عبدالجبار الرفاعي
前往频道在 Telegram
3 640
订阅者
-124 小时
+37 天
-1730 天
数据加载中...
吸引订阅者
七月 '26
七月 '26
+21
在2个频道中
六月 '26
+16
在1个频道中
Get PRO
五月 '26
+18
在1个频道中
Get PRO
四月 '26
+16
在1个频道中
Get PRO
三月 '26
+23
在1个频道中
Get PRO
二月 '26
+41
在1个频道中
Get PRO
一月 '26
+33
在1个频道中
Get PRO
十二月 '25
+36
在1个频道中
Get PRO
十一月 '25
+42
在2个频道中
Get PRO
十月 '25
+30
在1个频道中
Get PRO
九月 '25
+33
在0个频道中
Get PRO
八月 '25
+24
在1个频道中
Get PRO
七月 '25
+27
在1个频道中
Get PRO
六月 '25
+31
在1个频道中
Get PRO
五月 '25
+31
在1个频道中
Get PRO
四月 '25
+21
在0个频道中
Get PRO
三月 '25
+48
在1个频道中
Get PRO
二月 '25
+57
在3个频道中
Get PRO
一月 '25
+54
在1个频道中
Get PRO
十二月 '24
+40
在1个频道中
Get PRO
十一月 '24
+50
在0个频道中
Get PRO
十月 '24
+345
在1个频道中
Get PRO
九月 '24
+45
在2个频道中
Get PRO
八月 '24
+47
在1个频道中
Get PRO
七月 '24
+70
在3个频道中
Get PRO
六月 '24
+58
在1个频道中
Get PRO
五月 '24
+24
在1个频道中
Get PRO
四月 '24
+42
在1个频道中
Get PRO
三月 '24
+38
在0个频道中
Get PRO
二月 '24
+77
在1个频道中
Get PRO
一月 '24
+167
在3个频道中
Get PRO
十二月 '23
+164
在2个频道中
Get PRO
十一月 '23
+89
在3个频道中
Get PRO
十月 '23
+28
在0个频道中
Get PRO
九月 '23
+140
在0个频道中
Get PRO
八月 '23
+805
在0个频道中
Get PRO
七月 '23
+17
在0个频道中
Get PRO
六月 '23
+21
在0个频道中
Get PRO
五月 '23
+19
在0个频道中
Get PRO
四月 '23
+37
在0个频道中
Get PRO
三月 '23
+32
在0个频道中
Get PRO
二月 '23
+75
在0个频道中
Get PRO
一月 '23
+15
在0个频道中
Get PRO
十二月 '22
+21
在0个频道中
Get PRO
十一月 '22
+27
在0个频道中
Get PRO
十月 '22
+23
在0个频道中
Get PRO
九月 '22
+23
在0个频道中
Get PRO
八月 '22
+25
在0个频道中
Get PRO
七月 '22
+20
在0个频道中
Get PRO
六月 '22
+25
在0个频道中
Get PRO
五月 '22
+14
在0个频道中
Get PRO
四月 '22
+39
在0个频道中
Get PRO
三月 '22
+14
在0个频道中
Get PRO
二月 '22
+35
在0个频道中
Get PRO
一月 '22
+53
在0个频道中
Get PRO
十二月 '21
+33
在0个频道中
Get PRO
十一月 '21
+36
在0个频道中
Get PRO
十月 '21
+29
在0个频道中
Get PRO
九月 '21
+39
在0个频道中
Get PRO
八月 '21
+39
在0个频道中
Get PRO
七月 '21
+41
在0个频道中
Get PRO
六月 '21
+17
在0个频道中
Get PRO
五月 '21
+41
在0个频道中
Get PRO
四月 '21
+93
在0个频道中
Get PRO
三月 '21
+40
在0个频道中
Get PRO
二月 '21
+163
在0个频道中
Get PRO
一月 '21
+35
在0个频道中
Get PRO
十二月 '20
+2 176
在0个频道中
| 日期 | 订阅者增长 | 提及 | 频道 | |
| 30 七月 | 0 | |||
| 29 七月 | +1 | |||
| 28 七月 | +3 | |||
| 27 七月 | +7 | |||
| 26 七月 | 0 | |||
| 25 七月 | +2 | |||
| 24 七月 | 0 | |||
| 23 七月 | 0 | |||
| 22 七月 | +1 | |||
| 21 七月 | 0 | |||
| 20 七月 | 0 | |||
| 19 七月 | +2 | |||
| 18 七月 | 0 | |||
| 17 七月 | 0 | |||
| 16 七月 | +1 | |||
| 15 七月 | 0 | |||
| 14 七月 | 0 | |||
| 13 七月 | 0 | |||
| 12 七月 | +1 | |||
| 11 七月 | +1 | |||
| 10 七月 | 0 | |||
| 09 七月 | 0 | |||
| 08 七月 | 0 | |||
| 07 七月 | 0 | |||
| 06 七月 | 0 | |||
| 05 七月 | 0 | |||
| 04 七月 | 0 | |||
| 03 七月 | +1 | |||
| 02 七月 | +1 | |||
| 01 七月 | 0 |
频道帖子
| 2 | تحميل كتاب: مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث - عبد الجبار الرفاعي | 998 |
| 3 | احتجاب الله في التدين الشعبوي
د. عبد الجبار الرفاعي
التدين الشعبوي تدين شكلي ذرائعي، وهو يختلف عن التدين الشعبي الذي يتجلى فيه شيء من التدين الرحماني، ويعبر عن إيمان عفوي، وعلاقة صادقة بالله، وحرص على فعل الخير، ومواساة الناس، واحترام القيم الأخلاقية. عرفت حياة الأفراد والمجتمعات التدين الشعبي، وتوارثته الأجيال منذ عصر الرسالة، تعبيرًا عن حاجة الإنسان إلى الإيمان والمعنى والطمأنينة. يستثمر التدين الشعبوي التدين الشعبي البريء، ويتسلل إليه، ويوجهه لخدمة مصالح لا تمت إلى غايات الدين بصلة، فيستبدل صفاء الإيمان بإثارة الانفعالات، ويطفئ يقظة الضمير بصخب الشعارات، ويحجب جوهر الدين بكثافة المظاهر والشعارات الصاخبة، حتى يغدو الشكل بديلًا عن المضمون، والشعائر بديلًا عن الأخلاق، والانفعال والغضب بديلًا عن الوعي.
تمثل الجماعات الشعبية بيئة ملائمة لولادة التدين الشعبوي وتمدده في مختلف مجالات الحياة. حين ينزاح التدين عن مجاله، تنحرف وظيفته من بناء الحياة الروحية وإيقاظ الضمير الأخلاقي إلى تكريس شعائر مفتعلة لأغراض لا صلة لها بوظيفة الدين، فيغدو مفهوم التدين مطابقًا لهذه الشعائر. يفتقر التدين الشعبوي إلى الحس الأخلاقي، وتنضب فيه الطاقة الروحية، فلا يقاس التدين بصدق الضمير، ولا بصفاء القلب، ولا بسمو السلوك الأخلاقي، وإنما يقاس بكثافة المظاهر، والإفراط في الاستعراض، والمبالغة في إعلان الانتماء.
مَن يبحث عن الله في هذا النمط من التدين لن يجده، لأن التدين الشعبوي يحجب الحضور الحي لله بكثافة الشعارات والمظاهر. لا يعني احتجاب الله غيابه، فالله لن يغيب، غير أن صورته النورانية تحتجب في روح الإنسان عندما تستولي الهوية المغلقة على ضميره، وتحتل المصالح والانفعالات مساحة القلب، ويتحول الولاء لها إلى معيار للإيمان. يحتجب الله لأن هذا التدين لا يطلب الصلة به، وإنما يستعمل اسمه لاكتساب المكانة والنفوذ، ويحول الدين من خبرة روحية إلى هوية جماعية مغلقة، ومن إيقاظ للضمير إلى امتثال لسلطة الجماعة. يستبدل التدين الشعبوي حضور الله بحضور الجماعة في الشعار، وصوت الضمير بصوت الجمهور، وطلب المعنى بطلب المكانة المادية. كلما تعالت الشعارات خفت صوت الله في أعماق الإنسان، وكلما تضخمت المظاهر ضاقت مساحة القلب، حتى يغدو الله اسمًا يتكرر على اللسان، ولا يتجلى أثره في السلوك. يحتجب الله عندما لا تثمر الصلة به رحمةً ومحبةً وعدلًا وسلامًا، ولا تصون كرامة الإنسان. عندئذ يظل اسم الله حاضرًا في الكلمات، فيما يغيب نوره عن القلب، وتغيب آثاره عن الحياة.
يتحدث هذا التدين عن الله كثيرًا، غير أنه يبعد الإنسان عن الله أكثر، لأنه يرسم له صورة تستمد ملامحها من مصالح الجماعة وصراعاتها على السلطة والثروة، فيظهر إلهًا للغلبة والاستقطاب والوصاية، لا إلهًا للحب والرحمة والعدل والسلام. عندئذ يتحول الدين من طاقة ملهمة للمعنى في حياة الإنسان إلى أداة للتعبئة وإنتاج الاستعباد، ويفقد التدين وظيفته. حضور الله لا يكشفه صخب الشعارات، حضور الله يتمثل بأثره في السلوك ورعاية حريات الإنسان وحقوقه. حيث تغيب هذه الآثار تحتجب صورة الله، وإن امتلأت المنابر باسمه، وتكاثرت الشعائر التي تقام من أجله.
في التدين الشعبوي يتحول الدين إلى هوية جماعية مغلقة، أكثر من كونه خبرة روحية تحرر الإنسان من الخوف والكراهية والجشع. ويتراجع سؤال المعنى، وتحل محله أسئلة الانتماء والاصطفاف والولاء. عندما يفقد الدين رسالته في بناء الإنسان، يغدو أداة لإنتاج الاستعباد لا لإيقاظ الحرية، ووسيلة لتكريس هوية الجماعة المغلقة لا لتربية الضمير. عندئذ يضمحل البعد الروحي، وتفقد الطقوس غاياتها، وتتحول من وسائل لتغذية الحياة الروحية إلى غايات قائمة بذاتها.
