ru
Feedback
موقع فينكس الاخباري

موقع فينكس الاخباري

Открыть в Telegram
493
Подписчики
Нет данных24 часа
-27 дней
-1330 день
Привлечение подписчиков
июль '26
июль '26
+1
в 0 каналах
июнь '26
+4
в 0 каналах
Get PRO
май '26
+7
в 0 каналах
Get PRO
апрель '26
+20
в 0 каналах
Get PRO
март '26
+12
в 0 каналах
Get PRO
февраль '26
+9
в 0 каналах
Get PRO
январь '26
+8
в 0 каналах
Get PRO
декабрь '25
+10
в 0 каналах
Get PRO
ноябрь '25
+7
в 0 каналах
Get PRO
октябрь '25
+11
в 0 каналах
Get PRO
сентябрь '25
+12
в 0 каналах
Get PRO
август '25
+8
в 0 каналах
Get PRO
июль '25
+9
в 0 каналах
Get PRO
июнь '25
+12
в 0 каналах
Get PRO
май '25
+7
в 0 каналах
Get PRO
апрель '25
+16
в 0 каналах
Get PRO
март '25
+8
в 0 каналах
Get PRO
февраль '25
+8
в 0 каналах
Get PRO
январь '25
+21
в 0 каналах
Get PRO
декабрь '24
+43
в 0 каналах
Get PRO
ноябрь '24
+33
в 1 каналах
Get PRO
октябрь '24
+84
в 0 каналах
Get PRO
сентябрь '24
+30
в 0 каналах
Get PRO
август '24
+12
в 0 каналах
Get PRO
июль '24
+12
в 0 каналах
Get PRO
июнь '24
+26
в 0 каналах
Get PRO
май '24
+13
в 0 каналах
Get PRO
апрель '24
+67
в 0 каналах
Get PRO
март '24
+9
в 0 каналах
Get PRO
февраль '24
+36
в 0 каналах
Get PRO
январь '24
+71
в 0 каналах
Get PRO
декабрь '23
+330
в 0 каналах
Дата
Привлечение подписчиков
Упоминания
Каналы
04 июля+1
03 июля0
02 июля0
01 июля0
Посты канала
للتغطية على هذا الخلل الهيكلي، انتهجت المجالس المحلية سياسة "السباق لتصدر المشهد" الإعلامي؛ حيث يجري اليوم تضخيم مشاريع عادية وطبيعية جداً (مثل حملات تشجير، طلاء أطاريف الأرصفة، ترميم حدائق، والاهتمام بزراعة منصفات الشوارع) كانت طوال تاريخ المدينة من المهام البديهية واليومية للمجالس البلدية التي لا تستدعي الذكر. يجري طبخها إعلامياً وتسويقها تحت مسميات رنانة كـ "شرايين الحياة" أو "تجميل ضفاف العاصي"، ورغم أهميتها وتشجيعنا لها، إلا أنها تحولت إلى أهداف رئيسية لصناعة بروباغندا شكلية ترضي الجهات العليا، دون أن تلامس جوهر الأزمات الحقيقية للمواطن. خامساً: الخلاصة.. "أدوات المكياج" على وجه الشيخوخة إن هذا السلوك الإداري والحكومي و حتى المجتمع المحلي في التعامل مع مدننا، وفي مقدمتها حماة، يقودنا إلى تشخيص رمزي يلخص المأساة: إن مدينة حماة اليوم تبدو تماماً مثل امرأة طاعنة في السن، مريضة -حسب وصف صديقي- وتهالكت بنيتها الجسدية، وهي بحاجة ماسة إلى رعاية طبية مركزة وأدوية حيوية تعيد ترميم جسدها من الداخل. وبدلاً من أن نمنحها العلاج الحقيقي والشراب والأدوية (التي تتمثل في البنية التحتية، والآليات، ودعم البلديات، وتطبيق القانون الصارم)، نكتفي بشراء "أدوات ومساحيق التجميل، ونضع أحمر الشفاه" على وجهها الشاحب (عبر تضخيم مشاريع الحدائق والإنارة التجميلية والاستعراضات البصرية). وهو سلوك عبثي يحاول إعطاء انطباع زائف بالشباب والإنجاز الشكلي، بينما يظل الجسد يئن تحت وطأة المرض والإهمال. https://feneks.net/books/%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A9/82074-2026-07-02-20-25-23

2
تجميل العجز.. أزمة الإدارة المحلية في سوريا (حماة نموذجاً) 2026.07.02 فراس حمدون أولاً: البعد الاستراتيجي.. الإدارة المحلية كبوابة للحل السياسي والاجتماعي والخدمي نظرياً و بنيوياً، لا يمكن النظر إلى تفعيل "الإدارة المحلية" في سوريا وتنظيم قوانينها كترف إداري أو مجرد قطاع خدمي ثانوي، بل إنها تتجاوز منطق المفاضلة بين الأولويات وترتيبها؛ إذ تصنف في أقصى درجات الأولوية الاستراتيجية التي لا تقبل التأجيل. فهي مفتاح لحل سياسي، واجتماعي، وخدمي شامل، يشكل خطوة حاسمة إلى الأمام في مسار بناء البلاد، وذلك من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية: تثبيت السلم الأهلي: إن منح المجتمعات المحلية القدرة على إدارة شؤونها بشكل مستقل ومباشر عبر مجالس منتخبة حقيقية، يساهم في نزع فتيل النزاعات وتعميق الاستقرار. مواجهة مشاريع التقسيم والطائفية: يشكل تمكين البلديات والمحافظات إدارياً ومالياً اتجاهاً معاكساً للشروخ الطائفية أو النزعات الانفصالية التي تشهدها بعض شرائح المجتمع؛ فالإدارة المحلية تربط المواطن بالدولة عبر قنوات تنموية عادلة ومباشرة لا تميز بين منطقة وأخرى. إعادة بناء الثقة: عندما يرى المواطن أن قراره المحلي ومشاركته في الانتخابات البلدية ينعكسان على واقعه اليومي، تبدأ عملية ترميم العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة. ثانياً: واقع التطبيق.. غياب الهوية وتغييب الدعم ولكن، هذا الطموح النظري والسياسي الكبير يصطدم بواقع مغاير تماماً، يتسم بالتهميش والتعطيل الممنهج: الوزارة المجهولة إعلامياً تعيش وزارة الإدارة المحلية حالة تعتيم كامل؛ فلو سألت غالبية السوريين اليوم عن اسم وزير الإدارة المحلية لما عرفه أحد، في مفارقة صارخة مع "وزير الأوقاف" الذي تحول في فترات معينة إلى "نجم الشباك" على وسائل التواصل الاجتماعي، رغماً عن أن دوره الرسمي محصور بحضور ثلاثة إلى أربعة مناسبات دينية في السنة، وإشراف على دور العبادة وتنظيم عمل العاملين في وزارة الاوقاف. وفي المقابل، تغيب الوزارة الأكثر مساساً بحياة المواطن اليومية كلياً عن الدعم والاهتمام الإعلامي. سحق الجوهر الخدمي (نموذج مدينة حماة) ينعكس هذا التهميش بوضوح في المدن مثل حماة؛ حيث ينقل المغتربون والزوار صورة قاتمة تلخص واقعاً مزرياً: تتجسد الأزمة في انتشار الحفر العميقة والتصدعات في الشوارع والأرصفة نتيجة غياب الصيانة الدورية. ويتزامن ذلك مع تراكم تلال القمامة في الزوايا وبين الأحياء، والتي تحولت إلى مصدر للروائح الكريهة بسبب عجز مجلس المدينة عن جمع النفايات بانتظام وتأخره المستمر في ترحيلها إلى المكبات المخصصة. و كذلك فوضى عارمة في قانون المرور، وانتشار مستعصٍ للدراجات النارية نتيجة ضعف القرار الإداري، والخوف والضغط الناجمين عن ظاهرة "المسايرة الاجتماعية" والتعاطف الشعبي مع المخالفين التي تجهض تطبيق القانون؛ حيث لو تم فرض القانون لرأيت من يشتكي الآن من المخالفين يتحول إلى مناصر قوي وداعم لصاحب الدراجة النارية المحجوزة، بذريعة أنها وسيلة تأمين المعيشة لعائلته وفق الرواية المشروخة دوماً. والمثير للاستغراب هو إحجام المسؤولين عن الضرب بيد من حديد ظناً منهم أن التراخي يضمن لهم تأييداً شعبياً، بينما هم في الواقع يتحولون إلى متهمين بالمسؤولية عن الأرواح التي تُزهق يومياً، ناهيك عن استخدام هذه الآليات في السرقات والشغب. إن الصالح العام وحياة الناس أولى بالصون من أي مصلحة فردية مهما بدت محقة. مشهدان وصفهما لي زوار المدينة حديثاً : - وصف لي صديقي المعماري العائد بزيارة من أمريكا منذ أيام بأن المدينة تبدو هرمة مثل امرأة عجوز مريضة. - فيما لخص لي قريبي العائد منذ يومين قائلاً: إن المزعج حقاً في المدينة هو روائح القمامة، لكنك ستعتاد الرائحة بعد ثلاثة إلى أربعة أيام وتتابع حياتك. ثالثاً: المفارقة الحكومية.. أساطيل الأمن ضد عجز الآليات من واقع الخبرة الميدانية السابقة في قطاع مجلس المدينة، يتضح أن "الثابت الرئيسي" في نجاح أي بلدية هو الأدوات "الآليات والكوادر" فالبلدية القوية تحتاج آليات جمع قمامة حديثة، وسيارات كنس، وآليات ومعدات تزفيت وترميم؛ وهذا ما تعانيه حماة من عجز وتأخر تاريخي ومستمر. وفي مقابل هذا الشلل الخدمي، تبرز مفارقة توزيع المقدرات: الاستعراض البصري لوزارة الداخلية: جرى دعم وزارة الداخلية في حماة بأسطول ضخم وحديث من سيارات الدفع الرباعي (سواء كان هذا عبر الشراء أو التبرعات)، وتم تصدير هذا الاستعراض البصري كإنجاز كبير في الشوارع. سؤال الأولويات: هل قدمت هذه السيارات الفاخرة أي خدمة ملموسة للمواطن؟ ألم تكن الأولوية المطلقة هي توجيه هذه الإمكانيات، والتبرعات، والتمويلات لشراء ضاغطات قمامة وآليات صيانة تخدم البنية التحتية المنهارة؟ رابعاً: "بروباغندا البديهيات".. سباق تصدر المشهد
19
3
