uz
Feedback
عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Kanalga Telegram’da o‘tish

مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ

Ko'proq ko'rsatish
3 626
Obunachilar
+224 soatlar
-37 kunlar
-1430 kunlar

Ma'lumot yuklanmoqda...

Obunachilarni jalb qilish
Avgust '26
Avgust '26
+18
0 kanalda
Iyul '26
+23
2 kanalda
Get PRO
Iyun '26
+16
1 kanalda
Get PRO
May '26
+18
1 kanalda
Get PRO
Aprel '26
+16
1 kanalda
Get PRO
Mart '26
+23
1 kanalda
Get PRO
Fevral '26
+41
1 kanalda
Get PRO
Yanvar '26
+33
1 kanalda
Get PRO
Dekabr '25
+36
1 kanalda
Get PRO
Noyabr '25
+42
2 kanalda
Get PRO
Oktabr '25
+30
1 kanalda
Get PRO
Sentabr '25
+33
0 kanalda
Get PRO
Avgust '25
+24
1 kanalda
Get PRO
Iyul '25
+27
1 kanalda
Get PRO
Iyun '25
+31
1 kanalda
Get PRO
May '25
+31
1 kanalda
Get PRO
Aprel '25
+21
0 kanalda
Get PRO
Mart '25
+48
1 kanalda
Get PRO
Fevral '25
+57
3 kanalda
Get PRO
Yanvar '25
+54
1 kanalda
Get PRO
Dekabr '24
+40
1 kanalda
Get PRO
Noyabr '24
+50
0 kanalda
Get PRO
Oktabr '24
+345
1 kanalda
Get PRO
Sentabr '24
+45
2 kanalda
Get PRO
Avgust '24
+47
1 kanalda
Get PRO
Iyul '24
+70
3 kanalda
Get PRO
Iyun '24
+58
1 kanalda
Get PRO
May '24
+24
1 kanalda
Get PRO
Aprel '24
+42
1 kanalda
Get PRO
Mart '24
+38
0 kanalda
Get PRO
Fevral '24
+77
1 kanalda
Get PRO
Yanvar '24
+167
3 kanalda
Get PRO
Dekabr '23
+164
2 kanalda
Get PRO
Noyabr '23
+89
3 kanalda
Get PRO
Oktabr '23
+28
0 kanalda
Get PRO
Sentabr '23
+140
0 kanalda
Get PRO
Avgust '23
+805
0 kanalda
Get PRO
Iyul '23
+17
0 kanalda
Get PRO
Iyun '23
+21
0 kanalda
Get PRO
May '23
+19
0 kanalda
Get PRO
Aprel '23
+37
0 kanalda
Get PRO
Mart '23
+32
0 kanalda
Get PRO
Fevral '23
+75
0 kanalda
Get PRO
Yanvar '23
+15
0 kanalda
Get PRO
Dekabr '22
+21
0 kanalda
Get PRO
Noyabr '22
+27
0 kanalda
Get PRO
Oktabr '22
+23
0 kanalda
Get PRO
Sentabr '22
+23
0 kanalda
Get PRO
Avgust '22
+25
0 kanalda
Get PRO
Iyul '22
+20
0 kanalda
Get PRO
Iyun '22
+25
0 kanalda
Get PRO
May '22
+14
0 kanalda
Get PRO
Aprel '22
+39
0 kanalda
Get PRO
Mart '22
+14
0 kanalda
Get PRO
Fevral '22
+35
0 kanalda
Get PRO
Yanvar '22
+53
0 kanalda
Get PRO
Dekabr '21
+33
0 kanalda
Get PRO
Noyabr '21
+36
0 kanalda
Get PRO
Oktabr '21
+29
0 kanalda
Get PRO
Sentabr '21
+39
0 kanalda
Get PRO
Avgust '21
+39
0 kanalda
Get PRO
Iyul '21
+41
0 kanalda
Get PRO
Iyun '21
+17
0 kanalda
Get PRO
May '21
+41
0 kanalda
Get PRO
Aprel '21
+93
0 kanalda
Get PRO
Mart '21
+40
0 kanalda
Get PRO
Fevral '21
+163
0 kanalda
Get PRO
Yanvar '21
+35
0 kanalda
Get PRO
Dekabr '20
+2 176
0 kanalda
Sana
Obunachilarni jalb qilish
Esdaliklar
Kanallar
27 Avgust+1
26 Avgust+2
25 Avgust0
24 Avgust+1
23 Avgust0
22 Avgust0
21 Avgust+1
20 Avgust0
19 Avgust0
18 Avgust0
17 Avgust0
16 Avgust+1
15 Avgust+2
14 Avgust0
13 Avgust0
12 Avgust+1
11 Avgust+2
10 Avgust+1
09 Avgust0
08 Avgust0
07 Avgust0
06 Avgust+1
05 Avgust+1
04 Avgust+2
03 Avgust0
02 Avgust0
01 Avgust+2
Kanal postlari
موجز تاريخ التفكير العقلي والفلسفي في العراق - 7 الخريطة العامة للفلسفة في العراق إذا نظرنا إلى هذا التاريخ كله ظهر أن العراق لم يعرف مدرسة فلسفية واحدة، وإنما عرف سلسلة من البيئات والمدارس والتحولات. الكوفة أسست جدلًا كلاميًا مبكرًا ومهدت لظهور الكندي؛ والبصرة أنجبت الاعتزال وفلسفة الطبيعة وإخوان الصفا وابن الهيثم؛ وبغداد العباسية حولت الفلسفة إلى مؤسسة للترجمة والمنطق والمشائية ونقدها، من الكندي ومتى بن يونس ويحيى بن عدي إلى العامري وأبي البركات وابن كمونة؛ والموصل وشهرزور حافظتا على تقاليد المنطق والحكمة والإشراق؛ والحلة أدخلت الفلسفة والمنطق في صميم الكلام الإمامي؛ وكربلاء احتضنت لاحقًا الميتافيزيقا الشيخية مع الأحسائي والرشتي؛ والنجف طورت تقاليد الحكمة والعلوم العقلية من السيد حسين البادكوبي ومحمد حسين الغروي الأصفهاني إلى العلامة محمد حسين الطباطبائي في مرحلة تكوينه النجفي، ثم إلى محمد رضا المظفر ومحمد باقر الصدر ومشروعات بعض أفراد جيل ما بعد الصدر. ويكشف مسار البادكوبي والطباطبائي بوضوح أن المدارس الفلسفية لا تحددها جنسية الفيلسوف وحدها، فالمكان الذي يدرس فيه ويعلم وينقل تقليدًا فلسفيًا قد يكون جزءًا جوهريًا من تاريخ مشروعه. كان البادكوبي من أبرز أساتذة الحكمة في النجف، وتلقى الطباطبائي عليه تكوينًا فلسفيًا عميقًا، ثم حمل هذا الرصيد إلى قم، حيث أصبح لاحقًا أحد أهم من أعادوا إحياء تدريس الفلسفة الإسلامية في الحوزة الحديثة. هكذا كانت النجف حلقة فاعلة في انتقال تقاليد الحكمة بين مراكزها المختلفة. وفي القرن العشرين تشكلت مدرسة بغداد الأكاديمية الحديثة، من كامل مصطفى الشيبي ومدني صالح وجعفر آل ياسين وياسين خليل وحسام الآلوسي ومحمد جواد الموسوي وعرفان عبد الحميد، مع حضور محسن مهدي في المشهد العراقي والأكاديمي البغدادي في مرحلة مبكرة، إلى عبد الأمير الأعسم وعبد الستار الراوي ونمير العاني وحسين الهنداوي وصالح مهدي الهاشم وحسن مجيد العبيدي ورسول محمد رسول، ثم فيصل غازي وفوزي الهيتي وعلي المرهج وعلي حاكم وصلاح الجابري ومحمد حسين النجم وحسن فاضل جواد وعلي عبود المحمداوي وأجيال تالية. وبموازاة ذلك ظهرت المدارس الجامعية الحديثة في الكوفة والموصل والبصرة: في الكوفة منذر جلوب يونس وعامر عبد زيد الوائلي وحسين حمزة العامري وجيلهم؛ وفي الموصل محمد جلوب فرحان ثم سامي محمود إبراهيم وهيثم محمد مصطفى وهجران الصالحي وأجيال القسم؛ وفي البصرة محمد جواد الموسوي ثم الجيل الجامعي الراهن، وبموازاته علي المدن في الفكر الفلسفي والديني البصري الجديد. ثم ظهر التحول الأحدث في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد ومناهج فهم الدين، حيث يحتل عبد الجبار الرفاعي موقعًا تأسيسيًا في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد في المجال العربي، ويقدم يحيى محمد مشروعًا مستقلًا في “علم الطريقة”، فيما يمثل عمار أبو رغيف وكمال الحيدري وجهين آخرين من وجوه إعادة النظر في المعرفة الدينية بعد محمد باقر الصدر. ولم يعرف عبد الجبار الوائلي (1913–1995) بما يتناسب مع منجزه الفلسفي المتميز، فقد انصرف إلى البحث في العقل والنفس ونظرية المعرفة والوجود والميتافيزيقا والأخلاق والجمال وفلسفة الدين. تكشف مؤلفاته عن نزعة لبناء آراء فلسفية خاصة، إذ لم يكتف بعرض المذاهب الفلسفية، وحاول الانطلاق من معرفة العقل والنفس لتفسير المعرفة والوجود وما يتصل بهما. نشر عددًا من كتبه في بغداد وبيروت، وتولت منشورات عويدات نشر بعض أعماله ضمن سلسلة “زدني علمًا”، ثم أعادت دار النضال نشر عدد منها في التسعينيات. وتصفه المصادر الحديثة صراحة بأنه “الفيلسوف العراقي عبد الجبار الوائلي”، وتشير إلى أن له، إلى جانب المطبوع، تراثًا مخطوطًا لم ينشر كله في حياته. وكانت أعماله بحسب تاريخ صدورها كما يلي: 1. “وحدة الوجود العقلية”، مكتبة النهضة، بغداد، 1964، ثم أعيد نشره عن دار النضال سنة 1994. (كتب جوجل⁠) 2. “العقل والنفس والروح”، منشورات عويدات، بيروت، 1982، ضمن سلسلة “زدني علمًا”. (العراق نلا⁠) 3. “حلول فلسفية”، منشورات عويدات، بيروت، 1983، ضمن سلسلة “زدني علمًا”، رقم 123، ثم أعيد نشره عن دار النضال سنة 1994. (Seminaire Maronite⁠) 4. “الجمهورية العالمية”، دار النضال، بيروت، 1994، وهو عمل في الفلسفة السياسية يتخيل نموذجًا لجمهورية عالمية. (neelwafurat.com⁠) 5. “فلسفة عامة”، من تراثه الذي ظهر في مشروع نشر أعماله بعد وفاته. 6. “هكذا تكلم كونفوشيوس”، من تراثه المنشور بعد وفاته. 7. “كلمات الوائلي: مختارات من الحكم والأقوال الفلسفية”، صدر سنة 2026، وجمعت مادته من مؤلفاته المطبوعة والمخطوطة، بتقديم بديع عبد الجبار الوائلي. (Lulu⁠) ومن مقالاته الفلسفية المبكرة “الجديد في فلسفة الجمال”، المنشورة سنة 1965، و”الحركات الفكرية في العراق” في السنة نفسها. ويضعه مجموع هذه الأعمال في جيل الفلاسفة العراقيين المحدثين الذين حاولوا إنتاج تصورات فلسفية مستقلة في العقل والمعرفة والنفس والوجود، لا الاكتفاء بتدريس تاريخ الفلسفة أو شرحه. وتكشف لنا هذه الخريطة أن تاريخ الفلسفة في العراق ليس هامشًا متقطعًا في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. إنه تاريخ يمتد لأكثر من اثني عشر قرنًا، تتغير فيه المدن والمناهج والأسئلة، من الجوهر والعرض والحركة والعقل والنفس، إلى المنطق والعلم والتاريخ، ثم إلى اللغة والتأويل وفلسفة الدين والإنسان والكرامة والمعنى. انقطعت المؤسسة في بعض المراحل، أما السؤال الفلسفي فظل يعود في صور جديدة، من الكوفة والبصرة وبغداد إلى الموصل والكوفة والنجف، ثم إلى الجامعات العراقية ومشروعات الفلسفة المعاصرة.

