تراجيديا
Canal cerrado
240
Suscriptores
Sin datos24 horas
Sin datos7 días
-330 días
Archivo de publicaciones
240
« بيت الوِالِي بانِي على ايشان(1).. ثاري الگطع منهُم الغُمّام.. ايحُطُّون حِجَّتهُم النِسوان ».
(1) مرتفع من الأرض لا يصل في ارتفاعه حدّ التل، وغالبا ما يكون موقعاً أثرياً تجمعت التربة فوقه، لذلك يكون "الإيشان" مقترناً بالأساطير وحكايات الجن ويثير في النفس المخاوف، مما يجعل من الاقتراب منه ليلاً أمراً مخيفاً، ولذلك استنكرت ناعية البيت على اخيها أن يبني بيته على "ايشان" حتى يمنعها من المجيئ اليه لطلب الحاجة.
240
- المرأة ممنوعة من التصريح بآرائها في أغلب مجتمعاتنا، لا سيما إذا كانت هذه الآراء تنتقد الرجل أو تهجوه، لذلك تضطر إلى البحث عن سبل غير مباشرة للكشف عن مكنوناتها في هذا الإطار، ربما لهذا السبب وقع شعر النعي في ازدواج كبير، فمع أنه شعر مخصص لتسجيل مآثر الموتى من الاحباب غير أنه، وكما سنكتشف ذلك لاحقاً، يكرس أغلب مقاطعه لذم الرجال و انتقاد طريقتهم في التعامل مع النساء.
إن الزاوية التي اختارتها المرأة الجنوبية للتحايل على ممنوعات مجتمعها غاية بالذكاء إذا لم نقل في الدهاء، فطقوس الموت وشعر النعي زوايا غائبة عن الرقابة الذكورية، لذلك تستطيع من خلالها أن تقول ما تريد، وقد فعلت بقوة ووضوح، ففي هذه الزاوية تكون "التصورات الجمعية" خاملة، ولا تمارس عليها سلطة الكتمان.
راسي عَرى والشيب بَيَّن... اوَّديت للوالي ابْتِدَيَّن (4).. لا حصل دِين ولا هُوَ بين.
240
- وفي أثناء الاستغراق بتفاصيل الطقوس والأسباب التي تدفع النسوة ليكن أكثر ولعاً بها وأكثر حرصا على النزول لأعماق الحزن المبثوثة في ثناياها، لفت نظري علاقة بدت غير منطقية، أول الأمر، بين طقوس دفن الميت وبين نحو من أنحاء "عبادة المرأة".
ووجه اللامنطقية أن الثقافة التي نظمت النساء شعر النعي داخلها، لا تعطي المرأة الأهمية التي تستحق، إذا لم نقل إنها تعاملها بشيء من الاحتقار، فكيف يُعقل أن هذه الثقافة تحتقر المرأة من جهة، وتعاملها بقدسية من جهة أخرى ؟ لكن الطقوس التي درستها تؤكد هذا الازدواج بشكل جلي.
- وجود عملية تنميط دقيقة وهادفة تقوم بها النساء من خلال شعر النعي، وأن رثاء الرجل ونعيه لا يُشكل إلا هدفاً ثانوياً جداً بالنسبة إلى الغرض الرئيسي الذي نظمت المقاطع في سبيل تحقيقه، وأن هذا الغرض أكثر مساساً بوضع المرأة ومعاناتها وحاجاتها وهمومها.
- أن فعالية التنميط لم تكن هدفاً لناظمات شعر النعي بل وسيلة لتحقيق هدف أكثر أهمية بالنسبة لهنَّ، كُنَّ يسعين إلى إدارة علاقتهن بالرجل " من الخلف" أو بصورة غير مباشرة لا تستفز سعي الرجل إلى الاستبداد بإدارة هذه العلاقة.
- لقد وجدت أن المرأة في شعر النعي لم تنع الرجل فقط، بل وانتقدته بشكل لاذع، هي بالأحرى ناقشت بينها وبين نفسها، بصورة مباشرة، وبينها وبين مجتمعها بصورة غير مباشرة، طبيعة العلاقة التي تربطها به، وكشفت الكثير من نقمتها على تفرده بإدارة هذه العلاقة وطريقة أدارته لها.
