en
Feedback
بُغْيَةُ الأَرِيبِ

بُغْيَةُ الأَرِيبِ

Open in Telegram
2 099
Subscribers
+224 hours
+287 days
+22230 days

Data loading in progress...

Attracting Subscribers
September '26
September '26
+40
in 5 channels
August '26
+280
in 20 channels
Get PRO
July '26
+310
in 10 channels
Get PRO
June '26
+291
in 15 channels
Get PRO
May '26
+1 336
in 6 channels
Date
Subscriber Growth
Mentions
Channels
07 September+4
06 September+5
05 September+4
04 September+6
03 September+5
02 September+8
01 September+8
Channel Posts
ليس #المهرُ ثمنًا للمرأة، بل هو نِحلةٌ سمّاه اللهُ بذلك ﴿وآتُوا النساءَ صَدُقاتِهنَّ نِحلةً﴾، فمن جعله عيارًا على قدرِ المرأةِ فقد أخطأ في الاسمِ قبلَ الحكمِ، لذلك لا يُكلَّفُ الرجلُ أن يُسوّيَ بين زيجاتِه فيه؛ لأنّه يتبعُ الوُسعَ لا الهوى، والحالَ لا الشخصَ، والذي يُنقصُ في الثانيةِ قد يكونُ أصدقَ رغبةً، وإنّما نقصَ لأنّ اليدَ ضاقتْ أو الحقوقَ كثرتْ. قالت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: (كان صداقُه ﷺ لأزواجِه ١٣ أوقيّةً ونَشًّا) والنشُّ نصفُ أوقيّةٍ. فتلك خمسُ مئةِ درهمٍ، وهذا الغالبُ لا المطَّردُ عنه ﷺ، فصفيّةُ بنتُ حُيَيٍّ سيّدِ بني النضيرِ، جعل عتقَها صداقَها، فما بذلَ فيها ﷺ درهمًا واخدًا. وجويريةُ بنتُ الحارثِ سيّدِ بني المصطلقِ، قضى عنها ﷺ كتابتَها فكانت صداقَها. وأمُّ حبيبةَ أصدقها النجاشيُّ عنه أربعةَ آلافٍ، ثمانيةَ أضعافِ المعتادِ. فأعلاهنَّ مهرًا لم يُخرجْه الزوجُ من مالِه أصلًا، وأدناهنَّ مهرًا بنتا بيتَي رياسةٍ. فلو كان المهرُ ميزانَ المنزلةِ لانقلبتِ المنازلُ رأسًا على عقبٍ، فالمهرُ خبرٌ عن حالِ الزوجِ وقتَ العقدِ، لا عن قدرِ الزوجةِ في قلبِه؛ النجاشيُّ بذلَ من سَعتِه، والنبيُّ ﷺ أعتقَ من ملكِه، وكلٌّ أعطى ما بينَ يديه. فلا تحسبوا #القلَّةَ استرخاصًا ولا الكثرةَ #إجلالًا؛ فقد كانتْ في بيتِ النبوّةِ مَن مهرُها حُرِّيّتُها، وما كانتْ أهونَ نساءِ الأرضِ.

2
No text...
274
3
وراءَ كثرةِ ما نسخَه أبو عبدِ اللهِ #ابنُ_مقلةَ في هذه التّرجمةِ قومٌ يقومون بأمرِه، ودارٌ حسنةٌ، ومجالسُ تتوافرُ فيها أدواتُ الكتابةِ؛ فإذا ضاقَ بمجلسٍ انتقلَ إلى غيرِه، فاستأنفَ النّسخَ. وهذه تفاصيلُ تستحقُّ أن تُقرأَ مع خبرِ إنتاجِه؛ ففيها بعضُ تفسيرِه. ومجالدةُ المعيشةِ تستهلكُ من صفاءِ الذّهنِ ما تستهلكُ من ساعاتِ اليومِ؛ وقد يجدُ المرءُ وقتًا للكتابةِ، ولا يجدُ نفسَه التي بدّدَها السّعيُ والقلقُ ورعايةُ مَن يعولُ. فالتّفرّغُ يمنحُ صاحبَه إمكانَ العودةِ إلى عملِه من حيثُ تركَه، فيما يعودُ غيرُه ليجمعَ نفسَه قبلَ أن يجمعَ أفكارَه. وحين ينبزُ المتفرّغُ هؤلاءِ بقلّةِ الجدِّ وضعفِ الحرصِ على نشرِ المعرفةِ، فإنّه يحوّلُ تفاوتَ الأحوالِ إلى تفاوتٍ في الفضائلِ، وينسبُ إلى عزيمتِه وحدَها ثمرةَ أسبابٍ تيسّرتْ له. وهذا استعلاءٌ رخيصٌ يتزيّا بمثاليّاتِ البذلِ؛ فالعدلُ أن يُوزنَ الجهدُ بما احتملَه صاحبُه في سبيلِه، لا بكثرةِ ما ظهرَ للنّاسِ من ثمرتِه وحدَها.