يتضخم رصيد الإنسان في جماعته بمقدار ما يستعرضه من مظاهر للتدين الشعبوي، لا بمقدار ما يتحلى به من فضائل أخلاقية، وما يسمو به من حياة روحية، وما يقدمه من خير للناس. هكذا تنتقل قيمة الإنسان من ضميره وأخلاقه وسلوكه إلى حضوره فيما هو شكلي، وقدرته على إعلان تدينه أمام الجماعة. يغدو الاعتراف الاجتماعي مكافأة يسعى إليها الفرد، أكثر من سعيه إلى بناء حياته الروحية والارتقاء بإنسانيته. كلما اتسع حضور الإنسان في مهرجانات الشعائر، ارتفعت مكانته في الجماعة، وإن افتقر ضميره إلى الحس الأخلاقي.
لا يسأل الجمهور عما يفعله التدين في أعماق الإنسان، وما يحدثه في أخلاقه وصلته بالآخر، لأنه يكتفي بما يراه من مظهره، ويمنحه المكانة على أساس قدرته على الاستعراض. عندئذ يعيش الإنسان تحت نظر الجماعة أكثر مما يعيش في حضرة الله، ويحرص على صناعة صورته في عيون الناس أكثر من حرصه على تهذيب قلبه وإيقاظ ضميره. يتحول التدين إلى أداء اجتماعي يطلب به الفرد الاعتراف والوجاهة، وتفقد الخبرة الروحية صدقها، لأن ما لا يغير حياة الإنسان من الداخل، ولا يسمو بأخلاقه، ولا يثمر خيرًا ورحمةً، يظل مظهرًا خاليًا من الروح. | 266 |
| 4 | كلما اشتد حضور التدين الشعبوي، اضمحلت مساحة التفكير الحر، واتسعت سلطة الأوهام، وغدا الإنسان أكثر قابلية للانقياد، وأقل قدرة على مساءلة ما تفرضه الجماعة عليه باسم الدين. يستبدل التدين الشعبوي السؤال بالتلقين، والتفكير بالامتثال، والضمير الفردي بضمير الجماعة، حتى يفقد الإنسان صوته، ويرى بعين الجمهور، ويفكر بعقله، وينفعل بمشاعره. لا يريد التدين الشعبوي عقلًا يقظًا، لأن العقل اليقظ يسأل ويفكر وينقد ويمحص، فيما تحتاج الشعبوية إلى عقل مشلول يتلقى الأجوبة الجاهزة، ويطمئن إلى الشعارات، ويخشى كل سؤال يزعزع ما لقنته الجماعة له.
تعادي الشعبوية التفكير، لأنه يكشف تهافت مقولاتها ومصالح دعاتها، لذلك تتغذى على الانفعال، وتستبدل التفكير بالغضب، والحجة بالهتاف، والمعرفة بالشائعة، وتصنع عدوًا دائمًا لتعبئة الجمهور وإدامة ولائه. كلما اشتد الانفعال تراجعت قدرة الإنسان على التمييز، وغدا أكثر استعدادًا للتدجين. هكذا تتحول الجماعة إلى مرجعية للحقيقة، ويصير الولاء لها معيارًا للإيمان، ويفقد الإنسان صوته، ويرى بعين الجماعة، ويفكر بعقلها، وينفعل بمشاعرها، حتى يغدو الاختلاف معها خروجًا على الدين.
يكرر التدين الشعبوي الشعارات والمقولات ذاتها، حتى تقيم في اللاشعور، ويحسبها الإنسان حقائق نهائية لا تقبل السؤال والمراجعة. التكرار المتواصل لا يوقظ الإيمان، وإنما يعطل التفكير، ويمنح الوهم سلطة الحقيقة، ويحول التلقين إلى يقين زائف. عندما يخدر العقل، يعجز الإنسان عن رؤية تناقضات هذا التدين، ويفقد القدرة على التمييز بين الدين واستغلاله، وبين حضور الله وسلطة مَن يتكلمون باسمه، وبين الإيمان الصادق والانفعال الجمعي.
لا تنبعث الحياة الروحية في الضجيج والاستعراض، لأنها تحتاج إلى قلب يقظ، وضمير حي، وصمت يتيح للإنسان أن ينصت إلى نداء المعنى في أعماقه. حين تتحول الشعائر إلى مهرجانات جماعية، تفقد قدرتها على تغذية الروح، ويغدو الانفعال بديلًا عن الخبرة الروحية، والهتاف بديلًا عن المناجاة، والامتثال للجماعة بديلًا عن الصلة الصادقة بالله. لا يقود التدين الشعبوي الإنسان إلى الله، بعد أن يحجب حضوره بكثافة الأوهام، ويجعل المقدس وقودًا للاستقطاب والتعبئة.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=387813 | 209 |
| 5 | 没有文字... | 188 |
| 6 | 没有文字... | 257 |
| 7 | 没有文字... | 469 |
| 8 | عندما يخضع العقل للأيديولوجيا يفقد استقلاله، ويصير دوره تسويغ ما تقرر سلفًا، وانتقاء الأدلة التي تؤيدها، واستبعاد كل ما يزعزع صورتها المغلقة للعالم. الفلسفة لا تعد الإنسان بالطمأنينة، ولا تحميه من قلق التفكير، لكنها تمنحه شجاعة استعمال عقله، والقدرة على التحرر من الوصايات، ورؤية العالم خارج الأقفاص التي تصنعها الجماعة والعقيدة والمذهب. تعني حرية العقل أن تكون المعايير نفسها موضوعًا للفحص والنقد والمراجعة. العقل الفلسفي لا يقدس الأفكار مهما كانت، ولا يخجل من التخلي عنها عندما ينكشف له خطؤها، ولا يرى في اختلاف تفكير الآخر تهديدًا لوجوده. بهذا المعنى، تحرر الفلسفة الإنسان من الاستسلام للأجوبة الجاهزة، وتعيد إليه حقه في السؤال، وحقه في الاختلاف، وحقه في بناء فهمه للعالم ولنفسه.
إلباس الفلسفة غطاءً دينيًا يفضي إلى أدلجتها، والأدلجة الدينية للفلسفة في المجال الإسلامي تعني أسلمتها. تبدأ الأسلمة حين تفرض العقيدة على العقل مقدمات ونتائج مقررة سلفًا، ثم تستدعي من الفلسفة ما يسوغها، وتستبعد منها ما يتعارض معها. عندئذ لا يعود العقل باحثًا حرًا عن الحقيقة، وإنما يتحول إلى أداة للدفاع عن معتقدات الجماعة وحماية هويتها. تنتقي الأسلمة من المذاهب الفلسفية ما يوافق مرجعيتها، وتعيد تفسير ما لا يوافقها، وتحكم على الأفكار بمعيار الحلال والحرام، والإيمان والكفر، بدلًا من فحصها بمعايير الاتساق العقلي وقوة الحجة والقدرة على التفسير. هكذا تفقد الفلسفة استقلالها، ويغدو السؤال مقيدًا بحدود الإجابة المسموح بها، ويصير النقد مشروعًا ما دام موجها إلى أفكار الآخرين، ومحظورًا عندما يقترب من المعتقدات الموروثة. لا تكتفي الأسلمة بتوظيف الفلسفة، وإنما تعيد تشكيل وظيفتها؛ فبعد أن كانت تفكيرًا حرًا في الإنسان والعالم والوجود، تتحول إلى خطاب اعتذاري يسعى إلى إثبات تفوق العقيدة، ومنحها شرعية عقلية، والدفاع عن يقينياتها. الفلسفة لا تكون فلسفة إلا حين يتحرر العقل من الوصايات الدينية وغيرها، ويظل قادرًا على مساءلة كل مرجعياته ومقدماته ونتائجه بلا أسوار دينية أو مذهبية أو أيديولوجية.
شهدت الفلسفة في الإسلام، في مختلف العصور، محاولات لأسلمتها، وفي عصرنا صدر أكثر من كتاب لأعلام معروفين سعوا إلى وضع بصمة هوية إسلامية لها. أسلمة الفلسفة ضرب من التفلسف ضد الفلسفة، وإن كان من يدعو إليها عبقريًا، وهذا ليس غريبًا؛ فأحيانًا نرى إنسانًا عبقريًا فذًا في مجال يقظ من عقله، وعلى الضد من ذلك في مجال آخر نائم منه، تحكمه المسلمات الموروثة، ويعجز فيه عن ممارسة التفكير النقدي الذي يمارسه في مجالات أخرى. يتراجع العقل وينزاح تدريجيًا حين يتسع فضاؤه النائم، حتى يعطّل ما هو يقظ فيه. تدهشك قدرة عقله اليقظ على توظيف المغالطات المنطقية في الاستدلال على أوهام عقله النائم. يتطلب تفسير المراوغات الذهنية والمغالطات المنطقية في تفكير العباقرة الانتباه إلى حضور هذه الحالة الذهنية في الطبيعة البشرية. ذلك هو السر الذي يجعل بعضهم يبدأ بمقدمات عقلية وينتهي إلى نتائج تنقض المقدمات، أو يشرع في التفكير الفلسفي الحر، ثم ينتهي إلى يقين مغلق يدحض مقدماته الأولى[1].
[1] الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 301، منشورات تكوين بالكويت، دار الرافدين ببيروت. https://alsabaah.iq/135470-.html | 375 |
| 9 | أسلمة الفلسفة أيديولوجيا لا فلسفة
د. عبد الجبار الرفاعي
الفلسفة لن تموت ما دام هناك إنسان يطرح الأسئلة الكبرى ولا يجد لها جوابًا نهائيًا. كل شيء في الفلسفة يخضع لمساءلة العقل ونقده وتمحيصه، حتى العقل نفسه؛ لأنه يراجع مفاهيمه، ويغربل أحكامه، ويمتحن طريقة تعريفه لنفسه، وتفسيره لطبيعة معرفته ومصادرها وقيمتها. لا يضع الحدود للعقل إلا العقل؛ فهو يرسم حدود فضائه، ويحدد ما يقع داخله، ويبين ما يتعذر عليه بلوغه خارجه. لا يتحقق التفكير الفلسفي إلا حين يفكر الإنسان خارج الإطار الاعتقادي لدينه، مهما كان هذا الدين. المقصود أن يحرر تفكيره من سلطة معتقداته المسبقة، ويخضع كل شيء للنقد والمساءلة والتمحيص، ولا يعني ذلك التخلي عن انتمائه الديني. إذا أراد البوذي أن يفكر فلسفيًا، فعليه أن يفكر خارج عقيدته البوذية، وإذا أراد المسيحي ذلك، فعليه أن يفكر خارج عقيدته المسيحية، وكذلك المسلم وسواه من أتباع الأديان.
