عبدالجبار الرفاعي
رفتن به کانال در Telegram
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
نمایش بیشتر3 653
مشترکین
-124 ساعت
-57 روز
-1930 روز
در حال بارگیری داده...
کانالهای مشابه
ابر برچسبها
اشارات ورودی و خروجی
---
---
---
---
---
---
جذب مشترکین
ژوئیه '26
ژوئیه '26
+2
در 0 کانالها
ژوئن '26
+16
در 1 کانالها
Get PRO
مه '26
+18
در 1 کانالها
Get PRO
آوریل '26
+16
در 1 کانالها
Get PRO
مارس '26
+23
در 1 کانالها
Get PRO
فوریه '26
+41
در 1 کانالها
Get PRO
ژانویه '26
+33
در 1 کانالها
Get PRO
دسامبر '25
+36
در 1 کانالها
Get PRO
نوامبر '25
+42
در 2 کانالها
Get PRO
اکتبر '25
+30
در 1 کانالها
Get PRO
سپتامبر '25
+33
در 0 کانالها
Get PRO
اوت '25
+24
در 1 کانالها
Get PRO
ژوئیه '25
+27
در 1 کانالها
Get PRO
ژوئن '25
+31
در 1 کانالها
Get PRO
مه '25
+31
در 1 کانالها
Get PRO
آوریل '25
+21
در 0 کانالها
Get PRO
مارس '25
+48
در 1 کانالها
Get PRO
فوریه '25
+57
در 3 کانالها
Get PRO
ژانویه '25
+54
در 1 کانالها
Get PRO
دسامبر '24
+40
در 1 کانالها
Get PRO
نوامبر '24
+50
در 0 کانالها
Get PRO
اکتبر '24
+345
در 1 کانالها
Get PRO
سپتامبر '24
+45
در 2 کانالها
Get PRO
اوت '24
+47
در 1 کانالها
Get PRO
ژوئیه '24
+70
در 3 کانالها
Get PRO
ژوئن '24
+58
در 1 کانالها
Get PRO
مه '24
+24
در 1 کانالها
Get PRO
آوریل '24
+42
در 1 کانالها
Get PRO
مارس '24
+38
در 0 کانالها
Get PRO
فوریه '24
+77
در 1 کانالها
Get PRO
ژانویه '24
+167
در 3 کانالها
Get PRO
دسامبر '23
+164
در 2 کانالها
Get PRO
نوامبر '23
+89
در 3 کانالها
Get PRO
اکتبر '23
+28
در 0 کانالها
Get PRO
سپتامبر '23
+140
در 0 کانالها
Get PRO
اوت '23
+805
در 0 کانالها
Get PRO
ژوئیه '23
+17
در 0 کانالها
Get PRO
ژوئن '23
+21
در 0 کانالها
Get PRO
مه '23
+19
در 0 کانالها
Get PRO
آوریل '23
+37
در 0 کانالها
Get PRO
مارس '23
+32
در 0 کانالها
Get PRO
فوریه '23
+75
در 0 کانالها
Get PRO
ژانویه '23
+15
در 0 کانالها
Get PRO
دسامبر '22
+21
در 0 کانالها
Get PRO
نوامبر '22
+27
در 0 کانالها
Get PRO
اکتبر '22
+23
در 0 کانالها
Get PRO
سپتامبر '22
+23
در 0 کانالها
Get PRO
اوت '22
+25
در 0 کانالها
Get PRO
ژوئیه '22
+20
در 0 کانالها
Get PRO
ژوئن '22
+25
در 0 کانالها
Get PRO
مه '22
+14
در 0 کانالها
Get PRO
آوریل '22
+39
در 0 کانالها
Get PRO
مارس '22
+14
در 0 کانالها
Get PRO
فوریه '22
+35
در 0 کانالها
Get PRO
ژانویه '22
+53
در 0 کانالها
Get PRO
دسامبر '21
+33
در 0 کانالها
Get PRO
نوامبر '21
+36
در 0 کانالها
Get PRO
اکتبر '21
+29
در 0 کانالها
Get PRO
سپتامبر '21
+39
در 0 کانالها
Get PRO
اوت '21
+39
در 0 کانالها
Get PRO
ژوئیه '21
+41
در 0 کانالها
Get PRO
ژوئن '21
+17
در 0 کانالها
Get PRO
مه '21
+41
در 0 کانالها
Get PRO
آوریل '21
+93
در 0 کانالها
Get PRO
مارس '21
+40
در 0 کانالها
Get PRO
فوریه '21
+163
در 0 کانالها
Get PRO
ژانویه '21
+35
در 0 کانالها
Get PRO
دسامبر '20
+2 176
در 0 کانالها
| تاریخ | رشد مشترکین | اشارات | کانالها | |
| 08 ژوئیه | 0 | |||
| 07 ژوئیه | 0 | |||
| 06 ژوئیه | 0 | |||
| 05 ژوئیه | 0 | |||
| 04 ژوئیه | 0 | |||
| 03 ژوئیه | +1 | |||
| 02 ژوئیه | +1 | |||
| 01 ژوئیه | 0 |
پستهای کانال
بحث بعنوان:
"إعادة تأويل علم الكلام: عبد الجبار الرفاعي وخطاب علم الكلام الجديد".
الباحثان:
* مجدد (Mujaddid)
* سيد محمد حلمي بن سيد عبد الرحمن (Syed Mohammad Hilmi bin Syed Abdul Rahman)
الانتماء المؤسسي:
* مجدد: الجامعة الإسلامية الدولية الإندونيسية، إندونيسيا.
* سيد محمد حلمي بن سيد عبد الرحمن: جامعة مالايا، ماليزيا.
منشور في دورية:
“Reinterpreting Theology: ‘Abd al-Jabbar al-Rifā’ī and Neo-Kalam Discourse”
للباحثين: Mujaddid Abdullah و Syed Mohammad Hilmi bin Syed Abdul Rahman.
نُشر في: Australian Journal of Islamic Studies (AJIS)، المجلد 10، العدد 2، سنة 2025.
ملخص البحث:
استقطب تجديد الفكر الإسلامي في العقود الأخيرة اهتمام عدد كبير من المفكرين المسلمين. وقد بدأ هذا الخطاب يتبلور في القرن التاسع عشر، ثم واصل اتساعه وتطوره. وأفضى تراجع أحوال المجتمعات الإسلامية إلى تنامي الوعي بضرورة تجديد علم الكلام، حتى غدا “علم الكلام الجديد” أحد أبرز موضوعات النقاش في الفكر الإسلامي المعاصر.
ويُعد عبد الجبار الرفاعي من أبرز المنخرطين في هذا الحقل، ويتجلى ذلك في كثرة مؤلفاته وأنشطته الأكاديمية. غير أن الجهود المبذولة لإصلاح علم الكلام لم تفضِ حتى الآن إلى بلورة مفاهيم وصياغات واضحة تحظى بإجماع علمي.
في هذا السياق، تبحث هذه الدراسة أثر أفكار الرفاعي في علم الكلام الجديد في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر. واعتمدت الدراسة المنهج النوعي، وجُمعت بياناتها من خلال البحث المكتبي، ثم حُللت بالاستفادة من المناهج التاريخي والاستقرائي والاستنباطي والمقارن.
وتخلص الدراسة إلى أن مفهوم علم الكلام الجديد عند الرفاعي نشأ في سياق تحول نموذجي في التفكير الديني. ويسعى مشروعه إلى إعادة بناء الفكر الإسلامي من خلال توظيف مقاربات العلوم الاجتماعية الحديثة، مبتدئًا بمراجعة البنية التأسيسية لعلم الكلام الكلاسيكي في أبعاده الأنطولوجية والإبستمولوجية والأكسيولوجية. وقد أثار هذا المشروع، في الوقت نفسه، تقديرًا ونقدًا داخل دوائر الفكر الإسلامي المعاصر.
المعرف الرقمي (DOI):
10.55831/ajis.v10i2.755
تاريخ النشر:
5 سبتمبر 2025.
رابط نشر البحث في الدورية:
https://ajis.com.au/index.php/ajis/article/view/755?utm_source=chatgpt.com
| 2 | https://x.com/alrifaeejbbar/status/2068087296486744500?s=48&t=xm_BESlFUp5FWUclE39h3A | 198 |
| 3 | https://x.com/alrifaeejbbar/status/2068087296486744500?s=48&t=xm_BESlFUp5FWUclE39h3A | 1 |
| 4 | إعادة التفكير في علم الكلام الإسلامي: حوارات بالألمانية
العنوان الأصلي: Islamische Theologie neu denken.
أجرى هذه الحوارات عباس بويا مع: عبد الجبار الرفاعي، ومحسن كديور، وحسن يوسفي إشكوَري، وآرش نراقي.
