uz
Feedback

Firibgarlarga uchmang! Telemetrio bunday kanallarni topadi va belgilaydi 👉 Belgini ko‘rmoqchi bo‘lsangiz, obuna bo‘ling

عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Kanalga Telegram’da o‘tish

مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ

Ko'proq ko'rsatish
3 648
Obunachilar
+224 soatlar
+27 kun
+1630 kun

Ma'lumotlar yuklanmoqda

Obunachilarni jalb qilish
Okt '26
Oktabr '26
+35
2 kanalda
Sentabr '26
+26
1 kanalda
Get PRO
Avgust '26
+25
0 kanalda
Get PRO
Iyul '26
+23
2 kanalda
Get PRO
Iyun '26
+16
1 kanalda
Get PRO
May '26
+18
1 kanalda
Get PRO
Aprel '26
+16
1 kanalda
Get PRO
Mart '26
+23
1 kanalda
Get PRO
Fevral '26
+41
1 kanalda
Get PRO
Yanvar '26
+33
1 kanalda
Get PRO
Dekabr '25
+36
1 kanalda
Get PRO
Noyabr '25
+42
2 kanalda
Get PRO
Oktabr '25
+30
1 kanalda
Get PRO
Sentabr '25
+33
0 kanalda
Get PRO
Avgust '25
+24
1 kanalda
Get PRO
Iyul '25
+27
1 kanalda
Get PRO
Iyun '25
+31
1 kanalda
Get PRO
May '25
+31
1 kanalda
Get PRO
Aprel '25
+21
0 kanalda
Get PRO
Mart '25
+48
1 kanalda
Get PRO
Fevral '25
+57
3 kanalda
Get PRO
Yanvar '25
+54
1 kanalda
Get PRO
Dekabr '24
+40
1 kanalda
Get PRO
Noyabr '24
+50
0 kanalda
Get PRO
Oktabr '24
+345
1 kanalda
Get PRO
Sentabr '24
+45
2 kanalda
Get PRO
Avgust '24
+47
1 kanalda
Get PRO
Iyul '24
+70
3 kanalda
Get PRO
Iyun '24
+58
1 kanalda
Get PRO
May '24
+24
1 kanalda
Get PRO
Aprel '24
+42
1 kanalda
Get PRO
Mart '24
+38
0 kanalda
Get PRO
Fevral '24
+77
1 kanalda
Get PRO
Yanvar '24
+167
3 kanalda
Get PRO
Dekabr '23
+164
2 kanalda
Get PRO
Noyabr '23
+89
3 kanalda
Get PRO
Oktabr '23
+28
0 kanalda
Get PRO
Sentabr '23
+140
0 kanalda
Get PRO
Avgust '23
+805
0 kanalda
Get PRO
Iyul '23
+17
0 kanalda
Get PRO
Iyun '23
+21
0 kanalda
Get PRO
May '23
+19
0 kanalda
Get PRO
Aprel '23
+37
0 kanalda
Get PRO
Mart '23
+32
0 kanalda
Get PRO
Fevral '23
+75
0 kanalda
Get PRO
Yanvar '23
+15
0 kanalda
Get PRO
Dekabr '22
+21
0 kanalda
Get PRO
Noyabr '22
+27
0 kanalda
Get PRO
Oktabr '22
+23
0 kanalda
Get PRO
Sentabr '22
+23
0 kanalda
Get PRO
Avgust '22
+25
0 kanalda
Get PRO
Iyul '22
+20
0 kanalda
Get PRO
Iyun '22
+25
0 kanalda
Get PRO
May '22
+14
0 kanalda
Get PRO
Aprel '22
+39
0 kanalda
Get PRO
Mart '22
+14
0 kanalda
Get PRO
Fevral '22
+35
0 kanalda
Get PRO
Yanvar '22
+53
0 kanalda
Get PRO
Dekabr '21
+33
0 kanalda
Get PRO
Noyabr '21
+36
0 kanalda
Get PRO
Oktabr '21
+29
0 kanalda
Get PRO
Sentabr '21
+39
0 kanalda
Get PRO
Avgust '21
+39
0 kanalda
Get PRO
Iyul '21
+41
0 kanalda
Get PRO
Iyun '21
+17
0 kanalda
Get PRO
May '21
+41
0 kanalda
Get PRO
Aprel '21
+93
0 kanalda
Get PRO
Mart '21
+40
0 kanalda
Get PRO
Fevral '21
+163
0 kanalda
Get PRO
Yanvar '21
+35
0 kanalda
Get PRO
Dekabr '20
+2 176
0 kanalda
Sana
Obunachilarni jalb qilish
Esdaliklar
Kanallar
17 Oktabr+4
16 Oktabr+3
15 Oktabr+1
14 Oktabr0
13 Oktabr0
12 Oktabr+2
11 Oktabr+2
10 Oktabr+1
09 Oktabr+2
08 Oktabr+4
07 Oktabr+1
06 Oktabr0
05 Oktabr+2
04 Oktabr0
03 Oktabr+3
02 Oktabr+9
01 Oktabr+1
Kanal postlari
نقد التراث وتجديد الفكر الديني: الجابري والرفاعي نموذجًا بهاء سوادي منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، تتوالى دعوات إصلاح الفكر الديني وإحيائه وتجديده، وتتباين مناهجها وأدواتها في النقد والمراجعة. ويكشف تتبع مساراتها عن محاولات تستثمر هذه الدعوات في استمالة عواطف الناس، وتوظف المراوغات اللفظية لإزاحة أيديولوجيا وإحلال أخرى محلها، من دون مراجعة جادة للأسس التي تنتج الانغلاق والجمود. نستبعد من نقاشنا هذا النوع من المشاريع، ونركز على المشاريع التي تمنح النظر العقلي والحجاج النقدي موقعًا أساسيًا في مقاربتها للفكر الديني. ويمكن تصنيف هذه