ليس هناك فلسفة بوذية أو هندوسية أو يهودية أو مسيحية أو إسلامية، ولا أية فلسفة تستمد هويتها المعرفية من دين. هناك فلسفات نشأت وتطورت في مجتمعات بوذية وهندوسية ويهودية ومسيحية وإسلامية، وتأثرت بلغاتها وثقافاتها وأسئلتها الدينية. تحيل هذه التسميات إلى السياق التاريخي والثقافي الذي ظهرت فيه الفلسفة، ولا تحدد هويتها المعرفية ومنهجها في التفكير. الفلسفة تفكير عقلي حر، لا تستمد مشروعيتها من عقيدة، ولا تخضع لمرجعية دينية نهائية. حين تخضع الفلسفة لحدود العقيدة، وتكرس أدواتها للدفاع عن مسلماتها، تفقد وطيفتها الفلسفية. الدين يمكن أن يكون موضوعًا للتفكير الفلسفي، غير أنه لا يرسم حدوده ولا يقرر نتائجه.
تكمن فرادة العقل الفلسفي في سعيه المتواصل للتحرر من المرجعيات والتحيزات الواعية التي تتحكم في رؤيته وأفكاره ومفاهيمه، وإخضاعها للنقد والمساءلة. لا ينفي ذلك تنوع أفكار الفلاسفة ومواقفهم، وهو أمر ماثل لكل قارئ متمرس في الفلسفة، ولا ينفي تأثير التحيزات اللاواعية الملازمة لكل إنسان، وما يصدر منها عن البنية النفسية لشخصية الفيلسوف، ونمط تنشئته في أسرته ومجتمعه، وما ترسب في أعماقه من أحكام مسبقة. أتحدث هنا عن التحيزات الواعية التي تفرضها المعتقدات والهويات والأيديولوجيات المغلقة، ولا أتحدث عن التحيزات اللاواعية التي تعكسها البنية العميقة للإنسان؛ إذ يتعذر التحرر الكامل من تأثيرها، وإن أمكن الكشف عن شيء منها والحد من سلطتها.
علاقة الفلسفة باللاهوت ديناميكية؛ فمثلما يتغذى اللاهوت بالفلسفة ويتجدد بها، تتغذى الفلسفة بالسؤال اللاهوتي، وتتسع آفاقها وتتنوع حججها. يبحث السؤال اللاهوتي عن يقينيات لا يظفر بها، مهما توالدت الأجوبة وتواصلت الاستدلالات؛ فهو سؤال مفتوح، وكل سؤال مفتوح منجم متجدد للتفلسف. كلما ابتعد اللاهوت عن الفلسفة وقع فريسة لتفشي اللامعقول، ودخل في سبات يتعطل فيه العقل وتتغول الأوهام. لا يضع اللاهوت في حدوده ويحميه من الأوهام إلا العقلانية الفلسفية النقدية، ولا يتجدد إلا بإعادة النظر في الحقيقة الدينية وتأملها بعين فلسفية.
لغة الفلسفة ومصطلحاتها تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآة لحدوده وآفاقه. لا تتكلم الفلسفة لغة اللاهوت والمتخيل والأسطورة واللامعقول؛ فلكل حقل معرفي لغته الخاصة في التعبير عن العالم وتعريف الإنسان لوجوده. لا تلتهم لغة الفلسفة ومفاهيمها لغة اللاهوت ومفاهيمه، ولا تحل محل لغة المتخيل والميثولوجيا واللامعقول. يظل العقل معيارًا وسلطة على كل ضرب من أنشطة الذهن، مهما كان. حين تستعير الكتابة معجم الفلسفة، وتحتفظ في أعماقها برؤية علم الكلام ومقدماته، تغدو لاهوتًا متنكرًا يتحدث بلغة الفلسفة، فيما يظل وفيًا لمواقفه الكلامية وأحكامه الفقهية المسبقة. عندئذ تفقد المفاهيم ومصطلحاتها قدرتها على توليد الأسئلة، وتتحول إلى أقنعة لغوية تضفي على الإجابات الموروثة مظهرًا فلسفيًا، وتحجب بنيتها الاعتقادية المغلقة.
يجري توظيف علم الكلام والتصوف داخل الفلسفة، كما يجري التفكير في فلسفة الدين بعقل كلامي أو فقهي، وهذا ينقض طبيعتها، ويتجاهل أن فلسفة الدين تفكير عقلي في الدين، لا دفاع لاهوتي عن معتقداته. يتفشى هذا النمط اليوم في الفكر العربي، كما نقرأ لدى من يعالجون التعددية الدينية واحتكار النجاة بعقل المتكلم أو الفقيه؛ إذ ينشدون الدفاع عن مسلمات متوارثة، وتبرير ما تتضمنه النصوص الدينية وتفسيراتها عبر العصور، وقبوله كما هو، بدل إخضاعه للتمحيص والنقد. لا ينشغل هؤلاء بالتفكير الفلسفي في الدين، المتمحور حول تفسير الظاهرة عقليًا، وتمحيص الأدلة على المعتقدات الدينية، ومساءلة سياقاتها وظروفها التاريخية ودلالاتها الإنسانية، وما تعكسه من ظروف المجتمع الذي ولد فيه الدين، وما أنتجه المتخيل الفعال للجماعات التي اعتنقته، وعاشت تحت إكراهات الواقع وتحولاته المتواصلة.
من مظاهر تفريغ الفلسفة من مضمونها البدء بمقدمات فلسفية ومنطقية، والانتهاء إلى نتائج لاهوتية، بغية ترسيخ اليقين بمسلمات اللاهوت وعلم الكلام، وكف العقل عن إثارة الأسئلة. لا تتحدد فلسفية التفكير بالمصطلحات التي يستعملها، ولا بالمقدمات التي ينطلق منها، وإنما بطريقة بناء الأسئلة، وفحص الأدلة وتمحيصها، واستقلال النتائج عن المعتقدات المسبقة. الفلسفة ضرب من التفكير العقلي خارج سلطة اللاهوت، لا تخضع لإجاباته النهائية، ولا تتوقف عند حدوده. تكشف لغتها ومصطلحاتها عن خارطة العقل، وتعكس حدوده وآفاقه، وتمنحه القدرة على مراجعة مسلماته ونقد أدواته ونتائجه. حين تتحول الفلسفة إلى وسيلة لتبرير يقين سابق، تفقد وظيفتها النقدية، ويغدو العقل أداة للدفاع عن المعتقد، بعد أن كان أفقًا حرًا للسؤال والتفكير.
يتسيد الكتابة الفلسفية بالعربية تفكير لاهوتي يكتب الفلسفة برؤية علم الكلام للعالم وأدواته ومقولاته، وذوق صوفي يكتبها في مرآة التصوف ومكاشفاته. صارت هذه صنعة لدى جماعة من المفكرين الذين نحتوا لأنفسهم أسماء كبيرة، وأغرم بهم شباب نفروا من تبسيط أدبيات الجماعات الدينية، فاحتلت كتاباتهم مواقع متقدمة في الجامعات والدراسات العليا، مع أنهم يفكرون في الفلسفة بعقل كلامي وفقهي، وأحيانًا صوفي، ويصوغون مقولات كلامية ويصدرون فتاوى فقهية لا صلة لها بالتفكير الفلسفي، وإن تنكرت بلغة الفلاسفة، وتحدثت بمصطلحاتهم، وحاكت أساليبهم في التعبير. يتكلم هؤلاء بلغة تحاكي لغة الفلسفة، غير أن تفكيرهم يقع خارجها ويقف ضدها.
يعود إغواء لغة هؤلاء إلى توكئهم على مصطلحات الفلسفة ومفاهيمها، وفلسفة المنطق، وفلسفة اللغة، والألسنيات، والعلوم الإنسانية الحديثة. يوظفون معطيات معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت ونتائجه في نقد عقل التنوير، ويستعيرون آراء فلاسفة ما بعد الحداثة ومقولاتهم في كتاباتهم. الغريب أنهم يكررون الحديث عن ضرورة الانتباه إلى بصمة البيئة والسياقات التاريخية والمعرفية التي ولدت فيها المقولات والآراء، ثم يسمحون لأنفسهم بانتقاء ما يعزز قناعاتهم المسبقة، من دون اكتراث بسياقاته ودلالاته الأصلية. يعملون بمراوغة على تفريغ هذه المفاهيم من دلالاتها، وتعبئتها بمضامين تراثية غريبة عنها.
لا يحتفظ المفهوم الفلسفي بدلالته حين يجتزئه الكاتب من منظومته الكلية ويبتره عن سياقه المعرفي؛ المفهوم يستمد معناه من شبكة المفاهيم التي ينتمي إليها، ومن الأسئلة التي ولد في فضائها. لا يمكن نقله إلى سياق آخر وتعبئته بمضمون مضاد له من دون أن تتبدل دلالته ووظيفته. حين يحدث ذلك، يفقد المفهوم هويته الفلسفية، ويتحول إلى وعاء لغوي لمقولات، لا صلة لها بأفقه المعرفي ودلالاته الأصلية.
يظل العقل معيارًا وسلطة على كل ضرب من أنشطة الذهن، مهما كان. قراءة الفلسفة بأفق أيديولوجي تنتج أيديولوجيا، وقراءتها بأفق لاهوتي تنتج لاهوتًا، وقراءتها بأفق كلامي تنتج علم كلام، وقراءتها بأفق اعتقادي تنتج عقيدة، وقراءتها بأفق فقهي تنتج فقهًا، حتى قراءتها بأفق العلم الطبيعي تنتج معرفة علموية. الأفق الذي يقرأ فيه النص هو الذي يحدد أسئلته ومنهجه ونتائجه؛ فمجرد الاشتغال بالنصوص الفلسفية، واستعمال مفاهيمها ومصطلحاتها، لا ينتج فلسفة. لا ينتج الفلسفة إلا العقل الفلسفي النقدي الذي لا يخضع لمرجعية سابقة عليه. لا تتحقق قراءة الفلسفة إلا بأفق فلسفي يحرر العقل من الإجابات الجاهزة، ويفتح النص على السؤال والنقد وإمكانات الفهم المتجددة.
