته من الداخل. ويُعد ما يعرف بـ"الإعجاز العلمي" أحد أبرز تجليات هذا التداخل بين الأيديولوجيا والمعرفة العلمية.كان إنكار الأبعاد الكونية للفلسفة وعلوم الإنسان من أعقد مآزق العقل الديني والقومي في عصرنا. وقد تجلى ذلك في مشاريع سعت إلى اكتشاف هوية دينية أو قومية للعلم والمعرفة، فاستنزفت الأموال والجهود من دون نتائج حقيقية. وتدفع نوستالجيا الهوية بعضهم إلى الدعوة لقطيعة مع المعارف الحديثة بدعوى تحقيق الذات الحضارية، مع أن سؤالًا بسيطًا يكشف هشاشة هذه الدعوى: كيف يمكن الاستغناء عن العلوم الحديثة، الطبيعية والإنسانية والتطبيقية، وهي التي تشكل اليوم البنية المعرفية المشتركة للعالم كله!
إدمان مديح الماضي والحنين إليه في أحاديثنا وكتاباتنا ليس إلا تعبيرًا عن الإخفاق في الحضور الفعلي في عالم اليوم بمنجز حقيقي، فمَن يعجز عن الحضور بمنجزه يلجأ إلى ما يوهمه بالحضور. مديح الماضي أحد أشكال استجداء الاعتراف من الآخر الذي يفرض حضوره في العالم بمنجزه، والحنين إلى الماضي يفضي إلى الضياع في أنفاق التراث والغرق في متاهاته، واستنساخ تجارب القدماء في كل شيء. عندئذ يكفّ العقل عن أن يكون عقلًا حيًا، ويتعطل التفكير عن التساؤل والنقد، ويستقيل الوعي من مسؤوليته التاريخية. التقليد مقبرة العقل؛ فعندما يستعير الإنسان وعي أسلافه ويفكر بعقولهم، يودع عقله في مقبرة التاريخ، ويعيش حاضره بعين لا ترى، وبفهم لا يلد معنى جديدًا.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=386627 | 204 |
| 17 | No text... | 188 |
| 18 | على هذا الرابط تتوفر المجموعة الكاملة لمجلة قضايا إسلامية معاصرة المتخصصة في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، التي يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد. تصدر المجلة منذ 30 عاما، صدر العدد الأول سنة 1997 ومازالت تصدر حتى اليوم، الأعداد المتاحة 1 -80، ما عدا العدد الأخير الذي نترقب صدوره ورقيا الأيام القادمة: https://www.noor-book.com/u/%D8%AF-sharp-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A/books | 376 |
| 19 | كلما استغاثت به تلك الأم المفجوعة سارع إلى نجدتها، يواسيها ويزجر ابنها ويذكّره بحق أمه.كان أبو عادل يشفق على هذه الأم المفجوعة ويهدئ من روعها، ثم يجلس إلى ابنها محاولًا أن يوقظ في ضميره الندم ويذكّره بحق أمه. كان الفتى يهدأ أيامًا، ثم يعود إلى عنفه وعنفه.كلما استغاثت به أمه هبّ لمواساتها وتجديد محاولاته في توجيهه. حين أستعيد تلك المواقف أدرك أن بعض الأمهات لم يقعن في محنة الفقر وحده، وإنما وقعن ضحايا عقوقًا يوجع القلب، واحتملن ذلك بصبر يكاد لا يعرف حدودًا.
الأمومة جعلتها تحتمل الإهانة والعنف من غير أن تتخلى عن ابنها أو تحرمه من رعايتها. ظل قلبها مفتوحًا له مهما تمادى في جحوده. كان يدهشني صبرها النادر؛ تكابد شظف العيش والعمل المرهق، وتتحمل قسوة ابنها، فيما تبقى شفقتها عليه وحنانها نحوه لا ينطفئان. كلما استعدت سيرتها أدركت أن حياتها كانت سلسلة من المحن التي لا يحتملها إلا أصحاب الإرادة الاستثنائية. لم يلفتني حجم ما عانته بقدر ما لفتني إصرارها على حماية أطفالها وصون كرامتهم في أقسى الظروف. ستبقى صورتها حيّة في ذاكرتي، لأنها تجسد أعمق ما تختزنه بعض الأمهات من طاقة على التضحية، وكيف تنتصر قوة المحبة على الفقر والألم والجحود.