240
من خلال بيت من الشعري الشعب الخاص بالنعي، قد اثارَ شعور الغرابة في المعنى المختبئ فيه عند سعدون محسن ضمد -صاحب الكتاب-، ومن خلال وصوله للمعنى الدفين الكامن وراءه، حسم أمره في أختيار موضوع لرسالته في الماجستير: جمع وتأويل شعر النعي الذي تنظمه النساء الجنوبيات ويَنعيّنه في المآتم التي تُقام إثر فقد عزيز على قلوبهن.
يقول البيت: « طَبيْيْهُم صْعَد لِلْجبال، طَبَّگ صَنْادِيْج الدوه وشال، مَدرِي اشحِچَه ومَدري شگال ».
ما أثار استغرابي -أي الكاتب- هو تركيز القائلة على صعود الطبيب إلى الجبال، فهذه الصورة بدت مربكة للمغزى الذي تريد إيصاله، والذي يُفترض أنه واقع في سياق نعي المريض بعد موته من خلال الكشف عن صفاته أو معاناته، لكن المشكلة أن هذا المغزى أُفرِد للطبيب دونه.
من هنا وجدت أمامي خيارين، الأول أن أحكم على البيت بأنه مشوش وأن قائلته أرادت قول أي شيء يصلح للنعي. والثاني أن ما قالته في البيت أكثر عمقاً ورمزية من إمكانية الكشف عن دلالاته بشكل سريع، لذلك عدت من جديد إلى طرح الأسئلة؛
لماذا سلطت الناعية ضوء المعنى على الطبيب وتركت مريضها في الظل، مع أن هذا الأخير من ذويها ، ويُنتظر أن تُكرّس المعنى للكشف عن معاناته ؟
لماذا وضعت هذه المعاناة في هامش المعنى وتركت المتن كاملاً للطبيب إلى درجة أنها وصفت حالاته بثلاث صور الأولى صعوده إلى الجبال، والثانية تمتمته بكلمات غير مفهومة، والثالثة رزمه صناديق دوائه ؟
هذا الارتباك في توزيع الاهتمام ذكرني بمعلومة لا اعرف من أين جاءتني، ربما من الحكايات الشعبية وربما عن طريق آخر، تقول أن الناس قديما كانوا يهربون إلى الجبال خوفاً من الأوبئة التي تنتشر بسرعة، وسرعان ما تحولت هذه المعلومة إلى مفتاح سحري ساعدني في فك الغاز المعنى في هذا البيت الشعري، وأكد وقوفي أمام إبداع عالي المستوى غير مباشر البتة، مرن ومتحايل بشكل مدهش، وأنه لن يفك التباساته ويكشف كامل كنوزه الدلالية إلا إذا عومل بصبر واحترام كافيين.
فهذه المرأة تريد أن تقول بأن مريضها وقع بفخ مرض لا شفاء منه، لقد وقع ضحية وباء خطير جداً، مشكلتها بالغة الصعوبة لأنها مع مثل هذا المرض لن تجد طبيباً يقبل معالجة مريضها، حالها ميؤوس منه، وحزنها لا سبيل إلى دفعه. هي ارادت أن تقول كل ذلك لكن لا بشكل مباشر وبليد، بل بشكل ذكي وموارب تترك فيه حال مريضها وتنشغل بحال طبيبه، تنشغل بالهلع الذي وقع فيه ما إن عاين الحالة، فقد تمتم بكلمات غير مفهومة، ثم رزم عدته بسرعة وهرع إلى عائلته فأخذهم وهرب معهم إلى الجبال، فأي مصيبة اكتشفها في جسد المريض وأدت به إلى هذه الدرجة من الهلع ؟!