Amazon: https://www.amazon.ae/Islamische-Theologie-denken-Abbas-Poya/dp/3111079627 | 322 |
| 5 | من هنا نظر كثير من الفقهاء إلى الفلسفة بريبة، وأصدروا فتاوى بتحريمها أو التحذير منها، بسبب ما توقظه من نقد عقلي لليقينيات الشائعة، وما تفتحه من آفاق للتفكير خارج الوصايات المغلقة. الفلسفة تدرب العقل على الشك المنهجي، وتحرره من الخضوع الأعمى لكل سلطة، سواء كانت سلطة الفقيه أو المفسّر أو الحاكم. عندما وقع العقل المسلم تحت هيمنة التخادم التاريخي بين الفقيه والسلطان، انكمشت مساحة السؤال، وتسيدت روح الامتثال، وانشغل العقل بحراسة الأجوبة أكثر من انشغاله بإنتاج المعرفة. مع انحسار الفلسفة خسر الفكر الديني في الإسلام أحد أهم منابع حيويته المبدعة، وتراجع العقل النقدي الذي أسهم، في عصور الازدهار، في إثراء مديات النظر إلى الإنسان والعالم والدين. حيثما يضيق مجال السؤال تضعف الحرية، وحيثما تخنق الفلسفة يترسخ الاستبداد السياسي والمعرفي والروحي.
[1] ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. ج8: ص109 – 110، دار صادر، بيروت.
[2] المصدر السابق. ج8: ص109.
[3] المصدر السابق. ج7: ص287.
[4] المصدر السابق. ج9: ص124.
[5] فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٠٩ - ٢١٢). https://alsabaah.iq/134445-.html | 295 |
| 6 | انحسار دور العقل إثر تحريم الفلسفة
د. عبد الجبار الرفاعي
بعد عصر البعثة اتسع أفق التساؤل والنقد في التفكير الديني لدى المسلمين، وتوالدت تأويلات للآيات القرآنية ذات المضمون الاعتقادي، أثارت أسئلة عن القضاء والقدر، والحرية الإنسانية، والعدل الإلهي، وصفات الله، وعلاقة الوحي بالعقل. لم تلبث هذه الأسئلة أن تجاوزت الجدل الديني المبكر، وتحولت إلى قضايا معرفية كبرى استدعت ابتكار مناهج جديدة للفهم والاستدلال. ومع اتساع النقاش حولها نشأت المدارس الكلامية في القرون الأولى، وتبلورت اتجاهات متنوعة في النظر الاعتقادي، سعت إلى بناء رؤى عقلية لتفسير المعتقدات والدفاع عنها، وصياغة أجوبة تتناسب مع مستوى الوعي وما فرضه الواقع في تلك المرحلة.
هكذا نشأ علم الكلام استجابةً لحاجة العقل إلى فهم المعتقد الديني بما يتناسب مع مستوى وعيه والواقع الذي يعيش فيه، والبحث عن أجوبة للأسئلة التي أثارها التأمل في آيات القرآن. وتبلور هذا العلم في سياق اتساع آفاق المعرفة وتعدد التحديات، فسعى إلى بناء رؤية عقلية للعقائد، والدفاع عنها، وتفسيرها بلغة تتحدث بعقل عصرها وأسئلته ونمط الوعي المتسيّد فيه.
تكشف ولادة علم الكلام ثم الفلسفة عن حيوية العقل في مراحله التأسيسية، وحضوره الفاعل في إنتاج المعرفة. كلما واجه المسلمون أسئلة جديدة سعوا إلى الاستعانة بأدوات جديدة للفهم، وكلما تطورت خبرتهم بالعالم اتسعت حاجتهم إلى التفكير والتساؤل والنقد والتأويل. لم يكتفوا بتلقي المعارف السائدة، وإنما شاركوا في إعادة بنائها وصياغتها وتطويرها بما يستجيب لأسئلتهم وتحولات عصرهم ونمط وعيهم. أسهم علم الكلام والفلسفة معًا في إثراء الحياة المعرفية للمسلمين في القرون الأولى، وفتحا آفاقًا رحبة للحوار مع الآخر، في واحدة من أكثر مراحل الحضارة الإسلامية خصوبة وإبداعًا.
خضع العقل في الإسلام، في مراحل طويلة من تاريخه، لوصاية المتكلمين بعد انغلاق الاجتهاد في علم الكلام، وإقصاء العقلانية الاعتزالية، كما خضع لوصاية الفقهاء، فأضحى التفكير العقلي موضع ارتياب واتهام. ففي النصف الأول من القرن الخامس الهجري صدر ما عُرف بـ"الاعتقاد القادري القائمي" باسم الخليفة العباسي القادر بالله (381-422هـ)، فكان من أشد وثائق الإقصاء العقدي للتفكير العقلي في ذلك العصر. تبنى هذا الميثاق الاعتقادي رؤية الحنابلة في الاعتقاد، وانحاز إلى مواقفهم، واستهدف سائر الاتجاهات الإسلامية المخالفة، وعدَّ بعض أتباعها مستحقين للعقوبة لمجرد تمسكهم بمعتقد يخالف ما ورد فيه. مثلًا ورد فيه أن "مَنْ قال إنه [القرآن] مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر، حلال الدم بعد الاستتابة منه"[1].
أخرج القائم بأمر الله "الاعتقاد القادري" سنة 432هـ وقرئ في الديوان بحضور الفقهاء، وكان "ممن حضـر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته، قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: إن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر"[2]. وذكر ابن الجوزي أن القادر بالله استتاب المعتزلة سنة 408هـ "فأظهروا الرجوع، وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك، وامتثل يمين وأمين الملة أبو القاسم محمود أمرَ القادر باللّه، واستن بسننه في أعماله التي استخلفه عليها، من خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم ونفاهم، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإبعاد كل طائفة من أهل البدع، وطردهم من ديارهم، وصار ذلك سنةً في الإسلام"[3]. وفي سنة 460هـ تُلِي "الاعتقاد القادري" في الديوان بناءً على طلب الفقهاء وأعيان أصحاب الحديث الذين أجمعوا على أن "من لا يُكفِّر من يُكفِّرهم (الاعتقادُ) فهو كافر"[4].
لم يقتصر هذا الموقف على الفقهاء، فقد تصدى للفلسفة أيضًا أبو حامد الغزالي (450-505هـ). ففي كتابه "تهافت الفلاسفة" لم يكتف بنقد آراء الفلاسفة، وإنما حكم بكفرهم في ثلاث مسائل: القول بقدم العالم، والقول إن علم الله لا يتعلق بالجزئيات، وإنكار حشر الأجساد. لم يحرّم الغزالي الفلسفة بإطلاق، ولم يرفض المنطق، بل عدّه آلة للعلوم، وافتتح به كتابه "المستصفى". ويصف الغزالي الباحث الألماني فرانك غريفيل بأنه: "منطق الفكر السني"، إذ أدخل المنطق الأرسطي في أصول الفقه وعلم الكلام الشافعي الأشعري. وكان يسعى إلى الدفاع عن العقيدة كما يفهمها، غير أن أثر كتابه تجاوز حدود الجدل الكلامي، فأثار ريبة بالعقل الفلسفي وأضعف الثقة به، ورسخ الخوف من الأسئلة التي تتجاوز المألوف. امتلك الغزالي عقلًا منطقيًا ومعرفة عميقة بالفلسفة، ويكشف كتابه "مقاصد الفلاسفة" عن استيعاب دقيق لمباحثها، غير أن هذه المعرفة انتهت في "تهافت الفلاسفة" إلى نقد الفلسفة المشائية ومحاصرة التفكير الفلسفي، مما أسهم في إضعاف حضور الفلسفة في معاهد التعليم الديني السنية.
ومع ذلك لم تتوقف الفلسفة في الإسلام، فقد استمرت في الأندلس مع ابن رشد (520-595هـ)، الذي دافع عن العقل ورد على الغزالي في كتابه "تهافت التهافت"، كما واصلت حضورها في المشرق مع شهاب الدين السهروردي (المقتول سنة 586هـ)، ثم ملا صدرا الشيرازي (980-1050هـ). غير أن الفلسفة في المشرق اتخذت مسارًا مختلفًا عن فلسفة ابن رشد العقلانية، وإنما مزجت بين البرهان العقلي والنصوص الدينية والإشراق والكشف العرفاني، فغدت فلسفة تجمع بين العقل والنقل والذوق الروحي.
لا تكمن المشكلة في نقد الفلسفة، فالنقد شرط لحيويتها، وإنما تكمن في انتقال الخلاف المعرفي إلى إصدار أحكام على إيمان الفلاسفة، وتحويل السؤال الفلسفي إلى تهمة. لم يكن الغزالي وحده مسؤولًا عن انحسار الفلسفة، فقد تضافرت عوامل سياسية واجتماعية وثقافية وفقهية متنوعة على ذلك، غير أن مكانته العلمية والنفوذ المؤثر لكتاباته منحا هذا المسار قوة وتأثيرًا، واستند إليهما كثير من الفقهاء في التحذير من الفلسفة والتفكير العقلي، مع بقاء تيارات فلسفية لاحقة في المشرق والمغرب تؤكد أن الفلسفة لم تنقطع تمامًا في الإسلام.
ثم جاء ابن الجوزي "510-597هـ"، فخصّص في كتابه "تلبيس إبليس" فصولًا لنقد الفلاسفة والتحذير من آرائهم، وعدَّ كثيرًا منها من ضروب الضلال. وظهرت بعده مواقف وفتاوى متعددة في مناهضة التفكير الفلسفي لدى أهل الحديث والفقهاء. وأسهمت هذه الفتاوى والمواقف، على تفاوت دوافعها وحدّة أحكامها، في ترسيخ الارتياب والنفور من الفلسفة وإقصائها من أكثر مؤسسات التعليم الديني، وأفضت إلى انكماش حضور التفكير الفلسفي، وتراجع دور العقل في التفكير الديني قرونًا طويلة.