324
4
No text...
318
5
No text...
358
6
No text...
404
7
‏كان سِبطُ النبيِّ ﷺ ⁧ #الحسنُ_بنُ_عليٍّ⁩ رضيَ اللهُ عنهُ كثِيرَ الزّواجِ والطَّلاق، فطلَّقَ امرأةً لهُ، وبعثَ إليها بعشرةِ آلافٍ متعةً لها، فقالتْ: «متاعٌ قليلٌ منْ حبيبٍ مفارقٍ»، فبلغَهُ قولُها فراجعَها. ‏. ‏فكانتْ مقولتُها (متاعٌ قليلٌ منْ حبيبٍ مفارقٍ)، شطرًا منْ بيتِ شعرٍ للشاعرِ دريدِ بنِ الصمةِ في قصيدةٍ يرثي فيها أخاهُ عبدَ اللهِ: ‏متاعٌ قليلٌ منْ حبيبٍ مفارقٍ ‏ إذا زالَ عنهُ شخصُهُ فهو بائنُ ‏. ‏⁧ #المتعةُ⁩ عِوَضٌ شرعيٌّ يُقدَّر بحال الباذل، ولا يلتفت إلى ما في نفس الآخذة، وهيَ لم تُنازعْ في المبلغِ، لكنَّها قلبت اللفظ من«المتعة»، إلى «متاعٍ» وما دام المتاعُ هو الصحبةَ لا عِوَضَها، فالقلّةُ لازمةٌ لا تُرفَع بزيادة، وأنزلت الفراقَ منزلةَ الموت، وفي المراثي لا يُلام الذاهبُ ولا يُطلَب رجوعُه. ‏وأدقُّ ما في الأمر وقوفُها عند الشطر الأوَّل، وسكوتُها عن الثَّاني، والحسَنُ يعرفُ تمامَه، فوقع الحكمُ منهُ على الموقِفِ بفمِه هو لا بفَمها، ونحتْ خطَّتها، وأنفذُ الحُكمِ ما يُقال للرجل ما يقوله هو لنفسه بلسانه.
433
8
‏⁧ #قصة_قصيرة⁩ ‏كان عثمانُ بن عفّان وعبدُ الرحمن بن عوف من أجدِّ أصحاب رسول الله ﷺ في البيع، (يعني ⁧ #محظوظين⁩ جدًّا) ‏فكان الناس يقولون: ليتهما قد تبايعا حتى ننظر أيّهما أجَدُّ. ‏فابتاع عبدُ الرحمن من عثمان فرسًا بـ ١٢ ألفًا، ثم قال لعثمان: «هل لك أن أزيدَك ٤ آلاف، وهي منك حتى يقبضَها رسولي؟» ‏قال: نعم. فماتت، وقدِم رسولُ عبد الرحمن؛ فعلم الناسُ أنّ عبد الرحمن أجَدُّ من عثمان. ‏. ‏وألطفُ ما في الخبر أنّ حكمَ ⁧ #السوق⁩ سقط في اللحظة التي ماتت فيها الفرس، لا في اللحظة التي تمّ فيها العقد، والناسُ ما رأوا الشرطَ، إنما رأوا الجيفةَ واليدَ الفارغة، فسمَّوا ما لم يروه حظًّا، فالحظُّ اسمٌ يُطلقه المتفرِّجُ على ما فعله الفاعلُ وهو غافل. ‏لكن الأعمقَ من ذلك: أنّ عبد الرحمن نفسَه لا يملك أن يدّعيَ الحِذق، فلو عاشت الفرس لكانت الأربعةُ آلافٍ خسارةً محضة، ولقال الناسُ بعينِ اللسان: عثمانُ أجدُّ. فالفعلُ واحدٌ، والاسمُ يتغيّر بالنتيجة.