2
موجز تاريخ التفكير العقلي والفلسفي في العراق - 6 المدرسة البغدادية الحديثة في فلسفة التصوف داخل مدرسة بغداد الأكاديمية ظهر اتجاه مستقل نسبيًا في دراسة التصوف فلسفيًا وتاريخيًا وتحقيق نصوصه. يتصدر هذا الاتجاه كامل مصطفى الشيبي، 1927–2006م، الذي جعل التصوف موضوعًا أكاديميًا لدراسة نشأته وتحولاته وصلته بالتشيع والحركات الروحية، وحقق ديوان الحلاج ودرس الحب العذري والحركات الصوفية. ويأتي عرفان عبد الحميد فتاح، 1933–2007م، الذي جمع بين دراسة علم الكلام والفرق والتصوف، واشتغل بتاريخ التجربة الصوفية وأسسها الفكرية والميتافيزيقية. ويمكن الحديث هنا عن تقليد عراقي أكاديمي متميز في دراسة التصوف، تشكل داخل المدرسة الفلسفية الحديثة ولم يقتصر على التأريخ للطرق والفرق. وبعض أعمال عبد الستار الراوي مع هذا الاتجاه، خاصة دراساته في التصوف والباراسيكولوجي، كما تندرج أعمال نظلة أحمد الجبوري في وحدة الوجود والتصوف الفلسفي ضمن امتداد هذا الحقل. أما قاسم محمد عباس، 1962–2018م، فيمثل شخصية مختلفة. لم يكن فيلسوفًا جامعيًا بالمعنى التقليدي، لكنه كان من أهم محققي نصوص التصوف في بغداد المعاصرة، واشتغل بالحلاج والنفري وأبي يزيد البسطامي وغيرهم، وجمع بين التحقيق والتأمل والكتابة الأدبية. لهذا أضعه في المدرسة البغدادية الحديثة لدراسة التصوف، لا في قائمة الفلاسفة الأكاديميين بالمعنى الضيق. ويأتي بعده رائد جبار كاظم وغيره من الباحثين الذين واصلوا دراسة التصوف باعتباره تجربة فلسفية وروحية، لا مجرد تاريخ للطرق والفرق. مدرسة بغداد الجديدة في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد ومناهج فهم الدين منذ تسعينيات القرن العشرين أخذ يظهر في الفكر الفلسفي العراقي مسار جديد لا يمكن اختزاله في قسم الفلسفة الجامعي ولا في الفلسفة الحوزوية التقليدية. تحول السؤال من شرح تاريخ الفلسفة إلى فلسفة الدين، وعلم الكلام الجديد، والهرمنيوطيقا، ونظرية المعرفة الدينية، ومناهج فهم النص والتراث. ويمكن تسمية هذا التحول، بالمعنى الواسع، “مدرسة بغداد الجديدة”، مع الانتباه إلى أنها ليست مؤسسة واحدة ولا جماعة متجانسة. يحتل عبد الجبار الرفاعي، 1954–، موقعًا تأسيسيًا في هذا التحول. لا يصح اختزال مشروعه في كونه امتدادًا للحوزة النجفية أو اسمًا ضمن جيل ما بعد محمد باقر الصدر. بدأ تكوينه الحوزوي في النجف سنة 1978، ثم واصل دراسته في قم، ودرس الفلسفة والعرفان وعلم الكلام وأصول الفقه، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى بناء مشروع مستقل في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. يمثل الرفاعي أحد مؤسسي فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد في المجال العربي، وكرس عقودًا لبناء أرضية معرفية لهذين الحقلين باللغة العربية. لا يقوم مشروع الرفاعي على إحياء علم الكلام القديم وإعادة إنتاجه تحت تسمية جديدة، فهو يعيد بناء التفكير الديني في ضوء أسئلة الإنسان ومعارف العصر. ينتقل علم الكلام عنده من الدفاع الجدلي عن المعتقد إلى التفكير في الإنسان ومعناه وكرامته وحريته وتجربته الدينية، وإلى مساءلة صورة الله والوحي والإيمان ولغة الدين. لهذا ظهرت في مشروعه مفاهيم الظمأ الأنطولوجي، والاغتراب الميتافيزيقي، والنزعة الإنسانية، والكرامة الإنسانية، والتجربة الدينية، ولغة الدين. اكتسب المشروع بعدًا مؤسسيًا مع مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ومع إصدار مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” سنة 1997، وهي مجلة متخصصة في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد يرأس الرفاعي تحريرها منذ تأسيسها. كما أصدر المركز مئات الكتب في هذه الحقول. وتبلورت رؤيته في كتب مثل “مقدمة في علم الكلام الجديد”، و”الدين والظمأ الأنطولوجي”، و”الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، و”الدين والنزعة الإنسانية”، و”الدين والكرامة الإنسانية”، وغيرها. يمثل الرفاعي بهذا المعنى انتقالًا في الفكر العراقي من فلسفة الحوزة وتاريخ الفلسفة إلى فلسفة الدين باعتبارها حقلًا معرفيًا مستقلًا، وعلم الكلام الجديد باعتباره إعادة بناء للأسئلة اللاهوتية في أفق الإنسان الحديث. وفي فضاء مختلف يبرز يحيى محمد، 1959–، الذي بدأ منذ ثمانينيات القرن العشرين مشروعًا لنقد مناهج فهم الإسلام، ثم أسس ما سماه “علم الطريقة” أو علم مناهج الفهم. يقوم هذا العلم على دراسة المناهج التي تنتج الفهم بدل ممارسة التفسير نفسه، أي “فهم الفهم”، والكشف عن قبليات القارئ وأدواته ومصادره، والجمع بين البعد الإبستمولوجي والهرمنيوطيقي. وصنف يحيى محمد المناهج التراثية في نظامين كبيرين: النظام الوجودي الذي يضم الفلسفة والعرفان، والنظام المعياري الذي يضم المناهج العقلية والبيانية، ثم طرح “النظام الواقعي” بديلًا منهجيًا. وتوجد صلات جيلية وفكرية بين يحيى محمد وعبد الجبار الرفاعي وعمار أبو رغيف وكمال الحيدري، إذ ينتمي الأربعة إلى جيل عراقي أعاد مساءلة أدوات المعرفة الدينية بعد محمد باقر الصدر. وقد اتخذت أطروحة علي المدن، التي نوقشت سنة 2026، هذه الأسماء الأربعة نماذج لـ”جيل ما بعد محمد باقر الصدر في العراق”. غير أن جمعهم في جيل واحد لا يعني وحدة مشاريعهم: يتركز اشتغال عمار أبو رغيف في الإبستمولوجيا والمنطق الاستقرائي وفلسفة العلم، وكمال الحيدري في الحكمة المتعالية والعرفان ونقد المعرفة التراثية، ويحيى محمد في مناهج الفهم و”علم الطريقة”، فيما يتمركز مشروع عبد الجبار الرفاعي في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد والإنسان والتجربة الدينية والمعنى.
12
3
موجز تاريخ التفكير العقلي والفلسفي في العراق - 5 المدرسة الفلسفية في البصرة الحديثة ينبغي فصل البصرة الحديثة عن البصرة المعتزلية والفلسفية القديمة. المدرسة الحديثة نتاج الجامعة العراقية في القرن العشرين. وتذكر الصفحة التعريفية لقسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة البصرة أن القسم تأسس سنة 1995. يحتل محمد جواد الموسوي موقعًا أساسيًا في هذه المدرسة. كان من الجيل المبكر الذي تخرج في قسم الفلسفة بجامعة بغداد، وأسهم في تأسيس قسم الفلسفة في جامعة البصرة. اشتغل بالميتافيزيقا والعقل والمنهج، وظل حاضرًا في الدرس والمحاضرة الفلسفية إلى سنواته الأخيرة؛ ففي سنة 2018 قدم في بيت الحكمة محاضرته “الفلسفة وسؤال الوضوح في تجربتي الفكرية”. يمثل الموسوي حلقة انتقال مهمة من مدرسة بغداد الأكاديمية إلى تأسيس الدرس الفلسفي الجامعي في البصرة. ومن الجيل البصري الجديد علي المدن، 1978–، المولود في البصرة، الباحث في الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام ونقد الفكر الديني. حصل على الماجستير والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام، واشتغل على التعددية الدينية، والوضع والتأويل، وتطور علم الكلام الإمامي. وفي 3 شباط 2026 نوقشت أطروحته للدكتوراه بعنوان “نقد العقل التراثي لدى جيل ما بعد محمد باقر الصدر في العراق”، واتخذ فيها عمار أبو رغيف وكمال الحيدري ويحيى محمد وعبد الجبار الرفاعي نماذج للدراسة. أما المدرسة الجامعية الراهنة في البصرة فتضم مها عيسى فتاح العبدالله في الفلسفة اليونانية، وسجاد صالح شنيار في نظرية المعرفة، وعقيل صادق زعلان الأسدي في الفكر الإسلامي المعاصر، ونوال طه ياسين في فلسفة اللغة والأخلاق، وسنا صباح علي في الفلسفة الحديثة، وعلي هادي طاهر حبيب وطه محمد جواد العامري وحيدر عبد الحسين قصير في الفلسفة الإسلامية، ونبراس زكي جليل في الفلسفة المعاصرة، وغيرهم. وعليه يمكن التمييز داخل البصرة الحديثة بين المدرسة الجامعية التي ارتبط تأسيسها بمحمد جواد الموسوي وتواصلت في قسم الفلسفة، وبين مفكرين بصريين معاصرين يعملون خارج القسم، ومن أبرزهم علي المدن. مدرسة بغداد الفلسفية الأكاديمية الحديثة تبدأ المرحلة المؤسسية الكبرى للفلسفة الحديثة في العراق مع إنشاء قسم الفلسفة في كلية الآداب ببغداد سنة 1949، وتخرجت أول دفعة منه سنة 1953. ومن هذه البيئة خرج كثير من الأساتذة الذين أسهموا لاحقًا في إنشاء أقسام الفلسفة في الجامعات العراقية الأخرى. ويمكن النظر إلى هذه التجربة من خلال جيل الرواد، ثم جيل ما بعد الرواد، ثم أجيال الثمانينيات والتسعينيات والقرن الحادي والعشرين. في فضاء الرواد يأتي محسن مهدي، 1926–2007م، أحد أهم دارسي الفارابي والفلسفة السياسية الإسلامية وتحقيق النصوص، مع التنبيه إلى أنه لم يتكون في قسم الفلسفة بجامعة بغداد، فقد درس في بيروت وشيكاغو، لكنه عمل في بغداد في مرحلة مبكرة وظل أحد أبرز الوجوه العراقية في الدراسات الفلسفية العالمية. ويأتي كامل مصطفى الشيبي، 1927–2006م، الرائد في دراسة التصوف وصلته بالتشيع وتحقيق نصوص الحلاج، ومدني صالح، 1932–2007م، الذي قدم خطابًا فلسفيًا عراقيًا خاصًا في الإنسان والحياة والعلم والجمال، وجعفر آل ياسين، 1932–2008م، المتخصص في الفارابي وابن سينا وصدر الدين الشيرازي والمنطق، وياسين خليل، 1933–1986م، أحد أبرز رواد المنطق الحديث وفلسفة العلم وفلسفة اللغة في العراق، وحسام محيي الدين الآلوسي، 1934–2013م، الذي اشتغل بالفلسفة الإسلامية وفلسفة العلم والمنهج والحضارة. وينتمي إلى الجيل نفسه أو إلى مرحلته القريبة عرفان عبد الحميد فتاح، 1933–2007م، في علم الكلام والفرق وفلسفة التصوف، وناجي التكريتي، 1932–، صاحب الدراسات في الأخلاق والفكر الإسلامي، ومنها “الفلسفة الأخلاقية الأفلاطونية عند مفكري الإسلام”. كما تضم هذه المرحلة صالح الشماع، وكريم متى، وعبد الرزاق مسلم الماجد، ونجم الدين بزركان وغيرهم ممن أسهموا في تكوين الدرس الفلسفي الأكاديمي العراقي. وفي جيل ما بعد الرواد يأتي عبد الأمير الأعسم، 1940–2019م، في تاريخ الفلسفة والمصطلح الفلسفي وعلم الكلام، وعبد الستار عز الدين الراوي، 1941–، المولود في بغداد، أستاذ الفلسفة وصاحب “ثورة العقل: دراسة فلسفية في فكر معتزلة بغداد” و”العقل والحرية”، وأعمال أخرى في التصوف والفكر الفلسفي العربي المعاصر. ويأتي نمير مهدي العاني، 1943–، المولود في عانة، الذي درس الفلسفة في لينينغراد وعمل في قسم الفلسفة بجامعة بغداد منذ سبعينيات القرن العشرين، ثم تخصص في الديالكتيك وفلسفة العلم وفلسفة التقنية، وكتب بالعربية والروسية. ومن هذا الجيل حسين الهنداوي، 1947–، المتخصص في هيغل وفلسفة التاريخ، وصاحب “هيغل والإسلام” و”مئة عام من الفلسفة في العراق”، الذي قدم محاولة مهمة لتأريخ التجربة الفلسفية العراقية الحديثة. ويضاف صالح مهدي الهاشم، 1933–2007م، الذي لم يكن خريج قسم الفلسفة، لكنه كرس إنتاجًا واسعًا لتاريخ الفلسفة في بغداد والحلة وفلسفة التاريخ، ومن كتبه “الفكر الفلسفي في بغداد” و”المشهد الفلسفي في القرن السابع الهجري”. ويأتي حسن مجيد العبيدي، 1955–، المولود في بغداد، في الفلسفة الإسلامية وفلسفة الحضارة؛ فقد أنجز دراساته العليا في جامعة بغداد حول المكان عند ابن سينا والعلوم الطبيعية عند ابن رشد، وتولى رئاسة قسم الفلسفة في جامعة الكوفة في التسعينيات. كما يبرز رسول محمد رسول، 1959–2022م، المولود في الكوفة والمتكون في جامعة بغداد، في الفلسفة الألمانية الحديثة ونظرية المعرفة والميتافيزيقا والهرمنيوطيقا والهوية. أما الجيل الأحدث فيضم فيصل غازي مجهول، 1967–، المولود في بغداد، أستاذ الفلسفة في جامعة بغداد، المتخصص في المنطق والفلسفة المعاصرة والفلسفة الإسلامية، وصاحب دراسات في فتغنشتاين والمنطق وابن رشد وابن سينا. ومن هذا الجيل فوزي حامد الهيتي، الذي اشتغل بالفلسفة الإسلامية وإشكالات الميتافيزيقا والعلم وقراءة مدني صالح، وله كتب في إشكالية الفلسفة في الفكر العربي الإسلامي والميتافيزيقا والعلم. ويأتي علي عبد الهادي المرهج، أستاذ الفلسفة والفكر العربي المعاصر في الجامعة المستنصرية، الذي اشتغل على ابن رشد ونقد الخطاب والفكر العربي المعاصر. ويبرز علي حاكم صالح في الفلسفة التحليلية وفلسفة اللغة والفكر العراقي ونقد الأيديولوجيا، ومن أعماله “المنعطف اللغوي: فلسفة الحس المشترك عند جورج إدوارد مور”، وله إسهام في ترجمة غادامير. ويمتد هذا الجيل إلى صلاح فليفل الجابري، ومحمد حسين النجم، وحسن فاضل جواد، ويحيى المشهداني، وعبد الكريم سلمان، ورائد جبار كاظم، وأحمد شيال، وعلي عبود المحمداوي، ومحمد فاضل عباس، ورحيم الساعدي وغيرهم. وهؤلاء لا يعملون جميعًا في جامعة بغداد، غير أن معظمهم تكون داخل تقاليد المدرسة الفلسفية العراقية التي كان قسم بغداد مركزها المؤسسي الأول، ثم انتشرت في المستنصرية والكوفة والموصل والبصرة وواسط وسواها.
