235
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
لا توجد بيانات7 أيام
-530 أيام
أرشيف المشاركات
235
في ١٣ يونيو ١٩١٠ قدم آرثر چيمز بَلفور خطاباً في مجلس العموم البريطاني تضمن تقديم تبرير لضرورة الاحتلال البريطاني لمصر، وهذا جزأ من حجته:
« انظروا أولاً إلى حقائق القضية : إن الأمم الغربية ما إن يبدأ ظهورها في التاريخ حتى تظهر بدايات قدرتها على الحكم الذاتي . وهي القدرة الجديرة بالتقدير في ذاتها ... ثم انظروا إلى تاريخ الشرقيين برمته فيما يسمى بصفة عامة الشرق، ولن تجدوا آثاراً تنبئ عن الحكم الذاتي إطلاقا. إذ مرت كل قرونهم العظمى - ولقد كانت بالغة العظمة – في ظل الحكومات الاستبدادية والحكم المطلق. كما كانت كل إسهاماتهم الحضارية العظمى - ولقد كانت حقا عظمي - في ظل ذلك اللون من الحكومة . لقد تلا الفاتحون بعضهم البعض وجاءت سيطرة في إثر سيطرة، لكنك لن تجد في شتى دورات الأقدار والحظوظ مطلقا أمة من تلك الأمم تنشئ من تلقاء ذاتها ما نسميه نحن من وجهة نظر غربية الحكومة الذاتية. هذه هي الحقيقة. ليست المسألة إذن مسألة تفوق أو دونية. وأتصور أن الحكيم الشرقى الصادق سوف يقول إن الحكومة العاملة التي اضطلعنا بها في مصر وغيرها من البلدان لا تمثل عملاً جديراً بالفيلسوف - وإنها العمل الحقير أو العمل الأدنى، اللازم المواصلة الجهد الضروري . »
ولما كانت هذه الحقائق حقائق، يجد بلفور أن عليه أن ينتقل إلى القسم التالي من حجته قائلاً :
« هل تعود ممارسة هذه الحكومة المطلقة من جانبنا بالخير على هذه الأمم العظيمة والتى أعترف بعظمتها ؟ أعتقد أنها تعود بالخير عليها، وأعتقد أن الخبرة قد أثبتت أنها تمتعت في ظلها بحكومات أفضل كثيراً مما شهدته على امتداد تاريخ العالم كله، وهى ليست مفيدة لها وحدها، لكنها ولا شك مفيدة للغرب المتحضر برمته ... لسنا فى مصر من أجل المصريين فقط، وإن كنا هناك من أجلهم، فنحن هناك أيضاً من أجل أوروبا كلها . »
235
وهكذا فليس الاستشراق مجرد موضوع أو مجال سياسي يتجلى بصورة سلبية في الثقافة أو البحث العلمى أو المؤسسات؛ وليس أيضا مجموعة كبيرة غير مترابطة من النصوص المكتوبة عن الشرق؛ بل وليس تمثيلاً وتعبيراً عن مؤامرة إمبريالية "غربية" دنيئة تهدف إلى إخضاع العالم "الشرقي" .
لا بل إنه الوعى الجغرافي السياسي المبثوث في النصوص العلمية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية واللغوية؛ وهو تطوير تفصيلي ليس فقط للتمييز الجغرافي الأساسي الذي يقول إن العالم ينقسم إلى نصفين غير متكافئين هما الشرق والغرب بل أيضًا لسلسلة كاملة من "المصالح" التي يستعين في تحقيقها والحفاظ عليها بشتى الوسائل.
235
فليس الاستشراق مجرد موضوع أو مجال سياسي يتجلى بصورة سلبية في الثقافة أو البحث العلمى أو المؤسسات؛ وليس أيضا مجموعة كبيرة غير مترابطة من النصوص المكتوبة عن الشرق؛ بل وليس تمثيلاً وتعبيراً عن مؤامرة إمبريالية "غربية" دنيئة تهدف إلى إخضاع العالم "الشرقي" .
235
ولم يكن سبب اكتساب الشرق للصورة التي رُسم بها يقتصر على أن من رسموه اكتشفوا أنه يمكن أن يصبح "شرقيا" بالصورة الشائعة لدى الأوروبيين العاديين في القرن التاسع عشر، ولكنه يتجاوزه إلى اكتشاف إمكان جعله كذلك أى إخضاعه لتلك الصورة الجديدة للشرق.