416
9
حاسدُكَ قد يكونُ أصدقَ دليلٍ على نعمةٍ اشربتها نفسُكَ حتّى عميتَ عن إدراكِ قدرِها؛ فما الفته أنتَ باعتيادِ النّعمةِ، يكتوي هو بجمرِ مراقبتِه، وكأنّ عينَ الحاسدِ مقياسٌ عكسيٌّ لقيمةِ ما وهبتَ. وفي عمقِ هذا المعنى النَّفسيِّ يقرّرُ لكَ #قتادةُ حقيقةً اجتماعيّةً بقولِه: «ما كثرتْ نعمةٌ على قومٍ قطُّ إلّا كثرتْ أعداؤُها». ومن قصورِ الإدراكِ: تقييدُ النّعمِ في قفصِ المادّةِ من مالٍ وولدٍ؛ ففي موازينِ النّفوسِ تتجلّى نعمٌ أشدُّ إثارةً للحفيظةِ: كرجاحةِ العقل، وحسنِ السمت، وطمأنينةِ القلب، وعزّةِ النفس. ولطالما التاعَ بعضُ ذوي الجِدَةِ حسدًا لمن يمتلكُ اكتفَاءً نفسيًّا وامتلاءً داخليًّا عجزتْ أيادِيهم عن نيْله، وهنا يتجلّى التّعقيدُ السّلوكيُّ في أبهى صورِه؛ حينَ يشتدُّ حنقُ هؤلاء على امرئٍ بسيطٍ أبى أن ينحنيَ ويركعَ في غير صلاة. لأنَّ نفسيّاتِهم تبرمجتْ على استمراءِ الخضوعِ ممّن هم دونَهم، حتّى استحالَ التّذلّلُ في حسبانِهم حقًّا سياديًّا واجبًا.
434
10
مِن أوجعِ ما تكشفه #سِيَرُ_الماضين : أنَّ الفقدَ لا يذهب بالرّاحل وحدَه، بل يأخذ معه شيئًا من الباقين؛ فيبدِّل طباعًا استقرَّت، ويُطفئ عاداتٍ لازمت أصحابَها، وينقل الموجوعَ إلى حالٍ لم يخطر له يومًا أن يصير إليها. روى ابنُ بطَّةَ بإسناده عن بُكير بن الأشجِّ أنَّه قال: «أما إنَّ رجالًا من أهل بدرٍ لزموا بيوتَهم بعد قتل عثمانَ، فلم يخرجوا إلَّا إلى قبورهم». وقال الحسنُ البصريُّ في الأسود بن سريعٍ: «لمَّا قُتل عثمانُ؛ ركب الأسودُ سفينةً، وحمل معه أهلَه وعيالَه، فانطلق، فما رُئي بعدُ». وقال المغيرةُ بنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ: «كنتُ كثيرَ الضَّحك، فلم يقطعْه عنِّي إلَّا قتلُ زيد بن عليٍّ». فهؤلاء لم تنته الفاجعةُ عند مَن رحل، بل واصلت عملَها في الأحياء: حتى أغلقت على جماعةٍ منهُم أبوابَهم، وغيَّبت رجلًا منهُم عن الأنظار بقيةَ عمُره، وانتزعت من آخرَ ضحكَته؛ فليس كلُّ مَن بقي حيًّا بعد الفاجعة قد نجا منها. وليس في هذه الآثار دليلٌ على تشريعِ السَّخط بأقدار الله؛ فالرِّضا مقامُ القلب، والحزنُ مقتضى الطَّبع، وقد يجتمعان في نفسٍ واحدةٍ. لكنَّ الأكملَ: أنَّ الموْجُوعَ لا يمنح الفاجعةَ حقَّ إعادة تشكيل حياته كلِّها؛ ولكنْ يحفظُ للغائب موضعَه من القلب، وحقَّه في الترحُّم، ويحفظُ لنفسِهِ حقَّها من الحياة بقيّة عمره. فمِن الطبيعيِّ في حقِّ الرّاحل أن يُحزن عليه، وليس من حقِّ الحزن أن يُلحِق به الأحياء.