240
هكذا ومنذ الأزل
كان الله يقذفنا بالمعاول
لنزرع الحب، السلام، الإنسانية
وكنا حدادين جداً
نحولها لحراب
سيوف
ونتقاتل
_صلاح الحكيم
240
وفي النهاية، وبعد أن غرقت شمس الصيف في الأفق، ناشرةً خلفها صبغة ارجوانية مُحمرّة في السماء، دبّت كتائب المشاة في السوق، متنقلين بين واجهات المحال المضاءة بأنوار النيون الساطعة؛ كجنادبٍ لا تنفك تصطدم بالأنوار المغرية. وبين الفينةِ والأُخرى، يقف أُناس من رجال ونساء وشباب وشابات، يطالعون الكُتب باستفهام.
منهم من يهمس: «زوربا. زوربا» فيضحك رفاقه. ومنهم من يطالع ويلعن المدارس ويذكِّر من حوله بوجوب نفي الكتب في العطلة الصيفية.
مراهقات قلّبنَ الكتب بحثًا عن الشعر الشعبي الذي يغذي الحزن في أفئدتهنَ على هجران الحبيب، ونساء مُتشحات بالسواد يخشينَ الإقتراب من المجهول، والتوجّه عوضًا عن هذا إلى المكشوف في دكاكين البهار التي تمنح الطعم اللاذع لحياتهنَ، والصيدليات التي تُعيد العافية لمفاصلهن. أما الأطفال، فما زالوا عاكفين على حروبهم الكسولة التي يخوضونها في أجهزة الهواتف الذكية.
يومها فقط أدركتُ، أن البساط الأبيض الذي فرشته تحت كتبي، لم يكن سِوى كفنها الذي لملمتُ أطرافه عند الغروب، وعدتُ لدفنه في مقبرة غرفتي دون أن أخسر من الجثةِ شيء.
240
•كُتب لا تُباع
حين بدأتُ بالتفكير بأفتتاحِ مشروع عمل حُر، استند إليه في تلبيةِ حاجات العصر المعيشية المتفاقمة، بدلًا من رمي جام ثقل متطلبات حياتي على مرتّب وظيفتي الشهري سريع الذوبان، رحتُ أجوب شوارع الحمزة التي كانت سابقًا تضج بمعاركِ الأطفال والصِبية وزعيق تقريع أُمهاتهم من وراء أبواب البيوت، وجلبة بياعي الخضار والحِرَف المُنقرضة، ها هي اليوم نفس المدينة التي أحتضنت ذكرى كل حروبي وصور الأطفال الذين كانوا فيما مضى أصدقائي، قد أمتدت يدٌ باردة نحوها فتحولت لأطلال لا شيء فيها سِوى مشاهد المحال التجارية الصغيرة المتلاصقة كأوكارِ الفئران، التي رحت أطالعها بغيةِ الوصول للمشروعِ المنشود.
ما الذي ينقص سوق الحمزة؟
هذا هو السؤال الذي انطلقتُ منه. وكحقيقةٍ جَلية تجسّدَ طيف المكتبة أمامي بسرعة. "لكن" وخلف هذه المفردة -التي تبخِّر في ثوانٍ أعتى الأفكار والخطط العظيمة- تبخرَ مشروع الأحلام حين أنبثق "الإيجار" كعقبة لا تكف عن الصراخ والتهديد إذ أنا تجرأت.
لكن الحل بسيط، طاولة حديدية شائعة بين الناس، يعرفها المجتمع ويجدها دائمًا في أفراحهم ومآتمهم عامرة بالطعام، ستقدم لي المشروع دون مقابل. ها أنا ذا قمتُ بنصبها في وسط "شارع الهوى" وعلى سطحها الأملس البارد فرشتُ القماش الأبيض النظيف، وعلى نسيجه المخملي رصفتُ الكتب كناطحاتِ السحاب في نيويورك، حسب التدرج القرائي المتعارف عليه: حيث تأتي كتب الأدب في البداية ثم الفكر وانتهاءً بالفلسفة.
لم يكن اختياري لمشروع المكتبة لكونها مجرد احتياج تجاري تفتقر له الحمزة فقط، بل ولأنهُ الشيء الوحيد الذي أؤمن بقدرتي على المطاولةِ فيه، فلطالما كانت الكتب أكثر السلع القادرة على تحقيق المعنى الفعلي لمفردة "التغيير" التي تلتصق الآن بالملابس وقصّات الشعر فقط.