حين أتأمل سلوك هذا الابن اليوم أميل إلى أنه لم يكن عاقًا بطبعه، وإنما كان يحمل جروحًا نفسية عميقة خلّفها قتل الأب والحرمان المبكر، وهذا يعني أنه كان بحاجة إلى عيادة نفسية. في ذلك الزمان لم يعرف الناس شيئًا عن العلاج النفسي، فكانوا يفسرون مثل هذا السلوك على أنه سوء تربية، أو فساد أخلاق، أو مسّ من الشيطان. لا أريد أن أبرر عنفه تجاه أمه، غير أن ذلك يفسر جانبًا من سلوكه، ويكشف عن معاناة داخلية لم يجد من يفهمها أو يساعده على تجاوزها. https://alsabaah.iq/133152-.html | 362 |
| 20 | في الأمومة تتجلى ذروة التضحية
د. عبد الجبار الرفاعي
بعد قريتنا نحو ستة كيلومترات عن أقرب مدرسة ابتدائية تأسست سنة 1960. كنتُ ومجموعة من أقراني من المحظوظين حين أصبحنا تلامذةً في الصف الأول الابتدائي في العام الثاني لتأسيس مدرسة المتنبي الابتدائية. لولا هذه المدرسة لبقينا أسرى مهنة الرعي، الذي كان يرسم ملامح الطفولة الريفية يومئذٍ، حيث يرث الصغار نمط حياة آبائهم في زراعة الأرض وتربية الماشية. فتحت المدرسة أمامنا نافذة على عالم أوسع، وأيقظت وعيًا جديدًا بالمعرفة والحياة. كنا نقطع يوميًا اثني عشر كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، نسير حفاةً على درب ترابي ضيق بين الحقول. لم يكن ذلك المشوار مجرد طريق إلى المدرسة، وإنما عبور من عالم الأمية إلى عالم المعرفة. مع كل خطوة كنا نبتعد عن حياة ورثناها، ونقترب من أفق يعيد تشكيل رؤيتنا للذات والعالم. هكذا تحوّل الطريق المتعب إلى رمز للانتقال من قدر يبدو محتومًا إلى مستقبل مفتوح على إمكانات لم نكن نتخيلها.
الأمهات كنّ الأكثر إرهاقًا في حياة الريف، لتعدد المسؤوليات التي ينهضن بها. رحلة كدحهن تبدأ مع الفجر، حين تخوض الأم مياه الجداول الباردة في أيام الشتاء، حاملةً أبناءها إلى الضفة الأخرى ليواصلوا سيرهم مشيًا إلى المدرسة. ما إن تنجز هذه المهمة حتى تلتحق بأعمال الحقل إلى جانب الأب، فتشارك في الفلاحة وسائر الأعمال الزراعية الشاقة، ثم تعود لتتابع شؤون الأسرة وإعداد الطعام البسيط. الأم عماد الأسرة ومصدر تماسكها، تحمل أعباءً ثقيلة بصبر استثنائي، وتواجه قسوة الحياة بجلَد صامت، مانحةً أبناءها ما يحتاجونه من رعاية ودفء وأمان، على الرغم من المشقة التي تستنزف طاقتها. بعض الأمهات واجهن أقدارًا موجعة حين فقدن أزواجهن بالموت، أو القتل الذي لم يكن نادرًا في القرى آنذاك. وجدت الأم نفسها وحيدة في رعاية الأيتام وتأمين معيشتهم وحمايتهم من الجوع. كانت تحمل هذه الأعباء بصبر مدهش، وتواصل حياتها بقوة تستمدها من محبتها لأبنائها وشعورها بالمسؤولية تجاههم، فتغدو تجسيدًا للتضحية الصامتة التي تترك أثرها العميق في حياة الأبناء ومستقبلهم.