الفلسفة تحرر العقل من المرجعيات القبلية والقيود والحدود والأسوار، فيما تحدد الأيديولوجيات للعقل ما يفكر فيه، وترسم له النتائج قبل أن يبدأ التفكير، ولا تسمح له بالخروج من فضائها وحدودها. يبدأ التفكير الفلسفي بالسؤال، وتبدأ الأيديولوجيا بالجواب؛ الفلسفة تدرب الإنسان على الشك والمراجعة ونقد المسلمات، والأيديولوجيا تلقنه معتقداتها، وتطالبه بالتسليم لها والدفاع عنها. لا تمنح الفلسفة العقل خارطة مغلقة للعالم، ولا تفرض عليه طريقًا واحدًا للوصول إلى الحقيقة، فهي تعلمه أن الحقيقة أوسع من أن يحتكرها مذهب أو جماعة، وأن المعرفة البشرية نسبية متحولة، وأن كل جواب يمكن أن يولد سؤالًا جديدًا. الأيديولوجيا تخشى السؤال، خاصة حين يقترب من مقدماتها المؤسسة، فتضع خطوطًا حمراء أمام العقل، وتحول معتقداتها إلى يقينيات نهائية لا يجوز نقدها. | 270 |
| 10 | 没有文字... | 216 |
| 11 | تمت اليوم 20 تموز 2026 في جامعة الزيتونة بالمعهد العالي للعلوم الإسلامية في القيروان بتونس، مناقشة رسالة الماجستير، في اختصاص الأديان المقارنة وحوار الحضارات، الموسومة ب "الإنسانية الإيمانية من منظور عبد الجبار الرفاعي" للطالب عماد بن بلقاسم، ومنحت الرسالة تقدير جيد جدا. | 272 |
| 12 | يحدث هذا التمدد تدريجيًا، فلا يكاد الإنسان يشعر بأنه انتقل من الإيمان بالمقدس إلى الإيمان بما نُسب إليه من مقدسات، فيختلط الإلهي بالبشري، والثابت بالمتغير، والوحي بالموروث، وتغدو مساءلة هذه المقدسات ضربًا من التجديف في وعي الجماعة.
المقدس المصنوع يستعبد الإنسان، ويعطل عقله، ويطالبه بالطاعة أكثر مما يدعوه إلى الفهم. وكلما تضخمت دائرة هذا المقدس، اضمحلت مساحة الحرية، وازدادت قابلية الإنسان للخضوع، حتى يغدو أسير ما صنعه خياله، أو صنعته له السلطة، أو ورثه من ذاكرته الجمعية. وظيفة العقل التمييز بين قداسة الله، وما أضفاه البشر من قداسة على ما ليس مقدسًا، حتى يبقى الدين محررًا للإنسان، لا وسيلة لاستعباده، ويبقى المقدس مصدرًا للمعنى، لا غطاءً للوهم أو أداة للهيمنة. الواقع ضيق، مثقل بالعنف، ومشحون بالقلق والحرمان والانكسارات، وهو ما يدفع الإنسان إلى البحث عن ملاذ يخفف وطأة وجوده، ويمنحه معنى وأملًا وسكينة. لا يجد الإنسان فضاء أرحب من فضاء المقدس للاحتماء به، هذه الحاجة الوجودية إلى المقدس حاجة أصيلة، غير أن الإنسان كثيرًا ما يخطئ في الاستجابة لها، فيتحول ما كان وسيلة لإرواء الظمأ الروحي إلى وثن يستعبد الإنسان، بعد أن كان الدين سبيلًا لتحريره. لا تكمن خطورة التورط في اتساع دائرة المقدس فحسب، بل في أن الإنسان يفقد تدريجيًا قدرته على مساءلة ما يقدسه، فيصبح الدفاع عنه بديلًا عن البحث عن الحقيقة، والطاعة بديلًا عن الفهم، والانفعال بديلًا عن الوعي.كلما ازداد تقديس ما لا يستحق التقديس، انكمشت حرية العقل، وضاقت مساحة النقد، وازدادت قابلية الإنسان للخضوع لكل سلطة تتحدث باسم المقدس. المتدين العقلاني يمكن أن يميز بين قداسة الله، وبين ما أضفته الذاكرة الجمعية، أو المصالح، أو الأوهام، من قداسة على أشخاص وأشياء وأكاذيب. العقل لا يسلب المقدس معناه، وإنما ينقذه من التزييف، ويحرره من التوظيف، ويصونه من أن يتحول إلى أداة للاستعباد.كلما استعاد العقل وظيفته النقدية، عاد المقدس إلى مجاله الحقيقي، وعاد الدين إلى رسالته في بناء الإنسان، وإيقاظ الضمير، وإثراء الحياة بالمعنى، وصيانة كرامة الإنسان وحريته. | 271 |
| 13 | التدين الشعبي
د. عبد الجبار الرفاعي
التدين الشعبي تدين بريء، يتجلى فيه شيء من روح الدين الرحماني، هذا النمط من التدين عرفته حياة الأفراد والمجتمعات، وتوارثته الأجيال منذ عصر الرسالة. تدين يقوم على الإيمان العفوي، والثقة بالله، والتماس السكينة في حضوره، ويتصالح مع المؤسسات الدينية التقليدية، كما يتصالح مع طرائق عيش المسلمين وإيقاع حياتهم، فلا يرى تناقضًا بين الإيمان والفنون الشعبية والفلكلور والعادات الاجتماعية ما دامت لا تنتهك قيمة أخلاقية، ويتعايش مع الدولة الوطنية. لا يشكل هذا التدين عبئًا على حياة الناس، ولا يدفعهم إلى التشدد، ولا يفسد علاقاتهم بالمختلف في الدين أو المذهب أو الهوية أو الثقافة، لأنه لا ينشغل بمراقبة عقائد الآخرين بقدر انشغاله بإصلاح صاحبه. يحتفظ هذا التدين، على بساطته، بحس أخلاقي حميم، ويغذي قيم الرحمة والتكافل والعطاء، ويمنح الإنسان سكينة روحية، من غير أن يصادر عقله، أو يفرض عليه كراهية المختلف، أو يقطعه عن مجتمعه. من هنا ظل هذا النمط من التدين، على الرغم مما يعتريه أحيانًا من بساطة في الفهم أو اختلاط بين بعض الموروثات والدين، أقرب إلى الإنسان، وأقدر على صون العلاقات الاجتماعية، وأبعد عن التعصب والعنف، لأنه يستمد قوته من دفء الإيمان، لا من صخب الشعارات، ومن أخلاق العيش المشترك، لا من صراعات الهويات المغلقة.
لا تحضر في التدين الشعبي التدقيقات الفقهية التفصيلية، ولا فتاوى الاحتياط التي تثقل حياة الناس، مثل الجمع بين القصر والتمام، أو بين الصوم والقضاء في السفر، وغيرها مما تغرق فيه كتب الفقه العملي المتأخرة. إنه تدين لا يعرف التشدد، ولا يرهق المؤمن بالمبالغة في الاحتياط والخوف من الوقوع في المخالفة، ويؤدي فيه المتدين الصلاة والصوم وسائر الفرائض في سياق يتفاعل مع الثقافة المحلية وعادات المجتمع. ويتعامل مع الدين بوصفه سبيلًا للسكينة وإصلاح الحياة، لا منظومة معقدة من التدقيقات الفقهية التي تستنزف طاقة المؤمن، وتملؤه بالقلق والوسواس. لذلك يظل هذا التدين أقرب إلى روح الدين، وأقدر على التوفيق بين الإيمان ومتطلبات الحياة، من غير أن يشعر الإنسان بأن تدينه عبء يرهقه، أو قيد يحول بينه وبين عيشه الطبيعي. تتسع في هذا التدين حدود التعايش مع المختلف في الدين والمعتقد والمذهب، لأنه لا ينشغل بتفتيش إيمان الآخرين، ولا بمحاكمة معتقداتهم، بقدر انشغاله بسلامة إيمان صاحبه، واستقامة سلوكه، وحسن علاقته بالناس. لذلك يظل أكثر استعدادًا لقبول الاختلاف، وأقل ميلًا إلى الخصومة والإقصاء، لأنه ينظر إلى التدين بوصفه تهذيبًا للنفس، لا أداة للحكم على الآخرين. لعل أوجز من وصف هذا النمط من التدين المتكلم الشهير الفخر الرازي بقوله: "من التزم دين العجائز فهو الفائز".
التدين الشعبي طالما وقع ضحية الجهل، وافترسته الخرافة؛ لأن الأمية، والفقر، والمرض، لا تغادر حياة الجماعات الشعبية في القرى والأرياف والأحياء الفقيرة وأحزمة البؤس في المدن. تمثل هذه العوامل بيئة خصبة لنمو الخرافات والمعتقدات الغرائبية، وتغذي قابلية الإنسان لتصديق كل ما يعده بالخلاص أو يخفف قلقه. على الرغم من نفحات الروح الرحيمة في هذا التدين، وحضور الأخلاق العفوية الدافئة فيه، يلتبس أحيانًا ما هو أخلاقي بما هو شكلي، ويصعب على الناس التمييز بين الديني والدنيوي، والمقدس وغير المقدس. ويحدث هذا الاضطراب كلما تراجع الوعي، وضعفت التربية الدينية السليمة، وغاب التفكير العقلاني، فتتسع دائرة المقدس، ويختلط الوحي بالموروث، والدين بالعادات، والإيمان بالخرافة. تتسع دائرة المقدس باستمرار، فتستوعب ما ليس مقدسًا، وتدمجه في فضائها، حتى يغدو كل ما يحيط بالدين مرشحًا للقداسة. وكلما تمددت دائرة المقدس، ضاق فضاء التفكير العقلاني، وتعذر التمييز بين ما هو إلهي، وما أنتجته إكراهات التاريخ، والثقافة، والعادات، والمصالح البشرية. أكثر الناس متعطشون لوجود آلهة من جنس البشر، يلمسون حضورها، ويستجيرون بها في أوقات الخوف، ويبحثون عندها عن السكينة، ويستمدون منها الحماية والأمل. هذا التعطش لا ينشأ من فراغ، وإنما تفرضه هشاشة الوجود الإنساني، وعجز الإنسان أمام الخوف، والقلق، والمرض، والموت، والفقد، والعنف، وتقلبات الحياة. حين يعجز عن التمييز بين المقدس وتمثلاته البشرية، يبدأ في صناعة مقدسات جديدة، يضفي عليها ما يتطلع إليه من قدرة على الحماية والإنقاذ. هكذا لا تتوقف صناعة المقدس عند حدود ما يقدسه الدين، وإنما تمتد إلى ما ينتجه الخيال الجمعي، وتصوغه الذاكرة، وتغذيه الحاجة النفسية والروحية، وتكرسه السلطة، ويرسخه الموروث الاجتماعي. كلما غاب العقل النقدي، واتسعت سلطة الخوف والجهل، تمددت دائرة المقدس، وتضخم حضوره في الحياة، حتى يكتسب أشخاص، وأشياء، وأمكنة، وأزمنة، وحوادث، ورموز، قداسة لم يمنحها لها الدين. | 429 |
| 14 | 没有文字... | 231 |
| 15 | احياء حسن حنفي وتجديد عبد الجبار الرفاعي
بهاء سوادي[1]
تتوالى الدعوات إلى تجديد الفكر الديني منذ أكثر من قرن، واتخذت مسارات ومناهج متنوعة. فمنذ انطلاق مشروع الإصلاح الإسلامي الحديث في القرن التاسع عشر، برزت أسماء جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وغيرهم من المصلحين الذين سعوا إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة، وإحياء الاجتهاد، وتحرير العقل الإسلامي من الجمود الفقهي والانغلاق المعرفي. غير أن هذه المشاريع لم تكن متجانسة في رؤاها ومناهجها وغاياتها؛ فقد انشغل بعضها بإصلاح التعليم والمؤسسات الدينية، واهتم بعضها بإعادة تفسير النصوص، فيما سعى بعضها الآخر إلى بناء وعي ديني يستجيب لتحولات العصر وأسئلته. ومع تنوع هذه المحاولات، ظل التجديد مهمة مفتوحة، تتطلب مراجعة مناهج فهم الدين، والكشف عن تاريخية المعرفة الدينية، وإعادة النظر في صلتها بالإنسان والعالم المتغير.