المشاريع، بحسب طبيعة النقد وأهدافه، إلى اتجاه يغلب عليه التفكيك والتقويض، وينشغل بكشف تناقضات الموروث ومساءلة مرجعياته، واتجاه يتجه نحو التركيب والبناء، ويسعى إلى تقديم فهم متجدد للدين وعلاقته بالإنسان والحياة. ويتداخل الاتجاهان في بعض المشاريع، إذ يمهد التفكيك لإعادة البناء، ويستند البناء إلى مراجعة نقدية لما سبقه. برز في الفكر العربي المعاصر مشروعان اهتما بمساءلة التراث ومرجعياته المعرفية، مع اختلاف مجال اشتغالهما وأولوياتهما: مشروع المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري، ومشروع المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي. انشغل الجابري بنقد العقل العربي وتحليل النظم المعرفية التي أسهمت في تكوينه، فيما ركز الرفاعي على تجديد الفكر الديني وإعادة النظر في أسس علم الكلام ومقولاته. وقد أخضع كلاهما الموروث للمساءلة والنقد، واختلفا في طبيعة المعالجة والأهداف التي توخاها كل مشروع. يغلب على مشروع الجابري تحليل البنى المعرفية ونقدها، في سياق سعيه إلى إعادة بناء العقل العربي على أسس عقلانية؛ لذلك يصعب اختزاله في التفكيك والتقويض. أما الرفاعي، فيتداخل في مشروعه نقد المنظومة الكلامية التقليدية مع بناء رؤية للدين تنطلق من إعادة تعريف الإنسان وحاجاته الوجودية، وتتخذ من المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي أفقًا لتجديد الفكر الديني. لكي يتضح المقصود بهذه المشاريع، ينبغي تحديد دلالات مصطلحات التقويض والتفكيك، والتركيب والبناء، كما نستعملها في هذا السياق. يشير التقويض إلى زعزعة الأسس والمسلمات والبداهات الراسخة، عبر مساءلة مشروعيتها والكشف عن مواطن الضعف والتناقض فيها. أما التفكيك، فيشير إلى قراءة نقدية لبنية الأفكار والأنظمة المعرفية، تكشف العلاقات التي تنتظم فيها، والافتراضات التي تستند إليها، وما تنطوي عليه من توترات وتناقضات. ويتداخل التفكيك والتقويض، مع اختلاف التركيز في كل منهما؛ إذ ينصب التفكيك على كيفية تشكل البنية واشتغالها، فيما يتجه التقويض إلى زعزعة الأسس التي تمنحها تماسكها وسلطتها. يتمثل التركيب في إعادة تنظيم العناصر والأفكار وربطها ضمن علاقات جديدة، بينما يتسع البناء ليشمل صياغة المفاهيم وتأسيس المرجعيات والمناهج التي ينهض عليها تصور معرفي جديد. ولا تقتضي هذه العمليات تعاقبًا ثابتًا، فقد يتداخل النقد مع البناء في المشروع الواحد، وقد تقود المراجعة إلى تجاوز بعض عناصر الموروث والاحتفاظ بعناصر أخرى بعد إعادة فهمها وصياغتها. اتخذ الجابري من نقد العقل العربي محورًا لمشروعه، فتجاوز نطاق الفكر الديني إلى مساءلة النظم المعرفية التي أسهمت في تشكيل الثقافة العربية الإسلامية. وسعى إلى تحرير العلاقة بالتراث من التسليم بسلطته، والدعوة إلى قراءته قراءة نقدية تستوعب شروط تشكله التاريخية، وتستثمر إمكاناته في التفكير والتجديد. وميز في تحليله بين ثلاثة أنظمة معرفية: البيان والعرفان والبرهان. يرتكز البيان، في تصنيفه، على اللغة والنص وآليات الاستدلال، ومنها القياس، ويتجلى في علوم اللغة والفقه وأصوله والكلام. ويستند العرفان إلى الكشف والإلهام والتأويل الباطني، بينما يقوم البرهان على الاستدلال العقلي المنضبط بقواعد المنطق، ولا سيما في صورته الأرسطية. درس الجابري علاقات التداخل والصراع بين هذه الأنظمة، وما أدته العوامل السياسية والأيديولوجية من أدوار في توجيهها. لا يستقيم القول إنه رأى العرفان والبرهان معًا ضحيتين للتهميش والإقصاء؛ فقد انتقد العرفان بشدة، وربط جانبًا من حضوره بما سماه "استقالة العقل"، في حين منح البرهان مكانة أساسية في مشروعه، واحتفى بمحاولات إعادة تأسيس العلاقة بين البيان والبرهان على أسس عقلانية، خاصة لدى ابن حزم وابن رشد والشاطبي. لذلك يحتل البناء موقعًا في مشروعه، ويتجلى في سعيه إلى تجديد أدوات التفكير وإعادة تنظيم العلاقة بالتراث. ومع ذلك، تختلف أولويات هذا المشروع عن أولويات مشروع الرفاعي؛ فبينما يتركز عمل الجابري على نقد النظم المعرفية وآليات إنتاج المعرفة، يتجه الرفاعي بصورة أوضح إلى إعادة تعريف الدين ووظيفته في حياة الإنسان، وتجديد المفاهيم الكلامية في ضوء حاجاته الوجودية والروحية والأخلاقية والجمالية.