وهكذا نستطيع القول وبشكل مبكر أصبح علمنا عاملا صوفيا بصفاته ومجاهدته لنفسه وعلو همته للعبادة وفعل الخير وصدق توجهاته الى الله تعالى وتوجيهه الجميع الى ما ينفع الاّخرين في اّخرتهم ودنياهم بعيدا عن متاهات وشطحات بعض المتصوفين أهل الدعاوى وماّلاتهم، محاربا للبدع ملتزما بالقراّن والسنة النبوية الشريفة، وكان شيخنا النعسان كثير التعهد للقراّن الكريم وتعليمه، لا يرى الخوض في الصفات، وكثيرا ما كان يرجع اليه في حل الخلاف بين الأفرقاء المختلفين، وكان يقول: "العمر قصير، والعلم كثير، فاحظ بخير العلوم.. علم المعرفة بالله تعالى "وتقوى الله تعالى كانت زاده وشعاره وقصده... ومن قصيدة له قال: ورابط عند ثغر القلب دوما... على تقوى الإله كما يريد ولازم كل صبار شكور ......أخا صدق بصحبته تزيد ملاحظة: بتاريخ 1 تموز 2026 الساعة الثامنة والنصف مساء ألقيت محاضرة عن المفتي الشيخ محمد سعيد النعسان في مضافة اآل البرازي الجميلة (القناق الكبير) وكان الحضور رائعا، واني أشكر الشاعر الجميل الصديق معاوية كوجان الذي قدمني وهو صاحب الفكرة جزاه الله خيرا.. وكان الراعي السيد سمير نجيب البرازي، وحضر السيد الدكتور محمد الشريف نقيب أطباء حماة وزميليه الكتور جهاد اللجمي والدكتور ثائر الدوري ورئيس اتحاد الكتاب العرب فرع حماة الدكتور وليد سراقبي ورئيس جمعية العاديات المهندس رضوان لاذقاني وغضو ادارتها الدكتور عبد الفتاح المحمد ورئيس رابطة الناجين من سجن تدمر الدكتور فداء نجار وعدد من زملاء محنة سجن تدمر وأحد أحفاد الشيخ محمد سعيد النعسان وكثير من الأصدقاء والمهتمين بالشأن العام والمعذرة عن عدم ذكر كثير من أسماء الحضور. ملاحظة - 2 - الحقيقة أنني حضرت المحاضرة بشكل جيد وممتاز على دفتر خاص وبخط كبير ومفهوم، وحملت مع دفتري المكبرة، ولكني فوجئت بضعف الاضاءة وبضعوبة القراءة، ولكني لم أجزع وقمت بالمحاضرة بشكل سردي وتلك عادتي والحمد لله، لأن السرد يضمن عدم الاطالة وتجاوز الوقت الذي قد يؤدي الى الملل وربما الاعتراض... وللفائدة سأقوم بنشر المحاضرة على وسائل التواصل ضمن حلقات متعددة، لأن شرح سيرة المفتي الكبير سعيد النعسان يلزمها أربع ساعات حسب تقديري حتى تحصل الفائدة ونتعرف بشكل جلي على تاريخ هذا الشيخ الاستثنائي الكبير. المراجع: ----كتاب العلامة محمد سعيد النعسان مفتي حماة ورائد نهضتها اعداد عبد المجيد محمد منير الشققي الحموي ----كتاب من مشاهير وعلماء حماة اعداد المهندس عبد المجيد محمد منير الشققي الحموي -- مجلة النواعير.. لصاحبها عثمان الشققي عدد خاص رقم 263 تاريخ 4 تموز 1957 - مقال خاص للدكتور محي الدين العوير ---ديوان الشيخ طاهر النغسان ---من هوامش كتاب الملك العالم أبو الفداء ملك حماة لأحمد قدري الكيلاني --الجمعيات الخيرية الاسلامية.. دورها في التكافل الاجتماعي. تأليف الدكتور محي الدين العوير. --من أعلام حماة.. تأليف الشاعر المؤرخ عدنان قيطاز https://feneks.net/society/portrait/82073-1867-1967
34
4
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م) 2026.07.02 خالد محمد جزماتي مقدمة: عند الشروع بالحديث بشكل موثق عن علم كبير لعب أدوارا هامة في مجتمعه، لا بد من حيازة بعض المعلومات عن زمانه (القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين)... فقد وُلد الشيخ محمد سعيد النعسان في عام 1867 بعد أن صدرت الفرمانات الإصلاحية في الدولة العثمانية التي أُطلق عليها اسم "التنظيمات الادارية" مثل "خط شريف كلخانة" عام 1839، والخط الهمايوني عام 1856، وثم أهمها الدستور العثماني عام 1876 عند تسلم السلطان عبد الحميد الثاني السلطة... في تلك الأجواء وُلد وعاش الشيخ محمد سعيد النعسان في حي الباشورة ونشأ فيها على العلم والتقوى ومكارم الأخلاق في بيت تزهو فيه الفضيلة وتسوده التقوى والصلاح فوالده هو الشيخ مصطفى، وجده، العلامة محمد نغسان كبير علماء القرن الثالث عشر الهجري، والشهير باسم: نعسان الوردي، ووالد جده الشيخ مصطفى الشهير "بورد أهله"، وهو ابن عبد القادر الطباخ ابن ابراهيم الطباخ بن حسن الطباخ الذي عاش في حلب ومات فيها... نستنتج من ذلك أن أصول عائلة النعسان الحموية من حلب الشهباء، واّل الطباخ لها نسب شريف.. والشيخ مصطفى والد علمنا الشيخ محمد سعيد النعسان من مواليد حماة عام 1846 أخذ العلم الشرعي عن والده وأجازه في ذلك، وكان خطاطا بارعا مثل أبيه وأيضا عاملا ناجحا في تجليد الكتب، وناسخا جميلا للمصاحف، ثم تجليدها.. وقد تزوج من ابنة خالته المرحومة السيدة خديحة بنت الحاج خليل الشقفي، وأنجب منها الشيخ محمد سعيد واللغوي الشاعر طاهر النعسان (1887 - 1961)، وبنتين هما، فاطمة واّمنة... أما فاطمة فقد تزوجها الحاج أجمد حسن المشنوق، وأختها آمنة تزوجها المرحوم أحمد المصري.. أما أخوال الشيخ محمد سعيد النعسان فأربعة، هم حسين وعبد القادر ومحمد وخالد أبناء خليل الشقفي... ولما بلغ الشيخ سن الزواج أكمل دينه بزواجه من السيدة "وهيبة" بنت الحاج حسن المشنوق التي أنجبت له أربعة ذكور ومن البنات خمس.. أما الذكور فهم: -- الشيخ مصطفى: أولاده محمد علي - أمين - وأحمد سعيد. -- محمد مهدي، أولاده عدنان - معد - أسامة - ولؤي -- أحمد... -- محمد صديق، أولاده عبد الرحمن - مروان - محمد - ورياض أما البنات فخمس: - سمية: زوجها محمد العطار -صفية: زوجها ابن خال أبيها عبد الحميد الشقفي ثم أخيه فارس بعد وفاته. خديجة، تزوجها ابن عمتها حسن أحمد المشنوق. فاطمة، تزوجها ابن عمتها عبد الرزاق أحمد المصري خيرية، تزوجها ابن خالتها صبحي عبد اللطيف الشققي أخذه للعلم: تلقى الشيخ محمد سعيد النعسان العلم الشرعي بجميع تفاصيله عن أبيه وجده وبرع في تجويد القراآن وحفظه بوقت مبكر فتوسم جده فيه الخير ودعا له بطول العمر، وأيضا تعلم منهما قواعد الخط وتجليد الكتب، وكان خطه جميلا جدا، وقد سافر الى حلب وعمل هناك على اكتساب الخبرات الجديدة في تجليد الكتب، ويقال في مدينة حماة أن كل مارآه الحمويون من براعة حرفة تجليد الكتب في القرن العشرين هم من الرجال الذين تعلموا عند الشيخ محمد سعيد النعسان وخاصة بعد افتتاحة مكتبة سماها "عنوان النجاح"... ولقد تحدث الشيخ محمد سعيد النعسان عن عدد من المشايخ الذين أخذ منهم العلم، فذكر: رائد نهضة بلاد الشام الشيخ طاهر الجزائري (1852 - 1920) الدمشقي الذي كان يأتي حماة زائرا وضيفا في جامع النوري كل صيف منذ العام 1911، وكان يقوم بإعطاء الدروس الشرعية في جامع النوري ويتحلق حولة مختلف الرجال من طلبة العلم والمشايخ من مختلف المشارب، فمنهم الأشاعرة ومنهم أهل الحديث ومنهم المشايخ الاصلاحيين مثل الشيخ سعيد الجابي وصاحبيه الشيخ أحمد الضابةني والشيخ حسن رزق... وكان الشيخ الجزاىري وتلميذه الشيخ محمد سعيد النعسان قديران وناجحان بشكل جلي في ادارة الخلافات بين مشايخ ذلك الزمان الى درجة متقدمة وأدى ذلك الى حصول الشيخ محمد سعيد النغسان على الثقة المطلقة من الجميع... وأيضا... وفي العام 1914 بدأت الحرب تشتعل بين الأطراف الأوربية وأيضا استجابت الدولة العثمانية التي كان حكامها من جمعية الاتحاد والترقي لنجدة حلفائها الألمان ودخلت الحرب، وكان الشيخ طاهر الجزائري في حماة فتوارى عن الأنظار بعد اشتراكه بتشييع والد صديقه الشيخ محمد سعيد النعسان، وغادر حماة متخفيا الى أن وصل مصر بأمان... ومن المشايخ الذين أخذ عنهم العلم علمنا الشيخ سعيد النعسان، الشيخ حسن حميدان الصمصام (ت عام 1902م) وهو من تلاميذ جده... وأيضا الشيخ محمد طربين (1844 - 1912م) شيخ الشافعية في عصره بحماة.. وأيضا أخذ العلم عن الشيخ عبد الله خالد الحلاق، وعن الشيخ محمد الصباغ الذي أجازه عام 1886 وعمر الشيخ النغسان 19 سنة...
11
5
اليوم أعلى باب حرم الصلاة. ((المصدر السابق)) كما قام ببناء خانُ الصغير أو خانُ الدقَّاق (حارة الموارنة) في حي الكامليَّة: يقعُ جنوب جامع (البازار) في سنة 1101هـ (1689م). يشغلهُ (سوق البالة). ((ينظر المعالمُ الأثريَّةُ في مدينة اللاذقـيَّة إعداد: مضر كنعان)). كما قام ببناء حمَّامُ البازار أو حمَّامُ العشر (الشيخ ضاهر 412): يقعُ غرب جامع البازار، أنشأتهُ السيِّدة (حليمة خانم بنت الحاج محمَّد باشا المطرجي) في سنة 1101هـ (1689م). معرضٌ لبيع اللوحات والأثاث الشرقيّ اليوم ((المصدر السابق)). ينظر ((صاري ياسر صفحات من تاريخ اللاذقية ط1 دمشق منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية سلسلة بلادنا 2، 1992م ص63و66ـ67)). وخلال تلك الفترة زار الشيخ (النابلسي) مدينة اللاذقية عام 1105هجرية ـ 1693م، وقدم لنا وصفا جيدا عن اللاذقية في تلك الفترة فيقول ((نزلنا فيها في جامع الأمشاطي وصلينا به الظهر مع الجماعة، فأرسل إلينا حاكمها يومئيذ فخر الأمراء المعتبرين قبلان آغا المعروف بابن المطرجي سلمه الله مع كتخداه وجماعة أخرى يدعوننا الى النزول عنده)). ((ثم عدنا إلى مكاننا في جامع الأمشاطي، ونحن في كمال السرور والصفاء، وتمام البشر والوفاء، فدعانا تلك الليلة إلى داره مفخر الأكارم حضرة قبلان آغا المذكور سلمه الله تعالى، وعمل لنا ضيافةً عظيمة، ووليمةً جسيمة)). ينظر الشيخ ((عبد الغني بن إسماعيل الكناني الحموي المقدسي الشهير بابن النابلسي ت 1143هجرية ـ 1731م) في رحلته (الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز) تحقيق رياض عبد الحميد مراد3 أجزاء ط1دمشق دار المعرفة 1419هجرية ـ 1998م ج1 ص182 ـ 184)). كما عين أرسلان باشا أميراً لـ(ركب الحج الشريف) سنة 1109هجرية ـ 1697م وتولى أخوه قبلان باشا إبالة (طرابلس) وعاد (أرسلان باشا) من مأموريته في ركب الحج الشريف سنة 1110هجرية ـ 1698م وتولى (إيالة طرابلس) وتعين (قبلان باشا) على (صيدا) ثم صار أميراً للحج. وظل (أرسلان باشا) يشغل باشوية (طرابلس) إلى سنة 1115ه‍ ـ 1703م وشغل أخوه (قبلان باشا) إيالة (صيدا) بين عامي 1700 ـ 1704م وباشوية (طرابلس) بين عامي 1714 ـ 1715م. ينظر: (شريف حكمت بك) ت1984م (تاريخ طرابلس الشام من أقد أزمانها إلى اليوم) حققه وعلق على حواشيه وفهارسة وقدم له (منى حداد يكن) و(مارون عيسى الخوري) ط1 طرابلس لبنان دار حكمت شريف ودار الايمان 1407هجرية ـ 1987م ص 134 ـ 137. تم بعون الله و فضله حرر بتاريخ يوم الأحد 5/10/2025 https://feneks.net/study/social/82077-2026-07-03-10-22-52