ثم شهد النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة اتسمت بالنقد المعرفي والمنهجي، برز فيها مفكرون أمثال محمد أركون، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، وعبدالمجيد الشرفي، وغيرهم. اتجه هؤلاء، على اختلاف مرجعياتهم ومناهجهم، إلى مساءلة التراث الإسلامي، وتحليل آليات إنتاج المعرفة فيه، وإعادة النظر في مناهج قراءته وتأويل نصوصه، مستعينين بمناهج الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية. وهكذا انتقل سؤال التجديد من الدعوة إلى الإصلاح وإحياء الاجتهاد إلى نقد بنية العقل التراثي، والكشف عن سياقاته التاريخية والثقافية، وفحص أثرها في تشكيل الوعي الديني.
أما المرحلة المعاصرة، الممتدة من أواخر القرن العشرين إلى اليوم، فقد برز فيها عبد الجبار الرفاعي بوصفه احد المفكرين المنشغلين بإعادة بناء الفكر الديني، عبر استرداد الأبعاد الروحية والأخلاقية والجمالية للدين، وإعادة تعريف مفاهيمه الأساسية في ضوء مركزية الإنسان وكرامته وحاجته الوجودية إلى المعنى. وإلى جانب الرفاعي، يواصل عدد من المفكرين اشتغالهم على فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، ونقد الخطاب الديني، للكشف عن تعدد دلالات النصوص، وتاريخية المعرفة الدينية، وتجديد مناهج فهم الدين وآليات التفكير فيه.
غير أن تجديد الفكر الديني، على أهميته، مشروع شديد القابلية للتشويه والاستغلال؛ إذ غدا كل خروج عن المألوف في قراءة النصوص أو التراث يقدم، لدى بعض القراء والمهتمين، على أنه تجديد، حتى وإن لم يتجاوز إعادة إنتاج البنى الفكرية القديمة بصيغ ومصطلحات جديدة. من هنا تبرز ضرورة التمييز بين نمطين من التجديد: الأول مراجعة جذرية للتراث، ولبنية العقل الإسلامي، ولمناهج فهم النصوص وآليات إنتاج المعرفة الدينية، بما يفضي إلى إعادة بناء المفاهيم وتغيير طرائق التفكير، أما الثاني فلا يتجاوز الإحياء أو الإصلاح الجزئي، وقد يتخفى وراء شعارات التجديد، فيما ينتهي إلى ترميم المنظومة الموروثة وإعادة إنتاجها، أو تضخيم الخطابات الأيديولوجية المفتقرة إلى الحس النقدي والعمق الفلسفي. التجديد الحقيقي لا يقاس بحداثة المصطلحات وجرأة الشعارات، وإنما بقدرته على إحداث تحول عميق في بنية التفكير الديني، وتحرير العقل من أنماطه المغلقة، وفتح آفاق جديدة لفهم الدين ووظيفته في حياة الإنسان.
في ضوء هذا التمييز بين التجديد والإحياء والإصلاح، يمكن النظر في مشروعي حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، للكشف عن اختلاف منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما، وتحديد المسافة الفاصلة بين التجديد والإحياء والإصلاح. التجديد في الفكر الديني عملية معرفية خلاقة، تقوم على النقد والابتكار، وتستند إلى رؤية فلسفية عميقة. لا تكتفي بإعادة قراءة التراث أو تحديث لغته، وإنما تسائل المنظومة الدينية ومفاهيمها ومناهجها وآليات إنتاج المعرفة فيها. تبدأ بتحليل التراث وتفكيك بنيته والكشف عن سياقاته التاريخية، ثم تبتكر مناهج جديدة لقراءته، وصولًا إلى بناء فهم للدين يستجيب لهموم الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية والأخلاقية. التجديد الحقيقي لا يبدأ بالتراث لينتهي إليه، وإنما يتخذه نقطة انطلاق، ثم يغادر آفاقه المغلقة نحو فضاءات معرفية جديدة.
يعني التجديد إعادة النظر في المفاهيم الدينية والمناهج والموضوعات والبنى الفكرية والاجتماعية والثقافية، ومساءلة البداهات والمسلمات التي ترسخت عبر التاريخ واكتسبت سلطة تحول دون نقدها. لا يكتفي المجدد باستعادة الأفكار الموروثة أو إعادة صياغتها، وإنما يعيد بناءها ويبتكر طرائق جديدة لتوظيفها في أفق علمي وفلسفي مغاير. ينطلق التجديد من نقطة معرفية، لكنه لا يعود إليها، بل يتجاوزها إلى نتائج جديدة تولدها رؤية مختلفة ومناهج أكثر قدرة على استيعاب تحولات المعرفة وأسئلة الإنسان. ومن ثم فإن كل مشروع يبدأ بالتراث وينتهي إليه، من دون أن يتجاوزه إلى إعادة بناء المعرفة الدينية ومفاهيمها، يظل مشروع إحياء، مهما استعار من لغة التجديد ومصطلحاته.
أما الإحياء في الفكر الديني، فيقوم على استعادة القديم وإعادة إنتاجه؛ تراثًا وفكرًا ورؤية للعالم. لا ينطلق من نقد المنظومة الدينية وتحليل بنيتها وتفكيك آلياتها، ولا يثير الأسئلة القادرة على إحداث تحول عميق في الفكر الديني، وإنما يتلقى القوالب التراثية الجاهزة، بأفكارها ومفاهيمها وشعاراتها، ويعيد توظيفها في الواقع المعاصر حفاظًا على الفكر الديني الموروث واستمرارًا لفاعليته.
في ضوء هذا التمييز، يبدو مشروع حسن حنفي أقرب إلى الإحياء منه إلى التجديد؛ فهو يبدأ بالتراث ويظل مشدودًا إلى مرجعياته، ولا ينجز تحولًا معرفيًا يتجاوز بنيته العميقة. كما يستمد رؤيته من منبع أيديولوجي تعبوي، يجعل التراث مركزًا تدور حوله حركة الفكر، ويعيد بناء الحاضر بأدوات الماضي ومفاهيمه، حتى حين يعيد تأويلها بلغة ثورية معاصرة.
من أبرز الإشكالات التي وجدتها في كتابات حسن حنفي محاولته الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة، مع أن بنيتيهما ووظيفتيهما متغايرتان. يقول حنفي: "لقد أصبح الإسلام أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًا للعالم". غير أن الأيديولوجيا، في صورتها المغلقة، نظام لاحتكار المعنى؛ تقدم تصورات جاهزة وأجوبة نهائية، وتصوغ قوالب فكرية جامدة تنفر من السؤال المعرفي والتعددية الفكرية والدينية والاجتماعية. أما الفلسفة فتمنح الإنسان رؤية للعالم لا تستقر في يقين مغلق، وتفتح أمامه أفق السؤال والنقد والمراجعة المستمرة. الإنسان الذي يفكر فلسفيًا يسأل ويبتكر ويطور، ويمارس النقد المعرفي والفكري والثقافي والاجتماعي، فيما يظل الإنسان الأيديولوجي أسير رؤية دينية وسياسية وعقدية وفقهية مغلقة، تحول دون مراجعة المسلمات وطرح الأسئلة الكبرى المتصلة بالمفاهيم الدينية الأساسية، ولا تتيح له تنقيح أفكاره وإعادة بناء ذاته في أفق تساؤلي مفتوح. من هنا يصعب الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة؛ فالأولى تسعى إلى تثبيت اليقين وحشد الناس حوله، والثانية تخضعه للمساءلة والاختبار. تعمل الأيديولوجيا على حجب الرؤية الفلسفية عن الإنسان، وتمنحه أجوبة عاطفية جاهزة، وتبقيه داخل بنية مغلقة تقاوم النقد والتجديد.
نقد الفكر الديني أحد أبرز ثمار فلسفة الدين؛ ففلسفة الدين ليست منظومة من الأجوبة الجاهزة، وإنما أفق مفتوح للتساؤل لا يعرف الاكتمال. لا تغلق ملفًا من ملفات الفكر الديني، ولا تخضع للتبرير أو التوظيف الأيديولوجي، وتواصل مساءلة المفاهيم والتصورات والمعتقدات الدينية في ضوء العقل النقدي والخبرة الإنسانية، من دون أن تتعامل مع الفهم البشري للدين على أنه حقيقة نهائية أو دلالة جزمية مغلقة.
في هذا السياق، يمثل مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروعًا شاملًا لتجديد الفكر الديني؛ فهو يبدأ بإعادة تعريف المفاهيم الدينية الكبرى، مثل: الإنسان، والدين، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف. يعتمد الرفاعي على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع، ويستعين بمناهج بحث تتجاوز المناهج التقليدية، سعيًا إلى بناء أفق جديد للمعنى، يعيد اكتشاف الإنسان كائنًا أخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، ويجعل كرامته محورًا لفهم الدين وتأويل نصوصه وتحديد وظيفته في الحياة.
وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين المشروعين، لا سيما حين يقرآن قراءة سطحية عابرة، تكتفي بالمصطلحات والشعارات، إلا أن القراءة المتأنية تكشف عن تباين جوهري في منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما. ينتمي مشروع عبد الجبار الرفاعي إلى التجديد بمعناه المعرفي والفلسفي؛ إذ يتجاوز استعادة التراث إلى إعادة بناء المعرفة الدينية وتعريف مفاهيمها الكبرى في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. أما مشروع حسن حنفي فيظل أقرب إلى الإحياء بصيغته الأيديولوجية، حيث يستعيد التراث ويعيد توظيفه في مشروع تعبوي جماهيري. ومن ثم فإن إدراج المشروعين تحت عنوان واحد هو "التجديد الديني" يحجب الفوارق المنهجية والمعرفية العميقة بينهما، ويساوي بين مشروع يغادر التراث إلى أفق جديد، ومشروع يعيد إنتاجه بلغة حديثة.
[1] طالب في المرحلة السادسة بكلية طب جامعة البصرة. https://almothaqaf.com/qadaya/988736-%D8%A8%D9%87%D8%A7%D8%A1-%D8%B3%D9%88%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%AD%D9%86%D9%81%D9%8A-%D9%88%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A | 336 |
| 16 | 1- عبدالله البريدي - نداء ابستمولوجي إلى مفكري التربية : تفحصوا حقلكم – مجلة حكمة 17-10-. .2021.
2- بيداغوجيا الرمز والعنف الرمزي في منظور بيير بورديو – علي أسعد وطفة – مدونته الشخصية على الانترنت
*لا نستخدم الطبقة هنا بمفهومها الماركسي وانما في سياقها الاجتماعي المرتبط بالتفاوتات الطبيعية بين البشر.
https://www.facebook.com/share/p/1DeSfrhxR1/? | 332 |
| 17 | يمكن للمرء أن يلاحظ حالة الخطاب التربوي المدرسي في شعوبنا؛ والذي يكاد يبدو للناظر من الخارج أنه خطاب يجتر التاريخ ولا يبدع الحديث، بل هو بعيد من الابداع لدرجة انه غير مواكب للتطورات التي يشهدها عالمنا اليوم؛ وحيث إن نُظمنا التّعليمية تعمّق حتى الفوارق ( الطّبقية)* في المجتمع، صانعة بذلك هوة عميقة سوسيولوجياً يعاني منها غالبية الذي تعرضوا لهذا الخطاب؛ أمّا أؤلئك الذين تلقّوا تعليمهم في الخارج فأول ما يدركونه هو النظام المعرفي الذي من خلاله يتلقون تعليمهم؛ حيث يتبدى النظام المعرفي في جملة مفاهيم وقضايا معاصرة، وتحديث مستمر للمناهج وطرق التدريس نفسها، وكيفية استهلاك المعرفة...الخ. ولتوضيح هذه النقطة المتعلقة بتحديث النظم المعرفية لتواكب متطلبات العصر الراهن كتب مارك تايلور مقالا في Nature عنونه "Reform the PhD System or Close It Down” يقول فيه: " تتبع معظم برامج الدكتوراه هيكلاً يعود تاريخه إلى جامعات العصور الوسطى في أوروبا. الهدف؛ إنتاج نسخ مكررة من الأساتذة المختصين عبر استنساخهم. ولا يزال هذا النموذج الصارم قائماً حتى اليوم، رغم تغيّر سوق العمل الأكاديمي تغيّراً جذرياً. " ويواصل بالقول: " نظام الدكتوراه عند مفترق طرق حاسم: إما أن يتجدد لمواكبة متطلبات العصر الحديث، أو يُصبح بلا قيمة. بتبني التعلم متعدد التخصصات، وشراكات الصناعة، والتطورات التكنولوجية، يمكن لبرامج الدكتوراه استعادة قيمتها. أما إذا رفضت الجامعات التكيف، فستستمر في تخريج طلاب غير مؤهلين لسوق العمل الحالي" . ولنا أن نتخيّل ان هذا ما يتداوله الغرب حالياً في قضايا تحديث النظم المعرفية؛ ونتساءل في اي طريق نحن؟
في مناظرة شهيرة حول موضوعات شتى بين نعوم تشومسكي وميشيل فوكو في العام 1971 يطرح فوكة خطر مؤسسة ( الجامعة) بقوله: " أعتقد ان ممارسة السلطة السياسية تتم كذلك عبر عدد آخر من المؤسسات التي تتظاهر بأنها لا تملك شيئا مشتركا مع السلطة السياسية وباستقلاليتها عن الدولة, غير انها ليست كذلك.. يعلم المرء بأن الجامعة – وبصورة عامة كل الانظمة التعليمية التي تبدو وكانها ببساطة تنشر المعرفة فقط. صُنعت للمحافظة على طبقة اجتماعية معينة في موضع القوة، ولحصر امتلاكها لأدوات القوة دون الطبقات الاجتماعية الأخرى" وهي صورة أخرى لكيفية سيطرة النظم التربوية والتعليمية على حيوات الناس، عبر تدجينهم واكسابهم صفة الاستنساخ للتجارب القديمة ( جيل الآباء)، أو كما يريد ذاك الجيل ان تبقي الامور كما هي .
هل نحن في حاجة لاعادة تعريف مفهوم التربية؟
من أهم الموضوعات التي تتفرد بها التربيةُ دون غيرها؛ ما يتعلق بـ المناهج والمقررات تصميماً وتعليماً وتطبيقاً وتقويماً وتطويراً، باستخدام كافة الأساليب التربوية التقليدية والحديثة في التخصصات المختلفة. إذن، هذا حقل أصيل، بل لعله من أكثرها أصالة، بحيث لا تُنازَعُ فيه التربيُة، إذ هي الحقل الذي يمتلك “حق التشريع” إزاء هذا الموضوع المبحوث منهجياً وبحثياً وتطبيقياً، ويعد هذا أسمى أنواع الملكية للموضوعات المبحوثة.
تحتاج المؤسسات التربوية عندنا لاعادة تعريف هذا المفهوم ؛ ولوضع أسس سوسيولوجية جديدة لمهامها وأهدافها. ويشير د. الرفاعي بطريقة ما في خطاطته عن الفروقات بين جيل الآباء وجيل الأبناء إلى ما يسميه بيار بورديو بالعنف الرمزي، الذي يمارس من خلال المؤسسات التعليمية وبالاخص المدرسة، والتي تسعى بطريقة أو أخرى للمحافظة على الوضعية القائمة، ( يفهم في سياق جيل الآباء) الذين يودون أن تبقى الأمور على ماهي عليه؛ وحيث يتميز العنف الرمزي في المدرسة بقدرته الكبيرة على المخادعة الأيديولوجية وبناء الأوهام التربوية على نحو طبقي، وضمن هذه الممارسة الرمزية تبدو المدرسة على أنها مؤسسة محايدة طبقيا.(2) لكن المدرسة في جوهرها ليست محايدة أبدا، وهي تمارس التطبيع الفكري والأيديولوجي للطلاب، وتقوم في الوقت نفسه بإضفاء الشرعية على الأوضاع الاجتماعية السائدة في المجتمع في اتجاه المحافظة على النظام السياسي الاجتماعي القائم. وهي بفعالياتها الرمزية تقوم بتمتين وترسيخ العلاقات الطبقية القائمة في المجتمع، تحت ستار استقلال نظام التعليم وحياديته الظاهرة. ومن الطبيعي أن يعزز المجتمع هذه الاستقلالية النسبية للمدرسة، حيث يتم إنشاء هيئة من المتخصصين والمهنيين في مجال العمل التربوي والمدرسي لتقوم بتسيير النظام المدرسي وفقا للاعتبارات الوظيفية والأيديولوجية المحددة في المجتمع.
حوى الكتاب مجموعة من المفاهيم القيمية والاخلاقية ضمن تربية الانسان؛ كالحب، والصمت، وقضايا الدين، ومفهوم التراث والتجديد، وهي في صلب عملية بناء الانسان . هذا كتاب للمؤسسات التعليمية والسياسية، ويمثل رؤية لأفق العصر وما ينبغي أن يكون عليه الانسان وكيف تتم تربيته؛ آمل أن يقرأ هذا الكتاب، وان يكون ضمن مناهجنا، وقبله يجب ان يتم تدريسه للتربويين والمهتمين بمسائلها والمسائل التعليمية.
هوامش: | 335 |
| 18 | ثناء على الجيل الجديد
كتابٌ للتربية
د. أحمد يعقوب
لاشكّ في أنّ القارئ لمتن نصوص وكتابات د. عبدالجبار الرفاعي يسترعي انتباهه رأساً الطّابع التّعليمي، أو إن شئنا الدّقة البُعد التربوي الذي يسم محاوراته، ويمكن إعتبار كتاب " ثناء على الجيل الجديد" من أهم الكتب التي تناولت قضايا جيل الآباء والأبناء في الخمسين سنة الماضية، بالاضافة لمناقشتها قضايا التربية والتعليم ، وهي قضايا تهم مجتمعاتنا أكثر من غيرها بمقتضى ما حصل من تطورات وتحولات في العالم الذي نعيشه اليوم.
يقوم د. عبدالجبار، غير هيّابٍ بتفكيك نُظم التربية في عصر الآباء، الذي إنهمك في نظام أحادي لرؤيته للعالم والقيم والمعايير، فاذا به يصطدم بتطورات ضخمة ومتسارعة في عصر الأبناء؛ حيث تبدلت الموضوعات نفسها، واتخذت المفاهيم أشكالاً جديدة تتمظهر وتتجلى من خلالها، مما يعني أن جيل الأبناء تحكمه نظم متعددة محايثة لواقعه وتشبه أفقه العقلي ( أفق العصر)، وقد تجاوز النظرة الأحادية التي سادت في عصر الآباء وأحدث قطيعة كبرى معها؛ مما أحدث فجوة وهوة عميقة بين الآباء والأبناء، وهو معطى القطيعة بمعناها الفلسفي.
يدافع الرفاعي عن جيل الأبناء ضد أؤلئك (الآباء)، الذين يرون في هذا الجيل أنه بلا مسؤولية، ونبع ذلك من عدم قدرة الكثيرين من جيل الآباء لرؤية التوسعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وايقاع التغيير الذي طال كل شيء، وبالتالي اتساع الفجوة في كل شئ تقريباً من حيث نمط الحياة والرؤية للعالم، والتّعاطي مع التعقيدات ونُظم تلقي المعرفة بالنسبة لجيل الأبناء؛ ولا نفهم من هذه السياقات أن عبدالجبار الرفاعي يمارس التحريض، بل هو يمارس التفكير المواكب لمتطلبات هذا العصر ومتطلبات الأبناء. إذ لا ينسى المؤلف عرض كيفية تلقي المعرفة ونُظمها عند جيل الآباء، وما شكلته هذه النّظم والتي أحياناً شبه أحادية أو أحادية في نظرتها وتعاطيعها مع العالم وموضوعاته.