من الصور الكئيبة الراسخة في ذاكرتي صورة جارتنا التي قُتل زوجها وترك لها أربعة أولاد وبنتًا في سن الطفولة. لم يترك أرضًا ولا ماشيةً ولا مالًا، فقد عاش فقيرًا ورحل فقيرًا. وجدت الأم نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة وإعالة أطفالها، غير أنها لم تنكسر أمام محنتها، وإنما اهتدت بذكاء فطري وإرادة صلبة إلى ما يوفّر الحد الأدنى من قوت الأبناء ونفقاتهم اليسيرة حدّ الكفاف. تذهب هذه السيدة يوميًا إلى منطقة كثيفة الأشواك، تبعد نحو ساعة سيرًا على الأقدام، فتقضي ساعات في قطع الشوك وجمعه وإحراقه حتى يتحول إلى فحم. تراقب النار والجمر بعناية، وتحمل الماء من الجدول القريب كي لا يتحول ما جمعته إلى رماد، كي تبيعه لتؤمّن قوت أطفالها.
لم يكن ذلك مجرد عمل شاق، وإنما كفاح امرأة وحيدة في مواجهة الفقر، تنتزع بصبرها وإرادتها من أرض قاسية ما يحفظ لأبنائها الحد الأدنى من العيش. تكابد هذه السيدة ذلك العمل المرهق بصمت، وتحوّل كدحها اليومي إلى مورد رزق يحمي أبناءها من الفاقة. بعد اكتمال تفحّم الشوك تجمعه وتحمله إلى القرية، ثم تنطلق في اليوم التالي إلى مدينة قلعة سكر، حاملةً على رأسها نحو خمسة عشر كيلوغرامًا منه، قاطعةً، سيرًا على الأقدام، ما يقارب ثلاثين كيلومترًا ذهابًا وإيابًا. تبيع الفحم لتشتري بثمنه ما يسد الرمق لأيام قليلة، ثم تعود عند المغيب لتستأنف دورة الكفاح نفسها.
كلما استعدت صورتها أدركت كيف استطاعت أمهات فقيرات أن ينتزعن من قسوة الحياة ما يصون أبناءهن من الجوع ويجمي كرامتهم من التسوّل، بقوة الإرادة وصبر يعجز الوصف عنه. ظل مشهدها من أكثر صور الطفولة مرارة في ذاكرتي، لأنه كان يلخّص حكاية أمهات كثيرات حملن أعباء الحياة بصمت وجَلَد نادر نيابة عن الأبناء،كل ذلك من أجل أن تؤمّن لأطفالها ما يسد رمقهم. كلما استحضرت صورتها أدركت حجم التضحيات التي قدّمتها أمهات الريف بصمت، وكيف غدت إرادتهن سندًا خفيًا حمى أسرًا كثيرة من التصدع والانهيار، في زمن كانت الحياة فيه أكثر قسوة، ولا يهب العيش للإنسان شيئًا إلا بعد كفاح يومي شاق.
على الرغم من الشقاء الاستثنائي الذي عاشته هذه الأم، لم يكن الفقر أقسى ما واجهته. كان أحد أبنائها شديد العدوانية، يؤذيها بالصراخ الغاضب والضرب، ويقابل تضحياتها بالجفاء. ما زلت أذكر مشاهد موجعة شجّ فيها رأس أمه بالفأس أكثر من مرة، فتخرج مذعورة تستغيث بأخي الكبير شريف "أبو عادل". كان مؤلمًا أن ترى أمًا تستنزف عمرها من أجل أبنائها، ثم تتلقى من أحدهم أسوأ أشكال الاحتقار والعنف. حظي أبو عادل بمكانة خاصة بين أهل القرية، لما عُرف به من إيمان واستقامة ونزاهة، ولأنه علّم نفسه القراءة والكتابة في بيئة ندر فيها مَن يقرأ ويكتب. | 264 |
Available now! Telegram Research 2025 — the year's key insights 