2
انشغل الجابري بتحليل بنية العقل العربي، والكشف عن نظمه المعرفية وآليات إنتاج المعرفة فيه، ومساءلة سلطة المرجعيات الموروثة حين تتحول إلى عائق أمام التفكير والتجديد. واقترن هذا النقد بتوجه بنائي يسعى إلى ترسيخ العقلانية وإعادة تنظيم العلاقة بالتراث، عبر قراءة تستوعب شروط تشكله التاريخية وتستثمر إمكاناته في الحاضر. أما الرفاعي، فيتركز مشروعه على تجديد الفكر الديني، لا سيما تأسيس علم كلام جديد يعيد النظر في المفاهيم الاعتقادية ومرجعياتها المعرفية، وينفتح على الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. يتداخل في هذا المشروع نقد المقولات التقليدية مع إعادة بناء فهم الدين ووظيفته، انطلاقًا من معرفة الإنسان وحاجاته الوجودية، وما ينشده من معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته. يتضح الاختلاف بين المشروعين في طبيعة الأسئلة التي يمنحها كل منهما الأولوية، وفي المجال الذي يتجه إليه جهده البنائي؛ إذ يسعى الجابري إلى تجديد أدوات التفكير وتأسيس علاقة نقدية عقلانية بالتراث، بينما يتجه الرفاعي إلى تجديد الفهم الكلامي للدين، وإعادة وصل الإيمان بحياة الإنسان وكرامته وحريته. ويتيح هذا التمييز تقدير إسهام كل مشروع، مع الانتباه إلى أن النقد والبناء يحضران فيهما معًا، وإن اختلفت صورهما وحدودهما وغاياتهما. https://almothaqaf.com/aqlam-3/990495
87
3
وتكشف هذه المقارنة عن اختلاف في مركز الاهتمام وطبيعة البناء، مع اشتراك المشروعين في ممارسة النقد والسعي إلى التجديد. يجمع مشروع الرفاعي بين نقد الأسس المعرفية لعلم الكلام التقليدي، والعمل على بناء رؤية كلامية جديدة، ويتداخل هذان المساران في كتاباته؛ إذ يواكب نقد المفاهيم الموروثة اقتراح مفاهيم بديلة وإعادة تحديد وظيفة الدين في حياة الإنسان. ينصب نقده على المقولات والتفسيرات التي أنتجها المتكلمون في سياقات تاريخية محددة، ثم اكتسبت لدى أتباعهم سلطة جعلتها تتجاوز المساءلة والمراجعة. لذلك يميز بين الدين وطرائق فهمه، ويدعو إلى التعامل مع التراث الكلامي باعتباره معرفة بشرية تعكس أسئلة عصرها وحدود علومه وثقافته، وتحتاج إلىنقد علمي متجدد كلما تطورت معارف الإنسان وتغيرت ظروف حياته. ويتجه الجانب البنائي في مشروعه إلى تأسيس "علم كلام جديد" ينطلق من إعادة تعريف الإنسان، والتعرف إلى أبعاد شخصيته وحاجاته المتنوعة، والاستفادة من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في فهم حياته الدينية. وإعادة تعريف الدين، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف. في هذا السياق، يعيد الرفاعي النظر في وظيفة علم الكلام، ويوسع اهتمامه ليشمل أسئلة المعنى، والقلق الوجودي، والظمأ الأنطولوجي، والاغتراب الميتافيزيقي، وعلاقة الإيمان بالحرية والمساواة والكرامة الإنسانية. ويكثف تعريفه للدين الوجهة التي ينتظم فيها هذا البناء، إذ يقول: "الدين حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية إلى إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية". يضع هذا التعريف حاجة الإنسان إلى المعنى في صميم فهم الدين، ويربط حضوره بما يمنحه للحياة من عمق روحي، وما يلهمه من مسؤولية أخلاقية، وما يوقظه من إحساس بالجمال. يتجلى المعنى الروحي في تنمية صلة الإنسان بالله، وإثراء حياته الباطنية، وتغذية الأمل والسكينة في مواجهة الألم والفناء؛ ويتجلى المعنى الأخلاقي في حماية كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته، وتنمية الرحمة والمحبة والمسؤولية تجاه الآخرين؛ أما المعنى الجمالي فيتصل بقدرة الإيمان على تهذيب الذوق، وتنمية الإحساس بتجليات الجمال في الوجود والحياة والعلاقات الإنسانية. على هذا الأساس، تتضح دعوته إلى تدين روحي أخلاقي جمالي تتجسد آثاره في سلوك الإنسان وكيفية تعامله مع نفسه وغيره والعالم. ويغدو نقد الموروث في مشروعه جزءًا من جهد بنائي يعيد وصل المعرفة الدينية بحاجات الإنسان، ويختبر أثرها في إثراء حياته وحماية