يشير د. الرفاعي الى عنصر مهم وفاعل في حياة جيل الأبناء، وهو تخلّصهم من الاستعباد لشخصية الأب وشخصية العالم، والتي هي رؤية الأب بالتحديد؛ وربّما تخلّصهم من القيود التي تعيق تواصلهم أو اكتسابهم لنظم جديدة تواكب التحولات التي يعيشونها؛ وهو ما أدى الى بروز ظاهرة الاغتراب في العلاقة ما بين الآباء والأبناء؛ حيث نعيش اليوم وفق نظام لا يمكن مواكبته دون التعامل مع تسارعه التقني، وقدرة الشخص على الانتقال شبه الدائم لمعالجة موضوعات شتى في فترات زمنية قصيرة؛ ضمن هذا الاطار يفكك د. الرفاعي أشكال العلاقة بين الآباء والأبناء؛ حيث يطلب جيل الآباء الطاعة والانقياد وأحياناً الرضوخ الكامل؛ وهو مايواجه بتمرد عنيف من الأبناء، ولحل الاشكال هذا يطالب المؤلف جيل الآباء بالسماح للأبناء بالانخراط في مواقع السلطة السياسية والحياة الاجتماعية والثقافية، باعتبار أن جيل الأبناء هو أثمن رأسمال للحاضر والمستقبل.
ينحاز د. عبدالجبار الرفاعي بشكل لا مواربة فيه لجيل الأبناء، ويقول أنه تعلم منهم أكثر مما تعلم من جيل الآباء؛ وهذه روح توضح حجم التحولات والتغيرات التي حدثت في عالمنا المعاصر، وخاصة في العشرين عاماً الماضية، وتبيّن ضرورة المواكبة، والا عاش الانسان في كهف ذاكرته أو كما يقول جيل الأياء في السودان: "زمننا أفضل ونتمنى أن يعود ذاك الزمان"، وقد خبرنا نحن جيل الأبناء بالاخص هذه البكائيات من جيل الآباء.
ويعتبر حقل أو علم التربية من الحقول الرئيسة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، إذ إنه يقدم إسهامات منهجية وعلمية وتطبيقية كبيرة، خلال مسيرة طويلة من العمل الرصين والإنجازات اللافتة. ومن ذلك كون كليات التربية في العالَم مصدر التموين الأساسي لوزارات التعليم والتربية، عبر الإسهام في تطوير سياسات التعليم وفلسفته، وتأمين خطوط كافية لإنتاج: المعلمين الأكفاء، وصنّاع المناهج والمقررات، وخبراء التعليم والتعلم والتقويم، وهذا ما يفسر سر الاهتمام الكبير بكليات التربية في مختلف دول العالم[1]. وتشكل نُظم التربية والتعليم وطرق اكتساب وتلقي المعرفة والتي بنيت على أساسها تاريخاً طويلاً من سلطة الآباء في بلداننا وسيطرتهم على كل شئ؛ أحد الموضوعات المهمة في فكر الرفاعي؛ وفي عالمٍ يشهد تحولات كبيرة في فضاءاته لاتزال هذه النظم تمسك بتلابيب مجتمعاتنا المتخلفة وتمنعها من الاستفادة من النظم الحديثة، لأن العقل التربوي لا يزال ماضوياً.
وحيث إن المشهد التربوي ضمن سياق التحديات والتشوهات التي يعيشها، بحاجة ماسة لمراجعة نقدية صارمة عامة للحقل التربوي ذاته. ولكي تكون هذه المراجعة مثمرة، فإنه يتوجب أن يقوم بها مفكرو التربية أنفسُهم، والذين هم بحاجة ماسة في مجتمعاتنا على وجه الخصوص بمواكبة التطورات التقنية والتحديثات التكنولوجية، وعلى أن يكون أس هذه المراجعة النقدية إبستمولوجياً، وذلك راجع إلى أن النقد الإبستمولوجي قادر على تشخيص أصل الداء في حقل التربية. | 267 |
| 19 | يجدد طه الإسلام من داخل بنية الشريعة، ويبحث في القرآن عن شريعة المستقبل، في حين يجدد الرفاعي التفكير الديني عبر نقد الأسس الكلامية والمعرفية التي حولت الدين إلى شريعة شاملة وأيديولوجيا سياسية. يريد طه توسيع الإسلام ليقدم نظامًا حديثًا للحياة والدولة، أما الرفاعي فيعيد تحديد مجال الدين لحماية وظيفته الوجودية، ويحرر الدولة من سلطة المقدس، ويحرر الدين من استحواذ الدولة والجماعات السياسية.
خاتمة
يشترك عبد الجبار الرفاعي ومحمود محمد طه في الانحياز إلى الإنسان، والدفاع عن الحرية والمساواة، ونقد التدين القسري، ومقاومة توظيف الشريعة في الاستبداد وإهدار الكرامة. يرى كلاهما أن الفهم الديني الموروث لا يستجيب لتحولات عالم الإنسان الحديث، وأن الدين يفقد رسالته حين يتحول إلى خوف وعنف ووصاية. غير أن هذا الاشتراك في الغايات الإنسانية لا يعني وحدة المنطلقات والمناهج والنتائج، فلا يمثل مشروع الرفاعي امتدادًا لمشروع طه، ولا يمكن إدراجهما في اتجاه فكري واحد. محمود محمد طه مصلح ديني متصوف، وصاحب دعوة ونظرية في تطوير التشريع، أراد تأسيس مجتمع ديمقراطي اشتراكي عادل يستمد نظامه السياسي والاقتصادي والقانوني من "الرسالة الثانية في الإسلام".
أما عبد الجبار الرفاعي فهو فيلسوف دين ومتكلم جديد، يعمل على تحرير الدين من الأيديولوجيا، وإعادة بناء علم الكلام ليشبع حاجته الإنسان الوجودية إلى المعنى. وتفسير مركزية الإنسان في الأرض بوصفها امتدادًا لمركزية الله في الوجود، بمعنى استخلاف الله للإنسان ونيابته الشاملة عنه في الأرض. يبحث طه عن شريعة المستقبل داخل القرآن، فيما يبحث الرفاعي عن معنى الدين ووظيفته في الحاضر والمستقبل. يريد طه نقل المجتمع من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية، ويريد الرفاعي نقل التفكير الديني من نسيان الإنسان إلى مركزية الإنسان، ومن احتكار الحقيقة إلى تعدد الفهم، ومن لاهوت الخوف والطاعة إلى إيمان الحب والرحمة والحرية والكرامة.
يدمج طه الروحي والتشريعي والسياسي والاقتصادي داخل رسالة دينية شاملة، في حين يميز الرفاعي بين هذه المجالات حماية للدين والإنسان والدولة؛ فالدين لديه لا ينتج نظام الحكم أو الإدارة أو الاقتصاد أو القانون، وتتمثل مهمته في إرواء الظمأ الأنطولوجي، ومعالجة الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء حياة الإنسان بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية.
يقدم طه تصورًا مكتملًا نسبيًا لما ينبغي أن يكون عليه الإسلام، ويمنح تجربته الروحية وقراءته للقرآن موقعًا مركزيًا في هذا التصور، أما الرفاعي فيقدم أفقًا نقديًا مفتوحًا لتجديد فهم الدين، ولا يدعي امتلاك تفسير نهائي أو حقيقة تلزم الآخرين. يؤصل طه الديمقراطية والاشتراكية والمساواة دينيًا، بينما يعترف الرفاعي باستقلال العقل والخبرة الإنسانية في إنتاج الدولة الحديثة ونظمها وحقوقها وقوانينها.
هنا تتجلى فرادة كل مشروع: شجاعة محمود محمد طه في إعادة بناء التشريع من داخل القرآن، ودفاعه عن الحرية والمساواة في مواجهة سلطة انتهت إلى إعدامه، وفرادة عبد الجبار الرفاعي في إعادة تعريف الإنسان والدين والوحي والنبوة وتنوع الطرق إلى الله والشريعة والتكليف، انطلاقًا من حاجة الإنسان إلى المعنى، وتحريره من احتكار الدولة والجماعة والأيديولوجيا، مع ترك بناء الدولة ونظمها وقوانينها وبرامجها وإدارة شؤونها للعقل البشري وتراكم تجاربه وخبراته.
1] كاتب من السودان، ود مدني. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=926112 | 287 |
| 20 | روحانية طه طريق للمعرفة والتشريع والارتقاء نحو الحرية الفردية، في حين تمثل الروحانية عند الرفاعي أفقًا للمعنى، ومصدرًا للحب والرحمة وتعدد طرق النجاة، من دون أن تستغني عن العقل أو تهدر فردية الإنسان وحريته وكرامته.
13. الموقف من الحداثة
يحاول محمود محمد طه إثبات أن أسمى قيم الحداثة كامنة في أصل الإسلام، وأن الحرية والمساواة والديمقراطية والاشتراكية تمثل المضامين المؤجلة للرسالة الثانية. ويعتمد تصورًا تطوريًا للتاريخ، يرى أن ما تعذر تطبيقه في القرن السابع، بسبب محدودية طاقة المجتمع آنذاك، أصبح ممكنًا بعد تطور وعي الإنسان الحديث واستعداده لتحمل مسؤولية الحرية. هكذا يستوعب طه الحداثة داخل تأويله للقرآن، ويمنح قيمها مشروعية دينية من خلال الانتقال من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية.
أما الرفاعي فلا يرد الحداثة إلى أصل ديني سابق، ولا يبحث في القرآن والنصوص الدينية عن الديمقراطية والدولة الدستورية وحقوق الإنسان ومناهج العلم الحديث، ولا يرى حاجة إلى أسلمة المكاسب التي أنتجها العقل البشري. يعترف الرفاعي باستقلال الحداثة ومصدرها الإنساني، ويتعامل معها بوصفها مسارًا تاريخيًا متنوعًا وغير مكتمل، لا كتلة مغلقة تقبل كلها أو ترفض كلها. يتعلم الرفاعي من الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان ومناهج التأويل والنقد، ويستثمر مكاسب الحداثة في مراجعة علم الكلام ونقد المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها. في الوقت نفسه ينقد النزعات المادية والعدمية في الحداثة، وما تفضي إليه من اختزال الإنسان في حاجاته المادية، وافقار حياته الروحية، وتعميق اغترابه الميتافيزيقي. يقيم الرفاعي حوارًا نقديًا متبادلًا بين الدين والحداثة؛ يستعين بمكاسب الحداثة لتحرير فهم الدين من الوثوقيات والوصايات، ويستدعي المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية للدين لمعالجة فقر المعنى والقلق الوجودي في العالم الحديث.