23
6
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر 2026.07.03 أيمن حمدو في نهاية القرن السابع عشر واجه العثمانيون في اوربا اعداء اشداء تزعمهم آل هابسبورغ حكام الامبراطورية الجرمانية المقدسة . التي مركزها فيينا . وفشلت محاولة العثمانيين الثانية لاحتلال فيينا في عام 1683. واضطروا في عام 1699 الى توقيع معاهدة كارلوفيتز مع آل هابسبورغ، وتخلوا بموجبها عن جميع هنغاريا و ترانسلفانيا وبودوليا. وكانت هذه أول خسارة كبرى للعثمانيين منذ حوالي ثلاثمائة عام، حين هزمهم تیمور لنك في موقعة انقرة في عام ١٤٠٢. كما كانت هذه أول مرة وقع فيها العثمانيون الصلح كمنهزمين، وتخلوا عن مناطق سيطروا عليها منذ فترة طويلة. ولم يتمكن العثمانيون من استعادة ما خسروه بل تخلوا عن مناطق اخرى. ينظر ((بلاد الشام ومصر. من الفتح العثمانى الى حملة نابليون بونابرت: (١٥١٦-١٧٩٨) - رافق عبد الكريم)). ((الدولة العثمانية في المجال العربي: دراسة تاريخية في الأوضاع الإدارية في ضوء الوثائق والمصادر العثمانية حصراً فاضل بيات)). و على أثر تلك الهزائم اجتاحت إقليم طرابلس وجبال اللاذقية و الساحل السوري التمرد الحمادي الذي أدى إلى خروج جبال اللاذقية من السيطرة العثمانية إثر تمرد ملتزمي الجبل على دفع الضرائب. و من ثم تطورت الأحداث ووصل المتمردون إلى مركز لواء جبلة أمام ذلك الوضع المتدهور كلف أرسلان باشا المطرجي بولاية طرابلس وكانت مهمته الأساسية تتعلق بالقضاء على التمرد و في سبيل ذلك قام بنقل مركز اللواء إلى اللاذقية في عام 1693 لتبدأ بذلك رحلة صعود اللاذقية وتحولها إلى مركز اقتصادي خاصة مع ازدهار تجارة التبغ فيها حيث يذكر جبرائيل سعادة، في كتاب "المختصر في تاريخ اللاذقية"، أن "مدينة اللاذقية منذ أواخر القرن السابع عشر، عرفت ازدهاراً كبيراً بفضل تجارة تصدير التبغ خاصةً إلى دمياط". و يشير ستيفان وينتر، في كتابه "تاريخ العلويين"، إلى أن التبغ بدأ يصل إلى السلطنة العثمانية في بدايات القرن السابع عشر من أمريكا، وزراعته بدأت على نطاق واسع في المناطق الساحلية والجبلية للساحل السوري في نهايات القرن نفسه، وأصبحت خاضعةً للضرائب منذ تسعينياته، إذ ظهرت ضريبة جديدة؛ "رسم دونم دخان" ينظر ((تاريخ العلويين، من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية المؤلف: ستيفان وينتر دار ميسلون ترجمة: باسل وطفة، أحمد نظير الأتاسي)). وقد ارتبطت فترة آل مطرجي برحلة صعود اللاذقية بعد قرون طويلة من الجمود وذلك بسبب تمييز اللاذقية وتخصص اقتصادها بتجارة التبغ، وما تبع ذلك من تفعيل لميناء اللاذقية في تصديره إلى مصر وتحوله أيضًا، إلى مستودع لتجارة حلب، أو "أسكلة" Echelle لتجارها كبديل من مرفأ الإسكندرونة بسبب وباء هوائها، وتحولت اللاذقية مع اطراد ازدهارها التجاري، ومن ثم العمراني - البشري من مركز مؤقت للواء إلى مركز دائم، وإن ظل اللواء يعرف في القيود الرسمية العثمانية حتى دخول القوات المصرية، في عام 1832، باسم "لواء جبلة. ينظر ((التحول من النظام التيماري إلى نظام الالتزام في لواء طرابلس العثماني - أسطور 2017 محمد جمال باروت))· ((الصراع العثماني – الصفوي وآثاره في الشيعية في شمال بلاد الشام، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، محمد جمال باروت)). أصل العائلة من القديم من مدينة (أرضروم) في الهضبة (الأناضولية التركية) و(المطرجي) سقا القافلة والساقي رتبة عسكرية في الجيش العثماني ولاتزال العائلة مستمرة ومعروفة الى اليوم في مدينة اللاذقية وجدها الاعلى (محمد باشا مطرجي) جدد حمام (التصاوير) في جبلة سنة 1047هجرية ـ 1665م كما تذكر اللوحة على باب الحمام ((ينظر بحث بعنوان الجوامع والمساجد والزوايا الاثرية المندثرة في مدينة اللاذقية لمحة موجزة إعداد مضر عبد القادر كنعان)) نقلا عن ((نشرة اللاذقية الصادرة عن مديرية أوقاف اللاذقية العدد الخامس ذو القعدة 1437هجرية ـ آب 2016م ص13 ـ 15ـ من آثار اللاذقية المندثرة - نشرة إلكترونية غير دورية تصدرها لجنة الدراسات الأثرية والتاريخية في مديرية أوقاف اللاذقية)). عندما أسندت ولاية طرابلس إلى والٍ اسمه (أرسلان باشا بن محمد باشا المطرجي) (أرسلان تعني الأسد باللغة التركية) عيّن أخاه (قبلان المطرجي) (قبلان تعني النمر باللغة التركية) أميراً على اللاذقية، فحول مركز اللواء من جبلة إلى اللاذقية، و شيد جامعاً ومدرسةً في حي الأشرفية باللاذقية سنة 1101هـ/1689م وهو مسجد إدريس وجامع (أرسلان باشا مطرجي)..وذكرت حجة وقف الجامع الآتي: ((ويشمل حرم هذا الجامع على حرم لطيف تقام به الجمعة والجماعات الإسلامية وعلى مدرسة لطيفة يقرأ بها العلوم الشريفة وعلى أربعة سدات يسكنها طلاب العلم )) (ينظر 3 ـ سجل الحجج والإعلامات الوقفية المخطوطة وثيقة رقم40 بفهرستنا مؤرخة في أوائل ربيع الاول 1101هجرية ـ كانون الاول 1689م ص80) هُدم الجامع وجُدِّد سنة 1383هـ/1963م كما تذكرُ اللوحة الحديثة
10
7
المهدي، ومدائح في مسلم البيضا وابراهيم شاما وجابر الرفدي وحمدان جوفين، ومرثية من شعره خمسها موسى الربطي. وبهذا يظهر الشيخ علي عالما وشاعرا ومناظرا. ويعيد خير الصنيعة بدايته الى التعليم قبل الشعر، فيذكره في اجتماع اسفين باسم علي بن منصور المؤدب، معلم الاولاد الخط والقراءة، وكان يومئذ اصغر الجماعة سنا واعمقهم فقها. وفي ذلك الاجتماع مال الى قول يوسف الرداد الحلبي في مسالة خلافية، فاتهمه ربيعة بن نصر العصيدة وكفره، ومن هنا تبدو رسالته في المناظرة امتدادا لموقف عاشه وتزيد عبارة عمله على الاحرف التسعة والعشرين صورته وضوحا، فهي تدل على عنايته بالرمز والحرف والاشارة. وتختلف النقول في صيغة وصفه باسفين بين اصغرهم سنا واعمقهم فقها، او افقههم علما، او اكبرهم علما، غير ان المعنى واحد شاب قليل السن، عظيم العلم، دخل المجلس مؤدبا وخرج منه اسما لا ينسى. التسلسل الزمني لحياة الشيخ علي تضع النقول ولادة الشيخ علي بن منصور الصويري في حدود سنتي 1240 و1241م، ويظهر في خبر اجتماع اسفين شابا في نحو الخامسة والعشرين، ما يجعل بداياته العلمية في منتصف القرن الثالث عشر. وفي النصف الثاني من ذلك القرن تقع مناظرة طرابلس ومواجهة الموصلي مع مسلم البيضا، ثم تأتي الرسالة النورية في سياق هجرته الى البلاد الشرقية بعد فقد الغلام، بينما يوضع المثل النوري في اواخر القرن الثالث عشر ومطلع القرن الرابع عشر. وتمنح تواريخ خير الصنيعة هذا التسلسل صورة اوضح، فهو يجعل ولادته نحو 638 هـ، وحضوره اجتماع اسفين سنة 665 او 666 هـ، والقوافي نحو 697 هـ، والمثل النوري بين 698 و699 و708 هـ، ووفاته سنة 714 هـ، اي ان حياته تمتد تقريبا بين 638 و714 هـ / 1240 و1314م. اما ولده الشيخ حسن، فولد سنة 668 هـ / 1270م، وتوفي سنة 693 هـ / 1294م، فعاش نحو خمس وعشرين سنة. وتوجد رواية تجعله حلبي الاصل، انتقل الى جبال العلويين بسبب الاضطهاد، وهي رواية تلتقي مع حضور حلب في شبكته العلمية، ومع اسم يوسف الرداد الحلبي وفقهاء حلب ومعرة النعمان وسرمين، وصلاته ببغداد وعانة. غير ان اصل النسبة في النصوص يبقى قرية الصويري وجبل المناصف وجبل الحلو؛ فالعراق ومرعش وسنجار مسار تغريبة، وحلب شبكة علم، اما القرية والمقام فهما اصل النسبة والذاكرة. اعادت مصادر علوية حديثة تقديمه عالما وشاعرا وصاحب مناظرة وحضور بين القرى والحضرات. فحفظت رواية علي بن مقاتل صورة الشيخ السائر بين الديرة الشرقية والغربية، وذكرت الكتب المفردة عنه مقامه الادبي والعلمي، بينما منحه غالب الطويل في سنة 1924 صفة القطب المجدد، وذكر ان ديوانه المشغفة كان يتلى في المحافل. وهكذا تلتقي الرواية والمصدر والفهرس على صورة واحدة، رجل خرج من حدود القرية إلى مقام اوسع في الشعر والبيان. هكذا يظهر الشيخ علي الصويري رجل اجتمعت فيه القرية والنسب والرحلة والجوع والمناظرة والسيف والشعر. مع ان صورته لا تكتمل الا حين ندخل الى نصوصه نفسها، الرسالة النورية، والمثل النوري، والمشغفة، ومرثية باريس، وارجوزة مانشستر. هناك يبدأ الوجه الأعمق للصويري وجه النور والرمز والسر.