كرامته وحريته. كتبت سابقًا عن مشروع الرفاعي، ووصفت جهده بأنه استثنائي، لا سيما في سعيه إلى تأسيس علم كلام جديد. وتتضح خصوصية هذا الجهد في جمعه بين الاشتغال بفلسفة الدين وتجديد التفكير الكلامي؛ إذ يستثمر الأسئلة والمناهج الفلسفية والعلوم الإنسانية في مراجعة المقولات الكلامية، ثم يقدم رؤيته. لذلك تبدو العلاقة بين فيلسوف الدين والمتكلم الجديد في مشروعه علاقة تداخل وتكامل، ويصعب اختزالها في انتقال من موقع إلى آخر أو تعاقب مرحلتين منفصلتين. تمنحه فلسفة الدين أدوات لفهم الظاهرة الدينية وتحليل تمثلاتها ولغتها وطرائق إنتاج المعنى فيها، فيما يتجه اجتهاده الكلامي إلى إعادة بناء فهم الدين ومقولاته في ضوء معارف الإنسان وأسئلته المعاصرة. في هذا المسار، يسائل الرفاعي عددًا من المسلمات والبداهات الراسخة في المنظومة الكلامية التقليدية، ويفكك بنيتها المفاهيمية، ويكشف صلتها بالتصورات الفلسفية والمعرفية والظروف التاريخية التي نشأت فيها. ويواكب هذا النقد العقلاني عمل على إعادة النظر في المفاهيم الدينية الأساسية، وفي مقدمتها الوحي والنبوة، وما يتصل بهما من فهم الشريعة والتكليف، وحدود الوظيفة الدينية في حياة الإنسان. تحتل إعادة تعريف الوحي موقعًا تأسيسيًا في تصوره لعلم الكلام الجديد؛ لأن فهم الوحي يوجه فهم النبوة والنص الديني وطبيعة لغته ودلالاته، ويؤثر في تحديد مجال الدين وعلاقته بالعقل والخبرة البشرية. فكل تصور للوحي ينطوي على تصور لطبيعة الصلة بين الإلهي والبشري، ولموقع النبي في تلقي الوحي وإبلاغه، ولعلاقة النص باللغة والثقافة والتاريخ. وتمتد آثار مراجعة هذا المفهوم إلى طرائق قراءة النصوص وتأويلها، وإلى فهم الأحكام ومدى ارتباطها بسياقاتها، وتحديد ما يندرج في الهداية الروحية والأخلاقية، وما يتصل بتدبير الإنسان لشؤون حياته اعتمادًا على عقله وعلومه وخبراته المتراكمة. وبهذا المعنى، تمثل إعادة تعريف الوحي مدخلًا لإعادة بناء شبكة مترابطة من المفاهيم، ضمن رؤية تسعى إلى الاستجابة لحاجة الإنسان إلى الدين، وإلى حماية كرامته وحريته وحقه في التفكير والاختلاف. أسهم المشروعان إسهامًا مهمًا في تجديد الفكر العربي والإسلامي، مع اختلاف منطلقاتهما ومجالات اشتغالهما وأولوياتهما.
91
4
وحين تطارده مقاطع النجاح السريع والثراء المفاجئ والجسد المثالي والسعادة الدائمة، ينشأ في داخله قلق مزمن من ذاته، كأنه مقصر أبدًا، وأن حياته ناقصة لا تستحق الرضا، فيرهقه السعي إلى مثال متخيل يتعذر بلوغه. تتسلل الخوارزميات إلى اللاشعور الجمعي، ولا تقف آثارها عند حدود الفرد. عندما ترفع الأخبار المثيرة للخوف والغضب، تجعل المجتمع يعيش في توتر مستمر، وتدفع أفراده إلى رؤية الآخر مصدر تهديد دائم. عندما تكرر صور جماعة أو دين أو قومية في سياقات سلبية، تغرس في الوعي العام أحكامًا مسبقة، تتحول مع الزمن إلى صور نمطية راسخة يصعب اقتلاعها. وعندما تحاصر المستخدم بمحتويات متشابهة في السياسة والدين والهوية، تنشئ له عالمًا مغلقًا، يشعر داخله بأنه يرى الحقيقة كلها، مع أنه لا يرى إلا ما انتقته له الخوارزمية، فيفقد بالتدريج القدرة على الإصغاء إلى المختلف، وفهم تعقيد الواقع وتعدد وجوهه. وعندما تجعل الشهرة معيارًا للقيمة، يتحول الإنسان إلى كائن يستجدي الاعتراف بعدد المشاهدات والاعجابات والمتابعين، لا بعمق المعنى وصدق التجربة وأثرها في الحياة. عندئذ تصبح الذات معروضة باستمرار أمام أنظار الآخرين، ويغدو حضور الإنسان مرهونًا بانتباه عابر تمنحه المنصة أو تسحبه، فتضطرب صورته عن نفسه، ويستبد به خوف دائم من الغياب والنسيان. لا تبيع الخوارزمياتُ الإنسانَ السلع وحدها، بل تبيع له صورة متخيلة عن ذاته، ثم تشعره بأنها ناقصة، كي يظل مستهلكًا لا يشبع، ومطاردًا باعتراف لا يناله، وأسيرًا لرغبات تتجدد كلما ظن أنه بلغ غايتها. الخوارزميات سلطة خفية، لا تصدر أوامر مباشرة، لكنها تعيد تشكيل المشاعر، وتوجيه الانفعالات، والتحكم في الانتباه. أخطر ما تفعله أنها تمنح الإنسان