شيئًا فشيئًا حلّ تكرار الإجابات، والانشغال بالتعليقات والشروح وشروح الشروح، محل المغامرة العقلية، وغلبت الأجوبة الموروثة على إنتاج الأسئلة، فخبا التفكير النقدي، وانحسر الإبداع. وبعد انسداد آفاق العقل الكلامي، تصدى بعض الفقهاء لإصدار فتاوى تحرّم الفلسفة، وتنبذ الأسئلة، وتزدري التفكير العقلي، فضاق مجال التفكير الحر، وانحسر حضور السؤال الفلسفي. صدرت فتاوى من مختلف فقهاء المذاهب بتحريم تعاطي الفلسفة، أشهرها فتوى ابن الصلاح الشهرزوري "577 - 643 هـ" التي جاء فيها: "الفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس بها تعليمًا وتعلمًا قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان... وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين، وسائر مَن يقتدى به من أعلام الأئمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها، قد برأ الله الجميع من معرة ذلك وأدناسه وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية"[5].
عندما وقع العقل تحت وصاية فتاوى ابن الصلاح الشهرزوري وأمثاله، انغلق على نفسه، واستنزف التفكير الديني في الإسلام في التكرار والاجترار، فتراجعت روح التساؤل الحر، وانطفأت الأسئلة الكبرى التي تغذي حيوية التفكير، واضمحل حضور العقل النقدي، وحلت محله نزعة تميل إلى استعادة الأجوبة الجاهزة أكثر من إنتاج أسئلة جديدة. ولما كانت الفلسفة تقوم على استقلال العقل، وحقه في التساؤل والنقد وتمحيص المسلّمات، أفضى تحريمها إلى ضمور التفكير الفلسفي، وانكماش آفاق الاجتهاد، وتراجع قدرة العقل على مراجعة مسلّماته واختبار مقولاته، ففقد الفكر الديني رافدًا أساسيًا لحيويته الخلّاقة التي ازدهرت بها حضارة الإسلام في القرون الأولى.
هناك تخادم بين مؤسسة السلطة ومؤسسة الفتوى. الفتوى أشد التصاقًا بالسلطة، لأن وظيفتها التاريخية لم تقتصر على تنظيم شؤون العبادات والمعاملات، وإنما امتدت إلى إنتاج الشرعية، وتبرير أنماط الحكم، وتكييف الوعي العام مع مقتضياتها. منذ وقت مبكر تشكلت علاقة تخادم متبادل بين الفقيه والسلطان؛ السلطان يحتاج إلى الفقيه ليضفي على سلطته مشروعية دينية، والفقيه يحتاج إلى السلطان ليحمي حضوره ونفوذه وسلطته الروحية، ويضمن فاعلية أحكامه في المجال العام. في هذا الفضاء غدا الفقه، في كثير من تمثلاته التاريخية، حارسًا للنظام القائم أكثر من كونه أفقًا لتحرير العقل وتوسيع إمكانات التفكير.
الفلسفة تنتمي إلى نمط مختلف من التفكير، فهي لا تبدأ من الجواب، وإنما من السؤال، ولا تتعامل مع المسلّمات على أنها حقائق نهائية، وإنما تفحص أسسها وتختبر مقدماتها. يزعج السؤال الحر كل سلطة، لأنه يكشف هشاشة ما يبدو راسخًا، ويعيد النظر في المبررات التي تستند إليها السلطة. لذلك لم يكن الصراع بين بعض الفقهاء والفلسفة صراعًا معرفيًا، وإنما كان صراعًا بين عقل ينشغل بحراسة الأجوبة وإعادة إنتاجها، وعقل لا يكف عن مساءلتها ونقدها. | 232 |
| 7 | بدون متن... | 171 |
| 8 | المعرفة العلمية بالأديان تخفض التعصب
د. عبد الجبار الرفاعي
تشتد الحاجة اليوم إلى دراسة علم الأديان ومقارنتها في الحوزات، ومعاهد التعليم الديني في الإسلام، لأنها المؤسسات التي تتولى التكوين العلمي والتربية الدينية لطلابها، وتأهيلهم لتدريس الدين، والتبليغ والدعوة إليه، وإدارة الشأن الديني. هذه المهمات ذات أثر عميق في تشكيل الوعي الديني، وبناء الحياة الروحية والأخلاقية، وصياغة رؤية الإنسان لذاته وللعالم وللآخر المختلف معه في الدين أو المذهب أو الثقافة.كل تعصب أعمى في فهم الدين، وكل تفسير مغلق لنصوصه، يحول الدين إلى أداة للفرقة والصراع، بعد أن جاء ليكون مصدرًا للهداية والرحمة والسلام. الجهل بالأديان الأخرى، والامتناع عن دراستها دراسة علمية، يغذي الصور النمطية، ويكرس الأحكام المسبقة، ويغلق أبواب التعارف والحوار، ويضعف القدرة على العيش المشترك.
دراسة الأديان دراسة علمية مقارنة لا تعني التخلي عن الإيمان بالدين الذي يعتنقه الإنسان، ولا تنتهي إلى تذويب الفوارق بين الأديان، وإنما تهدف إلى العودة إلى نصوص الأديان في دراستها، وفهم كل دين في سياقه التاريخي والثقافي والروحي، والتعرف على ظروف نشأته وأحوال المجتمع الذي ظهر فيه، واكتشاف ما تختزنه التجارب الدينية المختلفة من قيم ومعان وخبرات إنسانية.
المعرفة العلمية بالأديان تفكك التعصب، وتدرب العقل على الإنصاف، وتغرس احترام كرامة الإنسان المختلف، وتوسع أفق فهم الدين، وتكشف أن التجربة الدينية أوسع وأغنى من حدود التفسير الواحد، وأن صور تجلي المقدس في حياة البشر أكثر تنوعًا مما يتصوره الفهم المغلق. لا يمكن لمؤسسات التعليم الديني أن تنهض برسالتها في عالم تتفاعل فيه الثقافات وتتداخل فيه المجتمعات ما لم تدرج دراسة علم الأديان ومقارنتها ضمن برامجها الأساسية، وتنتقل من الاكتفاء بتعليم العقائد الخاصة إلى تكوين وعي ديني منفتح يمتلك القدرة على الحوار، ويعرف الآخر كما يعرف نفسه، ويحترم الاختلاف، ويؤمن بأن المعرفة المتبادلة شرط للسلم الأهلي، وأن مستقبل المجتمعات لا يصنعه نفي الآخر المختلف، وإنما يصنعه الوعي العلمي، والحوار، والاعتراف المتبادل.
من الضروري أن يعود الباحث اليوم إلى المناهج الحديثة في دراسة الأديان، وما أنجزته من نتائج معرفية بالغة الأهمية، من خلال الإفادة من مناهج اللغة واللسانيات وعلوم التأويل في فهم النصوص الدينية، والاستعانة بالبحث التاريخي للكشف عن ظروف تشكل هذه النصوص، ورحلتها عبر الزمان، والتمييز بين ما هو شفوي وما هو مدون منها. كما تقتضي هذه المناهج دراسة الميراث الديني دراسة علمية نقدية، والكشف عما هو تاريخي وما هو أسطوري في الشخصيات والأحداث والأماكن وسائر عناصر السرديات الدينية. لم تعد المناهج التقليدية في دراسة الأديان قادرة على إنتاج معرفة جديدة، لأنها ما زالت تدور في فضاء التراث، فيفسر التراث فيها التراث، ويعيد إنتاج أسئلته وأجوبته وسلطته، من غير أن ينفتح على المناهج الحديثة وما تتيحه من آفاق أرحب للفهم وإنتاج المعرفة العلمية بالأديان.
تفرض الدراسة العلمية للأديان اليوم على الباحث أن يتجاوز حدود النصوص والعقائد والتاريخ المعلن، وأن يتجه إلى اكتشاف ما أنتجه المتخيل الديني للجماعات المؤمنة، بوصفه أحد أهم العوامل التي أسهمت في إعادة تشكل الأديان وصياغة وعي أتباعها. الدين، كما عاشته الجماعات في التاريخ، لا يتطابق دائمًا مع نصوصه المؤسسة، ولا مع لحظته التأسيسية الأولى، وإنما يتشكل باستمرار من التفاعل بين النص والذاكرة الجمعية والمتخيّل الديني والبيئة الاجتماعية والثقافية والتحولات السياسية والظروف المعاشية والحاجات النفسية والروحية. في سياق هذا التفاعل يولد المتخيّل الديني، فيعيد إنتاج الشخصيات والأحداث والرموز، ويمنحها دلالات جديدة تتجاوز حدود الوقائع التاريخية.