30
8
وعند العودة يمر الشيخ علي ببريعين، فيستقبله البريعيني القطب المفكر، ويبقى في ضيافته سبعة ايام. ثم يسير الموكب من قرية الى قرية، والزكاة والعطايا ترد عليه، حتى يصل الى الصويري وقت الصبح ومعه قافلة لا اول لها ولا آخر. فتخرج القرية لاستقباله، وتقيم الافراح سبعة ايام، وتغلق التغريبة دائرتها الكبرى خرج الشيخ من القحط والبعد وتفرق الاخوان، وعاد ومعه صلة الاخوة، ورزق الطريق، وبركة المجالس. امير الفقراء والمساكين يخرج لقب امير الفقراء والمساكين من قلب التغريبة نفسها، ففي زمن القحط والطاعون يظهر الشيخ علي بين الجائعين والنازحين، يكفل اليتيم، ويؤوي الملهوف، ويدخل الفقير الى بيته قبل ان يدخل اسمه الى شعره. وتروي التغريبة على لسانه انه لو ترك الجبل في تلك المحنة لفني اهله، وهي عبارة تختصر صورته كلها امير بسلطان الصبر والضيافة والكفالة والبركة. فاذا كانت الرسالة النورية تكشف موقفه العقدي، وارجوزة مانشستر تكشف لغته في النور والرمز، ومرثية باريس تكشف منزلته بعد رحيله، فان التغريبة تكشف وجهه الانساني بين الفقراء. فيها نرى الشيخ في زمن الجوع، حين ينهار الزرع، وتنقطع الطرق، ويتفرق الاخوان، ويصير اطعام الناس وحفظهم عملا من اعمال الولاية. وتقرا مشاهد القحط والطاعون في التغريبة ذاكرة ادبية لكارثة كبرى في اواخر القرن الثالث عشر؛ فذكر البحث عن الحب في روث الخيل، واكل الجذور، وكثرة الموتى، ومرض اللثة وسقوط الاسنان عند الصبيان، يفتح باب قراءة تاريخية ووبائية الى جانب القراءة المناقبية. وقد يكون في مقابلة سنوات مثل 1295 و1296 و1298 بما حفظته كتب الجزري واليونيني والذهبي والمقريزي ما يعين على فهم زمن هذه المحنة. كما يلتقي خيط التغريبة، من بعيد، مع ما سمته بعض الادبيات الفرنسية الهجرة الجوعية، اي حركة الناس من جبل الانصارية نحو سهول حمص وحماة وسهل اضنة في القرن التاسع عشر. وهذه حركة متاخرة عن زمن الشيخ علي، لكنها تكشف ان الجغرافيا نفسها عرفت موجات متكررة من الجوع والرحيل بين الجبل والسهل والشمال. قصة السقا سليمان من الخوف إلى السقاية قصة اخرى منسوبة إلى الشيخ علي الصويري مع السقا سليمان، وهي قصة تكمل وجه الشيخ في التربية والهداية. فإذا كانت التغريبة تظهره بين الجائعين والنازحين، يكفل اليتيم ويؤوي الملهوف، فإن قصة السقا سليمان تظهره في مقام آخر: مقام الشيخ الذي يحول صاحبه من رمز خوف إلى خادم ماء وبركة. وتروي القصة أن سليمان كان رجلا شديدا في الطريق، يخشاه الناس ويتجنبون لقاءه، ثم لقي الشيخ عليا، فانكسر بين يديه وتاب، فتحول اسمه إلى السقا سليمان. فالذي كان حضوره رهبة صار حضوره خدمة، والذي كان يقطع الطريق على الناس صار يسقي العابرين، والذي ارتبط اسمه بالخوف صار الماء عنوان توبته وبركته. فالشيخ علي في التغريبة يطعم الجائع ويغيث الملهوف، وفي قصة السقا سليمان يهدي القاسي ويرد الشديد إلى طريق الحق. الولاية في تحويل الإنسان نفسه، من العنف إلى الرحمة، ومن طريق الخوف إلى سبيل الطمأنينة. بيت السياف ومغارة علي بن مقاتل في بلوط التغريبة تمتد إلى الرواية الحية في قرية بلوط شرقي الدريكيش، حيث تعرف أسرة باسم بيت السياف، تصل نفسها بعلي بن مقاتل بن سعد، رفيق الشيخ علي الصويري وراوي رحلته. وتحفظ هذه الأسرة خبر مغارة السياف فوق وادي القرية، وتعدها موضع دفن جدها، وتفسر الكنية بأن علي بن مقاتل كان يحمل سيف الشيخ ولا يفارقه. بهذا المعنى يكون بيت السياف امتدادا للتغريبة في المكان والذاكرة راو، وأسرة، وكنية، ومغارة، وموضع. ومن خلاله تتضح سلسلة الرواية الداخلية الشيخ علي بن منصور الصويري صاحب الرحلة، وعلي بن مقاتل بن سعد شاهدها وراويها، وسليمان عزيز بن شعبان التلميذ الذي طلب تدوينها. فإذا ثبت موضع المغارة بالزيارة والصورة والسؤال الميداني، منحت التغريبة جسدا جغرافيا، وحولت الحكاية من نص يروى إلى أثر يشار إليه في الأرض. ۞ الشيخ علي بن منصور الصويري العالم والشاعر وصاحب المناظرة والحرب يقف الشيخ علي بن منصور الصويري في قلب السيرة الصويرية، فهو الاسم الذي تلتقي عنده القرية والنسب والمقام والرحلة والشعر والمناظرة. تنسبه المصادر بصيغة علي بن منصور بن سلامة بن فرج بن معالي الرفدي، وتمنحه القابا تكشف اتساع صورته الامير، والشيخ، والشاعر الشهير، والمؤدب الجليل، والعارف النبيل، وصاحب الردود والمناظرات. اجتماع لقب الامير والشيخ يدل على رجل جمع بين الزعامة والتعليم والمرجعية الدينية والمشروع الادبي. وتثبت له المصادر آثارا مكتوبة جعلته صاحب نص ، منها الرسالة النورية في الرد والمناظرة، وارجوزة مانشستر في المثل النوري، والديوان المعروف بالقوافي المسمى المشغفة لاهل العلم والمعرفة، والمثل النوري، والشافية ومنهاج الصحة والعافية، والقداديس الشعشعانية، ورسالة المناظرة في الرد على الفرقة الغيبية، والوداعية، وقصيدة في الاعياد العربية والرومية، وقصيدة في رجال القائم
11
9
هذه التفاصيل دليل على ان بيئة الشيخ علي كانت بيئة بيوت علم واطعام ومجالس. يدخل الشيخ علي متخفيا، فلا يعرفه احد، ويجلس في آخر الناس. ثم يراه القصيري ليلا قائما للتهجد، فيتحقق من شخصه، ويعرف انه الشيخ علي الصويري. عندها يذبح له، ويعانقه، ويجلسه في صدر المجلس، ويوزع الطعام والذهب، ويقول للحاضرين ان هذا سيدهم وحبيبهم. اما الشيخ علي فيرد المدح بالتواضع، فتجتمع في المشهد هيبة العالم وادب الزاهد. وتنعقد المجالس كل ليلة، وتطرح المسائل، حتى يجيب العارفون في مسالة واحدة بعشرين وجها في المعنى والاسم. وو هذا يشرح طبيعة ذلك العالم العلمي والرمزي، حيث تفتح المعاني على وجوه متعددة. ومن هنا نفهم غزارة شعر الصويري وعمقه الرمزي، كما نفهم معنى ترئيسه على الحضرة كان اعترافا اجتماعيا وعلميا وطقسيا بمكانته. آل الوحش والفتى ضاحي واسقبلة آل رفد وتعنيتا مع هلال رمضان يصل آل الوحش، ابناء بدر من جليتا، وهم اولاد خالة الشيخ علي، واهل علم وجاه يسكنون قلعة في بلدهم جليتا. ويدخل الشيخ بدر ومعه ولده الصغير، الملقب بالطير الناطق، وقد سماه ضاحي تيمنا بالشيخ ضاحي الرفدي. وما ان ينشد الفتى نظما محكما حتى يقربه الشيخ علي ويصفه بانه غصن زكي، وامير ابن امير، وفقيه ابن فقيه. وحين يخشى محمود بن بدر على الصبي من الغرور لصغر سنه، يرد الشيخ علي بعبارة تحفظ نظرة المجلس الى النبوغ المبكر ان الفطام اذا بلغ صبيا تسجد له الجبابر. فالعلم يقاس بقوة الذهن والحجة والبيان. ثم يسافر الشيخ الى اسقبلة آل رفد، محجة علم اخرى في الجبل الغربي، فيستقبله جابر الرفدي، وضاحي، ومعلا، وسلمان، ونعمان، وفراس بارمايا، وياسين، ومعروف. وتمنح هذه المحطة لقب الرفدي معنى حيا، فهو بيت علم ورجال ومجلس استقبال. وفي اسقبلة يصل تحرير من الشيخ عبد الله في خربة تعنيتا، يخبر فيه ان الاسماعيليين هجموا على ضهر تعنيتا وخربة القبو وسريجس، فغصبوا الارض، وازالوا قبور الاولياء، واستولوا على بستان النصارى، واخذوا طاحونة الخوري اليامر، وقطعوا الدروب. لتتحول الرحلة من زيارة اخوان ومجالس علم الى قضية حدود ومقامات وحقوق فلاحين وطرق مقطوعة. ومع ان البيارق كانت قادرة على المسير، يطلب الشيخ علي اولا ارسال انذار مكتوب، حتى لا يتهم الشعيبيون بالغدر. فيكتب رسالة شديدة الى سجيع بن سنان الدين، سيد الاسماعيلية في وادي الخوابي، فيظهر الشيخ مرة اخرى رجل حجة يبدأ بالكلام والبيان قبل السيف. المرقب والخوابي وبستان النصارى وفراس بارمايا تبلغ الرواية ذروتها حين يعلن سجيع بن سنان الدين عزمه على بلوغ قلعة المرقب بجيشه، ويرد على رسالة الشيخ علي بجواب متكبر ما اخذته بالسيف، وحدودي من النهر الى النهر، والسيف الحكم. عندها تنزل البيارق في مواضعها بيرق القصيري في ضهر تعنيتا، وبيرق محمود بن بدر غربي السكبية، وبيرق ضاحي الرفدي الى كرم التين. ويدخل الشيخ محمود بستان النصارى، ويقف شمالي نهر الخوابي، فتهرب قوة سجيع الى قلعة الخوابي، ويتحول النهر الى حد فاصل بين الجانبين. وفي هذا الموضع يظهر الخوري اليامر، صاحب بستان النصارى، فيقول ان حقه المسلوب عاد اليه، ويزكي الطاحونة للشيخ محمود لان بيرقه كان اول من دخل البستان. وهذه التفصيلة مهمة، لانها تكشف ان الصراع كان قضية ارض وطاحونة وبستان وخوري وقرى مختلطة وحقوق مسلوبة. ثم ينشد الشيخ علي ابياتا تجعل الحمى شعيبية، وتحيي عبد الله بن نبل والسادة القضب، وتربط الفرض والنافلة بحضور المكزون والمنتجب. بعد ذلك يبرز الشيخ فراس بارمايا، ناطور الجبل الشعيبي، عالما متبحرا شديد البأس، وعدوا للحلولية. وتنقل الرواية عنه مناظرة مع كبار الحلوليين في الديرة الشمالية، ارادوا فيها ان ينتزعوا منه اعترافا بحلول المولى في مصنوعاته، فاقتلع الباب واخذ واحدا منهم اسيرا. وتدل هذه القصة على المناخ العقدي الذي تتحرك فيه السيرة خصومة مع الاسماعيلية في الارض والدروب والحدود، وخصومة مع الحلولية في البيان والعقيدة. ومن هنا تتصل رسالة المناظرة وشعر النورية ومجالس اسقبلة في عالم واحد يرفض الغدر في الطريق، ويرفض الحلول في المعنى، ويضبط الرمز حتى لا ينقلب الى تجسيم. جليتا والعودة بقافلة العطايا تصل الرحلة الى جليتا، حمى آل الوحش، وهناك يبرز الشيخ محمود بن بدر صاحب اللسان والسطوة والجاه، حجة زمانه في العلم والبيان. تصفه الرواية رجلا له وقف واسع، ودار اصغر من قلعة واكبر من قصر، وختم نحاس، وعمامة، وخلعة، وصولجان، يفتي في الشريعة والاصول. وكان ابوه بدر يملك كتبا بخط شيخ الديانة، واوصى ان يدفن تحت شجرة بطم وبلوط ودالية عظيمة، وان تقام له وليمة يدعى اليها اهل العلم والفهم. صورة جليتا تكشف عالما كاملا من التعليم والوقف والفروسية. ففي دار آل الوحش يتعلم الصغار الكتابة والقرآن، ورمي النشاب، وركوب الخيل، وتظهر طاحونة الحب التي اهداها خوري بستان النصارى شاهدا على شبكة من الكتب والوقف والطواحين والخيل والتعليم.