وهم الحرية في اللحظة التي تضيّق فيها أفق اختياره، وتدفعه بهدوء إلى مسارات رسمتها سلفًا، فيختار ما اختارته له، ويرغب فيما صممته من أجله، ويتبنى أحكامًا يظن أنها ثمرة تفكيره الخاص، على الرغم من أنها من صناعة الخوارزميات. إنها سلطة تتخفى داخل الرغبة، وتتكلم بصوت الإنسان، وتستبدل الإكراه الظاهر بتوجيه ناعم لا يشعر معه بأنه خاضع. يحتاج الإنسان اليوم إلى يقظة عقلية نقدية، وقيم أخلاقية، تكشف ما تحجبه الخوارزميات، وتحرر وعيه من الاستلاب، وتعيد إليه حقه في السؤال والشك والتفكير الحر، وفي حماية عالمه الداخلي من الاختراق والتلاعب. كما يحتاج إلى استرداد صلته بذاته والآخرين والطبيعة والعالم خارج ما تفرضه شاشات السوق والسلطة؛ فالحرية لا تعني كثرة الخيارات المعروضة على الشاشة، وإنما تعني وعي الإنسان بمن يصنع هذه الخيارات، وبالمصالح الكامنة وراءها، وقدرته على تجاوزها وصوغ اختياراته وفقًا لقيمه وخبرته ورؤيته الخاصة للحياة. #عبدالجبار_الرفاعي https://alsabaah.iq/139766-.html
185
5
سلطة الخوارزميات الخفية د. عبد الجبار الرفاعي تفرض الخوارزميات على الإنسان أن يرى ما تريد له أن يراه، إذ تحاول أن تعيد تشكيل ذوقه واهتماماته ورؤيته للعالم من دون أن يشعر. ترصد الخوارزميات هواياته ورغباته واحتياجاته ومشاعره وانفعالاته وردود أفعاله وأنماط علاقاته، وتحاول أن تتعرف إلى سيكولوجية شخصيته وكيفية تفكيره، وتعمل على بناء ملف معلومات خاص به، وفي ضوء هذه المعلومات، تحاول أن تعيد تنميط حياته بما يتناغم مع متطلبات سياسات الشركات العملاقة وما تنشده من تسلط وانقياد طوعي ومكاسب مالية فاحشة. أخذت الأفكار المتداولة في العقول البشرية تصدر عن شبكات خوارزمية واسعة، تنتقي المحتوى، وترتب الأولويات، وتمنح بعض الأصوات حضورًا، وتحجب أصواتًا أخرى. وحين تغدو القيم والثقافة والآداب والفنون، التي تنقذ الإنسان من الشعور بالغربة الوجودية، نتاجًا لكيانات غير بشرية، يبدأ الإنسان بالانسحاب تدريجيًا من موقعه المحوري في التاريخ، ويدخل طورًا وجوديًا جديدًا يتحول فيه من منتج للمعنى إلى مستهلك له، ومن كائن يبتكر صور العالم إلى متلق يراقب نصوصًا وصورًا تصاغ له خارج خبرته ورؤيته. يكمن الخطر في أن يتنازل الإنسان للآلة عن حقه في السؤال والتخيل والتأويل وصناعة المعنى، وينفصل الإنسان عن اللغة التي تشكلت فيها معاني حياته. اللغة مأوى الوعي والخيال والذاكرة والهوية، والفضاء الذي يكتشف فيه الإنسان ذاته، ويصوغ خبرته، ويمنح وجوده معنى. أضحت لغة الخوارزميات سلطة مخيفة، تدجن الإنسان وفقًا لما ترمي إليه شركات الذكاء الاصطناعي والرأسمالية المتوحشة، وتدفعه إلى الانقياد لما تبثه من قناعات جاهزة ومفاهيم معلبة، فتوجه تفكيره، وتتلاعب بمشاعره وعواطفه، وترسم أحلامه وآماله وتطلعاته بما يخدم سعيها المحموم إلى مراكمة الأرباح. لم تعد الخوارزميات تكتفي بتنظيم ما يراه الإنسان على الشاشة، فقد صارت تعيد تشكيل ما يحبه، وتمنحه وهم الاختيار الحر، فيما تصنع اختياراته في الخفاء، وتحدد له ما يقرأ ويشاهد ويستهلك، ومَن يحب ويكره، وما يقبل ويرفض. حين تتحكم الرأسمالية المتوحشة في الخوارزميات، تعمل على إخضاع الإنسان لعبودية طوعية، لا يشعر معها بأنه مكره، لأنه يتلقى الأوامر في صورة رغبات شخصية، ويستجيب للإكراه متوهمًا أنه يمارس حريته. يتحقق ذلك عبر ما تراكمه الخوارزميات من صور وإعلانات وكلمات وإيحاءات ورموز تخدم أغراضها، ثم تحولها، بفعل التكرار، إلى بداهات مستقرة في الوعي واللاوعي، لا يسأل الإنسان عن مصدرها، ولا يتبنه إلى المصالح الكامنة وراءها. أخطر أنواع السلطة هي التي تختفي داخل اختيارات الإنسان، فتجعله يريد ما تريده له، ويفكر باللغة التي تصوغها، ويرى العالم من النافذة التي تفتحها أمامه. تتسلل #سلطة_الخوارزميات إلى اللاشعور، فتوجه المشاعر والأذواق والمخاوف، وتعيد تشكيل وعي الإنسان من حيث لا يشعر. تراقب اهتماماته، وتتعقب نزعاته، وتكتشف مواطن ضعفه، ثم تغذيها بصور وكلمات