ولا يكاد أحد يوافق على أن مقابلة الروائى الفرنسي فلوبير مع غانية مصرية هو الذي أخرج لنا نموذج المرأة الشرقية الذي امتد تأثيره واتسع نطاقه، ولكن هذه المرأة لم تتحدث مطلقا عن نفسها، ولم تصور قط مشاعرها أو تعبر عن وجودها أو تاريخها، بل إنه هو الذى تحدث باسمها وصورها. وكان هو أجنبيا، يتمتع بثراء نسبى، وكان رجلاً، وهذه جميعا حقائق تاريخية مكنته من فرض سيطرته ومكنته لا من امتلاك "كشك هانم" جسديا فقط بل أيضا من التحدث باسمها، وإطلاع قرائه على جوانب "تمثيلها للمرأة الشرقية".
والحجة التي أطرحها هنا هى أن موقع القوة الذى كان يحتله فلوبير إزاء "كشك هانم" لم يكن يمثل حالة فردية، بل إنه يمثل بصدق نسق القوى النسبية بين الشرق والغرب، ويمثل الخطاب الخاص بالشرق الذي نشأ بفضل موقع القوة المذكور.
235
وغالبا ما يقترب الاستشراق مما يسميه «دنيس هاى» فكرة أوروبا، ويعنى بها الفكرة الجماعية التي تحدد هويتنا «نحن» الأوروبيين وتفرق بينها وبين جميع «الآخرين» غير الأوروبيين بل إننا نستطيع أن نقول إن العنصر الرئيسي في الثقافة الأوروبية هو على وجه الدقة الذى جعل تلك الثقافة مهيمنة داخل أوروبا وخارجها، أي فكرة الهوية الأوروبية باعتبارها هوية تتفوق على جميع الشعوب والثقافات غير الأوروبية. هذا إلى جانب هيمنة الأفكار الأوروبية عن الشرق، وهي التي تكرر القول بالتفوق الأوروبى على التخلف الشرقي، وهو القول الذي عادة ما يتجاهل إمكان وجود مفكر يتمتع بدرجة أكبر من الاستقلال أو التشكك وقد تكون له آراؤه المختلفة في هذا الأمر .
235
وفي نهاية المطاف, لن نقف مكتوفي الأيدي؛ بل سنشغلهم بالحكايات الخيالية والقصص الواهية. سنشجعهم بكل ما أوتينا من قوة. على تبني الصبر, والفقر المدقع, والزهد, وعبادة الموتى, والبكاء, وتعاطي الأفيون, والاستسلام الخانع.
حتى لا يملكوا سوى الجلوس مكتوفي الأيدي قائلين: "لا بد أن تمتد يدٌ من عالم الغيب لتصلح الأحوال". ولكن تلك اليد.. ستكون يدنا نحن!
_ صادق هدايت
235
لا الشِّعرَ أبكيهِ، لا الأبداعَ، لا الأدبا
أبكي العراق، وأبكي أُمَّتي العرَبا
أبكي على كلِّ شمسٍ أهدروا دمَها
وبعدَما فقدوها أسرجوا الحطبا
أبكي على وطنٍ يبقى الأديبُ بهِ
ليس الغريب، ولكنْ أهلُهُ غُرَبا
أبكي على النَّخلِ يا من أنت صاحبُهُ
وأنت ساقيهِ قرناً ماءك العذبا
وراحَ حتى العِدا يجنونَهُ رُطَباً
وأنت تعلكُ منه السَّعفَ والكرَبا!
أبكي الفُراتَين.. هل تدري مياهُهما
بأنَّ أعظمَ مَن غنّى لها ذهبا؟
235
نعم، إنني أنا,
ولكن ما الجدوى من ذلك؟
فذلك الذي كان يسكنني لم يعد موجوداً .
_ فروغ فرخزاد
235
الياطر لـ حنا مينه
هذه أول مرة أقرأ لهذا الكاتب السوري، ولن تكون الأخيرة. أسلوبه الواقعي وطريقة سرده التي تميل نحو السريالية جعَلاني أشكّك في مدى قدرته على المحافظة على سير إيقاع القصة، وتسرّبها من بين أصابعه، إلا أنه لم يُفلتها أبداً.