10
10
تبدأ الرواية باسم راويها علي بن مقاتل، الذي يقدم نفسه تلميذا للشيخ علي، وقد صار شيخا كبيرا مريضا، رق عظمه، واشتعل رأسه شيبا، وضعف بصره. ويذكر تلميذه سليمان عزيز بن شعبان، الذي طلب منه تدوين ما جرى، فتقوم سلسلة الرواية على ثلاث حلقات الشيخ علي صاحب الرحلة، وعلي بن مقاتل شاهدها وراويها، وسليمان عزيز الذي طلب كتابتها. ومحور الحكاية سفرة السنين الثلاث في الديار الغربية المباركة، حيث اجتمعت الحاجة وصلة الرحم وطريق المعرفة. وتفتتح التغريبة بمشهد كارثة اصابت الديرة الشرقية عم القحط، وانحبس المطر، ويبس الزرع، واشتد جور الحكام، ونهبت الحبوب، وقطعت الطرق، ونزل الجراد. فتفرق الناس بين حمص والجبال والعراق ومرعش وجبل سنجار، واكلوا الجذور، وبحث بعضهم عن الحب في روث الخيل، واصيب الصبيان بمرض في اللثة وسقوط الاسنان. ثم حل الطاعون، حتى صلى الشيخ علي في يوم وليلة خمسين صلاة جنازة، ودفنت قبور تضم الخمسة والعشرة، وماتت ضياع كاملة من الجوع. وفي هذا المشهد المظلم يظهر وجه الشيخ الانساني. فقد دفن علي بن مقاتل امه واباه في ليلة واحدة، وتفرق اخوته، فاخذه الشيخ علي واخاه الى داره بين عياله. وتحفظ التغريبة لحظة وجدانية عميقة، يروي فيها ابن مقاتل انه رأى الشيخ جالسا تحت شجرة، كاشف الرأس، يقول اعوذ بك ربي من الهوان وغلبة الهوى وتفرق الاخوان وذل الرجال، ثم انشد يا مشرق النور في طيلس الظلمات يا منتهى قصدي في محياي ومماتي لا حجة لي في مجرى قضائك علي في امتحان وفي شدة الكربات بهذه الابيات تنتقل التغريبة من وصف المجاعة الى داخل نفس الشيخ. فالنور يقف في مواجهة الظلمات، وتصبح الغربة امتحانا روحيا. من ضيق القحط الى قرار السفر ووصايا الطريق تبدأ رواية إميل آل معروف من زمن ضيق امتد الف يوم ويزيد، حتى بدا الجبل كأنه يستنزف آخر قوته. ثم ينقلب الحال بعد استغاثة ودعاء، فينزل المطر ثلاث ليال، وتسير السواقي، وتخضر الارض بعد يبسها. وبعد شهرين من عودة الحياة، يجمع الشيخ علي اولاده، ويخبرهم ان طول النوى شاقه الى الاخوان في الديرة الغربية، ويوصيهم بالنساء والاولاد وفلاحة الارض. وهكذا يكون السفر زيارة اخوان، وصلة اهل، وتجديد عهد بين الديرة الشرقية والديرة الغربية. ويرافقه علي بن مقاتل بن سعد على شروط واضحة كتمان السر، وقلة الكلام، وكفاية شر قطاع الطرق، وزيادة التقية والادب. وهذه الوصايا الاربع ترسم وظيفة الراوي منذ البداية؛ فهو تلميذ وحارس وامين سر. فالشيخ يمضي قارئا ومنشدا ومعلما، وعلي بن مقاتل يقود الدابة، ويحرس الطريق، ويحمل السلاح. ومن هذا الاجتماع بين العلم والسيف تولد صورة التغريبة كلها علم يمشي في طريق خطر، وشيخ يختبر السفر بالصبر، وتلميذ يحرس السر حتى يبلغ اهله. بعرين ومصياف امن الدرب والسياف حارس السر اول محطة كبرى في التغريبة هي بعرين. يدخل الشيخ علي ومعه علي بن مقاتل السياف بيت رجل من اهلها على هيئة عابري سبيل، فيسألهما صاحب الدار اكراد انتم ام عرب؟ فيجيبه الشيخ عرب اكراد، في عبارة تكشف اختلاط القوى والالسنة في تلك البلاد. وحين يعرف المضيف انهما من قرية الصويري يقول عبارته اللافتة الا يكفيكم فخرا انكم من ضيعة الشيخ علي الصويري، المؤدب الجليل والعارف النبيل. ثم يخبرهما ان بعرين ابتليت بحاكم كردي غاشم، فرض الخوات، واستعبد الناس، واحرق الضياع، وجعل الطريق موضع خوف. وفي الليل يطلب الشيخ عود نشاب، ويعزم عليه الا يرده ظالم حتى يبلغ رقبة ذلك الغاشم، ثم يلقيه من النافذة. وتروي الحكاية ان رجلا دخل حصن الحاكم بنبل اصاب نحره فقتله. وحين يبلغ الخبر الشيخ يقول وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى. تأتي الحادثة كتحول في امن الدرب وزوال للظلم الذي كان يخنق الناس والطريق. بعد بعرين يمران باطراف مصياف، وقد بدت خربة موحشة، ثم يبيتان تحت جرف في وادي حيلين والمطر يهطل، فيبقى ثوباهما جافين. وهناك يحيط بهما عشرة من قطاع الطريق يطلبون الثياب، فيتقدم علي بن مقاتل بسيفه، وينازلهم، ويقتل كبيرهم، حتى ينشد الشيخ فيه شعرا. عندها تسمية السياف تصير دورا مؤسسا في السيرة هو تلميذ الشيخ، وحارس الطريق، وامين السر. ومع ذلك لا تتحول المعركة الى طلب غنيمة. فالشيخ ينهى تلميذه عن اخذ ثياب القتلى وسلاحهم، ويصفها بارث بخس، فتظهر اخلاق الطريق واضحة السيف لحماية الشيخ والرحلة والسر، لا للنهب ولا للتفاخر. وبذلك تجمع التغريبة بين المعنى الروحي والمعنى العملي علم يمشي في طريق خطر، وسياف يحرس السر حتى يبلغ اهله. ضيعة القصيري دار الفقه والاعتراف بالشيخ تصل القصة الى ديار الشيخ محمود القصيري، فتصف ضيعته وصفا يكشف عالما من العلم والضيافة واليسر ناس تبدو النعمة على ثيابهم، وقطعان ماعز كثيرة، وخانات للضيوف وعابري السبيل، ودار فقه قائمة على اثنتي عشرة قنطرة، جدرانها مملوءة بالمصاحف والكتب والرسائل، وارضها مفروشة بالطنافس.
11
11
ومن الخيوط الميدانية نزول الشيخ خليل بن الادهم واخيه وعائلته في قرية الصويري عند شيخها قبل انتقالهم الى الصفيفات، ما يجعل القرية محطة ضيافة وعلم، وتشهد على ذلك مضافة الشيخ يوسف الصويري. ۞ النسب والبيت منصور ثم علي ثم حسن، ولغز الرفدي يقوم خط آل الصويري على ثلاثة اجيال متصلة الشيخ منصور الاب، ثم ابنه الامير والشيخ علي، ثم حفيده الشيخ حسن. وثبتت المصادر القديمة النسب بصيغة واضحة الشيخ علي هو علي بن منصور بن سلامة بن فرج بن معالي الرفدي، والشيخ حسن هو حسن بن علي بن منصور بن سلامة بن فرج بن معالي الرفدي. ويقدم خير الصنيعة هذا النسب حين يترجم للشيخ علي الصويري الشاعر الشهير، فيجمع في عبارة واحدة النسبة الصويرية والخط الرفدي، ويلتقي اللقب الرفدي مع اسم جابر الرفدي في شبكة الشيخ علي نفسه. وفي الجيل الاول يقف منصور الذي تحفظ صورته الرواية والمقام اكثر من النصوص، وفي الثاني يقف علي الناطق بالتاليف والمناظرة والشعر، وفي الثالث يقف حسن الشاب الذي ورث الذكاء والبرهان ثم رحل مبكرا. الرفدي الاسم الاقدم خلف النسبة الصويرية يقرا لقب الرفدي مفتاحا اقدم من النسبة الصويرية نفسها؛ فالصويري نسبة القرية التي استقر حولها الفرع، اما الرفدي فاسم عميق يحفظ صلة البيت باصل اوسع يظهر في عمود النسب وفي شبكة الرجال وفي محطة اسقبلة آل رفد، ويدل الجذر ر ف د على العطاء والاسناد، لكن النسبة لا تفسر من المعجم وحده، فقد تكون الى جد اعلى او بيت قديم او موضع. واقوى ما يسندها ان التغريبة تذكر اسقبلة آل رفد، وتسميها محجة علم في الجبل الغربي، وتصف العلماء فيها بعدد العامة، ويستقبل الشيخ عند مدخلها جابر الرفدي وضاحي ومعلا وسلمان ونعمان وفراس بارمايا وياسين ومعروف، بل سمي فتى في بيت آل الوحش ضاحي تيمنا بالشيخ ضاحي الرفدي، فتبدو اسقبلة بيت مشيخة كبيرا يدخله الشيخ علي مدخل اصل وقرابة ومجلس علم وتزيد هذه القراءة التغريبة عمقا، فالرحلة الى الديرة الغربية تصبح ايضا عودة الى الجذر الرفدي يخرج الشيخ من قرية الصويري التي حملت نسبته المشهورة، ثم يصل الى آل رفد الذين يحفظون الاسم الاعمق. وهنا تبرز قيمة كتاب المشيخة المحفوظ في مانشستر، ومصادر النسب مثل حقائق التبيين في نسب المسلمين العلويين، وقد تحفظ بيوت المشيخة الرفدي او آل معالي الرفدي. ويضاف خيط يربط الرفدي بالعالم علي بن عيسى الجسري صاحب رسالة التوحيد المحفوظة في مجموع باريس نفسه الى جانب مرثية الصويري، خيط يفتح سؤالا في دوائر تداول النصوص وبيوت العلم الساحلية . الدليل الجيني والتمييز بين الفروع دخل النسب الصويري في السنوات الاخيرة بابا جديدا من ابواب النظر، بعد ظهور عينات لافراد يحملون لقب الصويري من حمص وبيت نعمان في قاعدة مشروع ابناء الشام الجيني بين سنتي 2019 و2023. وتظهر هذه العينات، بحسب بيانات المشروع، تقاربا على المتحورة J2-M172 من فرع Z640، وهي قرينة جينية شامية قديمة تتصل بخطوط واسعة في بلاد الشام والعراق واليمن، وقد تمنح رواية الاصل الرفدي والعراقي وزنا اضافيا. هذا الدليل يساعد على تمييز الفرع الشامي المتصل بحمص وبيت نعمان عن صويريين آخرين في المغرب والبقاع، يشتركون معه في اللفظ ولا يشتركوا معه في السلالة. وهكذا يقرا لقب الرفدي على ثلاثة درجاتت متكاملة درجة النسب النصي كما حفظه خير الصنيعة، ودرجة الرواية التي تحفظ حركة البيت بين الصويري وبجنة وبيت نعمان، ودرجة القرينة الجينية الحديثة. وتبقى الجينات شاهدا مساعدا يضاف الى النص والمقام والرواية. ۞ التغريبة والرحلة من القحط الى زيارة الاخوان في الديرة الغربية تقرأ التغريبة كرواية مناقبية متداولة في ذاكرة الشيخ علي الصويري، فقيمتها الاساسية أنها تحفظ صورة الشيخ في وجدان الناس، وتربط اسمه بالقحط والرحلة والاخوان والمقامات، مع بقاء بعض تفاصيل نسبتها وتاريخ تدوينها بحاجة إلى مقابلة وتدقيق. ترد في رواية علي بن مقاتل بن سعد، المكنى بالسياف الصويري، كما حفظها كتاب تاريخ العلويين في بلاد الشام لاميل عباس آل معروف، ضمن باب واسع عن عصر الامير علي بن منصور والحروب مع الاسماعيلية والسكينية. وتظهر عناوينها كأنها خارطة طريق للسيرة الهجرة من الديرة الشرقية، بعرين والحاكم الكردي، معرفة القصيري للصويري، قتل حاكم بعرين، ترئيس الشيخ، آل الوحش، هجوم الاسماعيليين على تعنيتا، سجيع بن سنان الدين، قلعة المرقب، الشيخ فراس بارمايا، جليتا، ثم العودة الى الصويري. وليست هذه الرحلة بعيدة عن شعر الشيخ، فمرثية باريس تنطق بلغة الفراق والتشتت وفقد الاحبة، حتى تبدو التغريبة والوداعية وجهين لتجربة واحدة رحلة يرويها السياف، وفراق ينشده الشيخ.