لا يقتصر المتخيّل الديني على الأساطير والحكايات الشعبية، وإنما يمتد إلى إعادة رسم صورة الأنبياء والأولياء والأئمة والقديسين والحواريين والصحابة والكهان، وتشكيل تصورات الخلاص والعالم الآخر، وبناء السرديات المرتبطة بالكرامات والمعجزات وأحداث آخر الزمان، وغير ذلك مما يتجاوز التاريخ الأرضي إلى تاريخ تصوغه الذاكرة الدينية. لا يقف المتخيّل عند إنتاج الصور والرموز، بل يؤسس نظامًا متكاملًا لإنتاج المعنى، يعيد من خلاله تأويل النصوص، ويمنح الوقائع دلالات جديدة، ويربط بين أحداث متباعدة، ويملأ الفراغات التي يتركها النص أو التاريخ، فتتشكل شبكة واسعة من المعاني التي تغذي وعي الجماعة الدينية. وهكذا لا يتلقى المؤمن المعنى من النص وحده، وإنما يتلقاه أيضًا من السرديات التي ينتجها المتخيّل، ومن الرموز التي يصوغها، ومن الذاكرة الجمعية التي تعيد تفسير الماضي في ضوء حاجات الحاضر وتطلعات المستقبل. | 253 |
| 9 | بمرور الزمن يكتسب نظامُ إنتاج المعنى الذي صنعه المتخيّل سلطةً تفوق سلطة النص في وعي الجماعة، فيغدو مرجعًا لتفسير الدين، وتوجيه السلوك، وصياغة الهوية، وبناء الطقوس والشعائر. يتحول هذا النظام إلى الإطار الذي تُقرأ النصوص من خلاله، فتخضع دلالاتها لمنطق المتخيّل أكثر مما يخضع المتخيّل لمنطق النص.
لم يعد الباحث المعاصر يكتفي بالسؤال عن صحة الوقائع تاريخيًا، وإنما يسأل أيضًا: كيف نشأ هذا المتخيّل؟ وما الظروف التي أسهمت في إنتاجه؟ وما الوظائف الروحية والنفسية والاجتماعية والسياسية التي أداها؟ وكيف شارك في إعادة تشكيل الدين، وصناعة صورة الجماعة عن نفسها وعن الآخر؟ إن هذه الأسئلة لا تستهدف نفي القيمة الدينية للإيمان، ولا الانتقاص من الخبرة الروحية، وإنما تهدف إلى التمييز بين الدين في لحظته المؤسسة، والدين كما أعادت الجماعات المؤمنة إنتاجه عبر التاريخ. من دون هذا التمييز يتعذر فهم كثير من الظواهر الدينية، ويظل الباحث أسير السرديات التي أنتجها المتخيّل الجمعي، من غير أن يدرك أثرها العميق في إعادة تشكيل الأديان، واصطناع شخصيات وحوادث ووقائع تنتمي إلى تاريخ الذاكرة الدينية أكثر مما تنتمي إلى التاريخ الأرضي.
كانت حوزة النجف سبّاقة في التعرف على الأديان السماوية، إذ كرّس الشيخ محمد جواد البلاغي (1282-1352هـ) جهوده لدراسة اليهودية والمسيحية بالرجوع إلى التوراة والأناجيل. غير أن ريادته في هذا الحقل المهم بقيت أسيرة المنهج الكلامي، فغلبت على كتاباته لغة الجدل والمحاججة، وانشغلت بإبطال دعوى الخصم والدفاع عن معتقده أكثر من انشغالها بالفهم العلمي للأديان. لذلك لم تتحرر مقارناته من المنهج الكلامي الدفاعي، فانشغل بالتنقيب في نصوصها عما يراه منحولًا أو محرّفًا أو منافيًا للعقل، ولم يتجه إلى استكشاف القيم المشتركة في رسالتها الروحية والأخلاقية الكونية. توقف عند اختلاف المعتقدات وتعارضها، ولم ينفذ إلى الخبرة الروحية والقيم الإنسانية التي تتجاوز الجدل العقائدي، وتؤسس للتفاهم والحوار بين أتباع الأديان.
مع كل ذلك كان البلاغي رائدًا في فتح نافذة على حقل بالغ الأهمية في الدراسات الدينية داخل الحوزة، ظل مهملًا مدة طويلة. غير أن المسار الذي دشّنه لم يتواصل في العقود اللاحقة، وتوقف تحت تأثير عوامل متعددة، لعل أبرزها الافتقار إلى التكوين العلمي في لغات النصوص المؤسسة في الأديان الأخرى، وهي اللغات التي دُوّنت فيها السرديات الدينية، وعدم مواكبة علم الأديان الحديث، إلى جانب هيمنة دراسة الفقه وأصوله على مناهج الدراسة والتدريس في الحوزة. مكانة التلميذ والمدرس، ومراتب التقدير العلمي، ظلت ترتبط بالتعمق في الفقه وأصوله وبلوغ الاجتهاد الفقهي، في حين لبثت الدراسة العلمية للأديان ومقارنتها خارج دائرة الاهتمام، ولم تتحول إلى حقل معرفي راسخ في التعليم الديني.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=387109 | 259 |
| 10 | بدون متن... | 234 |
| 11 | وأفضى ذلك إلى انحسار الأسئلة الكبرى التي تبحث عن المعنى والحقيقة، لمصلحة أسئلة تنشغل بتحديد الموقف الفقهي من الواقع أكثر من الانشغال بمعرفته وتفسيره.
اتسع حضور التفكير الفقهي فاستوعب العلوم والمعارف والآداب والفنون والفلسفة، فأضحى الحكم عليها ينطلق من معيار الإباحة والحرمة أكثر مما ينطلق من معيار الحقيقة والتفسير والمعرفة. غدا السؤال: "هل يجوز فقهيًا؟" يتقدم على أسئلة: "هل هذا صحيح؟"، و"ما معناه؟"، و"ما قيمته؟"، و"ماذا يضيف إلى فهم الإنسان للعالم؟"، و"كيف يثري المعرفة البشرية؟"، و"ما أثره في بناء الحياة وتطويرها؟" و"ما قيمة المعرفة"، وأمثالها. هكذا تمدد منطق الفتوى إلى مجالات لا تنتمي إلى الفقه، فانحسر الاهتمام بأسئلة الحقيقة والمعرفة، وتراجع دور التساؤل والعقل النقدي في الفحص والاستكشاف والإبداع.
مع اتساع هذه النزعة تراجع الاهتمام بأسئلة الوجود والمعرفة، وانكمش دور الفلسفة، وضعف حضور التفكير النقدي، وتحولت وظيفة التفكير في كثير من الأحيان من الاكتشاف والفهم إلى التسويغ الفقهي، ومن إنتاج المعرفة إلى المراقبة والتعرف على مطابقة التفكير لمعايير الحلال والحرام. هكذا ضاقت آفاق التفكير، وانصرف الجهد العقلي إلى البحث عن الأحكام الفقهية أكثر من انصرافه إلى البحث عن المعاني، وإلى حراسة الأجوبة الموروثة أكثر من السعي إلى إنتاج أسئلة جديدة تفتح آفاقًا أوسع للمعرفة.
شيئًا فشيئًا تضاءل الاهتمام بالأسئلة الفلسفية الكبرى، وانحسر التفكير النقدي، حتى غدت الفلسفة في بعض المراحل موضع ريبة وشك، ثم تحولت لدى كثير من الفقهاء والمحدثين إلى معرفة محظورة جرى التحذير منها وتحريم الاشتغال بها، خشية ما تتيحه من مساءلة للمسلّمات ونقد لليقينيات الجاهزة. وبذلك خسر العقل في الإسلام أحد أهم ميادين نشاطه الخلّاق، وتراجعت الحيوية الفكرية التي أسهمت في عصور الازدهار في إنتاج المعرفة وتوسيع آفاق النظر إلى الدين والعالم والإنسان. وحلّ تدريجيًا نمط من التفكير ينشغل بحراسة الأجوبة أكثر من انشغاله بإنتاج الأسئلة، ويكرس صيانة الموروث أكثر من تجديده، ويكتفي بتكرار ما قيل بدل السعي إلى اكتشاف ما لم يُقَل. بعد انحسار السؤال الفلسفي ضاقت آفاق التأويل، وتراجعت القدرة على اكتشاف الدلالات المتجددة للنصوص الدينية. وخفت حضور العقل النقدي الذي يمتحن اليقينيات، فمال التفكير إلى الاجترار أكثر من الابتكار، وإلى استعادة الماضي أكثر من استشراف المستقبل. وعندما يخبو السؤال يضعف الإبداع، ويفقد العقل قدرته على التجديد، ويتراجع دوره في إنتاج المعرفة.
https://alsabaah.iq/134139-.html | 383 |
| 12 | الفلسفة تحت وصاية المعتقد
د. عبد الجبار الرفاعي
ولدت الفلسفة عندما استيقظ في وعي الإنسان سؤال الوجود، وراح يتأمل مصيره في هذا العالم، ويبحث عن معنى حياته وما يحيط به من موجودات. منذ تلك اللحظة لم يكتفِ الإنسان بالأساطير والأجوبة الموروثة، واتجه إلى التفكير بعقله، والتساؤل عن حقيقة الوجود، والمعنى والغاية لحياته، والإصغاء بقلق معرفي إلى الأسئلة الكبرى التي يثيرها العقل. هكذا بدأت الفلسفة مغامرةً لا تنتهي في اكتشاف الوجود، ورحلةً مفتوحة لا تنتهي في اكتشاف الذات والعالم. كلما اتسع أفق وعي الإنسان اتسعت معه أسئلته، وانكشفت له آفاق جديدة للفهم والمعرفة.