يرسم حنا مينه شخصية بطل الرواية (زكريا المرسنلي) بتفاصيل واقعية، مُسقطاً عليها صفات رجل البحر: الصياد، الأرعن، الخشن، العَنيد، الإنسان الصخري الذي لا يوجد في قلبه سوى مكامن الفحولة التي تعتنق الشجاعة والقسوة والميل نحو المظاهر الناشزة (الخمارة القذرة لزخريادس ابن اليونانية، والعاهرات على الشاطئ، وزناخة روائح البحر والسمك، وحب صديقه الفيلسوف عبعوب، وضرب زوجته وقسوته عليها، وهجر ابنه الذي ارتكب جريمة قتل). كل هذه السعادات التي كان يعيش وسطها تنقلب في يوم وليلة حين يلج الحوت الكبير الشاطئ، وما من رجل يقتله سوى زكريا، ولكن ينتهي الأمر في النهاية بقيام زكريا بقتل زخريادس وهربه نحو الغابة.
في الغابة، تتفتح بوجه زكريا حياة جديدة غير معهودة، تعتريها هموم الوحدة، وقسوة الجوع، ووخز الضمير. وبذلك، تتفتح قريحة البقاء، وتترك آثارها المؤلمة على شكل جروح تُدمي جسده، وحُمّى تقلّب في رأسه مشاهد حياته وتعيد مراجعتها، وحبّ يثبت بقاءه، إذ يُكرمه القدر بشكيبة، راعية الأبقار التي تُعيد تشكيل حياته.
235
يسهل للغاية نفي وجود الله عند معرفة يوم واحد من حياة أم عراقية. قد تبدو هذه المشاعر مجرد عاطفة رومانسية ساذجة. لكن، لو كانت هناك كاميرات خفية، تعرض للعالم ما يحدث للمرأة في بيوت الكراهية العراقية، لتكلم الحجر، شاتما وجوده ومن أوجده . .
_حسن بلاسم | معرض الجثث
235
استقالةُ الشيوعيّ الأخير
قال الشيوعيّ الأخيرُ:
سأستقيل اليومَ
لا حزبٌ شيوعيٌّ، ولا هُم يحزَنون!
أنا ابنُ أرصفةٍ وأتربةٍ
ومدرستي الشوارعُ والهتافُ
لم أعُذْ أرضى المبيتَ بمنزلِ الأشباحِ
_سعدي يوسف
235
منظر صباحي
في الغبشةِ كان ضَبابُ الغابةِ أبيضَ أزرقَ والطيرُ بلا صوتٍ؛
ثمّتَ، عند قناة الماءِ العظمى، تبدو أشباحُ مَراكبَ خيط من مدخنةٍ يتلوّى صُعُداً.
لا هجسَ حفيفٍ من شجرٍ
لا رفة من أجنحةٍ أو أهدابٍ ...
لكأن اللحظة جامدةَ
وكأنّ العالمَ لم يتكوّنْ بعدُ.
_سعدي يوسف
235
اغتالتني الطبيعة فكرهتها . اغتالت الشيطان في داخلي . كنت منسجما مع شيطاني . كان ملائما لجسمي وروحي . هجرني لاني تنسكت . لاخمر ولا قهوة ولا تبغ .. جفت عروقي . يبست من الداخل . تقشفت ، صرت فاضلا ، وماذا يفعل الشيطان مع الفضيلة ؟ وماذا افعل انا مع فضيلتي ؟ ادور معها ، نهارا ، في الغابة ، وانام معها ، ليلا ، في الخيمة ، اراقب النجوم ؟ احصيها ؟ أقضي عمري في مراقبتها واحصائها ؟ يا الهي ، انا لا استطيع ذلك . بالخطيئة عشت وبها كان يجب ان اموت .. اعتذر عن الثوب الفاضل ، كبير علي وغير لائق. ابدله اذن ، اتوسل اليك ، عذبني ، هناك ، في جهنم ، اما هنا فدع لي جنتي ، دع لي الرذيلة وامنح الفضيلة لغيري .