10
12
وتحفظ الرواية اسماء تزيد صورة المكان وضوحا؛ منها ان الاسم القديم للقرية كان بليبل، ومنها ذكر جمعية الشيخ علي الصويري الخيرية، ومقبرة المنطار، وخزان الشيخ حسن الصويري. كما تحفظ الرواية ان حركة بعض خط العائلة من قرية الصويري نحو الدريكيش وبيت نعمان ارتبطت بزمن جفاف وقحط، وهي رواية يلتقي معناها مع جو الجوع والرحيل في التغريبة. ويقدر موضع هذا الامتداد في جرد الدريكيش، على مسافة تقارب 15 الى 20 كم من مركزها، قرب جبل النبي صالح وحصن سليمان. قرية وزاوية في الدفاتر العثمانية تدخل قرية صويري الدفاتر العثمانية كقرية ذات مقام ووقف، وتعرض دراسة انور تشاكار عن حمص في القرن 16 م، المعتمدة على دفاتر التحرير، سلسلة الدفاتر التي ظهر فيها اسم القرية وزاويتها: دفتر سنتي 1526 و1527 م برقم BOA TD 418، ودفتر سنة 1552 م برقم BOA TD 281، ودفتر سنتي 1570 و1571 م برقم BOA TD 502، ودفتر سنتي 1594 و1595 م المحفوظ في ارشيف الطابو برقم TKA TD 179. ترد صويري قرية وزاوية، ويظهر قاع الصويري موردا او ارضا موقوفة على زاوية الصويري. وهكذا يدخل المقام لغة الادارة والجباية، كزاوية لها حرمة ووظيفة ووقف، ويتحول القاع موردا اقتصاديا يحفظ المقام وينفق على خدمته والواردين اليه. وتضيف دراسات ستيفان وينتر خلفية ادارية اوسع، اذ تبين ان ناحيتي حصن الاكراد والمناصف ظهرتا ضمن المجال الذي كان يسكنه العلويون في احصاءات طرابلس سنة 1519 م وسنتي 1524 و1525 م، ثم ادرجتا لاحقا ضمن سنجق حمص. وفي سنة 1519 م حاز محمد سيفا، جد امراء طرابلس، تيمارات في عرقا والبترون والضنية وفتوح بني رحال وعكار وحصن الاكراد والمناصف وطرطوس، ما يدل على ان هذه النواحي كانت جزءا من شبكة ادارية ومالية واسعة. ويصف وينتر حصن الاكراد مقاطعة متوسطة الحجم، ضمت نحو 35 الى 40 قرية مستقرة، اضافة الى مزارع خاضعة للضريبة، وقبائل عربية وكردية وتركمانية. اما المناصف فكانت ناحية تضم بين 40 و45 قرية صغيرة، اخذت اسمها من مرتفعات جبل المناصف غربي حمص، وقد افرد لها وينتر دراسة خاصة عن قضاء حصن الاكراد في مجلة Journal Asiatique سنة 2019. وبهذا تظهر قرية الصويري وزاويتها داخل مجال اداري معروف، يتصل بحمص وطرابلس وحصن الاكراد والمناصف. فرمان زاوية الصويري ووقف قاع الصويري تملا الوثائق العثمانية فراغا مهما بين ذكر قرية الصويري وزاويتها في دفاتر التحرير، وبين استمرار النزاع على قاع الصويري في زمن لاحق. واهم هذه الوثائق فرمان عثماني محفوظ، بحسب ما تورده الدراسات المتخصصة في وثائق العهد العثماني، في دفتر المهمات رقم 35، حكم 578، مؤرخ في اوائل شعبان 987 هـ / اواخر ايلول 1579 م. وقد صدر الحكم بناء على عريضة من سدنة زاوية الشيخ علي الصويري في قرية صويري بقضاء حصن الاكراد، طلبوا فيها تجديد اعفاء الزاوية من العوارض والرسوم، مقابل خدمتها للمارة واطعامهم، بعد ضياع او احتراق امرهم السابق. فجاء الحكم بإبقاء الزاوية على اعفائها، وهو ما يدل على ان الاعفاء اقدم من سنة 1579 م، وان الزاوية كانت داخلة في بنية ادارية مبكرة، لها سدنة ووظيفة وحق معترف به. ثم يظهر الوقف مرة اخرى في سجلات محكمة حمص الشرعية، في دعوى مؤرخة سنة 1118 هـ / 1706 م، ذكرها ستيفان وينتر اعتمادا على سجل المحكمة. وفيها خاصم احمد بن منصور الصويري احد وجوه قبيلة الموالي حول قاع الصويري، وقدم وثيقة وقفية تحمل ختم قاضي حصن الاكراد، تثبت ان الارض وقف على مقام الشيخ علي الصويري، فحكمت المحكمة لصالحه وثبتت يد آل الصويري على الوقف. وهذه الدعوى، وان بقيت بحاجة إلى مراجعة صورة القيد الاصلي ، تمنح الرواية الميدانية سندا قانونيا قويا، وتظهر آل الصويري سدنة مقام ومتصرفين بوقف له حدود وموارد. وتلحق بهذه السلسلة وثيقة متأخرة من مكاتبات الصدارة العظمى، برمز A.MKT.UM 23/99، مؤرخة سنة 1267 هـ / 1851 م، تشير إلى قاع الصويري ومقام الشيخ علي الصويري وآل صويري، وتدل على استمرار صلة العائلة بإدارة المقام والوقف حتى اواخر العهد العثماني. وبهذا يتصل التسلسل: دفاتر تحرير تذكر القرية والزاوية والقاع، ثم فرمان سنة 1579 م يجدد الاعفاء، ثم دعوى سنة 1706 م تثبت الوقف في وجه خصوم من خارج القرية، ثم مراسلة سنة 1851 م تؤكد بقاء الصلة بين آل الصويري والمقام. وهذه السلسلة تجعل الوقف والمقام مؤسسة طويلة العمر. امتداد الجغرافيا تمتد جغرافيا الصويري الى مواضع العائلة في الشمال الساحلي بيت نعمان وحصن سليمان في محيط طرطوس حيث مقام الشيخ حسن، وبجنة الجرد غربي بيت نعمان حيث ينسب اليه ضريح الشيخ منصور في رواية، والى قرية المعمورة في رواية اخرى، وتظهر تعنيتا والمرقب وجليتا والخوابي في خيط التغريبة.و امتدت احالاته العلمية الى حلب وبغداد وعانة، فكان يستشهد بفقهاء منها مراجع في الخط الخصيبي العلوي.
11
13
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري 2026.07.03 سيمون خالد علي بدأ اسم الصويري بلقب ولي فقير زاهد يتناقله اهل الجبل، ثم اتسع حتى صار نسيجا ممتدا يجمع القرية والطريق والمخطوط والديوان والمرثية ورواية علي بن مقاتل السياف. فظهرت آثار تحمل توقيعه في خزائن المخطوطات بمانشستر وباريس، وحفظت له المصادر القديمة ترجمة ونسبا وشعرا وسيرة، وذكرت له المصادر الحديثة ديوانه ورواية سيافه، واحتفظت له القرى المنسوبة اليه في جبل الحلو وجبل المناصف وقضاء حصن الاكراد بموضع ومقام وذكر متصل. وتتكون صورة الاسم من ثلاثة مسارات متلاقية: مسار القرية والمقام، تحفظه الرواية وشواهد الحجر المغروسة في جدران الاضرحة؛ ومسار النص والمخطوط، تمثله الرسالة النورية وارجوزة مانشستر ومرثية باريس وديوان القوافي؛ ومسار المصادر الحديثة التي اعادت تقديم الشيخ علي بن منصور الصويري شاعرا وعالما وصاحب مناظرة وحرب. ومن هذه المسارات تتكون صورة رجل عاش في القرن الثالث عشر للميلاد، وامتد اثره الى مطلع القرن الرابع عشر، فبقي حاضرا في الشعر والتخميس والتداول. وتكشف الشواهد المخطوطية عن وجهين متكاملين من وجوهه: فمرثية باريس تحفظ شعرا مرثيا وداعيا من نظم علي بن منصور نفسه، خمسه موسى الربطي، اما ارجوزة مانشستر فتحفظ نصا في المثل النوري منسوبا في فهرس منجانا الى علاء الدين بن منصور الصويري سنة 708 هـ / 1308 م، و علاء الدين لقب او قراءة فهرسية قريبة من الاسم المعروف في المصادر: الشيخ علي بن منصور الصويري. وهكذا اجتمع للصويري وجه الشاعر ووجه الناظم، بين مرثية الفراق وارجوزة النور. تقرا هذه الدراسة سيرة الصويري قراءة متصلة من الاب المؤسس الشيخ منصور، مرورا بالابن العالم الشاعر علي بن منصور، وانتهاء عند الحفيد الشاب حسن بن علي الذي اختطفته المنية قبل ان يكتمل علمه، ثم تفتح صورة المقامات والمخطوطات والشعر افقا اوسع يصل القرية الحمصية الصغيرة بخزائن باريس ومانشستر، وبسجلات العثمانيين، وبمقامات كيليكيا في اقصى الشمال. و هي سيرة مركبة تفسر بعضها بعضا نسب يمتد الى لقب الرفدي القديم، وقرية تحمل الاسم في جبل المناصف، ومقام يتوارث السدنة حراسته، ورواية تحفظ الكرامة والتغريبة، ومخطوطات في مانشستر وباريس، ومرثية مخمسة، وديوان، وشعر نور ورمز. ۞ قرية الصويري وجبل المناصف وحصن الاكراد مجال حمصي ساحلي واحد الصويري صار قرية وموضعا ومجالا له حدود وطرق وجيران، تتوزع آثاره على اكثر من جبل. واول هذه المواضع قرية الصويري من قرى جبل المناصف، وهي التي تذكرها الرسالة النورية وتنسب اليها الشيخ علي، فمنها تنبع نسبته الشامية، وبها يتميز عن كل صويري آخر في المغرب او البقاع. ويظهر الاسم ايضا ضمن قرى جبل الحلو في جبال حمص، وهو من البدايات الجنوبية الشرقية لسلسلة الجبال الساحلية، تتجه بعض اوديته شرقا نحو حوض العاصي، وتميل اوديته الجنوبية الغربية نحو وادي النهر الكبير الجنوبي. وترد القرية ضمن ناحية شين في محافظة حمص، وحولها مواضع مثل خربة الحمام، فتغدو النسبة الى الصويري الحمصية اقرب من ردها الى صور الساحلية. ويتاكد موضع القرية في الوثائق، فقد وردت ضمن قضاء حصن الاكراد، في محيط القلعة المشرفة على تلكلخ وريف حمص الغربي، وذكرت وثيقة شرعية طريقا سالكا من قرية الصويري الى خربة الحمام، كما ورد اسم بلال بن درويش بلال من القرية في دعوى تتعلق بطاحونة. وهذا يثبت ان الصويري كانت قرية ماهولة معروفة، لها رجال يردون في سجلات القضاء. اما قلعة الحصن، المعروفة بحصن الاكراد، فتقوم على تل يشرف على فتحة حمص، وترتفع نحو 650 مترا عند الطرف الجنوبي لسلسلة الجبال الساحلية. بناها امير حلب المرداسي شبل الدولة نصر نحو سنة 1031، موضعا لجند اكراد، ثم صارت في القرن الثاني عشر مركزا للاسبتارية، حتى استردها الظاهر بيبرس سنة 1271. وفي العهد العثماني دخلت في ناحية عرفت باسم حصن الاكراد، تبعت سنجق طرابلس ثم سنجق حمص ضمن ايالة طرابلس، وكان يقودها دزدار، وتحيط بها قبائل تركمانية وكردية وعربية، وتولى امرها في القرن الثامن عشر بيوت من آل الدندشي. ثم نقل مركز القضاء في اواخر العهد العثماني الى تلكلخ، فغدا اسم تلكلخ وريث حصن الاكراد في الادارة، وهو ما يفسر ورود القرية بين نسبتين متعاقبتين: قضاء حصن الاكراد في المرحلة الاقدم، وتلكلخ في المرحلة الاحدث. وتظهر بلدة الصويري ايضا في يوميات محمد المكي، التي طبعت باسم تاريخ حمص، ونقلها نعيم سليم الزهراوي في ترجمة آل المعصراني. ففيها خبر دفن الحاج رجب المعصراني الى جانب الشيخ علي صوير في بلدة الصويري سنة 1689. مما يكشف ان موضع الشيخ علي كان علامة مكان معروفة، يدفن الناس الى جوارها قبل العصر الحديث بزمن طويل. وقرب القرية يرد موضع باسم قاع الصويري، فيتجاوز الاسم حدود القرية والمقام الى تسمية موضع طبيعي او محلة تابعة.