وعمومًا، فأنا لم أكن أنهج أسلوب العرض والطلب الذي يزاوله كل الباعة والتجار في المحال المُحيطة بي، بل كنتُ أنهج استراتيجية حرب، وأليكم أحداث تلك الواقعة:
في البداية، تقدمَت كتيبة الاستطلاع المتمثلة بأصحاب المحال الصغيرة، وقد طرحت أسئلة متوقعة حول مدى جدية المشروع وقدرته في إنتاجِ المردود المتوقع منه.
ورغم منطقية التساؤولات التي كانت تلفح رأسي بأستمرار، إلّا أن تلك النغمة الناشزة التي كانت تفضح ناطقها وتجعل الآخرين يجاهدون في كتم ضحكاتهم وتحويل عقلانية السؤال الى تَفكُّه، لم تشجعني مطلقًا في التفاعل بجدية الإجابات الشحيحة التي كنتُ أقدمها، وعوضًا عن هذا، كانت إجاباتي لا تفعل سوى تمطيط شفاههم وترقب وصول أطرافها لآذانهم.
بعد إنسحاب كتيبة الاستطلاع، تقدَّم جندي من فصيلة بياعي الشاي المتجولين، وكان مجهز بعتاده: إبريق شاي نحاسي ذهبي ضخم، مزدان بطعوج الحروب التي خاضها، ذو قاعدة سوداء. توقّف عند طرف الطاولة، تحديدًا عند كتاب (الجريمة والعقاب) وقال دون الكف عن رمق غلاف الكتاب الكبير: «شاي يا أستاذ؟» وقدَّم الشاي دون أن ينتظر اجابتي. ثم أردف: «ولا تهتم لثمنه، إنهُ ضيافة مني» فشكرته. ثم تناهى لسمعنا صوت صاحب القهوة البعيد الذي كان كلما صرخ عليه، برزت العروق الزرقاء في جبهته كديدان تتغذى على مخه. فتمتم جندي الشاي بغيض: «نعق الغراب.. سأغرس فأسًا في رأسك يومًا وأسكتك للأبد، وليعاقبني الرب كما يشاء». وانسحب نحو باقي المحال مكملًا جولته اللانهائية.
بعدها تقدَّمت سرية كاملة من المثقفين. راحوا يقلبون الكتب براحاتهم بتململ، مُعيثين الفساد في التصنيفِ المنهجي للكتب. قال أحدهم وهو يتصفح في كتاب ( وعاظ السلاطين ): «الإزدواجية والشذوذ كنتيجة للفصل بين الجنسين، هذا ملخص كل أطروحاته التي صقلها بمصطلحات رنانة في الغرب، ليصدّع بها رؤوسنا ويتوقع منا التصفيق». ثم قال آخر وهو يقلّب في كتاب (نيتشه/ حياته وأفكاره) وقد بدا إنهُ قرأ شيئًا فيه: «هذا الشارب الكبير لا يوحي بوجود كلام فلسفي تحته! أتحداه أن يقسم بشاربه بموت الإله». فرد عليه رجل عجوز كان خلفه لم ينتبه أحد لوجوده: «مظاهر الناس لا تعبّر عن أفكارهم يا فلان. حكمك متسرع، وحجتك باطلة» ثم تقدم بينهم، وجالَ بنظرةٍ ناضجة حول الكتب وسأل بحكمة: «أتساءل.. هل هذا المشروع هو النشاط التجاري الذي ينقص المدينة أيه الشاب؟ أم إنهُ ما تطلبه حقاً؟» فلم أحر عن جواب لذلك السؤال المباغت. فهز العجوز منكبيه بيأس وانصرف. ثم قال آخر بتعالي، وهو عاقدٌ يديه خلف ظهره ورقبته مشرأبة تطالع الكتب بحذر كأنهُ ينظر لجثثٍ متفسخة: «روايات. شعر. فلاسفة. ورق مهدور. حبر مسفوح. لا شيء مفيد، هذه إهانة للطاولة التي لطالما أكرَمَت الناس بلذيذ زادها» فرد عليه آخر بجواره ضاحكًا: «لا تتكدر ولا تيأس من رحمة الله، سيقام مأتم أحد جيراننا هذه الأيام، فلديهم صبي ميؤوس من شفاءه، وعلى مثل هذه الطاولة ستتذوق أشهى مرق بانية مثقل بكتل اللحم».