466
11
‏«⁧ #الرَّزَّاق⁩» اسمٌ لم يَرِد في القرآن كلِّه إلّا مرّةً واحدةً، في خاتمة ⁧ #الذاريات⁩: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، وفي السورةُ قسَمٌ على قضية ⁧ #الرزق⁩ لا نظيرَ له: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ۝ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾؛ فمن ارتاب في رزقه فليرتَبْ في أنّه ناطق. ‏السورةُ تبدأ بمشاهدَ كونيّةٍ كلُّها حركةٌ ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ۝ فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ۝ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ۝ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾؛ رياحٌ تذرو، وسحبٌ تحمل، وسفنٌ تجري، وملائكةٌ تقسِّم ما أُمرت به، مؤكدةً أنّ الكونَ ليس فوضى تتناهبُها المصادفات، ولا سوقًا منفلتةً يحكمها الأذكى والأقوى وحدَه؛ بل جنودٌ تتحرّك، وأسبابٌ تعمل، وأرزاقٌ تقسَّم بأمرٍ سابقٍ عليها، تُختَم بثلاثِ آياتٍ مترتّبةٍ: ‏﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وفيهَا تقريرُ الغاية، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ وفيهَا نفيُ أن تكون العبادةُ صفقةً، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وفيهَا تعليلٌ للاثنتين معًا، وليست الأخيرةً بشارةً معلّقةً في الهواء، بل حسمٌ لترتيب الأولويّات: فأنتَ عليك عبادةٌ، وهو عليه رزقٌ، وقُرِن الاسمُ بـ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ لأنّ العطاءَ لا يتخلّف إلّا لعجزِ معطٍ أو نفادِ ما عنده، وكلاهما منفيٌّ هنا. ‏فإذا تشرّب القلبُ معاني الذّارياتِ، لم يزُل منه كلُّ اهتمامٍ بالرّزق، فهذا عكسُ للفطرة والحكمة؛ إنّما يزول ⁧ #القلقُ⁩ الذي يلتهم الحاضرَ خوفًا من مستقبلٍ لم يأتِ.
449
12
‏يبدأُ الإنسانُ حياتَهُ وهو طِفلٌ بالانبهارِ الساذجِ لجهلِهِ بالأسبابِ، ثم يمرُّ فيمَا بعدُ بشقاءِ التحليلِ الذي يسلبُهُ المتعةَ، ثمَّ ينتهي بانطفاءِ الشغفِ تمامًا، غيرَ أنَّ ⁧ #النضجَ⁩ المطمئنَّ يتحقَّقُ بالتوسُّط بينَ الحالَين، حين يستعيدُ المرءُ قدرةَ الطفلِ على الدَّهشةِ، ولكنْ بعينِ الخبيرِ المتبصِّرِ. ‏فكلَّما اتَّسعَ الفهمُ، قلَّ ⁧ #الانبهارِ⁩؛ فالنضجُ يُفكِّكُ الأشياءَ ويُحيلُها إلى اعتيادٍ، وتتجلَّى هذه العَلاقةُ في مرحلتَين: ‏١- صراعُ الوعيِ وهو أزمةُ ⁧ #المتنبّي⁩ القائل: ‏ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلِهِ     ‏ وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ فالعقلُ التحليليُّ عِبءٌ ثقيلٌ يُفسدُ متعةَ اللحظةِ لتفكيرِهِ المستمرِّ في مآلاتِها وعيوبِها. ‏والانبهارُ يغيِّبُ الوعيَِ المفرطِ، والجاهلُ ينعمُ بحياتِهِ تمام التنعُّم لافتقارِهِ لهذهِ النظرة النقديةِ. ‏٢- الانطفاءُ الانفعاليُّ وهو أزمةُ ⁧ #المعرّي⁩ القائل: تعبٌ كلُّها الحياةُ فما أعـ     ‏ ـجَبُ إلّا من راغبٍ في ازديادِ ‏فهذَا نضجٌ مفرطٌ لحدِّ التخديرِ الشُّعوريِّ الذي تنطفئُ فيه شعلةُ الشغفِ تمامًا، ويحكُمُ العقلُ على الأشياءِ بالعبثيةِ المُسبقةِ، فيموتُ الانبهارُ لغيابِ الدافعِ والتوقُّعِ. ‏وبينَ الحالينِ تافتُك يقظةُ ⁧ #ابنِ_الروميِّ⁩ القائل: ‏ما أنسَ لا أنسَ خبّازًا مررتُ به     ‏ يدحو الرقاقةَ وشْكَ اللمحِ بالبصرِ ‏فتجاوزَ الانبهارَ بالغرائبِ، لكنَّهُ لم يتبلَّدْ، ووجَّهَ دهشتَهُ للتفاصيلِ البسيطةِ.