8
4
موجز تاريخ التفكير العقلي والفلسفي في العراق - 4 المدرسة الفلسفية في الكوفة الحديثة تجدد الحضور المؤسسي للفلسفة في الكوفة مع تأسيس قسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة الكوفة في مطلع تسعينيات القرن العشرين. كان عبد الأمير الأعسم، 1940–2019م، من أبرز من أسهموا في بناء هذا القسم وتكوين تقاليده الأولى، ثم تشكلت أجيال من الأساتذة والباحثين. والقسم اليوم يمنح الدراسات الأولية والعليا، بما فيها الدكتوراه، ويواصل نشاطه في الفلسفة الإسلامية والغربية وفلسفة الدين والأخلاق. ومن أبرز أسماء الكوفة الحديثة منذر جلوب يونس البصيصي. حصل على الماجستير في قسم الفلسفة بجامعة بغداد سنة 1991 في موضوع “الوضعية المنطقية عند ألفرد جول آير”، ثم اتجه في أعماله اللاحقة إلى فلسفة الدين والوجود والأخلاق والتصوف والفكر المعاصر. ويأتي معه عامر عبد زيد الوائلي، أستاذ الفلسفة في جامعة الكوفة، الذي اشتغل بالفلسفة الإسلامية والفكر الوسيط وفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد والتأويل وقضايا الاختلاف والهوية والحداثة. من أعماله “الإنسان الكوني: مقاربات في فضاء التواصل”، فضلًا عن دراساته المتعددة في التأويل والفكر الإسلامي وفلسفة الدين. ويبرز في الجيل الراهن حسين حمزة شهيد العامري، رئيس قسم الفلسفة في جامعة الكوفة سنة 2026، والمتخصص في الفلسفة الإسلامية ونظرية المعرفة، ومعه زيد عباس كريم، وحمزة جابر سلطان، وحيدر عبد الزهرة، وحسنين جابر الحلو، ورائد عبيس مطلب، ووسام حسن فليح، وجميل حليل المعلة وغيرهم من الباحثين الذين تتوزع اهتماماتهم بين الفلسفة الإسلامية وفلسفة الدين والأخلاق والفلسفة الحديثة والمعاصرة. بهذا تمتلك الكوفة تاريخين متباعدين: تاريخًا كلاميًا وعلميًا قديمًا سبق الكندي ورافق المقدمات الأولى لولادة الفلسفة العربية، وتاريخًا جامعيًا حديثًا أعاد المدينة إلى خريطة الفلسفة العراقية. المدرسة الفلسفية في الموصل الحديثة لا يكتمل تاريخ الفلسفة الحديثة في الموصل من دون محمد جلوب فرحان. تكوينه الأول ينتمي إلى مدرسة بغداد؛ فقد درس الفلسفة في جامعة بغداد وتتلمذ على ياسين خليل، وظل يرى في ياسين خليل مؤسسًا لاتجاه منطقي عراقي حديث ومرجعًا مهمًا في المنطق وفلسفة العلم. غير أن محمد جلوب فرحان أصبح أحد أهم صانعي البيئة الفلسفية الحديثة في الموصل من خلال تدريسه الطويل فيها ورئاسته لقسم الفلسفة. تنوع مشروعه بين المنطق وفلسفة العلم وفلسفة التاريخ وفلسفة التربية والفلسفة الإسلامية. من كتبه “تحليل أرسطو للعلم البرهاني”، 1983، و”القدر والإنسان: بحث إبستمولوجي”، و”الفكر المنطقي الإسلامي”، و”دراسات في علم المنطق عند العرب”، و”الفيلسوف والتاريخ: نماذج من التأويل الفلسفي للتاريخ”، و”دراسات في فلسفة التربية”. تأسس قسم الفلسفة في جامعة الموصل في العام الدراسي 1994–1995، وصار بعد ذلك مركزًا للدرس الفلسفي في شمال العراق. ومن أجياله اللاحقة سامي محمود إبراهيم، وهيثم محمد مصطفى، وهجران عبد الإله الصالحي، وحسين ذنون العلاف، ومصعب عطية ذنون، ومحمد أسعد الأسعد، ونزار نجيب الطائي، وزياد كمال مصطفى وغيرهم. وتكشف نشاطات القسم عن اتساع اهتماماته لتشمل الفلسفة المعاصرة وفلسفة اللغة ونقد المركزية الغربية والفلسفة الإسلامية ومشكلات العقل. وهكذا تمتد الموصل من ابن يونس في القرنين السادس والسابع الهجريين إلى محمد جلوب فرحان والمدرسة الجامعية الراهنة، من دون افتراض استمرارية مؤسسية مباشرة بين المرحلتين.
10
5
موجز تاريخ التفكير العقلي والفلسفي في العراق - 3 المدرسة الفلسفية في كربلاء كانت كربلاء في القرن الثامن عشر مركزًا للجدل الأخباري والأصولي. لا أصنف يوسف البحراني، 1695–1772م، والوحيد البهبهاني، نحو 1706–1791م، في الفلاسفة بالمعنى الدقيق، لأن مجالهما الأصلي الفقه وأصوله، غير أن الجدل بينهما حول مصادر المعرفة الدينية وموقع العقل والاجتهاد أسهم في تشكيل البيئة العقلية للمدينة. أما المشروع الميتافيزيقي الواضح فيظهر مع الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، 1166–1241هـ/1753–1826م. الأحسائي ليس عراقي المولد، فقد ولد في الأحساء، لكنه اتصل بالنجف وكربلاء وأصبح جزءًا من تاريخ الحكمة فيهما. قرأ تراث ابن سينا والسهروردي وملا صدرا والعرفان قراءة خاصة، واتخذ منه مواقف نقدية وانتقائية، وصاغ رؤية ميتافيزيقية مستقلة في الوجود والنفس والجسد والمعاد وعالم المثال والإمامة. خلفه السيد كاظم الرشتي، 1208–1259هـ/1793–1843م، الذي استقر في كربلاء وجعلها المركز الأكبر للمدرسة الشيخية، ووسع البناء الميتافيزيقي والرمزي الذي أسسه الأحسائي. وفي العصر الحديث أنجبت كربلاء محسن مهدي، 1926–2007م، أحد أبرز دارسي الفارابي والفلسفة السياسية الإسلامية وتحقيق النصوص الفلسفية. ولد في كربلاء، وأكمل دراسته الثانوية في بغداد، ثم درس الفلسفة في الجامعة الأمريكية ببيروت، وتبلور تكوينه الفلسفي المتخصص في جامعة شيكاغو، قبل أن يصبح أحد كبار أساتذة الفلسفة العربية الإسلامية في الولايات المتحدة. عمل مدة في بغداد، غير أن مشروعه الفكري تجاوز البيئة العراقية إلى فضاء أكاديمي عالمي. لهذا يمثل محسن مهدي ابنًا لكربلاء من جهة الميلاد، وشخصية أساسية في الفلسفة العراقية الحديثة، مع ضرورة التمييز بين انتمائه العراقي وتكوينه الفلسفي الأكاديمي الذي اكتمل أساسًا خارج العراق. المدرسة الفلسفية في النجف نشأت الفلسفة في النجف داخل المؤسسة الحوزوية، متداخلة مع أصول الفقه والكلام والعرفان والعلوم العقلية. لهذا ينبغي التشدد في إطلاق وصف الفيلسوف، وعدم إدراج كل فقيه أو أصولي درس شيئًا من المنطق أو الفلسفة في طبقة الفلاسفة. المعيار هنا هو حضور الاشتغال الفلسفي والعلوم العقلية في التكوين والتدريس والتأليف، أو إنتاج رؤية ومشكلة ومفهوم فلسفي. يمثل السيد حسين البادكوبي، 1293–1358هـ/1876–1939م، أحد أهم أساتذة الحكمة والعلوم العقلية في النجف في العقود الأولى من القرن العشرين. تلقى تكوينه الفلسفي في طهران، ثم استقر في النجف واشتهر بتدريس الفلسفة والعلوم العقلية. كان من أبرز من حافظوا على تقاليد الحكمة الإسلامية في البيئة النجفية، وارتبط اسمه، مع محمد حسين الغروي الأصفهاني، بحضور قوي للفلسفة في الحوزة خلال تلك المرحلة. تخرج عليه عدد من الدارسين، وكان أشهرهم العلامة محمد حسين الطباطبائي، الذي حمل هذا التكوين الفلسفي بعد ذلك إلى مرحلة جديدة. ويمثل محمد حسين الغروي الأصفهاني المعروف بالكمباني، 1879–1942م، الوجه الآخر البارز للحكمة في النجف في النصف الأول من القرن العشرين. جمع الفلسفة والعرفان وأصول الفقه، وحضر التكوين الفلسفي بوضوح في طريقته في التفكير وبناء المسائل. لم تكن الفلسفة لديه ثقافة هامشية مضافة إلى تخصصه الأصولي، فقد كانت جزءًا من بنيته العقلية وأدواته في التحليل والتجريد. وتحتل تجربة العلامة محمد حسين الطباطبائي، 1903–1981م، موقعًا مهمًا في تاريخ المدرسة الفلسفية في النجف، حتى وإن اكتمل مشروعه الفلسفي والتفسيري بعد ذلك في قم. انتقل من تبريز إلى النجف سنة 1925 تقريبًا، وأقام فيها نحو عشر سنوات، وكانت هذه المرحلة حاسمة في نضجه العقلي والفلسفي والعرفاني. درس الفلسفة على السيد حسين البادكوبي نحو ست سنوات، وقرأ عليه “منظومة” السبزواري، و”الأسفار” و”المشاعر” لملا صدرا، و”الشفاء” لابن سينا، و”تمهيد القواعد” لابن تركة، وغيرها من كتب الحكمة. بهذا المعنى لم تكن النجف محطة عابرة في حياة الطباطبائي، فقد تكون فيها تكوينه الفلسفي العميق الذي سيظهر أثره لاحقًا في مشروعه الكبير في قم، خاصة في “أصول الفلسفة والمذهب الواقعي” ودروسه في الحكمة المتعالية وتفسير “الميزان”. يمثل الطباطبائي إحدى أهم حلقات انتقال تقاليد الحكمة التي كانت تدرس في النجف إلى الحوزة الفلسفية الحديثة في قم. ثم يأتي محمد رضا المظفر، 1904–1964م. لا أضع المظفر في مرتبة الفيلسوف صاحب المشروع المستقل، غير أن موقعه مهم في تاريخ الدرس العقلي في النجف، لما أداه من دور في تحديث تعليم المنطق والفكر الفلسفي وأصول الفقه، وإسهامه في تأسيس كلية الفقه. يمثل كتابه “المنطق” انتقالًا من لغة المتون القديمة إلى عرض تعليمي أكثر تنظيمًا ووضوحًا، وأسهم في تكوين أجيال من الدارسين على أدوات التفكير المنطقي. ويمثل محمد باقر الصدر، 1935–1980م، المنعطف الأهم في المدرسة النجفية الحديثة. في “فلسفتنا” خرج من دائرة شرح الفلسفة الإسلامية إلى محاورة الماركسية والمادية والتيارات الفلسفية الحديثة، ثم قدم في “الأسس المنطقية للاستقراء” محاولة مستقلة في نظرية المعرفة والاستقراء والاحتمال، وصاغ ما سماه “المذهب الذاتي للمعرفة”. مع الصدر لم تعد الفلسفة في النجف شرحًا للمتون أو دفاعًا عن منظومة موروثة فقط، فقد اتجهت إلى إنتاج المشكلة والمفهوم والنظرية، والدخول في حوار مباشر مع مناهج المعرفة الحديثة. بعد محمد باقر الصدر ظهر جيل عراقي اتصل به مباشرة أو تشكل في المناخ الفكري الذي أحدثه. من أبرز أسمائه عمار أبو رغيف، المولود نحو سنة 1955، الذي درس في الحوزة النجفية واتصل بدرس محمد باقر الصدر، ثم اشتغل بنظرية المعرفة والمنطق الاستقرائي وفلسفة العلم. من أعماله “الإدراك البشري” و”دراسات في الحكمة والمنهج”، وله أبحاث في المذهب الذاتي والاستقراء، ويتميز مشروعه بمحاولة تطوير بعض المسائل الإبستمولوجية التي أثارها الصدر. ومن هذا الجيل كمال الحيدري، 1956–، المولود في كربلاء، الذي انتقل إلى النجف سنة 1974، ودرس في كلية الفقه والحوزة، واتصل بدرس محمد باقر الصدر، ثم واصل تكوينه الفلسفي والعرفاني في قم. اشتغل بالحكمة المتعالية والعرفان النظري ونظرية المعرفة والمذهب الذاتي، ثم اتسع مشروعه إلى نقد التراث الكلامي والتفسيري والحديثي ومراجعة بعض المباني التقليدية في المعرفة الدينية. ويمتد جيل ما بعد الصدر إلى عبد الجبار الرفاعي، 1954–، الذي بدأ تكوينه الحوزوي في النجف سنة 1978، قبل أن ينتقل إلى قم. غير أن مشروعه اللاحق تجاوز إطار المدرسة النجفية، وانتقل إلى تأسيس مسار مستقل في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، لهذا أتناوله لاحقا ضمن “مدرسة بغداد الجديدة: فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد ومناهج فهم الدين”. أما ميثم الجنابي، 1955–2021م، فهو نجفي الولادة، لكنه لا ينتمي إلى السلسلة الحوزوية نفسها؛ فقد تبلور مشروعه أكاديميًا في موسكو، واشتغل بالفلسفة الإسلامية والتصوف وفلسفة التاريخ والعقل الثقافي وفلسفة البدائل. لهذا يكون موقعه الأنسب في المشهد الفلسفي العراقي المعاصر العام، لا في السلسلة الداخلية لتدريس الحكمة في الحوزة النجفية. تكشف هذه السلسلة أن أهمية النجف في تاريخ الفلسفة الحديثة لا تقتصر على إنتاج فلاسفة عراقيين، فهناك من جاء إليها من خارج العراق وتكون أو درّس فيها، مثل السيد حسين البادكوبي والعلامة محمد حسين الطباطبائي.