240
https://www.instagram.com/_boo84_?stkn=MTJ4YWp1ZjJwNjFzNg==
تم افتتاح مكتبتي الألكترونية، المختصة بنشر الكتب المستعملة والجديدة، اهلاً وسهلاً بكم ..
240
ثم غط مرة ثالثة في النوم وحلم، وكان هذا حلمه:
رأى أنه يطوف في غابة معتمة تتدلى من أشجارها فواكه غريبة وأزهار جميلة سامة. كانت الأفاعي تفح عليه كلما مر بقربها، بينما كانت ببغاوات زاهية الألوان تزعق وهي تطير من غصن إلى غصن. سلاحف عملاقة كانت تنام في الوحل الحار، وكانت الأشجار تعج بالقردة والطواويس.
مشى ومشى حتى وصل إلى أطراف الغابة، وهناك، رأى حشدًا كبيرًا من الرجال يكدحون في مجرى نهر جاف. كانوا مجتمعين كالنَّمل عند صخرة كبيرة. بعضهم يحفر حفرًا عميقة في الأرض وينزل فيها، وبعضهم يشق الصخور بفؤوس كبيرة، وبعضهم الآخر يغوص في الرمال. كانوا يقتلعون الصبار من جذوره، ويدوسون زهورا بنفسجية وهم يركضون من مكان إلى مكان ويتصايحون، ولم يكن بينهم رجل واحد بلا عمل.
من ظلمة كهف كان الموت والشراهة ينظران إليهم، فقال الموت: «لقد سئمت؛ أعطيني ثلثهم ودعيني أذهب»، ولكن الشراهة هزت رأسها وأجابت: «إنهم عبيدي أنا».
-«ما هذا الذي في يدك ؟» سألها الموت.
-«ثلاث حبات ذرة»، أجابت، «وما شأنك بذلك؟».
-«أعطيني واحدةً منها»، صاح الموت، «لكي أبذرها في حديقتي؛ واحدة فقط وسأنصرف عنك».
-«لن أعطيك شيئًا»، قالت الشراهة، ثم أخفت يدها في طيات ملابسها.
فضحك الموت، وأخذ طاسة، وغمسها في بركة ماء، ومن الطاسة خرجت الملاريا ومرت خلال الجمع الغفير، فمات ثلثه. كان ضباب بارد يتبعها، وثعابين ماء تزحف بجانبها .
وحين رأت الشراهة أنَّ ثلث الجمع قد مات لطمت صدرها وأعوَلَتْ، ثم راحت تلطم بطنها العاقر وهي تصرخ بصوت عال: «لقد قتلت ثلث عبيدي. انصرف من أمام وجهي. ثمة حرب في جبال طار طاريا وملوك كل فريق ينادونك. الأفغان قتلوا الثور الأسود وهم يزحفون الآن إلى المعركة. لقد ضربوا على دروعهم برماحهم ووضعوا الخُوذَ الحديد. ماذا يغريك بوادي هذا لتتلكأ فيه ؟ انصرف ولا تعد إلى هنا بعد الآن».
- «لا!» أجاب الموت، «لن أبرح هذا المكان حتى تعطيني حبة واحدة».
ولكنَّ الشَّراهة أطبقت يدها وكزت على أسنانها مهمهمة: «لن أعطيك شيئًا».
وضحك الموت ورفع حجرًا أسود و ألقاه في الغابة، ومن أيكة الشوكران خرجت الحمى في رداء من اللهب ومرَّت بين الحشود ولمستهم، وكلُّ من لمسته مات. كان العشب يجف تحت قدميها وهي تمشي.
ارتعدت الشَّراهة وراحت تنثر الرَّماد على رأسها. «أنت قاس» صرخت، «أنت قاس. ثمة مجاعة في مدن الهند المحاطة بالأسوار، وآبار سمرقند نضبت. ثمَّة مجاعة في مدن مصر المحاطة بالأسوار، والجراد خرج من الصحراء. النيل لم يفض عن جانبيه، والكهنة لعنوا إيزيس وأوزيريس. اذهب إلى الذين يحتاجون إليك واترك لي عبيدي».