415
13
‏إذا صنعتَ ⁧ #معروفًا⁩، وعلمتَ من نفسِك صدقَ ⁧ #النِّيَّة⁩، فلا تتركْه يمضي كأنَّه حادثةٌ عابرة. ‏بل اجعلْه بين يدي دعائِك، وتوسَّلْ لله بإخلاصِك فيه، كما فعل أصحابُ الغار حين قال كلُّ واحدٍ منهم: «اللَّهُمَّ إنْ كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِك فافرُجْ عنَّا»؛ فانفرجتْ عنهم الصَّخرة. ‏وليس العملُ ثمنًا تُعاوض به اللهَ، ولا حقًّا تُوجب به الإجابةَ، وإنَّما هو شاهدُ صدقٍ تفتقر به إلى فضلِه. حديث أصحاب الغار⁠ ‏فموسى عليه السَّلام سقى للمرأتين ثمَّ لم يقفْ ينتظر جزاءً ولا شكرًا؛ بلْ تولَّى عن الخلق، وأقبل على الخالق مفتقرًا، كأنَّ المعروفَ كان مقدِّمةَ الدُّعاء، لا أجرةً لعمله ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. ‏ومن ⁧ #سنن_الجزاء⁩: ‏أن يعودَ إحسانُك من جنسِه لا بقدْرِه؛ ففضلُ الله أعظم، فوقد حوسب رجلٌ «فلم يوجدْ له من الخير شيءٌ» سوى أنَّه كان يأمر غلمانَه بالتَّجاوز عن المُعسر، فقال اللهُ: «نحن أحقُّ بذلك منه، تجاوزوا عنه». ‏لم يكن تحاوُزُه عملًا صاخبًا موثَّقًا، وإنَّما رحمةٌ خفيَّةٌ بالضُّعفاء، علمَ اللهُ صدقَ الشفقة فيها، فكانت سببًا لمغفرةِ خطايَا عمرٍ مديدٍ أثقلته الذُّنوب بلا موطئ قدَمٍ لأيِّ معروف. ‏فإذا أحسنتَ، فاحفظْ إحسانَك من المنِّ والرِّياء، ثمَّ قل عند شدَّتِك: يا ربِّ، إنْ كنتُ فعلتُه ابتغاءَ وجهِك، فعامِلْنِي بمَا أنت أهلُهُ كرَمًا وقُدرة.