ومنذ أن انفتح العقل المسلم على التراث الفلسفي اليوناني وغيره من التراثات الإنسانية في العصر العباسي، اتسع أفق التفكير، وانطلقت رحلة خصبة للبحث عن الحقيقة. لم يكتف المسلمون يومئذ بتلقي المعرفة، بل أعادوا قراءتها وتمحيصها وتطويرها، وانشغلوا بأسئلة الوجود والمعرفة والقيم والإنسان. في ذلك العصر انبعثت الفلسفة والعلوم، ونشأت حيوية فكرية أغنت علم الكلام والفقه والتفسير وسائر المعارف الدينية. كان العقل يتحرك بحرية في فضاء الأسئلة الكبرى، ويبحث عن فهم أعمق للوجود، ويصغي إلى أصوات الحكمة أينما وجدها، من غير خوف من الاختلاف، ولا قلق من تنوع مصادر المعرفة.
هكذا تشكلت واحدة من أكثر المراحل خصوبة في تاريخ الحضارة الإسلامية، فظهر الكندي (185هـ/805م - 256هـ/873م)، الذي يُعد أول فيلسوف في الإسلام، واشتهر بلقب "فيلسوف العرب"؛ لأنه أول عربي أسس الفلسفة في الإسلام. أسهم الكندي في نقل الفلسفة من مرحلة الترجمة إلى مرحلة الاستيعاب والإبداع، وعمل على توظيف المفاهيم الفلسفية في جواب أسئلة الوجود، مع سعيه إلى إظهار الانسجام بين العقل والوحي. لقب "فيلسوف العرب" لا يعني حصر الفلسفة بالأصل القومي، وإنما يشير إلى هوية لغوية ثقافية. أُطلق هذا اللقب على الكندي لأنه أول من صاغ الفلسفة بلغة عربية وأسهم في انبعاثها في الحضارة الإسلامية. فلاسفة الإسلام، على اختلاف أصولهم، كتبوا بالعربية واتخذوها لغة للتفكير والتأليف، فكان الانتماء إلى العربية انتماءً إلى اللسان والثقافة وأفق المعرفة المشترك، لا إلى العرق أو الإثنية. بعد الكندي جاء الفارابي (260هـ/874م - 339هـ/950م)، الذي سعى إلى تشييد نظام فلسفي تتناغم فيه معطيات العقل مع الرؤية الدينية، حتى لُقِّب بـ "المعلم الثاني" بعد أرسطو. ثم ابن سينا (370هـ/980م - 427هـ/1037م)، الذي بلغت الفلسفة في مؤلفاته مستوى رفيعًا من الثراء المفهومي. ومن أشهر من جاء بعده ابن رشد (520هـ/1126م - 595هـ/1198م)، الذي مثّل ذروة النضج الفلسفي في الغرب الإسلامي. دافع عن العقل بوصفه أداة لفهم الوجود والإنسان والدين، واشتهر بشروحه المهمة لأرسطو، حتى عُرف في أوروبا بـ"الشارح الأكبر". وفي كتابه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" سعى إلى البرهنة على أن التفلسف لا يتعارض مع الدين، وأن النظر العقلي الذي تقود إليه الفلسفة ليس غريبًا عن الشريعة، ما دام يهدف إلى معرفة الحقيقة. ورأى أن الحقيقة لا تضاد الحقيقة، وأن ما يثبت بالبرهان العقلي لا يمكن أن يناقض المعنى العميق للوحي. لذلك دعا إلى تأويل النصوص الدينية عندما يتعذر حملها على ظاهرها. أثارت آراؤه جدلًا واسعًا في عصره، غير أن أثره تجاوز حدود العالم الإسلامي، وامتد إلى أوروبا قرونًا طويلة فيما عُرف بـ "الرشدية اللاتينية"، حيث أسهمت أفكاره في ترسيخ مكانة العقل، ومهدت لولادة رؤى فلسفية جديدة في الفكر الأوروبي. وأسهم معه ومن بعده فلاسفة كثر في إثراء مباحث الوجود والمعرفة والأخلاق، حتى غدت الفلسفة من أبرز تجليات الحيوية الفكرية في الحضارة الإسلامية.
غير أن هذه الحيوية الفكرية تراجعت تدريجيًا مع تصاعد هيمنة المتكلمين والمحدثين والفقهاء على الوعي الديني. ولم تقتصر هذه الوصاية على المحدثين والفقهاء، فقد مارستها أيضًا اتجاهات كلامية عديدة حين شيدت أنساقًا عقدية مغلقة، وأحاطت التفكير بمقولات نهائية. ومع تغلغل هذه النزعة خفت حضور السؤال الفلسفي، وضعف الحس النقدي، وانشغل التفكير بحراسة الموروث وتكراره أكثر من انشغاله باكتشاف آفاق جديدة للفهم وإنتاج المعرفة. بمرور الزمن تسيّد هاجس الحلال والحرام مجالات واسعة من التفكير في عالم الإسلام، وطغى السؤال الفقهي على الأسئلة المعرفية والوجودية والأخلاقية. صار كثير من المسلمين ينشغلون بحكم الأشياء قبل معرفة حقيقتها، وبمشروعيتها قبل استكشاف قيمتها وآثارها ودلالاتها. ومع هذا التحول اتسع نفوذ الفقه من كونه أحد علوم الدين إلى مرجعية مهيمنة في رؤية الله والإنسان والعالم، وبالتدريج جرى احتكار المعرفة بالفقه، بنحو امتد منطق التحريم إلى ميادين لا تنتمي في أصلها إلى المجال الفقهي. | 275 |
| 13 | بدون متن... | 214 |
| 14 | الحق في الاختلاف
د. عبد الجبار الرفاعي
الاختلاف قانون كوني مشترك بين كل البشر. الإنسان ليس صخرة أو شيئًا ماديًا أو آلة ميكانيكية، وليس حيوانًا أو نباتًا أو كائنًا حيًا فحسب، الإنسان إنسان لا غير، كائن متفرد يختلف عن كل ما خلق الله في العالم. البشر مختلفون في تكوينهم النفسي والتربوي والثقافي والاعتقادي والجسدي، إلى الحد الذي يبدو فيه كل إنسان نسخة فريدة ذات بصمة خاصة لا تتكرر أبدًا. منذ أول إنسان إلى اليوم لم يتطابق إنسانان تطابقًا كاملًا، وإذا لبث الناس على تكوينهم الوراثي المعروف، ولم تتدخل هندسة الجينات في إعادة تشكيل هذا التكوين، فسيظل كل إنسان متفردًا لا يطابق غيره مهما كانت قرابة الدم بينهما. الاختلاف ليس حالة عابرة أو استثناءً طارئًا في الحياة البشرية، إنه أحد أعمق قوانين الوجود الإنساني وأشدها رسوخًا، به تتجلى فرادة الإنسان، ويتنوع إدراكه للعالم، وتتعدد طرائق عيشه وتفكيره وتعبيره عن ذاته.
كل إنسان يتفرد بكونه نسخة فريدة، وأنه لا يشبه إلا نفسه، "لا يوجد هناك أبدًا شخصان متشابهان. قد يكونان متشابهين جسديًا، وقد يكونان ينتميان لنفس العائلة، لكنهما ليسا متشابهين. ليس هناك شخصان يرفعان أيديهما بنفس الطريقة، ويمشيان بنفس الطريقة، ويحركان رأسيهما بنفس الطريقة. ولهذه الأسباب فإنه يكون بالإمكان في بعض المرات التعرف على شخص ما من خلال طريقة مشيه على الرغم من عدم رؤية وجهه. إن طريقة مشي إنسان ما تكون خاصة جدًا تمامًا كوجهه، لكنه من الصعب إخفاء طريقة المشي. يمكن للمرء أن يكذب عن طريق الوجه، وهذه خاصية إنسانية تميزه عن الحيوان، لكن الكذب عن طريق المشي يكون أصعب، حتى وإن كان بالإمكان تعلم ذلك".
أن تكون مختلفًا يعني أن تمتلك الشجاعة لتقول "لا" عندما يقول أكثر الناس "نعم"، وأن تفكر بعقلك لا بعقول الآخرين، وأن ترى ما لا يراه الجمع أحيانًا. لا يتكرس الانتماء الإنساني بوصفه مشتركًا إنسانيًا إلا بقبول الاختلاف والتنوع بين الناس، التشابه المطلق يبدد ثراء الحياة ويصادر فرادة الإنسان. الحق في الاختلاف ليس منحة من أحد، بل هو أحد الشروط الأساسية لكرامة الإنسان وحريته. لا يتشكل الفرد إلا في فضاء يعترف بحقه في أن يفكر ويختار ويعبر عن ذاته على نحو يختلف عن غيره. الحق في الاختلاف هو المجال الحيوي الذي يتكون فيه وعي الإنسان بذاته، وتتكامل شخصيته، وتتشكل هويته الخاصة.
كل مجتمع تتأسس معتقداته وثقافته وتقاليده على إنكار الاختلاف أو الخوف منه أو السعي إلى محوه، يجهض أي محاولة لبناء مفهوم الفرد قبل ولادته، ويستبدل الإنسان الحر بنسخة مكررة من الجماعة. حين يغيب معنى الفرد يغيب معنى المواطن، لأن المواطنة لا تقوم على الانصهار القسري في هوية واحدة، وإنما تقوم على الاعتراف بما ينفرد فيه الأفراد وحقوقهم المتساوية في الاختلاف. لا يمكن أن يتكرس مفهوم الفرد من دون حماية الحق في الاختلاف وترسيخه في التربية والثقافة والقانون.