-«لا !» أجاب الموت، «لن أبرح هذا المكان حتى تعطيني حبة واحدة».
-«لن أعطيك شيئًا»، قالت الشراهة.
وضحك الموت مرَّةً أخرى، وصفّر بأصابعه، فجاءت امرأة تطير في الهواء وقد خُطَّت على جبهتها كلمة «طاعون»، وكان يرافقها سرب من النسور الهزيلة. غطت الوادي بجناحيها، فلم يبق أحد على قيد الحياة.
وولت الشراهة هاربة إلى أعماق الغابة وهي تصرخ، بينما امتطى الموت صهوة حصانه الأحمر وانطلق يسابق الريح.
ومن الوحل في قاع الوادي خرجت تزحف تنانين ومخلوقات مرعبة ذات حراشف، وجاءت بنات آوى تهرول على طول الرمال وهي تتشمم الهواء بخياشيمها.
فبكى الملك الشاب وقال: «ترى من كان هؤلاء الرجال؟ وعم كانوا يبحثون؟»
-«عن الياقوت من أجل تاج الملك الشاب»، أجاب رجل كان واقفا خلفه.
جفل الملك الشاب واستدار، فرأى رجلا بدا له حاجًّا وكان يمسك بيده مرآة من الفضة.
فشحب وجه الملك الشاب وقال: «أي ملك؟»
فأجاب الحاج: «انظر في هذه المرآة تره».
فلما نظر في المرآة ورأى وجهه أطلق صرخة مدوية واستيقظ، وكان ضوء الشمس الساطع يتدفّق إلى داخل الغرفة، وعلى أشجار الحديقة كانت الطيور تغرد.
وسرعان ما دخل حاجب البلاط يرافقه كبار موظفي المملكة وقدموا لجلالته فروض الطَّاعة، وحضر الخدم يحملون معهم الرداء الملكي الموسى بالذهب ووضعوا أمامه التاج والصولجان.
240
ثم غط ثانية في النوم وحلم، وكان هذا حلمه :
رأى نفسه مستلقياً على سطح سفينة ضخمة يجدفها مئة عبد. وعلى سجادة بجانبه جلس سيد السفينة. كان أسود كخشب الأبنوس وعمامته من حرير قرمزي اللون. أقراط عظيمة من الفضة كانت تسحب إلى الأسفل شحمتي أذنيه السميكتين، وفي يديه أساور من عاج.
كان العبيد عراة سوى من قطعة قماش مهترئة تستر عوراتهم، وكان كل رجل منهم مقيدا بسلسلة إلى جاره. كانت الشمس تسفعهم بحرارتها اللاهبة، وكان نفر من الزنوج يجوب بين صفوف العبيد وينهال عليهم ضربًا بسياط من الجلد، وكان العبيد يمدون أذرعهم النحيلة ليدفعوا المجاديف الثقيلة في الماء، فيتطاير الرذاذ المالح من راحات المجاديف.
أخيرا وصلوا إلى خليج صغير، وبدأوا يسبرون الأغوار. هبت ريح خفيفة من الشاطئ، وغطت سطح السفينة والشراع الكبير المثلث الشكل بغبار أحمر ناعم. شاهدهم ثلاثة أعراب يمتطون حمرا بريَّة، فرموهم بالرماح، فما كان من سيد السفينة إلا أن تناول القوس ورمى أحدهم بسهم فأصابه في حلقه فسقط بشدَّةٍ في الماء واندفع رفيقاه مبتعدين. تبعتهما ببطء على جمل امرأة تضع خمارًا أصفر، وكانت بين الفينة والفينة تلتفت إلى الوراء لتلقي نظرة على الجثة.