400
14
ضُرِبَ الحجرُ فانفجرت اثنتا عشرةَ عينًا، ثمّ قيل: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾؛ حجرٌ واحدٌ، وماءٌ واحد، ولكلِّ سبطٍ عينُه التي يعرفُها ولا يخطئُها ولا يزاحمُ عليها. والنّاسُ في المجالسِ والمكاتبِ والأسفار وقاعات التعليم ومجالس الرواية، يجتمعون على المورد، ويفترقون على المشارب، فتراهم صفًّا واحدًا وهم في الحقيقةِ ١٢ عينًا، كلُّ نفسٍ لها مشربِها. ولذلك لم يقلِ النّبيُّ ﷺ: النّاسُ أشكالٌ ولا أصنافٌ ولا طبائع؛ بل قال ﷺ: «النّاسُ معادنُ»، والمعدنُ لا يُصنَع، إنّما يُستخرَج من باطنِ الأرضِ، وهو هو بعد أن يُصاغ، والصّياغةُ تغيّرُ الهيئةَ ولا تغيّرُ العنصر، والطّلاءُ يعلو المعدنَ ولا يصيرُ منه، ولأجل هذا لا تُعرَفُ المعادنُ بالنّظرِ الرّائق، بل بالحكِّ والعرضِ على النّار، وهنا نتبيّنُ أنّ أكثرَ ما يُبهرُنا في النّاسِ ممارسةٌ تمثيليّة: أدبٌ يُتَكلَّف، ووقارٌ يُلبَس، وسخاءٌ في موضعِ الشّهود، وحِلمٌ ما دام لا يُكلِّفُ صاحبَه شيئًا، وأدَبٌ مُزوَّر قبل تمامِ المُدة. والتّمثيلُ تفضحُه المواضعُ التي لا يحتملُ فيها الدّورُ أن يستمرّ: شركةٌ في مال، وخصومةٌ في حظ نفس، وخلافٌ في مصلحة، ومصاهرةٌ تدخلُ عُمقَ بيتك ولا تكتَفي بمجلسك. هذه - وغيرُها - علاقاتٌ كشّافةٌ بطبعِها، تُسقِطُ الأقنعةَ، لأنّها تُتعِبُ الممثّل؛ فيَعطَشُ فيعودُ راغِمًا لمشربِه، فـ #خذها_قاعدة: أنت لستَ تُخدَعُ بالنّاس، إنّما تُخدَعُ بحُسنِ ظنِّك بالصّورة؛ فالمعادنُ لا تكذبُ، ولكنّها لا تُفصِحُ إلّا في النّار، فلا تلُمِ الحديدَ الصَّدِئَ لأنّه لم يكنْ ذهبًا.
558
15
‏في المصنَّف لابن أبي شيبة عن خيثمة قال : ‏صليت إلى جنب ابن عمر، فرأى في الصف فرجة، فأومأ إلي، فلم أتقدم، قال : فتقدم هو فَسَدَّها. ‏. ‏بدأ بأخفِّ ما يملك: إيماءةً لا تشغلُ مصلّيًا ولا تُسمِعُ أحدًا،فلمّا لم تبلغْ، لم يُثنِّها ولا أتبعها عتبًا؛ إذ لو كرّرَ الإشارةَ لصارت الصّلاةُ خصومةً صامتة. فعدَلَ عن مطالبةِ غيرِه إلى تكليفِ نفسِه، فمشى فسدَّها. ‏ومن ⁧ #فقهِ⁩ الخبرِ: العفوُ عن يسيرِ الحركةِ في الصّلاة، فقد أشارَ وخطا، ولم يرَ في ذلك بأسًا؛ لأنّ الحركةَ إذا كانت لمصلحةِ الصّلاةِ لم تكنْ غريبةً عنها، بل صارت من جنسِها، وتسويةُ الصّفِّ من إقامةِ الصّلاة كما جاء في الحديث؛ فسادُّ الفُرجةِ متمِّمٌ لصلاتِه لا قاطعٌ لها، وابنُ عمرَ من أشدِّ النّاسِ تحرّيًا للاتّباعِ وأبعدِهم عن التّرخّص، ومع ذلك رأى بقاءَ الخللِ أثقلَ من خطوةٍ يخطوها. ‏. ‏وأدقُّ من هذا: أنّ الأعلمَ بالحكمِ هو الذي تحمّلَ كُلفتَه، وفي إسنادِ الخبرِ لطيفةٌ تُغني عن التّصريح: فراويهِ هو المقصّرُ فيه، فقد حدّثَ خيثمةُ عن نفسِه أنّه أُشيرَ إليه فلم يتقدّمْ، وفي هذا من سلامة الصدر والصدق ما لا يخفى، فقد كان يسعه عدم التصريح بأنه صاحب القصة.