وإيحاءات تتكرر حتى تستقر في أعماقه، وتتحول إلى ميول وقناعات يظن أنها نابعة من ذاته. تصنع الخوارزميات رغباته، ثم تمنحه وهم أنه اختارها بإرادته الحرة، وتقوده إلى ما تريده الشركات من دون أن يشعر بالإكراه. أخطر ما تفعله هذه السلطة أنها لا تواجه الإنسان بأوامر ظاهرة، وإنما تتخفى داخل رغباته، وتتكلم بصوته، وتجعله يتبنى ما تمليه عليه، ويدافع عنه كأنه تعبير أصيل عن ذاته. عندئذ تفقد الحرية معناها، حين يختار الإنسان ما اختارته الخوارزميات له، ويرغب فيما صممته له، ويرى العالم من خلال نافذة لا يدرك من فتحها ولا الغاية التي تريد أن تقوده إليها. تحجب الخوارزميات عن الإنسان ما لا يستجيب لما يطلبه السوق ويراكم فيه الأرباح، وتعمل على إدارة عواطفه وتوجيه احتياجاته والتحكم في انتباهه. تنشئ حوله عالمًا مغلقًا، لا يرى فيه إلا ما يؤكد قناعاته السابقة، ويغذي مخاوفه وانحيازاته وأوهامه، فيتوهم أنه يشاهد العالم كما هو، فيما لا يشاهد إلا الصورة التي صاغتها له الخوارزميات. مع تكرار المحتوى نفسه، تضيق آفاق رؤيته، ويضعف استعداده للإصغاء إلى المختلف، ويتحول فضاؤه الرقمي إلى مرآة تعيد إليه صوته وأفكاره ورغباته. لا تكتفي الخوارزميات بتوجيه ما يراه الإنسان، وإنما تعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها العالم، وتمنحه وهم المعرفة والاختيار، في اللحظة التي تحاصره داخل واقع مصمم سلفًا لخدمة مصالح السوق. حين يتكرر أمام الإنسان خطاب الكراهية، يتطبع على قبول القسوة، ويألف العنف اللفظي والرمزي، ويتراجع إحساسه بآلام الآخرين، حتى يغدو التحقير والإقصاء سلوكًا عاديًا لا يثير ضميره. حين تغمره صور الاستهلاك والترف، يتسلل إليه شعور بالنقص واحتقار حياته اليومية، فيقيس قيمته بما يملك، ويقارن واقعه المحدود بصور منتقاة ومصطنعة لحياة الآخرين، فيفقد القدرة على الابتهاج بما لديه.
177
6
Matn yo'q...
167
7
أخطر أشكال السلطة ما يتخفى في اللغة، ويتسلل إلى الوعي في صورة مسلمات وقيم ومفاهيم تبدو محايدة. حين تستوطن لغة السلطة لاشعور ا
أخطر أشكال السلطة ما يتخفى في اللغة، ويتسلل إلى الوعي في صورة مسلمات وقيم ومفاهيم تبدو محايدة. حين تستوطن لغة السلطة لاشعور الإنسان، يتحول الرقيب الخارجي إلى رقيب داخلي؛ فيخشى أسئلته، ويقمع اختلافه، ويرى العالم بعينيها، ويتكلم بلسانها، وهو يتوهم أنه يعبر عن ذاته. لا تعمل السلطة بالقوة وحدها، بل تتغلغل لغتها في حياة الناس، وتشدهم إلى منظومة من المفاهيم والمعاني والقيم التي ترسخ حضورها، وتجعل رؤيتها للعالم تبدو محايدة. اللغة فضاء تتشكل فيه السلطة، وتعيد من خلاله إنتاج ذاتها، وتوجه طرائق التفكير والإحساس والمشاعر، وتحدد ما يجوز قوله وما ينبغي الصمت عنه. لكل سلطة معجمها الخاص وتسمياتها التي تعيد بها رسم الواقع وفقًا لمصالحها؛ لأن احتكار اللغة يفضي إلى احتكار نظام إنتاج المعنى، مَن يحتكر نظام إنتاج المعنى يمتلك سلطة خفية على الوعي. في اللغة تتخلق البنى الرمزية التي تمنح السلطة معناها، وتسوغ وجودها، وترسخ شرعيتها. لا تفرض السلطة حضورها بالقوة وحدها، إذ تحتاج إلى معجم يعيد تسمية أفعالها، وصور رمزية تكسبها القبول، وسرديات تقنع الناس بأن حكومتها ضرورية للأمن والتنمية، وأن الخضوع لها يضمن الاستقرار والحماية مما يهدد حياة المواطنين وعيشهم. تتغلغل لغة السلطة في التعليم والإعلام والقانون والخطابين السياسي والديني، فتشد الأفراد إلى منظومة من المعايير والشعارات التي تكرس هيمنتها، وتجعلهم يرون الواقع من خلال مفاهيمها وتسمياتها، ويحكمون على الأشياء وفقًا لمعاييرها… نص من الفصل الأول من كتاب: "اللغةً ولغة الدين". منشورات نابو #عبدالجبار_الرفاعي #سلطة_اللغة
263
8
المتخيل الديني يعمل على إنتاج صورة غير بشرية لمؤسسي الأديان.
المتخيل الديني يعمل على إنتاج صورة غير بشرية لمؤسسي الأديان.
400
9
‏لم ترد كلمة المقدس في القرآن الكريم وصفًا لأي إنسان.
‏لم ترد كلمة المقدس في القرآن الكريم وصفًا لأي إنسان.