المجتمع الذي يحتفي بالاختلاف يفتح الطريق أمام الإبداع والابتكار والتجديد، أما المجتمع الذي يخشاه فينتهي إلى التماثل والجمود واستنساخ الأفكار والأشخاص. كل إبداع يبدأ باختلاف، وكل فكرة جديدة كانت في لحظة ما خروجًا على المألوف، ومنبوذة من أكثر البشر. الإنسان لا يكتشف ذاته إلا عندما يمتلك حرية التعبير عن صوته الخاص، ولا يكتمل وعيه إلا عندما يتعلم الإصغاء إلى أصوات الآخرين المختلفة عنه.
من دون الحق في الاختلاف يتحول التنوع البشري إلى عبء، وتتحول الجماعة إلى سلطة تفرض نمطًا واحدًا للحياة والتفكير، من دون الاعتراف بهذا الحق تفقد التعددية معناها، وتغدو المواطنة شعارًا فارغًا من مضمونه. الحق في الاختلاف هو الشرط الذي يضمن حضور الفرد بوصفه قيمة، وحضور المواطن بوصفه شريكًا متساويًا في بناء المجتمع والدولة، وهو الأساس الذي تتجذر فيه الحرية وتتسع به آفاق العيش المشترك.
طلب الاعتراف من أعمق الحاجات الإنسانية، وأحد أهم الدوافع التي تحفز الإنسان على الإنجاز والإبداع وتحقيق الذات. كثير من الصراعات الفردية والجماعية تعود في جذورها إلى السعي من أجل الاعتراف، أو إلى الشعور بالحرمان منه. الإنسان لا يكتفي بأن يوجد، بل يتطلع إلى أن يُعترف بوجوده وقيمته وكرامته وما ينجزه في حياته. وتكمن في إنكار الآخر أو عدم الاعتراف به جذور التعصب والإقصاء والعدوان، إذ يبدأ العنف غالبًا عندما يرفض الإنسان رؤية الآخر بوصفه إنسانًا مساويًا له في الكرامة والحقوق.
الوحدة التي تتجاهل التنوع ليست وحدة حقيقية، بل تماثل قسري يفضي إلى الإقصاء. أما الوحدة الحقيقية فتتجسد في العيش المشترك الذي يحترم التعدد، ويعترف بحق كل إنسان في أن يكون مختلفًا، وأن يعبر عن ذاته وهويته ومعتقده على وفق ما يراه، ما دام يحترم الحقوق والحريات المتبادلة. | 339 |
| 15 | لذلك لا يتحقق السلام الاجتماعي إلا في إطار الاعتراف المتبادل، ولا يترسخ الاعتراف إلا بقبول مشروعية التنوع والاختلاف بوصفهما قانونًا للحياة البشرية وشرطًا لازدهارها.
كل تعددية دينية أو ثقافية أو سياسية تبدأ بتشكيل مفهوم الفرد، وتعمل على تجذيره تربويًا ونفسيًا وأخلاقيًا وثقافيًا. لا يمكن أن تنشأ تعددية حقيقية في مجتمع لا يعترف بفرادة الأفراد، ولا يقبل اختلافهم، ولا يحترم حقهم في التفكير والاختيار والتعبير عن ذواتهم. بناء ثقافة تقوم على الحق في الاختلاف هو الأساس الذي يولد في فضائه مفهوم الفرد ويتشكل وينمو. كلما ترسخ الحق في الاختلاف تعزز حضور الفرد بوصفه قيمة إنسانية مستقلة، واتسع المجال للاعتراف المتبادل والتنوع الخلاق. المجتمعات التي تخشى الاختلاف وتسعى إلى صهر الجميع في قالب واحد، تجهض مفهوم الفرد، وتفرغ التعددية من مضمونها، وتستبدل التنوع الحي بكائنات بشرية بلا ملامح ذاتية خاصة. في مثل هذه المجتمعات لا يمكن بناء مفهوم للمواطنة من دون ثقافة تؤمن بأن الاختلاف حق، وأن التنوع ثروة، وأن الفرد هو الركيزة التي تقوم عليها كل أشكال التعددية في الحياة.
يضمحل معنى الفرد في كل مجتمع تسود حياته رؤية واحدة للعالم، ومعتقد واحد، وفهم واحد للحياة، ونمط واحد للتفكير، وكيفية واحدة متشابهة في كل شيء للسلوك. في مثل هذا المجتمع يغدو الناس مرايا تعكس صورة واحدة، فينطمس الاختلاف ويتوارى التنوع. حينئذ تختصر كل الأصوات بصوت واحد، وتضمحل المواهب، وتجف منابع الإلهام، ويخبو العطاء الخلّاق. الإبداع لا يولد من التماثل، وإنما من التفكير المتنوع المختلف. كل فكرة جديدة تبدأ بخروج على المألوف، وكل ابتكار أصيل يبدأ بعقل لا يردد ما يقوله الآخرون، ولا يكون صدى لصوت واحد. حيثما يُصان الحق في الاختلاف يتعزز حضور الفرد وتتجدد حيوية المجتمع، أما حين يُفرض التماثل فإن المجتمع يفقد قدرته على التجدد ويكتفي بإعادة إنتاج ما هو قائم.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=386966 | 254 |
| 16 | بدون متن... | 215 |
| 17 | الفلسفة لا تزاحم العلم في الكشف عن قوانين الطبيعة، لكنها تنبّه إلى حدود يقينه، وتكشف ما يختبئ خلف مفاهيمه من افتراضات ورؤى للعالم. كلما اتسعت المعرفة ازدادت الحاجة إلى الفلسفة، لأنها تكرّس التواضع المعرفي، وتحرّر العقل من وهم الاكتمال، وتذكّره بأن مجهولاته أوسع مما يعلم، وأن الحقيقة أفق يتسع كلما تقدّم الإنسان في رحلته لفهم العالم.
الفلسفة لا تنافس العلم في اكتشاف القوانين وتفسير الظواهر، لكنها تتساءل عن معنى هذه القوانين، وحدود هذا التفسير، والشروط التي تجعل المعرفة ممكنة، والآفاق التي تتحرك فيها. العالم الذي يتسلح بالفلسفة يدرك أن الوقائع لا تتحدث بنفسها، وأن العقل لا يستقبل المعطيات استقبالًا محايدًا، وإنما يعيد تنظيمها وتأويلها في ضوء مفاهيمه وأدواته ورؤيته للعالم. لذلك تكشف له الفلسفة أن ما يظنه يقينًا نهائيًا قد لا يكون إلا مرحلة في تاريخ المعرفة، وأن النظريات العلمية الكبرى لم تتشكل دفعة واحدة، وإنما ولدت من مراجعات ونقد متواصل وانقلابات في طرائق الفهم والنظر.
ما كان حقيقة راسخة في عصر قد يغدو فرضية قابلة للنقد في عصر آخر، وما يبدو اليوم تفسيرًا شاملًا قد يكشف المستقبل محدوديته. من دون الفلسفة يتحول العقل إلى عقل تقني منشغل بالوسائل أكثر من الغايات، قادر على الإجابة عما يمكن فعله، عاجز عن الإجابة عما ينبغي فعله. هنا تستأنف الفلسفة البحث في المعنى والقيمة، وتضع المعرفة العلمية في أفق إنساني وأخلاقي أوسع. التقدم التقني لا يفضي تلقائيًا إلى عالم أكثر إنسانية، كما أن تضخم القدرة على الفعل لا يعني بالضرورة نمو الحكمة في توجيهه.
كان لتضخم القدرة الصناعية في صناعة السلاح أثر كبير في ضراوة الحروب وشراستها، وفي الحجم المهول للضحايا والتدمير في الحروب الحديثة.
كلما تعمقت العلوم في اكتشاف أسرار الطبيعة وقوانينها ولّدت أسئلة فلسفية أشد عمقًا، مثل: ما الوعي؟ ما الذات؟ ما الحرية؟ ما حدود الذكاء الاصطناعي؟ وما معنى أن يكون الإنسان إنسانًا؟ هذه أسئلة تتجاوز المختبر إلى التأمل في الدلالة والمعنى، لذلك تحمي الفلسفة العقل العلمي من الانغلاق في يقينياته المؤقتة، وتغرس فيه تواضعًا معرفيًا يذكّره بأن اتساع المعرفة لا يلغي اتساع المجهول، وأن كل جواب عميق يلد أسئلة أعمق منه. هكذا يتكامل العلم مع الفلسفة في إثراء فهم الإنسان للعالم وفهمه لنفسه.
https://alsabaah.iq/133770-.html | 353 |
| 18 | الفلسفة شكّلت العقل الحديث
د. عبد الجبار الرفاعي
العقل الفلسفي هو الذي أنجب العقل الحديث، هذا العقل تشكل في أعمال فرانسيس بيكون (1561-1626)، وديكارت (1596-1650)، وكانط (1724-1804)، وغيرهم من الفلاسفة الذين أعادوا بناء المعرفة وصورة الإنسان والعالم. أسهم هذا العقل في نقل التاريخ البشري إلى أفق جديد، فحرّر الإنسان من كثير من القيود التي كبّلت تفكيره طويلًا، وأيقظ فيه روح التساؤل والنقد والاكتشاف. بفضل هذا التحول غادرت البشرية حالتها الرتيبة التكرارية التي لبثت فيها قرونًا طويلة، وبدأت مسارًا متسارعًا في إنتاج المعرفة وتطوير العلوم والتقنيات.