422
16
‏ليستِ ⁧ #القارونيّةُ⁩ المشؤومةُ في آيةِ ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ أن تعرفَ سببَ نجاحك، بل أن تخطئَ منزلتَه؛ فتجعلَ الوسيلةَ مانحةً، والسّعيَ خالقًا للنّتيجة، وترويَ النّعمةَ مقطوعةً عن مُنعِمها، وأدقُّ ما في حالِ قارونَ أنه لم يقلْ: لا رازقَ لي؛ إنّما قال: «عندي». حرفُ ظرفيّةٍ واحدٌ حوّل النّعمةَ من عطيّةٍ إلى استحقاق، ومن أمانةٍ إلى مِلك. ‏ولذلك جاء الجوابُ في السّياق نفسِه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾؛ فقوبل علمُه المزعومُ بجهلٍ محقّق، وقوبلت قوّتُه بمن هو أشدُّ منه فما نفعته قوّتُه. ‏و ⁧ #القرآنُ⁩ لا يمحو فعلَ الإنسان، ولكنَّه ينفي استقلالَه عن ربِّه ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾؛ فأثبت الله له فعلًا، ونفى أن يكونَ الأثرُ كلُّه منه، فليس التّوحيدُ إنكارَ الأسباب، بل ألّا تحجبَ الأسبابُ ربَّها. ‏لكنّ من تأمَّل بعض مجالس الحديث عن الذّات (⁧ #البودكاست⁩) يجدها تستدرجُ بعضَ النّاجحين لترسيخِ وهمٍ القارونيّة؛ مُتناسينَ أنَّ أحدًا أيَّ أحدٍ لم يخترْ عقلَه، ولم يختر زمانَه، ولا بلدَه، ولا صحّتَه، ولا معلّميه، ولا الفرصةَ التي وافقته، ولا القبولَ الذي وُضع له، ولا المصائبَ التي صُرفت عنه، لكنه بذل أسبابًا يراها، وساق اللهُ إليه كثيرًا من الأسباب الخفيّة التي لا يراها. ‏وفي ⁧ #العلم⁩ يقول يوسفُ: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾، ويقول اللهُ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾؛ فذكاؤك، وذاكرتك، وشيخك، والكتابُ الذي بلغك، والعمرُ الذي اتّسع لتحصيلك: أبوابٌ فُتحت لك، لا أملاكٌ خلقتَها. ‏وفي ⁧ #الصّحّة⁩ يقول إبراهيمُ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. فهذا الجسدُ الذي تنسب إليه قدرتَك لا تملكُ ضمانَ نبضةٍ من قلبه، ولا سلامةَ خليّةٍ فيه؛ وقد يسعى غيرُك سعيَك، ثمّ يحول المرضُ بينه وبين غايته. ‏و ⁧ #طولُ_العمر⁩ ليس إنجازًا شخصيًّا، بل إمهالٌ تتضاعف به الحجّة؛ ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾. فكلُّ سنةٍ في سيرتك لم تصنعْها، وإنّما مُنحتَها لتملأَها. ‏لهذا لم يقلْ سليمانُ عند الإنجاز: هذا بعلمي؛ بل قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾؛ فرأى الفضلَ قبل أن يرى نفسَه، ورأى الامتحانَ في قلب النّعمة. ‏فاذكرْ جهدَك، ولا تختلسْ به فضلَ الله، فما بين قارونَ وسليمانَ فرقٌ في قراءة العطاء: فهذا قال «من فضل ربّي»، وذاك قال «عندي»،
473
17
ليس #الصبرُ حبسَ العينِ عن #الدمع، وإنّما هو حبسُ القلب عن #السخط. وأبو بكر بن عيّاش أراد أن يُكابر أوَّلًا، فجعل جَلَدَه غطاءً على جرحٍ لم يُنظَّف، فصار ما تحته يُؤذيه ويُؤلمه وهو يحسبه عافية. ثمّ علّمه أعرابيٌّ على راحلته أنّ الدمع مَخرَجٌ لا مَهرَب، وأنّ انحداره قد يُعقب راحةً كما يَصفو الماءُ بعد انصباب السيل. وهذا موافقٌ لقولِه ﷺ يوم وفاةِ إبراهيم (إِنَّما أنا بَشَرٌ، تَدْمَعُ العَيْنُ، و يَخْشَعُ القلبُ، و لا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، و اللهِ يا إبراهيمُ إنَّا بِكَ لَمَحْزُونُون) . وفي الخبر لطيفةٌ ثانيةٌ،فهاكَها: #شعبةُ - رحمه الله - إمامٌ من أئمّة #الكوفة، ومع ذاك يأخذ فقهَ نفسِه عن أعرابيٍّ واقفٍ في الكُناسة، ثم لا يستنكف مِن أن يشهد له بالبصر، فالحكمةُ لا تُوزن بمن قالها.
487
18
No text...