11
6
موجز تاريخ التفكير العقلي والفلسفي في العراق - 2 مدرسة بغداد الفلسفية العباسية مع بغداد انتقلت الفلسفة من حلقات الكلام والعلم إلى مؤسسة ثقافية واسعة تقوم على الترجمة والتعليم والشرح والمناظرة والتأليف. كان الكندي ودائرته في القرن الثالث الهجري إحدى أهم محطات هذا الانتقال، ثم جاء حنين بن إسحاق، 809–873م، المولود في الحيرة، وابنه إسحاق بن حنين، وثابت بن قرة، 826–901م، وقسطا بن لوقا، المتوفى نحو 912م، فأسهموا في تكوين المكتبة العلمية والفلسفية العربية. وفي القرن الرابع الهجري تبلورت مدرسة بغداد الأرسطية مع أبي بشر متى بن يونس، نحو 870–940م، الذي رسخ تدريس المنطق، ثم أبي نصر الفارابي، نحو 870–950م، وهو غير عراقي المولد لكنه قضى مرحلة مهمة من حياته العلمية في بغداد. وبعده أصبح يحيى بن عدي التكريتي، 893/894–974م، رأس المدرسة الفلسفية البغدادية، وجمع بين الترجمة والمنطق والأخلاق والميتافيزيقا. وفي هذا المناخ ظهر أبو سليمان السجستاني، نحو 912–985م، الذي تحول مجلسه إلى ملتقى للفلاسفة والمتكلمين والأدباء، وأبو علي عيسى بن زرعة، 943–1008م، وأبو علي ابن السمح، وأبو الخير ابن الخمار، وأبو الفرج ابن الطيب، المتوفى سنة 1043م. أما أبو حيان التوحيدي، نحو 930–1023م، فقد حفظ في “المقابسات” و”الإمتاع والمؤانسة” صورة نادرة لهذه الحياة الفلسفية البغدادية. ومسكويه الذي ينبغي أن يذكر في سياق مدرسة بغداد الفلسفية، مع التنبيه إلى أن نشاطه لم يقتصر على بغداد، فقد تحرك في المجال البويهي بين الري وبغداد وأصفهان. وهو أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه (نحو 320–421هـ / 932–1030م) من كبار فلاسفة الأخلاق في الحضارة الإسلامية، ومن أبرز من صاغ الأخلاق في بناء فلسفي منظم. اتصل بالبلاط البويهي، وعمل في دواوينه وخزائنه، وعاش جانبًا من حياته في البيئة الفكرية التي ازدهرت في بغداد في القرن الرابع الهجري. يمثل كتابه “تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق” أحد أهم النصوص المؤسسة للأخلاق الفلسفية الإسلامية، وله “الفوز الأصغر” و”تجارب الأمم” وغيرها. جمع بين الفلسفة والأخلاق والتاريخ، واستفاد من التراث اليوناني، ولا سيما أرسطو والأفلاطونية المحدثة، وصاغ تصورًا لتربية النفس وتهذيب الفضائل وبلوغ السعادة. ويرتبط ببغداد أبو الحسن محمد بن يوسف العامري، المتوفى سنة 381هـ/992م. العامري خراساني المولد وليس عراقيًا، لكنه انتقل إلى بغداد والتقى أبا حيان التوحيدي وابن مسكويه، ومثل امتدادًا مهمًا للتقليد الكندي في الجمع بين الفلسفة والدين والبحث في النفس والأخلاق والسعادة. وظهر أبو البركات هبة الله بن علي بن ملكا البغدادي، المولود في بلد على دجلة شمال بغداد نحو 454هـ/1062م على أحد أقوى التقديرات، والمتوفى نحو 547هـ/1152م. صاحب “المعتبر في الحكمة” ليس مجرد شارح لابن سينا؛ فقد نقد المشائية في قضايا الحركة والزمان والمكان والنفس والعلم الإلهي، وكان لفكره أثر في فخر الدين الرازي ومناقشات فلسفية لاحقة. ويأتي بعده عبد اللطيف البغدادي، 557–629هـ/1162–1231م، الطبيب والفيلسوف والموسوعي، ثم عز الدولة سعد بن منصور ابن كمونة، نحو 1215–1284م، الفيلسوف اليهودي البغدادي وشارح ابن سينا والسهروردي، الذي عاش معظم حياته في بغداد وانتقل قبيل وفاته إلى الحلة. كانت بغداد العباسية أوسع المدارس العراقية القديمة وأكثرها تعددًا؛ اجتمع فيها المسلم والمسيحي واليهودي، والمشائي وناقد المشائية، والمترجم والمنطقي والطبيب والمتكلم. ومن هنا لم تكن بغداد مجرد مكان لانتقال الفلسفة اليونانية، وإنما مختبرًا لإعادة تركيبها وإنتاج فلسفة عربية إسلامية جديدة. المدرسة الفلسفية في الموصل وشهرزور القديمة برزت الموصل في القرنين السادس والسابع الهجريين مركزًا للمنطق والحكمة والرياضيات والفلك. يمثل هذه المرحلة كمال الدين موسى بن يونس الموصلي، 551–639هـ/1156–1242م، أحد كبار أساتذة المنطق والفلسفة والرياضيات والكلام في عصره، وقد قصده الطلاب من مناطق وأديان مختلفة. ويرتبط بمدرسته أثير الدين الأبهري، المتوفى نحو 663هـ/1265م، وهو غير عراقي المولد، غير أن اتصاله بالموصل وتقاليدها التعليمية يمنحه موقعًا في تاريخها الفلسفي. أصبح “إيساغوجي” في المنطق و”هداية الحكمة” من أكثر الكتب التعليمية تداولًا في العالم الإسلامي. ويرتبط بالإقليم العراقي الشمالي شمس الدين محمد الشهرزوري في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، أحد أبرز شراح حكمة الإشراق، وصاحب “نزهة الأرواح وروضة الأفراح”. معه يظهر حضور إشراقي قوي في الفضاء العراقي إلى جوار المشائية. المدرسة الفلسفية في الحلة بعد سقوط بغداد سنة 656هـ/1258م أصبحت الحلة مركزًا مهمًا للعلوم العقلية والكلامية. لم تتشكل فيها فلسفة منفصلة عن الكلام والفقه والأصول، لكن المنطق والفلسفة دخلا بعمق في تكوين المتكلم والفقيه. برز فيها المحقق الحلي جعفر بن الحسن، 602–676هـ/1205–1277م، ثم الحسن بن يوسف العلامة الحلي، 648–726هـ/1250–1325م. يمثل العلامة الحلي الشخصية الأكثر أهمية فلسفيًا؛ درس المنطق والحكمة والكلام، واتصل بنصير الدين الطوسي، ووظف الأدوات الفلسفية في بناء علم الكلام الإمامي. ثم جاء فخر المحققين محمد بن الحسن الحلي، 682–771هـ/1283–1369م، واستمرت المدرسة الحلية في الجمع بين البرهان الفلسفي والكلام والأصول. كما انتهت حياة ابن كمونة في الحلة سنة 1284م. كانت الحلة الجسر الذي انتقلت عبره تقاليد المنطق والحكمة من بغداد والطوسي إلى البنية العلمية التي ورثتها كربلاء والنجف.
11
7
موجز تاريخ التفكير العقلي والفلسفي في العراق -1 عند كتابة تاريخ الفلسفة في العراق ينبغي التمييز بين الفيلسوف بالمعنى الاصطلاحي الدقيق، والمتكلم الذي أنتج أسئلة فلسفية، والعالم الذي اشتغل بفلسفة الطبيعة، والأصولي الذي استخدم المنطق من دون أن يؤسس مشروعًا فلسفيًا، والمفكر الحديث الذي اشتغل بنظرية المعرفة أو فلسفة الدين أو التأويل. كما ينبغي التمييز بين العراقي بالولادة، وبين من وفد إلى العراق أو درس فيه وأصبح جزءًا من إحدى مدارسه. حين نستعمل كلمة “مدرسة” هنا لا يعني دائمًا مؤسسة منظمة أو سلسلة متصلة من الأستاذ إلى التلميذ، وإنما يعني أحيانًا بيئة فكرية تكونت في مدينة معينة، واشتركت في أسئلة أو مناهج أو تقاليد معرفية. أما التواريخ المختلف فيها فأذكرها على وجه التقريب، وأمتنع عن وضع تاريخ لا أجد له توثيقًا مطمئنًا. المدرسة الفلسفية في الكوفة القديمة تمثل الكوفة واحدة من أقدم البيئات التي نضج فيها العقل الجدلي والكلامي في الإسلام قبل ظهور الفلسفة العربية بصورتها الاصطلاحية. ظهر فيها أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان، المعروف بمؤمن الطاق، في القرن الثاني الهجري، وهو من أوائل المتكلمين الإمامية، وظهر هشام بن الحكم، المتوفى في أواخر القرن الثاني الهجري، نحو 179هـ/795م على أحد الأقوال، الذي خاض في مسائل التوحيد والمعرفة والجسم والحركة والإمامة. تكشف مناظرات هشام عن مرحلة مبكرة كان فيها الكلام يتجاوز الدفاع المذهبي إلى مساءلة طبيعة المعرفة والوجود وصفات الله والإنسان. ويرتبط بالكوفة التراث المنسوب إلى جابر بن حيان، في القرن الثاني والثالث الهجريين، بما يتضمنه من البحث في الطبيعة والكيمياء والخواص والأعداد. شخصية جابر وحجم المنسوب إليه ما زالا موضع بحث وشك، غير أن هذا التراث يمثل مرحلة مهمة في الانتقال من المعرفة العملية إلى تصور نظري للطبيعة. ويأتي يعقوب بن إسحاق الكندي، نحو 800–870م، في نهاية هذه المرحلة وبداية مرحلة أخرى. للكندي صلة وثيقة بالكوفة من جهة أسرته ومكانتها فيها، وإن كانت بعض الدراسات الحديثة تجعل مولده في البصرة وتعليمه في بغداد. لهذا فهو حلقة تصل البيئة العقلية في الكوفة والبصرة بمؤسسة الفلسفة الناشئة في بغداد. مع الكندي يظهر أول فيلسوف يعلن هويته الفلسفية بوضوح في التقليد العربي، ويكتب في “الفلسفة الأولى”، والعقل والنفس والأخلاق والطبيعيات والرياضيات والموسيقى والبصريات. وتصفه موسوعة ستانفورد بأنه أول فيلسوف عرّف نفسه بهذا الوصف في التقليد العربي. (موسوعة ستانفورد للفلسفة⁠) المدرسة الفلسفية في البصرة القديمة كانت البصرة من أكثر المدن الإسلامية إنتاجًا للعقلانية في القرنين الثاني والثالث الهجريين. ظهر فيها واصل بن عطاء، 80–131هـ/700–748م، وهو مدني المولد بصري التكوين الفكري، ثم عمرو بن عبيد، المتوفى سنة 144هـ/761م. ومن مدرستهما نشأ الاعتزال بوصفه تيارًا يجعل العقل أداة مركزية في بناء العقيدة وتأويل النص. بلغ الكلام المعتزلي البصري مستوى فلسفيًا أعمق مع أبي الهذيل العلاف، نحو 752–841م، الذي بحث في الجوهر والعرض والحركة والسكون والقدرة الإلهية، وإبراهيم بن سيار النظام، المتوفى نحو 231هـ/845م، صاحب نظرية “الطفرة” وآراء متميزة في الحركة والطبيعة ونقد الذرية. وينتمي إلى هذه البيئة الجاحظ، نحو 776–868/869م، الذي لا أصنفه فيلسوفًا بالمعنى الاصطلاحي، غير أن نصوصه في الإنسان والحيوان والطبيعة والمجتمع والمعرفة تعكس عقلانية بصرية خصبة. ثم ظهر أبو علي الجبائي، 849–915م، وأبو هاشم الجبائي، نحو 888–933م، صاحب نظرية “الأحوال”. ويمثل الجاحظ اسما أساسيا، لا يجوز إغفاله عند الحديث عن مدرسة البصرة. أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (نحو 160–255هـ / 776–868م) من أبرز أعلام العقلانية البصرية في العصر العباسي، وهو معتزلي الصلة والتكوين، جمع بين الأدب والكلام والنظر في الإنسان والمجتمع والطبيعة والحيوان واللغة. تظهر في كتبه، ولا سيما “الحيوان” و”البيان والتبيين” و”البخلاء” ورسائله، نزعة عقلية تجريبية دقيقة، واهتمام بالملاحظة والسببية والبيئة والطبائع، إلى جانب تحليل السلوك الإنساني والاجتماعي. لا يصح تصنيفه فيلسوفًا بالمعنى الاصطلاحي الذي ينطبق على الكندي أو الفارابي، غير أن حضوره ضروري في تاريخ الفكر العقلي والفلسفي في البصرة، ويمثل أحد أبرز وجوه امتزاج الكلام والأدب والنظر العقلي فيها. وتكون أبو الحسن الأشعري، 874–936م، في مدرسة الاعتزال البصرية قبل أن ينفصل عنها ويؤسس اتجاهًا كلاميًا آخر. وفي القرن الرابع الهجري ظهرت جماعة إخوان الصفا وخلان الوفا، أصحاب “رسائل إخوان الصفا”، وهي واحدة من أوسع الموسوعات الفلسفية في التراث العربي الإسلامي، إذ جمعت الرياضيات والموسيقى والمنطق والطبيعيات والنفس والأخلاق والسياسة والإلهيات، واستوعبت مكونات فيثاغورية وأفلاطونية محدثة وأرسطية ودينية. لا تزال هوية أعضاء الجماعة موضع نقاش، وإن نقل أبو حيان التوحيدي أسماء أبي سليمان المقدسي، وعلي بن هارون الزنجاني، وأبي أحمد النهرجوري، والعوفي، وربطهم بزيد بن رفاعة. ومن البصرة أيضًا الحسن بن الهيثم، 354–430هـ/965–1040م، الذي تجاوزت أهميته البصريات والرياضيات إلى نظرية الإدراك والمنهج والبرهان والشكوك. تؤكد اليونسكو أنه اشتغل بالرياضيات والفيزياء والفلك والفلسفة والطب، وكان للتجربة حضور أساسي في منهجه. وهكذا أنتجت البصرة نمطًا خاصًا من التفكير التقى فيه علم الكلام بفلسفة الطبيعة والمنهج ونظرية المعرفة.