حالما ألقوا المرساة ورفعوا الأشرعة، نزل الزنوج إلى عنبر السفينة وجلبوا سلَّما طويلا من الحبال مثقلاً بشكل كبير بالرصاص. فما كان من سيد السفينة إلا أن ألقاه من أحد جوانب السفينة مثبتا نهايتيه بسرعة إلى دعامتين من الحديد، ثم عمد الزنوج إلى أصغر العبيد سنا ففكوا وثاقه، ثم ملأوا أنفه وأذنيه بالشمع ، وربطوا حجرًا كبيرًا حول خصره، نزل السُّلَّم بجهد جهيد واختفى في البحر. ارتفعت بعض الفقاقيع حيث غاص. حدق بعض العبيد بفضول إلى ما يجري عند جانب السفينة. عند مقدمة السفينة جلس ساحر أسماك القرش وكان يدق بإيقاع رتيب على طبلة.
بعد مرور بعض الوقت، خرج الغواص من الماء وتعلق بالسلم وهو يلهث وفي يده اليمنى لؤلؤة. انتزع الزنوج اللؤلؤة من يده ودفعوه إلى الخلف، بينما أغفى العبيد فوق مجاديفهم.
مرارا وتكرارًا كان الغوّاص يغطس ويطفو حاملا معه في كل مرة لؤلؤة جميلة. وكان سيّد السفينة يزن اللآلئ ثم يضعها في جراب صغير من الجلد الأخضر.
حاول الملك الشَّابُّ أن يتكلّم، ولكن لسانه التصق بسقف فمه ورفضت شفتاه أن تتحركا. كان الزنوج يتجاذبون أطراف الحديث فيما بينهم وبدأوا يتشاجرون حول مسبحة من الخرز البراق، فيما راح كركيان يحومان ويحومان فوق السفينة.
ثم ظهر الغواص للمرة الأخيرة، وكانت اللُّؤلؤة التي أحضرها . أجمل من كل لآلى مضيق هرمز، لأنها كانت أتم استدارة من قمر مكتمل، وأشد بياضًا من نجمة الصباح. ولكن وجهه كان شاحبا للغاية، وحين ارتمى على سطح السفينة تدفقت الدماء من أذنيه ومنخريه. ارتجف قليلا، وبعد ذلك فارق الحياة. هز الزنوج أكتافهم وألقوا بالجسد في البحر.
ضحك سيد السفينة ومد يده وأخذ اللؤلؤة، وبعد أن حدق فيها مليا، ضغطها على جبهته وركع وهو يدمدم قائلا: «يجب أن تكون لصولجان الملك الشاب»، وأشار إلى الزنوج أن يرفعوا المرساة.
وحين سمع الملك الشَّابُّ ذلك، أطلق صيحة عالية واستفاق، ورأى من النافذة أصابع الفجر الرمادية الطويلة تنشب أظافرها في النجوم الباهتة.
240
في المجموعة القصصية «منزلُ الرُّمَّان»، وفي القصة الأولى «الملك الشَّابُّ»، يكتب أوسكار وايلد نصاً انسانياً عنيفاً، حيث يسرد بأسلوبه الكلاسيكي ثلاث أحلام تتعاقب على نوم الملك الشاب قبيل يوم تتويجه، وكانت الاستعدادات قد جرى التحضير لها منذ شهور، حيث بُعث بالحملات الى بقاع الارض لجلب اغلى واندر الجواهر والنسيج والحلي الفاخرة.
ومن خلال هذه الأحلام، تتجسد عبقرية وايلد في نوع من الكشف المؤلم في عالم رؤيا الملك لما يقاسيه الشعب من آلام العبودية والموت في سبيل تتويج ملكهم، وإليكم الأحلام الثلاث:
حين سمع دقات ساعة البرج تعلن منتصف الليل، لمس جرسًا قريبا منه، فسارع لخدمته نفر من الخدم وبدأوا ينزعون عنه ملابسه وفق طقوس ملكية كثيرة، ثم صبوا ماء الورد على يديه ونثروا الزهور على وسادته، وبعد لحظات قليلة من مغادرتهم الغرفة، غط في نوم عميق.