يدمج طه الحداثة في تأويله للقرآن ويشتق مشروعيتها من الرسالة الثانية، في حين يعترف الرفاعي باستقلال منجزها الإنساني، ويتفاعل معها نقديًا، فيتعلم من مكاسبها من دون أن يغفل تناقضاتها وحدودها.
14. منهج إنتاج المعرفة
يعتمد محمود محمد طه التأويل الإشاري، والتمييز بين الظاهر والباطن، والأصل والفرع، والشريعة والحقيقة، ومستويات الخطاب تبعًا لتطور المتلقي واستعداده الروحي. ويتعامل مع القرآن باعتباره نصًا متعدد الطبقات، تتكشف معانيه العليا كلما ارتقى الإنسان في المعرفة والسلوك، ويجعل التجربة الروحية والمجاهدة مدخلًا إلى اكتشاف هذه المعاني. تتسم منظومته بقدر كبير من الاتساق الداخلي، غير أنها تقوم على مقدمات عرفانية وتأويلية تستمد مشروعيتها من تجربته الروحية وقراءته الخاصة للقرآن، ويصعب إخضاعها للبرهنة العقلية المشتركة خارج تجربته ومدرسته.
أما الرفاعي فيعتمد فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، وتحليل المفاهيم، والنقد التاريخي، ويستفيد من معطيات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والألسنيات وعلوم اللغة الحديثة في دراسة الدين وتفسير أنماط حضوره في حياة الإنسان. المعرفة الدينية بشرية، ينتجها الإنسان في أفق لغته وثقافته وذاكرته وأسئلته ومصالحه وأحكامه المسبقة. لهذا لا يطابق الرفاعي بين الوحي وفهم الإنسان للوحي، ولا يمنح أي تفسير حصانة من النقد والمراجعة. لا يدعي الوصول إلى تفسير أخير للنص، ويرى أن فهم الدين يتجدد بتجدد الإنسان ومعارفه وأسئلته وتحول نمط معيشته وعلومه ومعارفه وثقافته. يحافظ الرفاعي على التمييز بين الإيمان والمعرفة؛ فالإيمان تجربة وجودية وروحية تمنح حياة المؤمن معنى، أما المعرفة الدينية فهي فهم بشري قابل للفحص والنقد والتصويب.
يقوم منهج طه على اكتشاف المستوى الأعلى الكامن في النص من خلال الارتقاء الروحي والانتقال من الفروع إلى الأصول، فيما يقوم منهج الرفاعي على كشف تاريخية الفهم، وحدود القارئ، وأثر قبلياته في إنتاج المعنى، وتعدد آفاق القراءة. يبحث طه عن المعنى النهائي الذي تنطوي عليه "الرسالة الثانية"، بينما يفتح الرفاعي النص على تعدد الفهوم، ويرفض احتكار تفسيره أو تحويل قراءة بشرية إلى حقيقة مقدسة ملزمة لكل إنسان.
15. اللغة وبناء المفاهيم
لغة محمود محمد طه قرآنية صوفية، تستمد مفرداتها وصورها وبنيتها الحجاجية من القرآن وميراث التصوف، وتتحرك داخل نسق من الثنائيات: الأصول والفروع، الرسالة الأولى والرسالة الثانية، الإسلام والإيمان، الشريعة والحقيقة، الظاهر والباطن، الحرية المقيدة والحرية الفردية المطلقة. تمنح هذه الثنائيات مشروعه تماسكًا داخليًا، وتتيح له بناء رؤية كلية تنتظم فيها العبادة والأخلاق والتشريع والسياسة والاقتصاد ضمن مسار واحد لارتقاء الفرد والمجتمع. تخاطب لغته القارئ بلهجة المعلم الروحي وصاحب الدعوة الواثق من اكتشافه، وتميل إلى الحسم والتقرير، ولا تترك مسافة واضحة بين تجربته الروحية الخاصة والحقيقة التي يقدمها إلى أتباعه.
أما لغة الرفاعي ففلسفية تأويلية إنسانية، تنفتح على لغة فلسفة الدين والهرمنيوطيقا وعلوم الإنسان، وتعيد بناء مفرداتها في ضوء أسئلة الإنسان المعاصر. لا تكتفي لغته بشرح المفاهيم الموروثة، وإنما تنتج مفاهيمها الخاصة، مثل: "الظمأ الأنطولوجي"، و"الاغتراب الميتافيزيقي"، و"النزعة الإنسانية في الدين"، و"التدين الرحماني"، و"التدين الشعبي"، و"التدين الشعبوي"، وغيرها. تنبع هذه المفاهيم من تجربته المعرفية والروحية والأخلاقية وسيرته الذاتية، غير أنها لا تقدم التجربة الشخصية مصدرًا لحقيقة ملزمة للآخرين، وتخضع نفسها للمراجعة والنقد وإعادة النظر. لغة الرفاعي لا تنغلق على لغة الوعظ أو الدفاع العقائدي، وتستفيد من الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان، من دون أن تذوب في لغتها أو تستنسخ مقولاتها. لا تعلن امتلاك تفسير أخير للدين، ولا تقدم مشروعها باعتباره منظومة، وإنما تسعى إلى إيقاظ الأسئلة وفتح آفاق جديدة لفهم الدين والإنسان.
يبني طه بلغة تقريرية منظومة مترابطة ومكتملة نسبيًا، بينما يكتب الرفاعي بلغة تساؤلية مفتوحة، ترى التفكير مسارًا لا يتوقف، وتدرك أن كل فهم بشري يظل محدودًا وقابلًا للمراجعة والتجاوز.
16. موقع المؤلف في مشروعه
يحتل محمود محمد طه موقع المعلم الروحي وصاحب "الرسالة الثانية"، وقد ارتبطت مشروعية المشروع لدى أتباعه بمكانته الروحية وتجربته التعبدية وقراءته الخاصة للقرآن. لم يكن في نظر تلامذته مفكرًا يقدم اجتهادًا قابلًا للأخذ والرد فقط، بل كان معلمًا يكشف مستوى جديدًا من الرسالة الإسلامية، ويقود أتباعه في طريق التربية والتحقق الروحي. أنتج هذا الموقع طاقة أخلاقية كبيرة، ومنح طه شجاعة استثنائية في مقاومة الاستبداد والدفاع عن الحرية، وجعله نموذجًا حيًا لوحدة الفكر والموقف والسلوك، لكنه ربط المشروع بشخص المؤسس، وجعل كثيرًا من مقدماته الروحية والتأويلية تستمد قوتها من الثقة بمقامه أكثر مما تستمدها من برهنة عقلية مشتركة.
أما الرفاعي فلا يمنح نفسه سلطة دينية أو مقامًا روحيًا، ولا يقدم مشروعه في صورة رسالة جديدة، ولا يؤسس جماعة أو طريقة أو تنظيمًا يطالب أتباعه بالطاعة والامتثال. تحضر ذاته في كتاباته من خلال السيرة الفكرية والاعتراف والتحولات والمراجعات ونقد تجاربه السابقة. يتحدث الرفاعي عن ذاته باعتبارها ذاتًا مفكرة، تكشف مسار تعلمها وأخطاءها وتحولاتها ومراجعاتها، لا ذاتًا تؤسس للطاعة أو تحتكر الحقيقة. يكتب الرفاعي من داخل تجربة إيمانية وفكرية شخصية، لكنه لا يحول تجربته إلى معيار ملزم للآخرين، ولا يجعل منزلته أو سيرته مصدرًا لمشروعية أفكاره. تستمد الفكرة قيمتها لديه من قدرتها على التفسير والحوار والإقناع، وما تفتحه من أفق للفهم، وما توقظه من أسئلة، وتظل خاضعة للنقد والمراجعة بصرف النظر عن مكانة قائلها.
يتمحور مشروع طه حول شخصية المعلم الذي يكشف الرسالة الثانية ويجسدها في حياته، فيما يتمحور مشروع الرفاعي حول الإنسان المفكر الحر، الذي لا يحتاج إلى شيخ أو وصي كي يفهم ذاته ويتلقى ايمانه ويصوغ معنى حياته. ولهذا ظل مشروع طه وثيق الصلة بمؤسسه وجماعته، في حين يسعى مشروع الرفاعي إلى إنتاج فضاء فكري مفتوح، لا يتطلب الانتماء إلى جماعة، ولا يقوم على التلقي والطاعة، ويترك للقارئ حرية الحوار معه والاختلاف عنه وتجاوز أفكاره.
17. أعمق نقطة افتراق
محمود محمد طه مصلح ديني وصاحب دعوة، أما عبد الجبار الرفاعي فهو فيلسوف دين ومتكلم جديد. ويتجلى أعمق اختلاف بين المشروعين في السؤال الآتي: هل يتطلب التجديد اكتشاف المستوى الأعلى من الشريعة الكامن في القرآن، أم يتطلب إعادة النظر في طبيعة الدين ووظيفته وحدود المعرفة الدينية؟
يجيب طه بأن الإسلام ينطوي على مستوى نهائي لم تطبقه المجتمعات الإسلامية تاريخيًا، وأن البشرية بلغت من التطور ما يؤهلها لبعثه في صورة "الرسالة الثانية". يقوم التجديد لديه على الانتقال من آيات الفروع المدنية، التي استجابت لطاقة مجتمع القرن الأول الهجري، إلى آيات الأصول المكية المؤسسة للحرية والمساواة.
أما الرفاعي فيرى أن الدين ليس برنامجًا شاملًا للدولة والتشريع والاقتصاد والإدارة، ولا يستبطن نظمًا سياسية وحقوقية وقانونية جاهزة تنتظر من يستنبطها من النص. تتمثل مهمة الدين لديه في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من اغترابه الميتافيزيقي، وحماية كرامته، وإيقاظ ضميره الأخلاقي، وإغناء حياته بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية. أما بناء الدولة ووضع نظمها السياسية والإدارية والاقتصادية والحقوقية والقانونية، فهي مهمة ينهض بها الإنسان بعقله، وفي ضوء تراكم تجاربه وخبراته وتطور وعيه الحقوقي. | 156 |