عاشت البشرية آلاف السنين وهي تحقق منجزات محدودة قياسًا بما تحقق في القرون الثلاثة الأخيرة، التي شهدت ثورة علمية وتكنولوجية غير مسبوقة نقلت الإنسان من الأدوات اليدوية البسيطة إلى الآلات والمحركات الحديثة، ومن وسائل النقل البدائية إلى القطار والسيارة والطائرة، ثم إلى شبكات النقل والاتصال التي اختزلت المسافات وغيّرت إيقاع الحياة. ولم يتوقف هذا المسار عند حدود الصناعة والميكانيكا، بل تواصل عبر منعطفات كبرى أعادت تشكيل وعي الإنسان بالعالم وموقعه فيه، وصولًا إلى هندسة الجينات، وتكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وغيرها من التقنيات التي وسّعت قدرات الإنسان على الفهم والإنتاج والتأثير في الطبيعة. وهكذا لم يعد العقل الفلسفي مجرد تأمل نظري في الوجود والمعرفة، بل غدا قوة خلاقة أسهمت في بناء العالم الحديث، وفتحت أمام الإنسان آفاقًا جديدة لفهم الكون وإعادة تشكيل حياته ومستقبله.
كانت الفلسفة، وستبقى، في حوار حي مع العلم، تتأثر بمنعطفاته الكبرى، وتعيد في ضوئه بناء أسئلتها ورؤيتها للعالم والإنسان وصياغة المعرفة. لم تكن الفلسفة يومًا معزولة عن الاكتشافات العلمية، وإنما ظلت تصغي لتحولات الفلك والفيزياء والأحياء، وتعيد تأويل أسئلتها في ضوء ما تنكشف عنه المعرفة الحديثة. أطاح منعطف علم الفلك الحديث، الذي بدأ مع نيكولاس كوبرنيكوس (1473-1543)، بصورة الإنسان القديمة عن الكون، فلم تعد الأرض مركز العالم، ولم يعد الإنسان ينظر إلى نفسه بوصفه محور الوجود. ثم جاءت فيزياء إسحاق نيوتن (1642-1727) بقوانين الحركة والجاذبية العامة، لتمنح الكون صورة رياضية هندسية، وتؤسس رؤيةً للعالم تقوم على الانتظام والسببية والحتمية. غير أن هذه الصورة لم تلبث أن اهتزت مع ولادة فيزياء الكوانتم على يد ماكس بلانك (1858-1947)، التي كشفت أن الواقع أكثر تعقيدًا وغموضًا واحتمالًا مما يصوره العقل الميكانيكي الحديث، وأن الطبيعة لا تنصاع دائمًا لمنطق اليقين الصارم. ثم جاءت نسبية ألبرت أينشتاين (1879-1955) لتعيد تشكيل فهم الإنسان للزمان والمكان، وتكشف أن ما كان يُنظر إليه بوصفه مطلقًا وثابتًا ليس كذلك دائمًا، الأمر الذي فتح آفاقًا جديدة للتفكير الفلسفي وكيفية بناء المعرفة وحدود الإدراك الإنساني.
غير أن نظرية التطور عند تشارلز داروين (1809-1882) كانت من أكثر المنعطفات العلمية أثرًا في الفلسفة الحديثة، لأنها أعادت التفكير في الإنسان نفسه، وسلالاته الموغلة في القدم، وموقعه في الوجود. بعد داروين لم يعد الإنسان يُفهم بوصفه كائنًا منفصلًا عن الكائنات الحية في الطبيعة، وإنما غدا كائنًا يتشكل في سياق طويل من التحول والتطور والتكيف. فتحت هذه النظرية أفقًا جديدًا للتفكير في الحياة والتاريخ والطبيعة البشرية، وأعادت النظر في كثير من المسلّمات الراسخة عن نشأة الكائنات وتطورها.
هكذا عملت المنعطفات العلمية الكبرى على بناء رؤية الفلسفة للمعرفة والإنسان والعالم، ودفعتها إلى مراجعة مفاهيم الجوهر والغاية والسببية، في ضوء صورة جديدة للكون والحياة أكثر حركة وتعقيدًا وانفتاحًا. لم تكن الفلسفة قادرة على تجاهل ما تكشفه العلوم من تحولات عميقة في فهم الواقع، كما لم يكن العلم قادرًا على الاستغناء عن الأسئلة الفلسفية التي تستكشف دلالات اكتشافاته وحدودها وآفاقها. لذلك كانت الفلسفة تتجدد كلما تبدلت صورة العالم في العلم، وتعمل على بناء مفاهيمها وأسئلتها كلما انكشف للإنسان أفق جديد في فهم الكون والحياة ومكانته فيهما.
المختص في العلوم الطبيعية والتطبيقية يحتاج إلى الفلسفة أكثر من غيره، لأن انشغاله بالنظريات والقوانين والتجارب قد يغريه بالنظر إلى المعرفة العلمية بوصفها يقينًا نهائيًا، أو حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى مساءلة. غير أن الفلسفة توقظ في العقل حسّ الشك الخلّاق، وتدربه على التساؤل والتمحيص واختبار المسلّمات، فلا تسمح له بالاستسلام إلى يقينيات زائفة تولّدها النجاحات العلمية. تذكّره دائمًا بأن المعرفة العلمية معرفة بشرية مشروطة بأدواتها ومناهجها، وأن النظريات صيغ لفهم العالم لا صور نهائية له. ما يبدو اليوم حقيقة راسخة قد يتغير غدًا مع اكتشاف جديد أو أفق مختلف للفهم. | 254 |
| 19 | بدون متن... | 223 |
| 20 | محنة كاتب ... عبد الجبار الرفاعي الظمآن أبدًا
عبد الحق الزموري[1]
لم أتمكن من اقتناء كتاب الصديق عبد الجبار الرفاعي، الذي اختار له عنوانًا فرعيًا: "فصل من سيرة كاتب"، إلا منذ فترة قصيرة، في معرض الرباط للكتاب 2026، على الرغم من مرور ثلاث سنوات على صدوره، وما حظي به من احتفاء واسع في المشرق والمغرب.
التهمتُ الكتاب في زمن قياسي، ولا أشك أنني مررتُ على فقرات كاملة مرورًا خاطفًا، من دون تروٍّ أو تأمل، حتى إني لو عدت إليها اليوم لما تذكّرت أنها عبرت أمام ناظري. كنت أبحث فيه عن سيرة أخٍ تواصلت معه بعض مساراتي خلال العقود الأربعة الأخيرة، غير أنني ما إن بلغت صفحته الأخيرة حتى شعرت أن نفسي قد انقطع، وأن عطشي ما زال قائمًا.
ليس هذا الكتاب سيرةً عادية كما ألفنا في المذكرات والسير الشخصية، على الرغم من أن مؤلفه أضاف إلى عنوانه الرئيس عنوانًا فرعيًا، هو: "فصل من سيرة كاتب". وأحسب أنه فعل ذلك عن وعي، احترازًا مما قد يوحي به العنوان الأصلي: "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة"، من أن الكتاب دراسة فكرية موضوعية في القراءة والكتابة. غير أن القارئ يكتشف سريعًا أنه أمام نص تتداخل فيه السيرة بالفكرة، والتجربة بالتأمل، والذاكرة بالرؤية الفكرية، إلى الحد الذي يغدو معه الحديث عن القراءة والكتابة حديثًا عن تكوّن الذات ومسار تشكّلها الروحي والأخلاقي والمعرفي، وتغدو السيرة نافذة لفهم عالم الكاتب أكثر من كونها تسجيلًا لأحداث حياته وتعاقب مراحلها.
يصبح العنوان الفرعي، إذًا، تنبيهًا إلى أن المسرّات والمخاض يعنيانه شخصيًا، وليسا مرتبطين بالقراءة والكتابة بوصفهما موضوعات "باردة". نحن في حضرة "حفلة موجعة" عاشها الرفاعي، وما زال يعيشها، على مرّ السنين، تطبع كيانه بكلّيته، عوانٌ بين بهجة القراءة وألم مخاض الكتابة. لذلك يقول في أول سطر من هذه "السيرة": "أنا قارئ قبل كل شيء وبعد كل شيء".
تعالوا نفكك طبيعة النص نفسه، ونبحث في علاقة الجُبّة التي ألبسه إياها المؤلف بالغاية الدفينة من إهدائنا هذه القطعة الأدبية. هل النص سيرة ذاتية؟ هل هو نص فكري أو فلسفي عن القراءة والكتابة؟ هل هو تأملات شخصية في موضوع مخصوص أمْلتها تجربة الكاتب الممتدة لعقود من الزمن؟ أم أنه مزيج من هذه جميعًا، تتداخل فيه السيرة بالفكرة، والتجربة بالتأمل، على نحو يصعب معه إخضاعه لتصنيف جاهز أو وضعه في قالب مألوف؟
نؤكد منذ البدء أن الرفاعي حاول، من خلال العنوان، أن يساعدنا على ولوج أسرار نصه، حين أخبرنا أن محتواه يتعلق بما منحته له القراءة من مسرّات، وما عاناه من آلام المخاض في كل مرة يخوض فيها تجربة الكتابة. نعم، من هذه الزاوية يمكن اعتبار النص سيرة شخصية، وإن كانت سيرة مخصوصة ومتميزة عن نظائرها.