495
10
‏الفرق بين الوهم والاسطورة والخيال.
‏الفرق بين الوهم والاسطورة والخيال.
1 722
11
نسيان دراسة المتخيل في كتابات الإصلاح والتجديد الإسلامي.
نسيان دراسة المتخيل في كتابات الإصلاح والتجديد الإسلامي.
540
12
اهتمامي بدراسة المتخيل يعود إلى 40 سنة
اهتمامي بدراسة المتخيل يعود إلى 40 سنة
488
13
‏تاريخ دراسة الخيال
‏تاريخ دراسة الخيال
506
14
‏كل دين يولد ولادة أولى على يد المؤسس، وولادة ثانية في التاريخ.
486
15
Matn yo'q...
526
16
‏كل دين يولد ولادة أولى على يد المؤسس، وولادة ثانية في التاريخ.
490
17
معنى #المتخيل وما يتوالد في فضائه.
معنى #المتخيل وما يتوالد في فضائه.
508
18
Matn yo'q...
525
19
الكلمة الدافئة لا تحول وجع الآخر إلى مناسبة للوعظ؛ صاحبها يصغي قبل أن يتكلم، ويتعرف إلى حاجة المتألم قبل أن يقدم له جوابًا. لا يحتاج الحزين دائمًا إلى نصائح وتفسيرات، قدر حاجته إلى حضور دافئ، ولا يحتاج الخائف إلى لوم، قدر حاجته إلى الطمأنينة، ولا يحتاج المخطئ إلى إدانة، قدر حاجته إلى مَن يوقظ وعيه ويصون كرامته. الإنصات كلام من نوع آخر؛ لأنه يمنح الإنسان مساحة آمنة يروي فيها حكايته بصوته، ويفصح عن هشاشته من دون خوف من السخرية أو التحقير. قد تكون جملة: "أنا أنصت إليك باهتمام"، أو: "أدرك أن هذا يؤلمك"، أبلغ أثرًا من خطاب طويل مثقل بالنصائح. تحتفظ ذاكرة الإنسان بالكلمات التي يسمعها في أوقات الانكسار؛ ربما ينسى تفاصيل الحادثة، ولا ينسى كلمة أهانته حين كان ضعيفًا، أو كلمة آمنت به حين تخلى عنه الجميع. تغطس بعض الكلمات في الذاكرة كجرح، ويلبث بعضها نورًا يبدد عتمة الذات. ربما أسهم معلم برسم خارطة حياة تلميذه حين قال له: "أرى فيك قدرة ذهنية لا تراها أنت، وأثق بأنك تستطيع تجاوز العقبات بنجاح"، وربما أعاد أب إلى ابنه ثقته بنفسه حين فصل بين خطئه وقيمته، فقال له: "ما فعلته لا يليق بك، غير أن خطأك لا ينتقص من قيمتك، ولا يطفئ حبي لك يابني". تهذيب اللغة تهذيب للذوق؛ الإنسان لا يحسن الكلام ما لم يدرب نفسه على رؤية الآخر بعين الرحمة، والإحساس بمكانته، وتأمل أثر كلمته في مشاعره قبل أن ينطق بها. تبدأ الرحمة باختيار الكلمة المهذبة، ونبرة أدائها، ومراعاة زمان المقال ومقامه.كلما تهذبت الكلمات اتسعت مساحة الأمان في العلاقات، واستطاع المرء أن يبوح بخوفه وألمه من دون خشية الإدانة. هكذا تصير اللغة مأوى للحزين، ويصير الكلام فعل عناية يرمم ما هدمته الكلمات والمواقف المؤذية، ويحمي الكرامة، ويعين المنكسر على استرداد ثقته بذاته. https://alsabaah.iq/138721-.html
518
20
تهذيب اللغة ضرب من الكرم الأخلاقي د. عبد الجبار الرفاعي يتجلى تهذيب المتحدث في اختيار الكلمة الدافئة، والهدوء في نبرة أدائها، وانتخاب اللحظة المناسبة لقولها. قد تكون العبارة صحيحة، غير أن قسوة صياغتها تجرح المخاطب، وقد تكون بسيطة، غير أن لطفها وحميميتها يبعثان الأمان في قلب المذعور. لا تتحدد قيمة الكلام بمضمونه وحده؛ السياق ونبرة الصوت وأثر الكلمات في مشاعر الآخر تكشف ما تحمله من احترام لشخصيته وخصوصيته وكرامته. تصير الكلمة فعل عناية حين تصدر عن صدق، وتعترف بالألم من دون محاكمة أو استخفاف، وتمنح المتألم فرصة للتعبير عن جرحه من غير خوف أو خجل. ليست كل حقيقة صالحة لأن تقال في كل وقت، ولا كل طريقة ملائمة لإبلاغها؛ الحكمة تقتضي مراعاة حال المخاطب ومقامه، وقدرته على الاحتمال، وحاجته إلى الطمأنينة. الحقيقة التي تفتقر إلى اللطف قد تتحول إلى أداة للإيذاء، والنصيحة التي تخلو من الرفق قد توقظ في النفس شعورًا بالمهانة، مهما كان مضمونها صائبًا. لا تمنح صحة الفكرة صاحبها حق إذلال الآخر، ولا تسوغ له اقتحام عالمه الداخلي أو الاستخفاف بمشاعره. ربما تجرح كلمة عابرة