17
8
لا تزال هوية أعضاء الجماعة موضع نقاش، وإن نقل أبو حيان التوحيدي أسماء أبي سليمان المقدسي، وعلي بن هارون الزنجاني، وأبي أحمد النهرجوري، والعوفي، وربطهم بزيد بن رفاعة. ومن البصرة أيضًا الحسن بن الهيثم، 354–430هـ/965–1040م، الذي تجاوزت أهميته البصريات والرياضيات إلى نظرية الإدراك والمنهج والبرهان والشكوك. تؤكد اليونسكو أنه اشتغل بالرياضيات والفيزياء والفلك والفلسفة والطب، وكان للتجربة حضور أساسي في منهجه. وهكذا أنتجت البصرة نمطًا خاصًا من التفكير التقى فيه علم الكلام بفلسفة الطبيعة والمنهج ونظرية المعرفة.
2
9
موجز تاريخ التفكير العقلي والفلسفي في العراق -1 عند كتابة تاريخ الفلسفة في العراق ينبغي التمييز بين الفيلسوف بالمعنى الاصطلاحي الدقيق، والمتكلم الذي أنتج أسئلة فلسفية، والعالم الذي اشتغل بفلسفة الطبيعة، والأصولي الذي استخدم المنطق من دون أن يؤسس مشروعًا فلسفيًا، والمفكر الحديث الذي اشتغل بنظرية المعرفة أو فلسفة الدين أو التأويل. كما ينبغي التمييز بين العراقي بالولادة، وبين من وفد إلى العراق أو درس فيه وأصبح جزءًا من إحدى مدارسه. حين نستعمل كلمة “مدرسة” هنا لا يعني دائمًا مؤسسة منظمة أو سلسلة متصلة من الأستاذ إلى التلميذ، وإنما يعني أحيانًا بيئة فكرية تكونت في مدينة معينة، واشتركت في أسئلة أو مناهج أو تقاليد معرفية. أما التواريخ المختلف فيها فأذكرها على وجه التقريب، وأمتنع عن وضع تاريخ لا أجد له توثيقًا مطمئنًا. المدرسة الفلسفية في الكوفة القديمة تمثل الكوفة واحدة من أقدم البيئات التي نضج فيها العقل الجدلي والكلامي في الإسلام قبل ظهور الفلسفة العربية بصورتها الاصطلاحية. ظهر فيها أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان، المعروف بمؤمن الطاق، في القرن الثاني الهجري، وهو من أوائل المتكلمين الإمامية، وظهر هشام بن الحكم، المتوفى في أواخر القرن الثاني الهجري، نحو 179هـ/795م على أحد الأقوال، الذي خاض في مسائل التوحيد والمعرفة والجسم والحركة والإمامة. تكشف مناظرات هشام عن مرحلة مبكرة كان فيها الكلام يتجاوز الدفاع المذهبي إلى مساءلة طبيعة المعرفة والوجود وصفات الله والإنسان. ويرتبط بالكوفة التراث المنسوب إلى جابر بن حيان، في القرن الثاني والثالث الهجريين، بما يتضمنه من البحث في الطبيعة والكيمياء والخواص والأعداد. شخصية جابر وحجم المنسوب إليه ما زالا موضع بحث وشك، غير أن هذا التراث يمثل مرحلة مهمة في الانتقال من المعرفة العملية إلى تصور نظري للطبيعة. ويأتي يعقوب بن إسحاق الكندي، نحو 800–870م، في نهاية هذه المرحلة وبداية مرحلة أخرى. للكندي صلة وثيقة بالكوفة من جهة أسرته ومكانتها فيها، وإن كانت بعض الدراسات الحديثة تجعل مولده في البصرة وتعليمه في بغداد. لهذا فهو حلقة تصل البيئة العقلية في الكوفة والبصرة بمؤسسة الفلسفة الناشئة في بغداد. مع الكندي يظهر أول فيلسوف يعلن هويته الفلسفية بوضوح في التقليد العربي، ويكتب في “الفلسفة الأولى”، والعقل والنفس والأخلاق والطبيعيات والرياضيات والموسيقى والبصريات. وتصفه موسوعة ستانفورد بأنه أول فيلسوف عرّف نفسه بهذا الوصف في التقليد العربي. (موسوعة ستانفورد للفلسفة⁠) المدرسة الفلسفية في البصرة القديمة كانت البصرة من أكثر المدن الإسلامية إنتاجًا للعقلانية في القرنين الثاني والثالث الهجريين. ظهر فيها واصل بن عطاء، 80–131هـ/700–748م، وهو مدني المولد بصري التكوين الفكري، ثم عمرو بن عبيد، المتوفى سنة 144هـ/761م. ومن مدرستهما نشأ الاعتزال بوصفه تيارًا يجعل العقل أداة مركزية في بناء العقيدة وتأويل النص. بلغ الكلام المعتزلي البصري مستوى فلسفيًا أعمق مع أبي الهذيل العلاف، نحو 752–841م، الذي بحث في الجوهر والعرض والحركة والسكون والقدرة الإلهية، وإبراهيم بن سيار النظام، المتوفى نحو 231هـ/845م، صاحب نظرية “الطفرة” وآراء متميزة في الحركة والطبيعة ونقد الذرية. وينتمي إلى هذه البيئة الجاحظ، نحو 776–868/869م، الذي لا أصنفه فيلسوفًا بالمعنى الاصطلاحي، غير أن نصوصه في الإنسان والحيوان والطبيعة والمجتمع والمعرفة تعكس عقلانية بصرية خصبة. ثم ظهر أبو علي الجبائي، 849–915م، وأبو هاشم الجبائي، نحو 888–933م، صاحب نظرية “الأحوال”. ويمثل الجاحظ اسما أساسيا، لا يجوز إغفاله عند الحديث عن مدرسة البصرة. أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (نحو 160–255هـ / 776–868م) من أبرز أعلام العقلانية البصرية في العصر العباسي، وهو معتزلي الصلة والتكوين، جمع بين الأدب والكلام والنظر في الإنسان والمجتمع والطبيعة والحيوان واللغة. تظهر في كتبه، ولا سيما “الحيوان” و”البيان والتبيين” و”البخلاء” ورسائله، نزعة عقلية تجريبية دقيقة، واهتمام بالملاحظة والسببية والبيئة والطبائع، إلى جانب تحليل السلوك الإنساني والاجتماعي. لا يصح تصنيفه فيلسوفًا بالمعنى الاصطلاحي الذي ينطبق على الكندي أو الفارابي، غير أن حضوره ضروري في تاريخ الفكر العقلي والفلسفي في البصرة، ويمثل أحد أبرز وجوه امتزاج الكلام والأدب والنظر العقلي فيها. وتكون أبو الحسن الأشعري، 874–936م، في مدرسة الاعتزال البصرية قبل أن ينفصل عنها ويؤسس اتجاهًا كلاميًا آخر. وفي القرن الرابع الهجري ظهرت جماعة إخوان الصفا وخلان الوفا، أصحاب “رسائل إخوان الصفا”، وهي واحدة من أوسع الموسوعات الفلسفية في التراث العربي الإسلامي، إذ جمعت الرياضيات والموسيقى والمنطق والطبيعيات والنفس والأخلاق والسياسة والإلهيات، واستوعبت مكونات فيثاغورية وأفلاطونية محدثة وأرسطية ودينية.