غير أن هذا الإحساس الأولي، أو هذا الاستعداد لفهم الكتاب بوصفه حديثًا عن مسرّات القراءة ومخاض الكتابة، سرعان ما يتعقّد، وربما يختلّ، كلما تقدمت في تصفح الكتاب. فعندما تتوقف عند فهرس الفصول، وعددها ثلاثة وعشرون فصلًا، تكتشف أن الكتابة ومتعلقاتها تتكرر في عناوين واحدٍ وعشرين فصلًا، أي بنسبة تزيد على 91%، في حين لا تظهر القراءة إلا في أربعة عناوين فقط. ويعبّر الرفاعي عن ثقل الكتابة على نفسه منذ المقدمة، حين يصرّح: "كلما فكرت بعمق وأنا أكتب ضاق فضاء الأجوبة واتسعت الأسئلة، ذلك ما يجعلني أتهيب اقتحام الكتابة، وأحاول ألوذ بخيمة القراءة" (ص 8).
قطعا لا تنتمي هذه الصفحات إلى طابع المذكرات الشخصية في شكلها التقليدي. لن تجد فيها تفاصيل حياة عبد الجبار الرفاعي والمراحل التاريخية التي مرّ بها وعلقت تفاصيلها بذاكرته، ولا يذكر شخوصها وتواريخها إلا بالقدر الذي يقتضيه السياق، كقصته مع مكتبته الشخصية التي يجددها في كل مرة بسبب الظروف القاهرة، أو حديثه عن علاقة القراءة بالواقع في سياق علاقته بأبنائه، أو علاقته الحميمة بأخيه الأكبر عند حديثه عن الكتابة الأيديولوجية في الفصل السادس عشر... إلخ. بل إن المؤلف لا يركّز حتى على شخصه فاعلًا في الأحداث أو متفاعلًا معها، وإنما يعرض حالاته، أو أطواره الذهنية والنفسية والعاطفية، التي يمرّ بها وهو يقرأ أو يكتب. تصبح الكتابة والقراءة الموضوع الرئيس في عملية السرد، ولا يحضر هو إلا باعتباره متفاعلًا، أو أداة، أو مولّدًا لهذا الموضوع. يقول: "حاولت في هذا الكتاب التحدث عن سيرتي ككاتب... أذكر خبرتي ككاتب وقارئ بغض النظر عن كيف يقرأ ويكتب الآخرون" (ص 89).
الكتاب هو بطل هذا السفر، وليس الرفاعي؛ لذلك كان حضوره بلسمًا للروح، لأنه كما يقول: "يشعرني بالأمن النفسي، ويؤنسني حين أشعر بوحشة الوجود"، بل ويصبح "أحد مهدئات الاكتئاب" (ص 22). يصف الكاتب بدايات شغفه بالقراءة، والتِهامه كل ما يقع بين يديه من صحائف، ويقرر سريعًا أن القراءة العشوائية: "حالة ملازمة للقراءة، تأكل عمر القارئ وتستنزف وقته"، لذلك يحذّر منها وينبّه إلى ضرورة تجاوزها عاجلًا (ص 31). يغوص الكاتب في أعماق فعل القراءة نفسه، فيستشهد بكانط وقولته الشهيرة: "ليست كل الكتب نافعة للقراءة"، ويفكك القراءة باعتبارها "ضربًا من الدهشة" و"متعة اكتشاف" (ص 32). لذلك يخصص إحدى فقراته لـ "تبذير العمر بقراءة كتابات تُفقر العقل" (ص 35)، ويفصّل في ذلك النوع من القراءات التي تزيد الجهل وتسطّح الوعي، ويضرب مثالًا على ذلك بمجال التنمية البشرية ودوره في تعطيل العقل وتفشي الرداءة والانحطاط.
يمكن تصنيف هذا "الفصل من سيرة كاتب" في خانة أنثروبولوجيا الكتابة والكتاب، وما يحيط بهما من دوائر، لا بمعناها المتداول بوصفها مبحثًا علميًا مخصوصًا، وإنما باعتبارها تجربة شخصية جدًا، يرفض صاحبها أن تكون بالضرورة معبّرة عن تجارب الآخرين: "ليست هناك وصفة جاهزة... تنطبق على كل إنسان في القراءة أو الكتابة" (ص 33). غير أن ذلك لم يمنعه من استخلاص محصلات من التجربة هنا وهناك، يتخذها أحكامًا عامة، كحديثه المطوّل في الفصل الحادي عشر عن علاقة الكتابة، ويقصد كتابته هو، بالاعتراف، والتخلص من الأوهام، والتحرر من قيود الجماعة والواقع التاريخي، وصولًا إلى موضوع الكتابة بوصفها حرفةً: "الكتابة هي الهوية المعرفية والأخلاقية للكاتب.كل كتابة تخون لغة كاتبها وتغرق بلغة مستعارة، كتابةٌ تخون قارئها وكاتبها" (ص 85).
عندما نقول إن أنثروبولوجيا الكتابة عند عبد الجبار الرفاعي، كما سطّرتها تجربته الشخصية، هي موضوع هذا الكتاب، فإننا نحيل بالأساس إلى ذلك العدد الكبير من الفقرات التي خُصصت للتفصيل في هوية الكتابة، ووصف حالاتها ومراتبها تحت عناوين، من قبيل: "الكتابة بوصفها مرانًا متواصلًا"، و"الكتابة بوصفها تجربة وجود"، و"الكتابة بوصفها سلطة"، و"الكتابة بوصفها امتحانًا للضمير الأخلاقي"... إلخ. وهي عناوين تتقصّى العلاقات الداخلية لفعل الكتابة، وتستكشف صلته العميقة بفعل القراءة وما يتولد عنه من أسئلة وتحولات.
بالرغم من المتعة والمسرّات التي وجدها الكاتب وحصّلها من وسط آلام المخاض التي عرفتها كتابته طيلة عقود، فإن هذه السردية لم تخلُ من بعض الفراغات التي اقتصر الكاتب على إلقاء حصى فيها لتحريك مياهها الراكدة، وهي فراغات تحتاج، ربما، إلى تفكيك وتشريح بالآليات نفسها المستعملة في هذا الفصل. ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، تعرضه في أكثر من موضع لنقد كتابات سيد قطب وأضرابه من أنصار تيار الإخوان المسلمين، وما جرّه طابعها الأيديولوجي المغلق من كوارث على العقل العربي والواقع المتردي لكثير من البلدان الإسلامية (ص 18؛ 115-118؛ إلخ).
غير أنه يسرد علينا على امتداد كتابه، أسماء كتّاب قرأ لهم وكان تأثيرهم سلبيًا، وأكثرهم من فضاء التيارات الإسلامية السنية، بينما يمرّ مرورًا عابرًا على كتّاب التيارات المنتمية إلى الفضاء الشيعي، مع أن الوصف نفسه، وربما النقد نفسه، يمكن أن ينطبق على بعض نتاجاتهم، خاصة أن الرفاعي انتمى إلى الحوزة العلمية في النجف ثم في قم، ومكث فيهما سنوات طويلة. من هنا يبرز سؤال يفرض نفسه: هل كان أولئك غائبين فعلًا عن المشهد؟ أم أن الساحة الحركية الشيعية لم تعرف في تلك المرحلة كتّابًا ومفكرين يمكن تطبيق النقد الذي ساقه الرفاعي على نتاجهم الأيديولوجي؟ يبقى هذا السؤال مفتوحًا، ويستحق مزيدًا من الإضاءة والتأمل.
غير أن الإنصاف يقتضي التذكير بأن الرفاعي لا يستثني الإسلام السياسي الشيعي من نقده في مؤلفاته الأخرى؛ فكتابات هذا النوع من الإسلام السياسي شأنها في ذلك شأن كتابات سيد قطب والمودودي ويكن وغيرهم. ويبدو أن تركيزه في هذا الكتاب على الإسلام السياسي السني يعود إلى أن معظم أدبيات الحركات الإسلامية الشيعية وُلدت في سياقه وتأثرت به، وكانت كتابات البنا والمودودي والنبهاني أسبق من جميع كتاباته. التساؤل لا يتعلق بموقفه الفكري العام من الإسلام السياسي الشيعي بقدر ما يتعلق بالمساحة التي خصصها له في هذه السردية، وبحدود ما اختار استعادته من ذاكرته القرائية وتجربته الفكرية، ويعود ذلك إلى تأثره في مرحلة مبكرة من حياته في الدراسة الثانوية بكتابات سيد قطب.
يبقى نص عبد الجبار الرفاعي بديعًا في بابه، فهو يتموضع في "برزخ" بين التأمل الفلسفي الأنثروبولوجي ومحاولة التعبير عن حالة التجربة الشخصية وهي تتشكل في صيرورة متواصلة، أي قبل أن تتحول إلى سيرة أو ذكرى أو إحداثيات.
كما أنه بديع في لغته المغمّسة برداء الشفافية والمباشرة والصدق والبوح والانكسار والاعتذار... إلخ. وهي لغة تأسر القارئ، لأنها تحكي، أحيانًا، عن كثير مما هو مدفون في غياهب نفسه.
وهو بديع في الرسائل التي يحملها إلى القارئ؛ إذ يريك كيف أن المكانة العلمية وهيبة الموقع الفكري لم تستطع أن تحجب عنه طيبة أجدادنا القدامى، ولا تواضع علمائنا الكبار، ولا شفافية روحه المحبة للإنسان، حيثما كان، وفي أي زمان ومكان.
[1] باحث وكاتب تونسي. https://almothaqaf.com/memoir02/988164 | 302 |