إنسانًا يثقل قلبه ألم لا نعرفه، وربما تنقذ كلمة رقيقة مَن استبد به الخوف وأرهقته الوحشة. تترك الكلمات آثارها في الذاكرة واللاوعي؛ تمضي الكلمة الجارحة ويبقى جرحها، وتلبث الكلمة المهذبة مصدر سكينة وثقة بالذات. تهذيب اللغة ضرب من الكرم الأخلاقي، المتكلم المهذب لا يستعرض تفوقه، ولا يتخذ من الكلمة سلطة للإدانة؛ يصغي قبل أن يحكم، ويتعرف إلى الإنسان قبل أن يصنفه. الإصغاء ضرب من الكرم الأخلاقي؛ لأنه يمنح الآخر حقه في أن يروي حكايته بصوته، ويفصح عن ألمه بلغته، من غير أن يحاصره المتكلم بأحكام جاهزة. حين تتهذب اللغة، تتراجع ألفاظ الاحتقار والإقصاء والتشهير، ويحل محلها خطاب يعترف بالاختلاف، ويصون الكرامة، ويفتح طريقًا للتفاهم. لذلك يكون تهذيب اللغة تهذيبًا للذوق، والعناية بالكلمات عناية بالإنسان؛ الكلام مسؤولية أخلاقية تكشف مقدار إنسانية المتكلم وأدبه، ومدى إحساسه بقيمة الآخر وحرصه على كرامته. لغة الحب والرفق حاجة أصيلة في حياة الإنسان، وليست ترفًا عاطفيًا. بكلماتها العذبة يسترد المرء شيئًا من سلامه الداخلي، ويتخفف من وحشته، ويشعر أن العالم يتسع لحضوره. حين تنبع الكلمة من ضمير أخلاقي، تبدد ما تراكم في الأعماق من قسوة، وتوقظ الرجاء، وتعين المنكسر على استرداد ثقته بذاته. لا يحتاج المتألم دائمًا إلى موعظة أو توصية أو حل جاهز؛ ربما يبدأ شفاؤه حين يتوقف الآخر عن الكلام ويصغي إليه باهتمام من دون استعلاء. الإصغاء الحاني اعتراف بالإنسان في لحظة ضعفه، وحضور يخفف عزلته ويعينه على حمل ما يثقل قلبه. ربما لا تبدد الكلمة الرقيقة قسوة الواقع، غير أنها تخفف وطأته، وتفتح في العتمة منفذًا للنور، وتمنح المتألم قدرة على مواصلة الحياة. لا تعني لغة الحب مجاملة زائفة، ولا صمتًا عن الخطأ، ولا إعفاء الإنسان من مسؤوليته؛ إذ يمكن للمرء أن يعترض من دون تسلط أو سخرية، وأن يصحح من دون فضيحة، وينبّه إلى الخطأ من دون أن يختزل صاحبه فيه. لا تنكر هذه اللغة الألم، ولا تستعجل شفاء المتألم؛ بل تعترف بما يكابده، وتمنحه الحق في الحزن والخوف والقلق. مَن يفقد عزيزًا لا يحتاج دائمًا إلى مواعظ تبشره بما بعد الموت، أو تطالبه بالصبر قبل أن يستوعب صدمته؛ يحتاج أولًا إلى مَن يقول له: "أشعر بفداحة ما أصابك، وأنا قريب منك، أتحسس حزنك ووجعك". المريض لا يحتاج إلى مَن يذكره بعجزه وهشاشته، يحتاج إلى كلمة تحمي صورته من التصدع، وتؤكد أن قيمته لا تنقص بمرضه، وأن حضوره يبقى عزيزًا مهما تبدلت أحواله. حين يفشل طالب في امتحان، أو يخسر إنسان عمله، أو تتعثر تجربة في حياته، قد تهدمه عبارة ساخرة: "أنت فاشل، لن تنجح أبدًا"، فيما تبعث فيه عبارة دافئة الثقة بذاته، حين تخاطبه: "لا تقلق، كانت هذه محاولة أولى، ستنجح في الآتية، مستقبلك واعد". يتجلى أثر اللغة في اللحظات التي يعجز فيها الإنسان عن حماية نفسه في حالات الفقر والشيخوخة والفقد والمرض والخوف والشعور بالذنب، آنذاك تمتلك الكلمة أحيانًا قدرة استثنائية على الحماية أو الإيذاء. ربما يقصد المريض طبيبًا وهو مذعور، فتضاعف عبارة حادة خوفه، فيما تبعث عبارة دافئة، تشرح حالته بتمهل، قدرته الكامنة على مواجهة المرض. وربما يعترف طفل بخطأ ارتكبه، فيهدم التوبيخ المهين ثقته بذاته، فيما يساعده التوجيه المهذب على إدراك خطئه من دون أن يفقد احترامه لنفسه. ثمة فرق بين أن نقول لإنسان: "أنت كاذب"، وأن نقول: "ما ذكرته يحتاج إلى تريث"؛ الأولى تحكم على شخصه، والثانية تنبهه إلى خطئه وتفتح أمامه مجالًا للتصحيح. فرق بين أن نخاطب تلميذ: "أنت غبي"، وأن نخاطبه: "إن لم تنجح هذه المحاولة، ستنجح في الآتية". كذلك يختلف قولنا لمن يعاني الاكتئاب: "أنت هش عاجز"، عن قولنا: "أدرك أن ما تمر به مرير، أنا ومَن يحبك معك في كل ما تحتاجه".
410