1
10
لبثت اللغة أحد أسرار تفوق الإنسان؛ لأنها الفضاء الذي يتشكل فيه المعنى، ويصوغ فيه أساطيره وسردياته المشتركة، التي ربطت ملايين الغرباء بشبكات واسعة من التعاون والتضامن وتبادل المصالح. في فضاء الأسطورة تبلورت ثقافات وآداب وفنون، وغذت الأساطير المتخيّل الديني، ورسخت بعض صوره في لاشعور الإنسان، وأسهمت في امتدادها عبر التاريخ. حفظت الأساطير الذاكرة والهوية، وصاغت الصور الكبرى التي فهم الإنسان من خلالها ذاته والعالم وموقعه في الوجود، ومنحت الجماعات سرديات مشتركة يتماسك بها وعيها الجمعي. بمرور الزمن استحوذت بعض التأويلات الدينية على مجالات متنوعة من الحياة، وضيّقت فاعلية العقل والخبرات البشرية، حين تحولت إلى يقينيات مغلقة تعطل السؤال، وتحد من حرية التفكير، وتمنع الإنسان من إعادة النظر في فهمه للعالم والحياة في ضوء ما يهديه إليه عقله وعلومه وخبراته. هكذا تكون اللغة قوة رمزية تصوغ الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل صورة العالم، وتمكن الإنسان من تحويل خوفه وقلقه وأسئلته الوجودية إلى حكايات ورموز ومعانٍ تتوارثها الأجيال. غدت اللغة قوة رمزية تصوغ الوعي الجمعي، وتمكن الجماعات من تخيل عالم مشترك، تنشأ فيه الحضارات، وتنتظم العلاقات، وتتراكم المعارف والآداب والفنون والقيم. بها حول الإنسان خوفه إلى حكاية، وتجربته إلى معرفة، وقلقه الوجودي إلى سؤال عن المعنى. لم تحبسه اللغة في الواقع، فقد فتحت أمامه أفق الممكن، فاستطاع تخيّل حياة أكثر أمنًا وعدلًا وجمالًا، وتحويل خياله إلى مشروعات ومؤسسات ومنجزات. في اللغة تتحول الواقعة العابرة إلى خبرة ذات معنى، والإحساس الغامض إلى وعي يمكن التعبير عنه، والتجربة الفردية إلى ذاكرة قابلة للمشاركة والتوارث. تسهم اللغة في بناء صورة العالم داخل الوعي، وتصوغ علاقة الإنسان بذاته والآخر والطبيعة والوجود. من خلالها يتجاوز الإنسان أسر اللحظة الحاضرة، فيستعيد الماضي، ويتخيل المستقبل، ويفكر في الممكن، ويبتكر بدائل لما هو قائم. هكذا تحرره اللغة من الارتهان للواقع، وتفتح أمامه أفق ما يمكن أن يكون، وتمنحه القدرة على تعريف ذاته، وإعادة فهم العالم وتغيير موقعه فيه. https://alsabaah.iq/137104-.html
131
11
العالم كما ترسمه اللغة د. عبد الجبار الرفاعي ظهر الإنسان العاقل، في صورته البيولوجية الحديثة، عبر مسار تطوري يعود إلى نحو ثلاثمئة ألف سنة، كما يقول الخبراء. غير أن قدرته اللغوية تطورت بالتدريج مع تطور دماغه وتعقد حياته الاجتماعية واتساع وعيه بذاته والعالم. لم تظل اللغة وسيلة للتفاهم، إذ غدت أفقًا تتكون فيه الخبرة، ونظامًا رمزيًا تتشكل فيه معاني الكائنات والأشياء والوجود. تمنح اللغة العالم أسماءه وصوره ودلالاته، وتعيد بناءه في الوعي والذاكرة والخيال؛ فما لا اسم له يظل مبهمًا غائمًا في الإدراك، وما تمنحه اسمًا يغدو قابلًا للفهم والتأويل والتداول. لا تنقل اللغة العالم كما هو، فهي تنتقي منه وتصنفه وتعيد ترتيب عناصره، وتكشف وجوهًا وتحجب أخرى تبعًا لثقافة المجتمع ودينه ونمط عيشه وتاريخه. يصنع الإنسان اللغة بقدر ما تصنعه؛ يبتكر ألفاظها ودلالاتها، وتصوغ تفكيره ورؤيته لذاته وللآخر والعالم. تسهم اللغة في توجيه إدراك الإنسان، فتحدد ما يراه وما يغفل عنه؛ متى اتسعت اللغة اتسع عالم الإنسان، ومتى ضاقت ضاقت آفاق رؤيته. لا يسكن الإنسان العالم الطبيعي وحده، بل يسكن أيضًا عالمًا تشيّده اللغة والرموز والخيال، وتحفظ فيه خبراته وذاكرته وقيمه وأحلامه. باللغة يختزن تجاربه، وينقلها إلى الأجيال، ويحول الخبرة الفردية العابرة إلى ذاكرة جمعية متراكمة. هكذا غدت اللغة شرطًا لتشكل الثقافة، ونمو المعرفة، وتطور الحضارة، وبناء الهوية، وحضور الأديان وانتشارها؛ فهي ليست مجرد أداة يستعملها الإنسان، وإنما أفق يسكنه، ويرى فيه ذاته والعالم والوجود. في فضاء اللغة صيغت القوانين، وانتظمت العلاقات والمصالح والمعاملات، وتأسست السلطات والدول والسياسات، وأعلنت القيم الأخلاقية عن أثرها في حياة الفرد والمجتمع، وتشكلت الهوية عبر السرد والخيال والذاكرة الجمعية، وبشّرت الأديان برسالاتها. غدت اللغة نظامًا ينتظم فيه العالم البشري، وتتكون صوره ودلالاته. يتجلى وعي الإنسان بذاته والآخر والعالم من خلالها، فهي حاضنة خبرته، والمشاركة في إنتاج رؤيته للوجود. باللغة يحفظ الإنسان الماضي، ويفسر الحاضر، ويتخيل المستقبل، وتنقل الأجيال معارفها وقيمها ورموزها وأديانها وثقافاتها من عصر إلى آخر. لا تتولد اللغة وتتطور خارج حياة الإنسان وخبراته وعلومه ومعارفه وثقافته وأديانه؛ فهي تتسع مع اتساع وعيه، وتتجدد بتراكم معارفه وتحول رؤيته للعالم وتبدل أنماط عيشه. بدأت اللغة استجابة لحاجة الإنسان إلى التواصل والإشارة والتعبير، واقترنت في طورها الشفاهي المبكر بالإيماءة والإيقاع، فتكونت فيها البذور الأولى للرمز والخيال والسرد. من هذه البذور تفتحت لغة الدين ولغات الشعر والأدب والفلسفة والعلم، تعبيرًا عن تطور وعي الإنسان، وسعيه إلى فهم ذاته والعالم، وتسمية خبراته ومفاهيمه، والإجابة عن أسئلة وجوده. لا يتحدد ثراء اللغة بكثرة مفرداتها وحدها، فثراؤها يتجلى في توالد دلالاتها، وتجدد مجازاتها، واتساع قدرتها على التعبير عن الخبرات الجديدة، وبناء المعنى وتأويل الوجود. كل تحول عميق في وعي الإنسان يترك أثره في لغته، مثلما يعيد كل تحول في اللغة تشكيل وعيه ورؤيته لذاته والعالم. تتسع اللغة وتتطور من التعبير الأولي البسيط إلى أفق حضاري تتجلى فيه خبرة الإنسان التاريخية، وينكشف له العالم بما تمنحه من أسماء ودلالات وصور ورموز. لا يقوم التاريخ على الوقائع وحدها، وإنما يتكون في اللغة، ويستعيد حضوره في السرد والتأويل والذاكرة والمتخيل والهوية. لا تحضر الأحداث في وعي الإنسان كما وقعت، بل كما يرويها ويفسرها ويسردها ويمنحها معانيها، وفقًا لما يعيد المتخيل بناءه في فضاء اللغة. هكذا تغدو اللغة أفقًا تتشكل فيه صورة الماضي، ويصوغ الإنسان من خلاله رؤيته لذاته والعالم والمستقبل. تنقضي الوقائع، غير أن اللغة تحفظ آثارها، وتعيد ترتيبها وتأويلها، وتمنحها دلالات جديدة، وقد تحول حدثًا عابرًا إلى رمز حي في الذاكرة الجمعية، أو تهمشه وتسقطه في قاع النسيان. لا يستعيد الإنسان الماضي كما وقع، وإنما يستحضره كما ترويه اللغة، وتنتقي وقائعه، وتربط بينها، وتصبغها بمعاني الحاضر وأسئلته ومصالحه. كل سرد يعيد بناء الماضي من زاوية مخصوصة، فيضيء وقائع ويحجب أخرى، ويمنح بعض الشخصيات والأحداث حضورًا يتجاوز حضورها الواقعي ومواقفها في التاريخ. مَن يمتلك سلطة السرد يمتلك قدرة واسعة على صياغة صورة الماضي، وتوجيه فهم الحاضر، ورسم آفاق المستقبل؛ فالهيمنة لا تُمارس بالقوة وحدها، وإنما تمارس أيضًا عبر الكلمات التي تسمي الأشياء، والحكايات التي تصنع الذاكرة، والصور التي تشكل الهوية والمتخيل الجمعي. من هنا تصبح اللغة ميدانًا للصراع على المعنى والذاكرة والهوية، ويغدو تحرير الوعي متوقفًا على قراءة نقدية تكشف ما يخفيه السرد، مثلما تكتشف ما يعلنه.
113
12
Matn yo'q...
106
13
التّجربة الصّوفية بين طه عبد الرّحمان و عبد الجبّار الرّفاعي سعيدي زكرياء، جامعة أبو بكر بلقايد، تلمسان، الجزائر. يهدف هذا البحث إلى إبراز مدى النظرات التّجديدية التي أسهم بها الكاتبان الكبيران طه عبد الرحمان وعبد الجبار الرفاعي في ميدان من ميادين التجارب الإنسانية : التصوّف، وقد بيّنا في هذا البحث أنّ ملامح التجديد بدأت في إعادة التّأصيل لمفهوم التصوّف وتخليصه من التّشويه الممنهج الذي طاله من جهات عديدة نتيجة عدم القراءة الكافية في هذا الحقل المعرفيّ أو التحيّز الإيبستيمي ضدّه، كما أبرزنا الوسائل التي اعتمداها والمناهج التي سلكاها لأجل إعادة تأثيل هذا المجال الخصب وتعميمه على كافّة النشاط الإنساني. وقد خلصنا إلى أنّ قراءتهما الجديدة للتصوّف تستحقّ التأمّل والإعتبار كونها قراءة تثويرية لهذا المجال الحيويّ الملازم للإنسان المتديّن في كافّة أطواره التاريخية. مجلة الحكمة للدراسات الفلسفية Volume 14, Numéro 2, Pages 652-664 2026-06-01 https://asjp.cerist.dz/en/article/293113
163
14
التّجربة_الصّوفية_بين_طه_عبد_الرّحمان_و_عبد_الجبّار_الرّفاعي.pdf
150
15
فالهرمنيوطيقا نشأت فى سياق لغوى ومجال تداولى لاتيني، ولا يمكن تصنيع نسخة عربية مرادفة لها، وانما يمكننا توطين المصطلح ذاته فى السياق التداولى للغة العربية وغيرها من اللغات، مثلما اتسعت العربية وغيرها من قبل للمعجم الاصطلاحى - كما هو - للفلسفة والمعارف اليونانية وغيرها. فى ضوء ما ذكرناه لا يرادف مصطلح »الهرمنيوطيقا« مصطلح »التأويل« أو غيره، لأن معنى الهرمنيوطيقا لا يرادف معنى التأويل، لا وفقاً لفهم شلاير ماخر لها، أو فهم دلتاي، ولا وفقاً لفهم هيدغر وغادامير، ولا وفقا لفهم ريكور وهيرش وغيرهما. الهرمنيوطيقا والتأويل متوازيان لا مترادفان. والتوازى غير الترادف. مقدمة كتاب: الهرمنيوطيقا والتفسير الدينى للعالم. وهو الجزء الخامس من: موسوعة فلسفة الدين، إعداد وتحرير: د. عبدالجبار الرفاعي. https://gate.ahram.org.eg/daily/News/202238/4/590034/قضايا-واراء/الهرمنيوطيقا-والتأويل-متوازيان-لا-مترادفان.aspx
254
16
ومعنى أن تصبح النصوصُ المقدسة معاصرةً لنا، هو أن فى كلَّ نص هامشاً حرّاً مفتوحا للقراءة الجديدة، وهو ما يمنح هذا النص إمكانات تخطى المسافات، وعبور غربة الزمان، وتموضعه فى مختلف الآفاق التاريخية. وذلك هو سرّ أبدية هذه النصوص، والذى لولاه لاختفت فور اغترابها عن أفقها التاريخي. رغم ذلك يصر مفسرو النص على إنجاز »قراءة تزامنية للنص«، قراءة تتموضع فى عصره، وتحكى مدلولَه لحظة انبثاقه، لكن ربما يتعذر فى عصرنا إنتاج مثل هذه القراءة، لأن النص بعد ولادته لا تحتكر معناه لحظةُ الولادة، فبعد أن ينخرط فى التاريخ يمسى فهمُه مواكباً لكل مرحلة من مراحل عمره، أى إنه فى المراحل اللاحقة ينتقل إلى فضاء فهم غير الفضاء الذى انبثق فيه، ما يعنى أن القراءات الآتية توجه بناءَ دلالاته وفهمه، وكلُّ قراءة تحيل إلى نمط رؤية زمانها للعالم، وتخضع لسياقات عصرها المعرفية، ولا تكون غريبةً عن النمط الوجودى لعالمها. فالهرمنيوطيقا ضرب من ترجمة النص المقدس وتحيينه عبر نقله من سياقات اللغة فى عصر النزول والتدوين إلى سياقات اللغة فى عصر التلقي؛ لأنها تبتنى على فرضية: أن ليس هناك فهمٌ نهائيٌ للنص، فكلُ قراءة تاريخية، ترتسم فيها بصمة القارئ، وتتلون بتضاريس عالمه. الهرمنيوطيقا قراءة للنص تعلن نسبيةَ كلّ فهم وانتماءَه للأفق التاريخى الذى يولد فيه، ففى كل محطة من محطات تاريخ النص ينبثق فهمٌ جديد. ما يعنى أنه لم يعد هناك فهمٌ بشرى مطلق للنص يخترق التاريخ، ويتعالى على أحوال الانسان، ويستقل عن طبائع العمران، ولا ترتسم فيه ألوان الزمان والمكان. يشير تاريخ الهرمنيوطيقا الى أنها ظهرت مع شلاير ماخر بمفهومها الجديد الذى يتلخص فى كونها: فن الفهم، أو فهم الفهم، أو معرفة الفهم، أو تشريح عملية الفهم، أو قراءة القراءة، إذ تنشد تحليلَ كيفية تلقى القارئ للمعني، وبيان ماهية فهمه، وما الذى يحدث عند فعل القراءة. فهى تفسير وتحليل لما يحدث فى الذهن لحظة فهم النص. إنها تُحلّل كيفيةَ وطبيعةَ تشكّل المعرفة لدى القارئ حين يقرأ النص، وهى بذلك تنتمى للعصر الحديث الذى ظل يثريها ويكرسها فيه التفاعل بين الفلسفة والمكاسب الجديدة للعلوم والمعارف الانسانية المتنوعة، واستلهام وتمثل معطيات كل منها للآخر. ومع كل من مارتن هيدغر وهانس جورج غادامر رفعت الهرمنيوطيقا بطابعها الفلسفى تفسيرَ الوجود والحياة والعالم والنصوص إلى الأفق الفلسفي، بمعنى أنها لم تتوقف عند قراءة النصوص والتراث الكتابى والشفاهي، بل ارتقت الى قراءة الوجود والعالم والذات والحياة والأشياء والتاريخ والأفعال والأحوال والعلوم والمعارف والفنون والآداب والنصوص المختلفة. وبعد أن ارتقى الفهم فى الهرمنيوطيقا الفلسفية إلى أن يكون حدثاً أنطولوجياً أصبح أساسُ الفهم هو الحياة والذات، وكلّ ما تحفل به أنماط وجودها وتاريخها ومشروطياته الزمانية والمكانية المتنوعة، بمعنى أنها اتسعت فتخطت فقهَ النصوص إلى فهم الوجود والذات. التأويل: أما التأويل بمفهومه الموروث فقد ظهر فى السياق الاسلامى مبكراً، وهو بذلك ينتمى للتراث ممثلا بعلوم الدين والمعارف الاسلامية، كعلم الكلام وعلوم القرآن، أو علوم اللغة وآدابها، ولم تتخط مداراته منذ نشأته فقهَ النصوص، إذ يتوقف بمفهومه الموروث عند قراءة وتفسير النصوص مدونةً وملفوظةً. وفى الوقت الذى يبدأ فيه التأويل بالنص وينتهى بالنص، ويظل يدور فى آفاق ما يقوله النص، لا تهمل الهرمنيوطيقا كما أوضحنا لحظةَ ظهور النص، بل تحاول أن تستأنف هذه اللحظة، كيما تتعرف على الفضاء المجتمعى للفهم الذى واكب تشكّلَ النص، وكيف تخطاه فهمُ النص فى العصور التالية. بمعنى أنها تسعى لتضيء ما يكتنف لحظةَ انبثاق النص من ذاتية المؤلف وسياقات بيئته، والظروف المختلفة المحيطة بتشكّل النص. وكأن الهرمنيوطيقى يتموضع لحظةَ ولادة النص، ويعمل على إيقاظ الأفق التاريخى لولادته، عبر تفحص أفق انتظار المتلقى وقتئذ، وكيفية فهمه للنص. وفى ضوء كون الكلمات تحيل إلى أحكام - حسب نيتشه - تحيل الكلمات عضوياً إلى رؤية اللغة والثقافة المنتمية اليها للعالم، فكل مصطلح يشى بحمولة دلالية تتسع للنظرية والمنهج والمقولة والمفهوم والرأي، وبذلك فإن كلا من التأويل والهرمنيوطيقا يتسع لما يشى بشئ من ذلك، وهى بالضرورة ليست متطابقة، فنظرية التأويل أو نظرياته غير نظرية أو نظريات الهرمنيوطيقا، وهكذا المنهج أو المناهج التأويلية غير المنهج أو المناهج الهرمنيوطيقة، والمفاهيم والمقولات التأويلية غير المفاهيم والمقولات الهرمنيوطيقة. فالهرمنيوطيقا فى ولادتهها وتطورها ومجالات تداولها كمصطلح لا تتطابق مع التأويل، إن من حيث نشأة التأويل، أو استعمالاته وصيرورته فى سياق العلوم الاسلامية، ووفقا لأنطولوجيا اللغة - حسب هايدغر - لا يمكن نقل المصطلحات من مجالها التداولي، فى لغتها المشتقة منها الى لغة أخري، بانتخاب لفظ مقابل لها.