وبينما هو نائم، رأى حلما غريبا، وكان هذا حلمه:
رأى نفسه واقفًا في عليَّة واطئة وطويلة وسط أزيز وقعقعة العديد من الأنوال. كان ضوء النهار يدخل شاحباً من النوافذ المدججة بالحديد، ويكشف له الهيئات الهزيلة للنّساجين وهم منكبون على آلاتهم، بينما جلس أطفال شاحبون ومريضون على عوارض خشبية ضخمة، وعندما كانت المكاكيك تدور لإمرار خيط اللحمة، كان الأطفال يرفعون المشابك الخشبية الثقيلة، وعندما كانت المكاكيك تتوقف، كان الأطفال يتركون تلك المشابك تسقط ثمَّ يرصُّون الخيوط بعضها إلى بعض. كانت وجوههم منكمشة من الجوع، وأيديهم الهزيلة ترتجف. وكانت بعض النساء الواهنات جالساتٍ إلى طاولةٍ يَخِطْنَ. رائحة كريهة ملأت المكان. كان الهواء فاسدًا وثقيلا والرطوبة تتحلب وتسيل من الجدران.
اتجه الملك الشاب إلى أحد النساجين ووقف بجانبه وراح يراقبه.
ولكنَّ النَّسَّاجَ نظر إليه بغضب وقال: «لماذا تراقبني ؟ هل أنت جاسوس عينك ربُّ عملنا علينا ؟»
-«من يكون ربُّ عملكم؟» سأل الملك الشاب.
-«تريد أن تعرف من يكون ربُّ عملنا؟» صاح النساج بمرارة، «إنَّه إنسان مثلي. وفي الحقيقة، لا فرق بيني وبينه سوى أنه يرتدي ملابس راقية وأنا أرتدي هذه الخرق، وأنه بينما أتضور أنا من الجوع، يعاني هو كثيرا من التخمة».
-«الأرض واسعة»، قال الملك الشَّاب، «وأنت لست عبدًا لأحد».
-«ولكن في وقت الحرب»، أجاب النساج، «يستعبد الأقوياء الضعفاء وفي وقت السلم، يستعبد الأغنياء الفقراء. نحن علينا أن نعمل لنعيش، وهم يعطوننا أجرًا ضئيلا لنموت. نحن نكدح لهم طوال اليوم، وهم يكدسون الذهب في خزائنهم، وأطفالنا يذوون قبل أوانهم، وتتخشب أمام أعيننا وجوه من نحب. نحن نعصر العنب وغيرنا يشرب النبيذ. نحن نبذر البذار ومائدتنا تبقى فارغة. مقيدون نحن بأصفاد لا تراها العيون؛ عبيد نحن مع أن الأنام يدعوننا أحرارا».
-«هل الأمر كذلك مع الجميع ؟» سأل الملك الشاب.
-«نعم، الأمر كذلك مع الجميع»، أجاب النساج، «الأمر كذلك مع شيبنا وشبابنا، مع نسائنا ورجالنا ، مع أطفالنا الذين لم يخبروا الحياة وكبارنا الذين عركتهم الحياة. التجار يطحنوننا ونحن مرغمون على الامتثال لطلباتهم. والكاهن يمر بنا وهو يعدُّ خرزات مسبحته، ولا أحد يكترث لأمرنا. في أزقتنا غير المشمسة تزحف الفاقة بعيونها الجائعة، وتتبعها الخطيئة بوجهها المتبلد. يوقظنا البؤس في الصباح، والعار يجالسنا في المساء. ولكن ما علاقتك بهذه الأمور وأنت لست منا؟ فوجهك طافح بالسعادة»، ثم أشاح بوجهه ودفع المكوك إلى الجانب الآخر من الأول، فرأى الملك الشاب أنَّ الخيوط التي تتخلله كانت كلها من الذهب.
فسرت في أوصاله رعشة خوف عظيم، وسأل النَّسَّاجَ : «لمن هذا الرداء الذي تحوكه ؟»
-«إنَّه رداء تتويج الملك الشاب»، أجاب النساج، «ولكن ما علاقتك أنت بالأمر ؟»
وأطلق الملك الشَّاب صيحة مدوية واستيقظ. إنه ما يزال في غرفته الملكية، ورأى من نافذته القمر العسلي المهيب معلقا في الهواء الغسقي الداكن.