16
14
التاجر والرقابة التموينية والمواطن… ثلاثية لا تستقيم إلا بالأخلاق يوليو 1, 2026 بقلم: عبد اللطيف عباس شعبان ثلاثة أطراف تحكمها علاقة مترابطة: التاجر، والرقابة التموينية، والمواطن. فالتاجر يؤمّن في متجره عشرات السلع، وربما مئاتها أو آلافها، ويخصص لهذه الغاية رؤوس أموال تتناسب مع إمكاناته وحجم تجارته، وقد يكون جزء منها ممولاً بقروض تترتب عليها فوائد. كما يتحمل أعباء ومشقات متنوعة، وقد يتعرض لخسائر في بعض السلع بسبب الكساد أو عوامل أخرى، الأمر الذي يدفعه إلى بيع بضاعته بأسعار يراها مناسبة لما يبذله من جهد وما يتحمله من مخاطر. وتختلف هذه القناعة من تاجر إلى آخر، تبعاً للأسعار التي يحددها تاجر الجملة وفق فواتيره، والتي قد تختلف من حيث المصداقية والموضوعية، وكذلك وفق معرفته بالأسعار التموينية المحددة، سواء أكانت أسعاراً مقطوعة أم نسباً مئوية من سعر الشراء. ويجهل كثير من التجار الأسعار التموينية المقطوعة لعدد كبير من السلع، كما أن البيانات الواردة في بعض الفواتير قد لا تعكس السعر الحقيقي المدفوع. وقد شهدت الفترة الأخيرة تغيرات متسارعة في أسعار الصرف، ما جعل القيمة الفعلية للفواتير تختلف من يوم إلى آخر، الأمر الذي يضع التاجر أمام واقع متغير يصعب معه الالتزام الدقيق بها، سواء كان ذلك في مصلحته أم في مصلحة المستهلك. ويضاف إلى ذلك أن بعض السلع تُتداول من دون فواتير نظامية، ما يجعل التاجر أسيراً لواقع السوق. ولا يخلو العمل التجاري من صعوبات وتحديات، إلا أن الواقع يشير إلى أن النشاط التجاري يظل مجزياً في أغلب الأحيان، بدليل الإقبال الكبير عليه، مع الإقرار بأن بعض التجار يحققون أرباحاً تتجاوز الحدود المقبولة في عدد من السلع. ومن هنا، فإن وجود الرقابة التموينية في الأسواق أمر ضروري، على أن يتركز عملها بالدرجة الأولى على مكافحة الغش والربح الفاحش، لأن كثيراً من الأسعار التموينية المحددة قد لا تنسجم مع الواقع الميداني، سواء بسبب ضعف دقة لجان التسعير أو نتيجة التقلبات اليومية في الأسواق.. كما يُستحسن أن تتخذ الإجراءات الرقابية في بدايتها طابعاً توجيهياً وإرشادياً، مع تشديد العقوبات عند تكرار المخالفات، بعيداً عن أي مظاهر تعسف أو ابتزاز أو إساءة في تطبيق القانون. ومن المعروف أن التعليمات الرقابية قد تتيح ضبط مخالفات لدى معظم التجار، لذلك فإن الحكمة في التطبيق لا تقل أهمية عن الحزم في التنفيذ.. وأرى أن من المناسب التخفيف من عقوبتي السجن والغرامات المالية الكبيرة في بعض المخالفات، والاستعاضة عنها -عند الاقتضاء- بإغلاق المحل المخالف لساعات أو أيام بحسب نوع المخالفة، مع إلزام صاحبه بوضع لافتة توضح سبب الإغلاق، لما في ذلك من أثر ردعي وتوعوي في آن واحد.. أما المواطن، فمن واجبه ألا يتردد في الاعتراض على أي زيادة غير مبررة في الأسعار أو في حال الاشتباه بوجود غش، وأن يلجأ إلى تقديم شكوى للجهات التموينية إذا تعرض لغبن واضح. والأفضل من ذلك أن يحسن اختيار المتجر الذي يتعامل معه، وأن يقارن بين الأسعار في أكثر من مكان قبل الشراء، بما يحقق له أفضل جودة بأفضل سعر. ويبقى الرابط الأساسي بين أطراف هذه المعادلة الثلاثية، وهي: التاجر والرقابة التموينية والمواطن، هو التحلي بالأخلاق الفاضلة، بحيث يدرك كل طرف حقوقه وواجباته، وأن رقابة الضمير تعلو على كل رقابة، ولا يعلو عليها إلا رقابة الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ علَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا)”الأحزاب: 52″. الكاتب:عبد اللطيف عباس شعبان / عضو جمعية العلوم الاقتصادية – عضو اتحاد الصحفيين: (منشور في موقع أخبار سوريا الوطن يوم 1 / 7 / 2026 ) https://feneks.net/books/%D8%B5%D9%88%D8%AA-%D9%88%D8%B5%D8%AF%D9%89/82075-2026-07-02-20-42-02
33
15
حي الشاغور الدمشقي 2026.07.02 د. جوزيف زيتون إذا حفرت المياه مجاريها تحت الأرض يقال إنها شغرت ومن ذلك كلمة شاغور التي تعني كثرة المياه التي تمر تحت القشرة الظاهرية لأرض هذا الحي، أي تحت دورها. حي الشاغور حي شامي دمشقي قديم في سوريا، ويعد من أقدم وأعرق الأحياء في مدينة دمشق القديمة . خلال الانتداب الفرنسي كان الحي واحداً من المواقع المهمة للمقاومة الوطنية. فقد شارك العديد من السكان في الأنشطة السياسية وفي تطور الفكر السياسي الوطني السوري، وقد كان مكاناً لكثير من المثقفين البارزين والشخصيات السياسية بما في ذلك الشاعر الشهير نزار قباني، وكذلك يوسف العظمة، و حسن الخراط، زعيم الثوار الأبرز في دمشق خلال الثورة السورية الكبرى عام 1925. يقال أن تسمية حي "الشاغور" أتت من قصةٍ نهرٍ سافر بعيداً عن منبعه ليسير في شرايين المدينة العتيقة حتى أطرافها، فأعطى لأحد أعرق أحيائها. ولكن كيف يصل هذا النهر إلى حي "الشاغور"؟. «يتفرع نهر "بانياس" عن "بردى" في منطقة "الربوة"، ويسير بموازاته مروراً بمدينة المعارض القديمة، وصولاً إلى المنطقة المحاذية للمتحف الوطني من الجهة المقابلة لمدرج جامعة "دمشق"، ومازال مكشوفاً في هذا المكان، ثم يدخل إلى التكية "السليمانية"، ويتابع مسيره إلى جامع "الميلوية"، فجامع "تنكز" في شارع "النصر" وصولاً إلى ما يعرف حالياً بسوق الكهرباء، وكان النهر مكشوفاً على طول هذا المسار قبل 30 عاماً تقريباُ، ثم يدخل إلى قلعة "دمشق" ويظهر بوضوح بين حائط القلعة وتمثال "صلاح الدين الأيوبي"، وبعد مروره تحت سوق "الحميدية" يدخل نهر "بانياس" إلى حي "الشاغور" من نزلة حمّام "القاضي" في شارع "مدحت باشا"». https://feneks.net/society/heritage/82076-2026-07-02-21-15-52
34
16
كيف اختفت يوغوسلافيا من الخريطة؟ 2026.07.01 سمير جبارة قبل أقل من أربعة عقود، كانت يوغوسلافيا واحدة من أكبر دول أوروبا و منطقة البلقان، تجمع تحت رايتها شعوبًا وقوميات و ديانات و طوائف متعددة.. لكن مع نهاية الحرب الباردة، بدأت الخلافات القومية والسياسية تتصاعد، لتتحول الدولة تدريجيًا إلى سلسلة من الحروب والانفصالات. - 1989: يوغوسلافيا ما تزال دولة اتحادية موحدة. - 1991: أعلنت سلوفينيا وكرواتيا استقلالهما، لتبدأ أولى مراحل التفكك.. - 1992–1995: اندلعت حرب البوسنة، إحدى أكثر الحروب دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وانتهت باستقلال البوسنة والهرسك.. - 1999: شهد إقليم كوسوفو حربًا انتهت بتدخل حلف الناتو وانسحاب القوات الصربية من الإقليم.. - 2006: انفصل الجبل الأسود عن الاتحاد مع صربيا عبر استفتاء شعبي.. - 2008: أعلن كوسوفو استقلاله من جانب واحد، ولا يزال وضعه محل خلاف دولي، إذ تعترف به دول كثيرة بينما ترفض صربيا وعدد من الدول الأخرى الاعتراف باستقلاله.. النتيجة النهائية: تحولت يوغوسلافيا إلى سبع كيانات هي: سلوفينيا، كرواتيا، البوسنة والهرسك، صربيا، الجبل الأسود، مقدونيا الشمالية، كوسوفو.. تُظهر هذه الخريطة كيف يمكن للأحداث السياسية والقومية أن تعيد رسم حدود الدول خلال سنوات قليلة، وأن تغيّر المشهد الجغرافي بشكل جذري.. https://feneks.net/study/free/82070-2026-07-01-22-00-08
63
17
سيرة الشاعر نوفل بن غانم إلياس 2026.07.01 نوفل إلياس 1407-1320هـ 1986-1902م معجم البابطين لشعراء العربية سيرة الشاعر: نوفل بن غانم إلياس. ولد في بانياس (ساحل سورية)، وتوفي في قبرص. عاش في سورية ولبنان وقبرص، وكان دائم التردد بين سورية ولبنان. تلقى تعليمه الأولي لسنة واحدة في مسقط رأسه، وسنة ثانية في مدرسة الفرير باللاذقية، واضطرته ظروف الحرب العالمية الأولى للنزوح إلى قرية البساتين حيث أخذ العلم عن والده، وأخذ علوم اللغة العربية عن عمه، وبانتهاء الحرب استأنف دراسته في مدرسة الفرير بطرابلس (1919) ونال الشهادة الثانوية. أتقن اللغتين العربية والفرنسية ونظم الشعر بكلتيهما، والتحق بالجامعة السورية ونال إجازة الحقوق (1935). عمل بالمحاماة وافتتح مكتبين في سورية ولبنان، وتعرض للسجن (1940)، وفرضت عليه الإقامة الجبرية في صيدا مدة ستة شهور، نفي بعدها إلى فلسطين مدة سنتين ثم نفي إلى بيروت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (1945). خاض انتخابات مجلس النواب منضمًا إلى حزب الشعب في حلب (1947) لكنه لم يحقق نجاحًا إلا في دورة (1954) حيث فاز بالنيابة عن محافظة اللاذقية. شغل منصب قنصل سورية في الأرجنتين. ترأس محفلي الأدب العربي والفرنسي. الإنتاج الشعري: - له ديوان: «أوراق نوفل إلياس» - جمع: جوزيف الغريب - بيروت، وله قصائد نشرت في مصادر دراسته، منها قصيدته: «سلمى» نشرت في كتاب «الموسيقا في سورية» وتغنت بها المطربة زكية حمدان، وله قصائد نشرت في عدد من دوريات عصره، منها: ولا أبالي - مجلة النهضة - السنة الأولى - العدد الثامن/ 1937، وله عدد من القصائد المخطوطة. شاعر وجداني، حمل الشعر مسؤولية التعبير عن ذاته المهمومة بقضايا الإنسان، والوطن، المتاح من شعره بعض المقطوعات الرثائية، وقصيدة «سليمى» التي كثر تداولها وحقق لها الغناء مساحة واسعة من الانتشار، وتكشف عن شاعريته ورقة أسلوبه وقوته وحفاظه على تقاليد القصيدة العربية عروضًا وقافية ولغة. مصادر الدراسة: 1 - أدهم آل جندي: أعلام الأدب والفن - مطبعة الاتحاد - دمشق 1958. 2 - جورج فارس: من هم في العالم العربي - مكتب الدراسات السورية والعربية - دمشق 1957. 3 - سليمان سليم البواب: موسوعة أعلام سورية في القرن العشرين - دار المنارة - بيروت 2000. 4 - صميم الشريف: الموسيقا في سورية، أعلام وتأريخ - منشورات وزارة الثقافة - دمشق 1991. 5 - محمد الفرحاني: فارس الخوري وأيام لا تنسى - دمشق 1964. جميع الحقوق محفوظة 2026 - مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية تصميم وتطوير: طلال أبوغزاله العالمية اللاذقية بحر وجبل https://feneks.net/society/portrait/82068-2026-07-01-21-37-22
43
18
ولم يكن أخطر ما في هذا التحول تغير المظاهر الخارجية، بل إعادة إدخال المرأة، ولو بصورة جزئية، إلى المنظومة الثقافية التي تقيس قيمتها بمدى امتثالها، لا بمدى اكتمال إنسانيتها. واليوم، وفي لحظة تاريخية يواجه فيها المجتمع العلوي واحدة من أعقد أزماته، يبدو من الضروري إعادة النظر في مصادر قوته الحقيقية. فالقوة ليست السلاح، ولا السلطة، ولا الحنين إلى الماضي، بل الإنسان القادر على إعادة بناء نفسه. ومن هذه الزاوية، فإن المرأة العلوية الحرة ليست مجرد ظاهرة اجتماعية تستحق الإعجاب، بل تمثل واحداً من أعظم أشكال رأس المال الحضاري الذي راكمه هذا المجتمع عبر تاريخه. إنها نقطة قوة لا تقل أهمية عن الجغرافيا، ولا عن التعليم، ولا عن الكفاءات العلمية التي يمتلكها أبناء المجتمع. بل لعلها تتفوق عليها جميعاً، لأن المرأة الحرة هي التي تصنع الإنسان الذي سيستثمر كل تلك الموارد. فهي التي تربي جيلاً لا يخاف المعرفة، ولا يرى في الحرية تهديداً، ولا يختزل المرأة في وظيفة بيولوجية أو اجتماعية، بل يعترف بها شريكاً كاملاً في بناء الحياة. ولهذا، إذا كان المجتمع العلوي يبحث اليوم عن نقطة يبدأ منها مشروعه الحضاري الجديد، فربما لن يجد أثمن من هذه المرأة التي بقيت، عبر تاريخها، أقرب إلى إنسانيتها من كثير من نساء الشرق. إن الحفاظ على هذه الشخصية النسائية الحرة، وتعزيزها، ليس قضية تخص المرأة وحدها، بل هو استثمار مباشر في مستقبل المجتمع كله. فالأم الحرة لا تربي أبناءها على الطاعة العمياء، بل على الكرامة، ولا تنقل إليهم الخوف، بل الثقة، ولا تعلمهم الانغلاق، بل الانفتاح على الإنسان. ومن رحم هذه التربية وحدها يمكن أن يولد الجيل القادر على تجاوز مآسي الحاضر وصناعة مستقبل مختلف.