193
17
الهرمنيوطيقا والتأويل متوازيان لا مترادفان عبدالجبار الرفاعى إلى رائد الدرس الهرمنيوطيقى بالعربية الشيخ أمين الخولى عرفاناً بجهوده وتلامذته فى مدرسة الأمناء. تسهم المنابعُ المضمرة فى صياغة مقولات المتكلمين، وتكوين آراء المفسرين، واستنباط فتاوى الفقهاء، إلّا أن مناهجَ قراءة النص الدينى وأدواتِ النظر الموروثة لا تكشف عنها، فالرؤيةُ للعالم التى يتبناها المتكلمُ والمفسّر والفقيه مثلا، ونمطُ إيمانه ومعتقداتُه، ومحيطُه وثقافته، تعمل على فرض موقف يتناغم معها، فلو كان معتزلياً أو أشعرياً أو إمامياً أو ماتريدياً أو أباضياً، يبدو له معنى النص على وفق رؤيته الاعتقادية. ويمكن اكتشاف ذلك فى مدونات التراث كلها، بما فيها مدونات التصوف واللغة والأدب. نتعرف عبر المناهج الجديدة للقراءة على أن سياقات إنتاج المعنى فى مدونات علم الكلام، والتفسير، والفقه، والتصوف، والأخلاق، ترتبط بأحكام الباحث المسبقة، وكيفية تربيته، وطبيعة عصره، وموطنه، وبيئته، ومجتمعه، واثنيته، وثقافته، وخبراته الحياتية المتنوعة.كل هذه العوامل ذات تأثير فى تكوين فهمه. فالفقية مثلاً ترتبط فتاواه عضوياً، مضافا إلى ما سبق، بكيفية فهمه لمساحة الدين وحدوده وما يغطيه من مديات ومجالات الحياة. وذلك ما ترشدنا إليه الهرمنيوطيقا، إذ تشرح لنا كيف أن الكلمة تتراكم عليها طبقات،كأنها طبقات جيولوجية، وبمرور الزمن تضاف دلالات أخرى للكلمة حول نواة المعنى الأول. وتتناسب هذه الطبقات، كماً وكيفاً، مع: عمر الكلمة، وتطور دلالاتها، وتنوع استعمالاتها عبر التاريخ. وكأنها طبقات عمر الشجرة فى ألف سنة، أو طبقات جيولوجية لصخرة بعمر مليون سنة. الهرمنيوطيقيون بمثابة جيلوجيين يكتشفون طبقات فهم تتكدس لتحجب عنا بؤرةَ المعني، أى إنهم يحددون الأنساب والجذور الزمنية لانتماء كل طبقة للفهم، وكيف تتضخم لتطمر المعني، ويتعرفون على عمرها، وطبيعة العصر الذى توالدت فيه كل واحدة من الدلالات. إنهم يضيؤون صيرورةَ دلالة الكلمة عبر الزمان، وكيفية تشكّل معناها عند كل محطة فى فضاء علاقات السلطة والمعرفة، وأفق انتظار المتلقي، وأحكامه المسبقة، ومعتقده، وثقافته، وبيئتة، وطبيعة الاكراهات المتنوعة التى توجه عمليةَ بناء الدلالة، وتصوغ نوعَ الفهم. وبذلك نستطيع أن نتعاطى مع المدونة التفسيرية والكلامية والفقهية الموروثة بوصفها معرفةً بشرية تنتمى إلى سياقات تلقى وقراءة النص الدينى فى مراحله المتنوعة. ما يعنى أن كلَّ عصر ينتج مدونتَه الخاصة، وهى مدونة لا يتسع كلُّ ما فيها للعصور كافة، ولا تستوعب عناصرُ الفهم فيها مختلف الآفاق التاريخية. الهرمنيوطيقا تعمل على مواءمة النص المقدس مع روح العصر، وتبوح براهنية معانيه فى سياق لغوى ومعرفى وثقافى ومجتمعى راهن. وتمنحنا رؤيةً رحبة تعيد اكتشافَ مقاصد القرآن، وتضئ بصيرتنا بما تنشده رسالةُ الوحى للانسان، فى ضوء الأفق التاريخى لواقعنا. الهرمنيوطيقا تؤشر إلى أن النصَّ المقدس كائنٌ حي، تنبعث حياتُه وتتجدد كلما تجددت قراءتُه. إنها محاولة لتحريرِ النص من حمولة التفسير التاريخية التى ينوء بثقلها، وتحجبه عن التواصل مع العصر الجديد، وعتقِهِ من سجون السياقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى كبّلته بفهمها ومشروطياتها التاريخية الخاصة، بعد أن انغلقت على نفسها، بنحو أمست تكرر الفهمَ ذاته الذى يحكى ثقافةً لم يعد انسانُها موجوداً اليوم، ولم تعد وقائعُ حياته المختلفة حاضرة. إن أردنا أن يسجل الدينُ حضوراً فاعلاً فى بناء وإخصاب الحياة الروحية والأخلاقية، فلا يتحقق ذلك إلّا بقراءة جديدة للنص الديني. وإن محاولات رفض هذه القراءة انما هو ضرب من معاندة التاريخ، وتعطيل تدفق المنبع الروحى والأخلاقى للوحي. مع الواقع الذى يعيشه انسان اليوم فإن النصوص عطشى لفهم يحكى رهانات حياة الانسان المعاصر ومتغيراتها المتنوعة. ومادامت النصوصُ مكبّلةً بآفاق انتظار المتلقين أمس، وأحكامِهم المسبقة، وسوءِ فهمهم، وما راكمته تلك الآفاق الخاصة من معانٍ تشبه زمانها، يصبح توظيفُ الهرمنيوطيقا ضرورةً يفرضها منحُ النص حياةً جديدة، لينفتح على آفاق انتظار المتلقين اليوم، ويتيح لهم مواكبةَ عالَم متحول لا يكرر منطقَ الماضى ورؤيته للعالم. تتراكمُ بمرور الزمان طبقاتُ الشروح والتفسيرات على النص الدينى المؤسِّس، حتى تسجنَه، وتسجنَ الانسانَ داخلَها. الهرمنيوطيقا رحيقُ الحريةِ، ذلك أنها تمنحُ الانسانَ والنصَ خلاصاً من تلك السجونِ والأسيجةِ. إنها وعدٌ بإنجاز فهم تتحقق من خلاله أُلفة مع الواقع، إذ تبتكر فهماً يتناغم مع أسئلة الحياة الجديدة. إنها ضوءٌ ينشد تحيينَ النص عبرَ قراءةٍ تدمجُه بالواقع ومتطلباته، بعد أن لبثَ طويلاً لا يقرؤه كثيرون إلّا فى الظلام. من هنا تصبح قراءةُ النصوص المقدسة فى ضوء أدوات ومناهج الهرمنيوطيقا ضرورةً يفرضها تحريرُها من الاغتراب عن الواقع، وتحقيقُ الانسجام بين هذه النصوص والقارئ.
98
18
إذ يحقق فعلُ القراءة هنا أُلفةَ القارئ للنص، أى إن القارئ مثلما يقرأ النصَّ يقرأ ذاتَه فى النص، لأنه يرى فى معنى النص ما يحيل إلي: عقيدة آمن بها، وأيديولوجيا تبناها، ومقولات شغف بها، وخبرة عاشها، وأفق انتظار يتطلع اليه. الهرمنيوطيقا تعمل على اختراق تلك الطبقات وتحرير فهم بديل فى سياق مواكب لمتطلبات هوية المسلم اليوم، كى لا تتصلب هذه الهوية، ولكى تنفتح على مكاسب العصر، وتتسع لاستيعاب ماهو مختلف. الهوية لم تعد أحاديةً، بل أضحت متعددة الأبعاد والوجوه، تتنوع وتتعدد أبعادها ووجوهها حسب المتغيرات المتدفقة باستمرار. استئناف الفهم التراثى للنص الدينى يفضى الى تصلب الهوية وتحجرها، وإخفاقها فى إعادة إنتاج ذاتها، فى سياق يواكب مستجدات العالم وتحولاته. كما تنجز الهرمنيوطيقا تفسيراً آخر لمفهوم الحقيقة، لا يكرر ما هو موروث، وانما يكشف عن الوجوه المتعددة للحقيقة، وأن ما يتجلى لكل شخص منها هو وجه من وجوهها. وكأن الحقيقة مرآة متعددة الوجوه، لا يرى من ينظر اليها أحدَ وجوهها فقط، بل يرتسم فيها شيءٌ من ملامح وجهه أيضاً. لقد أفضى التوكؤ على مناهج وأدوات جديدة فى قراءة النص الديني، والفهم المختلف للحقيقة، إلى نزع القناع عن التراث، ومساءلة التاريخ من جديد، وعبور الكثير من الاجتهادات التى تتحدث لغةَ زمانها فى تفسير النص، ولا يفهمها أى انسان يتحدث لغةَ زماننا. إلّا أن هذه الجهود واجهت مقاومةً عنيفة، إذ نعتها البعض بالعدوان على أمجاد الأمة، وطمس ماضيها المشرق، وجرى التشهير بكل باحث عَمَد الى إفشاء أسرار عمليات سوء فهم وتحريف وتزوير مفاهيم ومقولات ووقائع الماضي، أو حاول الكشفَ عن محاولات حذف وإقصاء معتقدات لا تتناغم مع الايديولوجيا التبجيلية التسلطية المهيمنة، أو سعى لإشهار المهمش والمسكوت عنه، أو فضح سطوةَ وقمع السائد والمتغلب فى التراث. وهكذا فإن كل قراءة للنص الدينى تتخطى التفسيرات المغلقة القديمة لا تمرّ من دون ضريبة. لذلك نجد الباحثين ممن يمتلكون خبرةً بمناهج القراءة الجديدة يهربون من توظيفها فى قراءة النص الديني، وغالباً ما يوظفونها فى قراءة النص الأدبى والأعمال الفنية والابداعية المختلفة الأخري،كأنهم يبحثون عن ملاذ يحتمون فيه من غضب أنصار التراث، لأن القراءة الجديدة للنص تجترح معانى لا تكرّر ما هو موروث من فهم للحقيقة الدينية، ذلك الفهم الذى تقدّس بمرور الزمن، وتوكأ عليه مفسّرو النص الدينى منذ عدة قرون، وتقدّس بعضهم تبعاً لتقديس ذلك الفهم. وانتهى ذلك إلى أن أكثر ما يُكتَب وينشر فى قضايا الدين والمجتمع والواقع لا يرقى الى متطلبات الفرد والمجتمع المسلم اليوم، وأكثر ما كُتِب أمس رغم أهمية شيء منه، إلا أنه لا يجيب عن شيء من أسئلتنا الكبيرة والحائرة اليوم. المؤسف أننا دائماً نذهب إلى الماضى نستفتيه فى إجابات أسئلة وحلول مشكلات أنتجها عالمُنا اليوم، وطالما خذلنا الماضى الذى أنجز إجاباتِه عن أسئلته وحلولهِ لمشكلاته الخاصة. لم يتنبه كثيرٌ من المختصين فى دراسة الدين والتراث إلى أن انسانَ اليوم غيرُ انسان الأمس، وأبديةَ أى نص مقدس تعنى أنه نصٌ ذو كثافة دلالية، إذ تتعدد وتتنوع دلالاتُه تبعاً لتنوع ظروف الانسان وأنماط حياته، وتبعاً لتنوع وتعدد سياقات التلقى عبر مختلف العصور. وإن الخلط بين سياقات عصر البعثة وسياقات عصرنا يخرج القرآنَ الكريم من حياتنا، ذلك أن سياقات تنزيله جاءت لتلبية احتياجات انسان الأمس، وهى تختلف عن سياقات تطبيقه أو تنزيله مجدداً على الحياة لتلبية احتياجات انسان اليوم المختلفة. الكثير من المفسرين تختلط لديه السياقات، فيعمم ما هو ظرفى تدبيرى تاريخى فى القرآن على كل ظرف وزمان ومكان، بينما يتطلب واقعُنا تفسيراً يتحدث الينا ويصغى لإيقاع عالمنا، وهو غير التفسير الذى كان يصغى لإيقاع عالم انسان عصر البعثة ويتحدث اليه، وهو ما نجده، على سبيل المثال، مع مفاهيم تداول السلطة والحقوق والحريات بالمعنى الجديد الذى لم يكن متداولا فى سياق الأفق التاريخى لعصر النزول. يفزع بعضُ دارسى الدين من الاختلاف فى فهم الدين والنص المقدس، فى حين أن مثلَ هذا الاختلاف حالةٌ بشرية لا تختص بديانة معينة، إذ ولد الاختلاف فى الفهم منذ وجود الانسان وظهور الدين فى حياته. افتراضُ ديانة فى الارض بنسخة واحدة كلامٌ غير واقعي، اذ لم تعرف البشريةُ ديانةً بنسخة واحدة أبداً، حتى فى ديانة آدم العائلية،كما تقص علينا التوراة والقرآن، فقد اختلف ولداه فيها حول فهم القربان. وهذا يعنى أن ليس هناك ديانة أو نص دينى خارج طرائق عيش الانسان وطبائع العمران، فالانسان يخضع لمشروطيات تفرض عليه نمطَ حياته وتؤثر فى سلوكه، وهي: الجسد، العقل، المشاعر، الغرائز، التربية، التعليم، اللغة، الثقافة، الدين، الاقتصاد، السلطة، التاريخ. ولا يتجسد الدين فى حياة الانسان إلّا تبعا لهذه المشروطيات. أى إن فهمَ الدين يتنوع بتنوع أنماط حياة الناس وطرائق عيشهم.
135
19
المكتبة العربية فقيرة في موضوع لغة الدين؛ إذ لا نكاد نقرأ فيها مؤلفات تعرّف بلغة الدين بأسلوب تعليمي، كما أن الكتابات المترجمة في هذا الموضوع لا تزال شحيحة جدًا، وما اطلعت عليه منها مكتوب بلغة لا تخلو من إبهام والتباس، تطغى فيها فقرات من آراء فلاسفة الدين واللسانيين الغربيين مبتورة من سياقها أحيانًا، مع شيءٍ من التعليقات التي تزيد من غموضها، ولم أعثر حتى اليوم على كتاب تعليمي في لغة الدين ضمن هذه المؤلفات. وما تزال دراسة لغة الدين منسية في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، مع أنها تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم النصوص الدينية وتعدد وتنوع قراءاتها.     مقدمة كتاب: "اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية"، د. عبد الجبار الرفاعي، صدر الكتاب عن مركز دراسات فلسفة الدين، ودار نابو ببغداد.   https://al-aalem.com/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D9%88%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%88%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D8%AA%D9%86/
211
20
أما "اللغة الدينية" فهي نتاج تراكم التاريخ المؤسسي للفقه وعلم الكلام، حيث يتحول الدين إلى منظومة مغلقة من الأحكام والمقولات العقائدية، تتمحور حول ضبط السلوك ومراقبة الاعتقاد، وتحجب البعد الوجودي والجمالي للغيب حين تفرغه من رموزه، وتحيله إلى مسلّمات ذهنية كأنها مومياءات محنطة. اللغة الدينية تصوغها الجماعة الدينية عبر الزمان لتشرح، وتفسّر، وتعلّم، وتقنّن؛ هي لغة المؤسسات الدينية، والمدارس، ومعاهد التعليم الديني، والمنابر، والكتب الدينية. حين تُختزل اللغة في قوالب كلامية وفقهية مغلقة تنكمش دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المعنى وإثراء الحياة الروحية. أما حين تتحرر وتستعيد طابعها الرمزي والروحي والجمالي، فإنها تستعيد طاقتها في الكشف عن آفاق الغيب، وتغدو ممرًا يعبر به الإنسان من ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى، فيعيش الإيمان حضورًا حيًا يتجدد بتجدد تجربته واتساع قلبه وانفتاحه على المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. "اللغة الدينية" صناعة بشرية، يعبّر بها الإنسان عن تفسيره للكتاب المؤسس، وفهمه للدين، وإيمانه به، وتمثله لقيمه، وممارسته لطقوسه وشعائره. تشمل هذه اللغة في الإسلام لغة علم الكلام والفقه والتفسير والوعظ والخطابة والتعليم الديني، ولغة الدعاء والمناجاة والذكر والابتهال، وما يعبّر به الإنسان عن تجاربه الروحية والشعورية. تنشأ هذه اللغة من قراءة النصوص الدينية وتفسيرها وتأويلها، ومن تفاعل الإنسان مع الدين في حياته الفردية والمجتمعية، فهي ثمرة فهم بشري، لا انعكاس مباشر للخطاب الإلهي في تعاليه ونقائه الأول، ولا تطابق لغة الكتاب المؤسس أو تمتلك مكانته.  تتشكل اللغة الدينية في أفق ثقافة الإنسان ومعارفه وتجاربه وبيئته وعصره، وتتأثر بالسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والمؤسسات الدينية، وتتعدد دلالاتها بتعدد المفسرين والمتكلمين والفقهاء والمذاهب والقراء والأزمنة والمجتمعات. لا تعبّر هذه اللغة عن المعنى الديني إلا في حدود ما ينكشف للقارئ وما يتيحه وعيه وأفقه الثقافي، فتظل نسبية متغيرة، قابلة للنقد والمراجعة والتصويب وإعادة البناء، تبعًا لتطور الوعي واتساع الخبرة. وقد تتحول، حين تحتكرها المؤسسة الدينية وتوظفها في صراعات الاستحواذ على المعنى والسلطة والثروة، إلى أداة لحماية الدين المؤسسي وتكريس نفوذه، فتختزل الدين في القوانين، وتهدر فاعلية في إرواء ظمأ الروح وإيقاظ الأخلاق، وتخبو بذلك جذوة الإيمان وطاقته الملهمة، ويغدو الدين منظومة اعتقادية مغلقة. وحين يخلط الإنسان بين اللغة الدينية ولغة الكتاب المؤسس، يضفي على فهمه البشري مكانة نصوص هذا الكتاب، ويرفع تفسيره النسبي إلى مرتبة الحقيقة النهائية، مع أن نصوص الكتاب أوسع من فهم المتدين، وأثرى من تفسيره. أما "لغة الإيمان": فهي نمط تعبيري من أنماط اللغة الدينية، يولد من تجربة المؤمن الروحية الحية وشعوره بصلته بالله، ويكشف عما يفيض في باطنه من رجاء وخوف وحب وطمأنينة وشوق وامتنان. تظهر هذه اللغة في الدعاء والمناجاة والابتهال والذكر والترانيم والشهادات الإيمانية، وفي التعبير عن التجارب الروحية. لا تتمثل وظيفة لغة الإيمان في إقامة البراهين المنطقية أو صياغة الأحكام التشريعية أو نقل المعارف الدينية؛ لأنها لغة اعتراف وبوح ونداء، تتكلم في فضاء الإيمان لا عنه، وتعبر عن حضور الله وأثره في وجدان الإنسان وحياته. لا تصف هذه اللغة التجربة الروحية من خارجها، وإنما تنطق بما يعيشه المؤمن في أعماقه، وتمنح خبرته الروحية صورة يمكن التعبير بها والتواصل من خلالها. تتسع في لغة الإيمان دلالات الرمز والاستعارة والصورة والإيحاء؛ لأن التجربة الإيمانية أعمق من أن تستوعبها العبارات التقريرية المباشرة، ويظل ما يعيشه القلب ويروي الروح فيها أغنى مما تستطيع الكلمات الإفصاح عنه. الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، إذ تبقى في كثير من موضوعاتها قريبة من اللغة العرفية المباشرة الواضحة، غير أن الرمزية تتكثّف حين تلامس هذه الكتب حقائق الغيب، فتغدو لغتها مشحونة بالإشارة أكثر من التصريح، وتلجأ إلى المجاز بدل البيان الحرفي، لأن الغيب لا يُقال بعبارة تقريرية، ولا يحاط به بحدود الألفاظ، وإنما يشار إليه بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات، وتفتح أفقًا يتسع لتجلياته في وعي الإنسان وتجربته.  أمّا حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس جغرافية، وجبال، وبحار، وأنهار، ومناخ، شمس وقمر وكواكب، وليل ونهار، وأمثالها، أو تتحدث عن النباتات، والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن النفس البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، والقيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد وأمثالها في الكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظلّ ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.  باستثناء الآيات الحاكية عن الغيب يمكن تفسير ما تتحدث عنه آيات القرآن الكريم ونصوص الكتب السماوية في الموضوعات المشار إليها في ضوء الفهم العرفي للغة. ودراسة ما تتحدث عنه الآيات، في ضوء المناهج العلمية التي تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظورها النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته ونصوص الكتب السماوية، والشخصيات التاريخية، والأقوام. لغة الدين أحد الأركان الأساسية في فلسفة الدين الحديثة. ومن أبرز مآزق الأديان إصرار أتباعها على أحادية قراءة نصوصها، واحتكار تفسيرها في معنى واحد أبدي، يُفرض على كل من يؤمن بها. دراسة لغة الدين تحررنا من وهم المعنى الواحد، وتكشف تعدد دلالات النص الديني وتنوع تفسيراته، تبعًا لاختلاف الأزمنة والثقافات وآفاق الانتظار والتلقي. فالنص الديني لا يتكلم خارج التاريخ، ولا يتلقى في فراغ، إذ يتشكل فهمه في فضاء لغة القارئ ومعارفه وأفق انتظاره وأسئلته وتجربته ورؤيته للعالم. وكل قراءة تستضيء بالنص، مثلما تحمل إليه شيئًا من عالم قارئها وأسئلة عصره. لهذا لا تنتهي دلالات النص الديني بقراءة واحدة، ولا تستنفدها معرفة مفسّر مهما اتسعت. في هذا الكتاب حاولت أن أتناول لغة الدين في سياق فلسفة الدين الحديثة، بأسلوب مدرسي واضح، أجيب فيه عن أسئلتي أولًا، كما هي عادتي في كتاباتي، وعن أسئلة متنوعة ما زالت تردني من قراء نابهين حول لغة الدين. لم أدّعِ أن ما أقدمه أجوبة نهائية، سعيت إلى فتح أفق للتفكير في هذه اللغة، والكشف عما تختزنه من طبقات دلالية، وما تتيحه من إمكانات للتأويل وتنوع الفهم. لذلك حرصت على شرح بعض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي انشغلت باللغة والتأويل، وأعدت التفكير في اللغة بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف من خلاله وجود الإنسان في العالم. رأيت أن عرض هذه الاتجاهات في الفصول الأولى ضروري لفهم لغة الدين، والتعريف بطبيعتها، وبيان تنوع المواقف في تفسيرها وتأويلها. حاولت في فصول الكتاب توضيح أن تفسير لغة الدين الحاكية عن الغيب لا يتحقق بالقراءة الحرفية، ولا بإهدار دلالتها، بل يتطلب اكتشاف منطقها الداخلي، والتمييز بين مستويات خطابها، والانتباه إلى صلة معانيها بأفق القارئ وسياقه التاريخي والثقافي وتجربته الروحية. أردت للكتاب أن يكون مدخلًا للتفكير في لغة الدين واكتشاف ثرائها الدلالي، وبيان أن تعدد تأويلاتها ينشأ من غنى بنيتها، وتنوع آفاق قرائها وعصورهم وتجاربهم وصورهم عن الله والإنسان والعالم. درستُ النحو وبعض علوم العربية سنوات طويلة في الحوزة، وتتلمذت فيه على عدد من الأساتذة، وتدرجت في دراسته من كتاب "الآجرومية" لابن آجروم، إلى "قطر الندى وبل الصدى" لابن هشام، ثم "شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك"، و"شرح ابن الناظم"، كما درستُ كما درستُ كتاب "مختصر المعاني" للتفتازاني في البلاغة. وتوليت تدريس أغلب هذه المتون عدة سنوات لمجموعات من الطلاب. واهتممت مبكرًا بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات. أحاول في هذا الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي رافقتني في تعلّم العربية وتعليمها، واستكشاف ما تتيحه المناهج اللغوية الحديثة من آفاق أرحب لاكتساب اللغة وفهمها وتعليمها. ويعود اهتمامي بدراسة لغة الدين إلى سنوات طويلة، إذ أصدرنا في عامي 2017 و2018 عددين من مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" خصصناهما لهذا الموضوع، كما خصصتُ الجزء السادس من: "موسوعة فلسفة الدين" للغة الدين. حررتُ الموسوعة، وصدرت سنة 2025 في ثمانية أجزاء عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وتتولى توزيعها دار الرافدين في بيروت. وما يزال هذا الحقل ينتظر حضورًا يتناسب وأهميته في الدراسات الدينية العربية. وكان سؤال لغة الدين، وما زال، يتجدد في ذهني ويعاود حضوره في كتاباتي؛ لأنه مدخل أساس لفهم النص الديني، وكيفية تعبيره عن الله والغيب، وحدود اللغة البشرية في تمثيل الحقيقة المتعالية. لا يصل المعنى الديني إلى الإنسان خارج اللغة، وحين يدخل الغيب فضاء اللغة يدخل أفق الفهم البشري، فتتعدد قراءاته وتأويلاته تبعًا لتعدد الثقافات والتجارب والأسئلة، واختلاف الأزمنة وآفاق الانتظار والتلقي.
149