30
19
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل 2026.07.01 نضال كامل من أكثر المفارقات إثارة في التاريخ الاجتماعي للعلويين أن المرأة بقيت، عبر قرون طويلة، خارج منظومة التعليم الديني التقليدي التي احتكرها الرجال. ويُقدَّم هذا الأمر عادةً بوصفه دليلاً على تهميشها وحرمانها من المعرفة الدينية. غير أن هذه القراءة تتجاهل سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا لو كان هذا الغياب، على مفارقته، أحد الأسباب التي سمحت للمرأة العلوية بأن تحتفظ بقدر من الحرية لم تعرفه المرأة في معظم المجتمعات الإسلامية التقليدية؟ إن القضية هنا لا تتعلق بحرمان من المعرفة، بل بالنجاة من نوع معين من المعرفة؛ معرفة لم يكن همها الأول بناء الإنسان الحر، بقدر ما كانت، في كثير من تجلياتها التاريخية، أداة لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي القائم، وفي قلبه سلطة الرجل على المرأة. فالفقه لا يصنع الأحكام فحسب، بل يصنع أيضاً الإنسان الذي يحمل تلك الأحكام. إنه يعيد تشكيل وعي الفرد، ويحدد موقعه داخل المجتمع، ويرسم الحدود بين السلطة والطاعة، وبين من يحق له القيادة ومن يطلب منه الامتثال. ولهذا كانت المؤسسة الفقهية، عبر قرون طويلة، إحدى أهم مؤسسات إنتاج النظام الأبوي في المجتمعات الإسلامية التقليدية. ومنذ طفولتها، كانت الفتاة تدخل هذا العالم الرمزي الذي يعرّفها قبل أن تعرّف نفسها. تتعلم أن الرجل هو القوام عليها، وأن طاعته فضيلة، وأن استقلالها مدعاة للريبة، وأن جسدها مصدر للفتنة ينبغي ضبطه، وأن رسالتها الأساسية هي الزواج والإنجاب وخدمة الأسرة. وهكذا لا يعود التعليم الديني مجرد تلقين للعقائد، بل يصبح عملية متواصلة لإنتاج امرأة ترى نفسها من خلال عين الرجل، وتقيس قيمتها بمقدار رضا المجتمع عنها، لا بمقدار تحققها الإنساني. ومن هنا يمكن فهم مفارقة التجربة العلوية. فالمرأة بقيت، تاريخياً، خارج هذه المؤسسة. لم تتلقَّ ذلك البناء الفقهي الذي يعيد إنتاج التبعية، ولم تُربَّ، بالدرجة نفسها، على خطاب يجعل الرجل مركز العالم الاجتماعي والمرأة تابعاً له. ولا يعني ذلك أن المجتمع العلوي كان مجتمعاً مثالياً أو خالياً من مظاهر الذكورية، فهو، كغيره من مجتمعات الشرق، حمل كثيراً من البنى التقليدية. لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين ذكورية اجتماعية يمكن أن تتغير مع الزمن، وذكورية تتحول إلى عقيدة مقدسة تكتسب حصانة النص، فيصبح الاعتراض عليها اعتراضاً على الدين نفسه. ولعل هذا ما يفسر الشخصية التي عُرفت بها المرأة العلوية خلال القرن العشرين. فقد احتفظت بحضور اجتماعي قوي، وبقدر ملحوظ من الثقة بالنفس، وبعلاقة أكثر توازناً مع الرجل، وبمشاركة أوسع في التعليم والعمل والحياة العامة مقارنة بكثير من البيئات المحيطة. ولم يكن ذلك نتيجة مشروع تحرري منظم أو حركة نسوية، بل نتيجة غياب عملية التشكيل الفقهي التي أعادت، في أماكن أخرى، إنتاج المرأة بوصفها تابعاً للرجل قبل أن تكون إنساناً مستقلاً. إن أخطر ما تنتجه المنظومات الفقهية المحافظة ليس الحجاب أو الفصل بين الجنسين، فهذه مظاهر خارجية، وإنما إنتاج وعي نسوي يقبل دونيته بوصفها حقيقة دينية. فعندما تؤمن المرأة أن نقصها إرادة إلهية، وأن الطاعة هي معيار فضيلتها، تتحول هي نفسها إلى حارسة للنظام الذي ينتقص منها، وتنقله إلى بناتها جيلاً بعد جيل. وهنا تبلغ السلطة ذروتها؛ حين يصبح الخاضع هو المدافع الأول عن أسباب خضوعه. أما المرأة التي لم تُنشأ على هذا التصور، فإنها تمتلك فرصة أكبر لتكوين ذاتها بوصفها إنساناً كاملاً، لا تابعاً لأحد. ومن هنا تصبح الأم الحرة أحد أهم مصادر إنتاج الإنسان الحر. فالطفل لا يتعلم الكرامة من الكتب، بل يراها في البيت. والابن الذي يكبر أمام أم قوية، واثقة بنفسها، لا يتعلم أن المرأة كائن أدنى، بل يتعلم أن العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة هي علاقة شراكة واحترام. والبنت التي تنشأ أمام أم مستقلة لا تحتاج لاحقاً إلى من يقنعها بأنها تستحق الحرية، لأنها تكون قد عاشت هذه الحرية منذ طفولتها. إن الأم الحرة ليست مجرد فرد داخل الأسرة، بل هي مؤسسة تربوية كاملة. فهي التي تغرس في أبنائها الثقة بالنفس، والاستقلال في التفكير، والقدرة على اتخاذ القرار، واحترام الآخر. ولهذا فإن أثرها يتجاوز حدود البيت ليصبح عاملاً في تشكيل الشخصية الجمعية للمجتمع كله. فكل جيل تربيه امرأة حرة يحمل، من حيث لا يشعر، شيئاً من حريتها إلى المجال العام. لكن هذه الخصوصية بدأت تتعرض للتآكل خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، مع دخول بعض أنماط التدين الإمامي إلى أجزاء من المجتمع العلوي في ظل سياسات النظام السابق. ومع هذا التحول، تسربت تدريجياً تصورات أكثر محافظة تجاه المرأة، وبدأت بعض المظاهر والسلوكيات التي لم تكن مألوفة في البيئة العلوية تجد طريقها إلى المجتمع.
12
20
القيود التي كانت مفروضة على الأدب والفكر والثقافة عمومًا باسم الواقعية الاشتراكية والأيديولوجيا الجامدة تزعزعت وانهارت، فانفتحت أبواب عالم الفلسفة، والفكر، والتعبير، وجميع أنواع الفنون الإبداعية، واختلط الغثّ بالسمين، وساد قدْر كبير من الفوضى وحرية التعبير لم يعرفه الروس من قبل. التغيّر الجذري الذي حصل كان بالدرجة الأولى تغيّرًا أيديولوجيًا متلونًا. رغم قسوة الرقابة والقمع وخنق الحريات الإبداعية في الحقبة السوفييتية حصلت اختراقات هامة. كنا نتصور أنّ الأدراج مليئة بالنصوص الممنوع نشرها خوفًا من الرقابة، لكن حين انكشف الستار أثير ضجيج مفتعل حول أعمال أدبية متوسطة المستوى في أحسن الأحوال، وبقي في الظل، إلى حين، ما هو ثمين، ممنوع ومخفي، كأعمال أندريه بلاتونوف الذي كان شيوعيًا دفع ثمنًا غاليًا، وكتب ستالين نفسه على هامش إحدى قصصه الباكرة نسبيًا: "عبقريّ، لكنه وغد". (*) في كتابك "روسيا من الداخل"، تستشهد بالفيلسوف ألكسندر زينوفييف بقوله إن الرأسمالية والشيوعية وجهان للغرب، وأن روسيا تسعى للحاق باتجاه الغرب الحقيقي وهو غرب مهموم، وأن الشعب الروسي ينتحر حين يسعى للّحاق بالغرب، إلى أي مدى تبدو لك هذه الرؤية قادرة على تفسير التحولات في روسيا؟ وكيف تفهم "الهوية الحضارية" الروسية في ضوء هذا الطرح؟ زينوفييف شخصية إشكالية للغاية. ترجمت مع الزميل د. عادل إسماعيل كتابه "ظاهرة الغربوية" وصدر عن المجلس القومي للترجمة في مصر. كان زينوفييف يدرّس الفلسفة في جامعة موسكو الحكومية، ورُحِّل قسرًا على متن طائرة إلى ميونيخ عام 1978. وافتتح أحد كتبه بجملة لافتة يقول فيها: "يسألوننا، نحن الشيوعيين، هل تؤمنون بالله؟ فنجيب: نعم، نحن لا نؤمن بالله". ناقش في كتابه "ظاهرة الغربوية" كإشكالية حضارية، وقدّم مقارنات عميقة بين الشرق السوفييتي والغرب. ولاقى هذا الكتاب تقديرًا كبيرًا في فرنسا. أمضى زينوفييف في الغرب 25 عامًا، وحين عاد إلى موىسكو في تسعينيات القرن الماضي ربطته بالزعيم الشيوعي زوغانوف صداقة قوية، فهو لم يعتبر نفسه منشقًا، وكان يكره المنشقين، وخاصة سولجينيتسِن! وقد طرد زينوفييف صحافيًا روسيًا جاء لمقابلته في ألمانيا، قائلًا له ما معناه: نحن الروس سمكٌ في الماء، وأهلُ الغرب طيورٌ تُغرّد في السماء. إذا هم هبطوا إلينا ماتوا، ونحن إذا صعدنا إليهم نموت (..). لو انتقلت ألمانيا إلى روسيا ستبقى ألمانيا، ولو انتقلت روسيا إلى ألمانيا ستبقى روسيا. هذه الإشكالية ليست جديدة في الثقافة الروسية، بل عمرها قرون عديدة. الشعار القيصري نفسه، النسر ذو الرأسين، يعكس إدراك الروس كونهم أمة تقف بين عالمين: جزء في آسيا وجزء في أوروبا. إنهم يدركون جيّدًا هذه الإشكالية: الروس والغرب يشتركون في مسار حضاري واحد لتحقيق أهداف مختلفة. ضفة ثالثة https://feneks.net/art/2literature/82066-2026-07-01-20-36-43
32