461
19
#المروءةُ: صيانةُ النَّفسِ عمّا يشينُها عند أهلِ الفضلِ بحسبِ #العُرفِ، والتزامُ الإنسانِ ما يليقُ بأمثالِه في زمانِه ومكانِه، وليستِ اجتنابَ مواطنِ ذمِّ النَّاسِ بإطلاقٍ؛ فقد يذمُّون حقًّا، ويمدحون باطلًا، وإنَّما المعتبرُ الصادرُ عن أهلِ العقولِ والمروءاتِ، لا عن أهواءِ العامَّةِ وتقلباتِهم. وقد تنبَّه #الفقهاءُ إلى أنَّ بين المعصيةِ والفعلِ الكريمِ مساحةً واسعةً من المباحاتِ، قدْ لا يأثمُ المرءُ بفعلِها، لكنَّ إدمانَها على وجهٍ مستقبَحٍ يكشفُ عن سفهٍ، وقلَّةِ حياءٍ، واستخفافٍ بمكانةِ الإنسانِ بين قومِه، ومن هنا دخلتِ المروءةُ في #العدالةِ في الشُّهودِ والرُّواةِ، ومن ذلك قولُ #الشَّافعيِّ «إذا كان الأغلبُ والأظهرُ من أمرِه الطَّاعةَ والمروءةَ قُبلتْ شهادتُه، وإذا كان الأغلبُ من أمرِه المعصيةَ وخلافَ المروءةِ رُدَّتْ شهادتُه». وليس معنى هذا الشَّرطِ أنَّ كلَّ خارمٍ للمروءةِ حرامٌ؛ وإنَّما المعنى أنَّ الرِّوايةَ والشَّهادةَ مبناهما على غلبةِ الثِّقةِ، وأحوالُ البواطنِ لا تُعرف مباشرةً، فيُستدلُّ عليها بدلائلِ الظَّاهرِ. والرَّجلُ قد يسترُ معصيتَه ويتجمَّلُ أمامَ النَّاسِ، ولهذا استدلَّ بعضُهم بقولِ النَّبيِّ ﷺ: «إذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئتَ»؛ لا على أنَّ كلَّ مخالفٍ للعُرفِ كاذبٌ، بل على الصِّلةِ بين ذهابِ الحياءِ واتِّساعِ الجرأةِ والوقَاحة. ورأى آخرونَ أنَّ هذه قرينةٌ محتملةٌ، لا برهانٌ قاطعٌ؛ فاعترضَ #ابنُ_حزمٍ رادًّا على الشَّافعيِّ، فقال: «إن كانت من الطَّاعةِ فالطَّاعةُ تغني عنها، وإن كانت ليست من الطَّاعةِ فلا يجوزُ اشتراطُها في أمورِ الدِّيانةِ؛ إذ لم يأتِ بذلك نصُّ قرآنٍ ولا سُنَّةٍ». ومعنَى اعتراضِه أنَّ المباحَ لا ينقلبُ قادحًا شرعيًّا لمجرَّد استقباحِ النَّاسِ له؛ فلا يكون الأكلُ في السُّوقِ، أو المشيُ حافيًا أو مكشوفَ الرَّأسِ، أو الاشتغالُ بالحجامةِ والدِّباغةِ والنَّظافةِ، سببًا كافيًا لإسقاطِ شهادةِ مسلمٍ أو ردِّ خبرِه ما دام مجتنبًا للمحرَّماتِ، بل إنَّ احتقارَ بعضِ المهنِ النَّافعةِ أقربُ إلى فسادِ العرفِ من كونه دليلًا على سقوطِ أصحابِها. ويُقوِّي هذا الاعتراضَ أنَّ مَن ثبتَ اجتنابُه الكبائرَ، وعدمُ إصرارِه على الصَّغائرِ، وغلبتْ عليه الطَّاعةُ والصِّيانةُ، فقد ظهرَ فيه من وازعِ الدِّينِ ما هو أقوى من وازعِ الخوفِ من ألسنةِ النَّاسِ؛ فلا يسوغُ إسقاطُ عدالتِه لمجرَّد فعلٍ مباحٍ استغربَه أهلُ بلدٍ أو طبقةٍ اجتماعيَّةٍ والحاصلُ: أن المروءةَ ليست شريعةً ثانيةً تُحرِّم ما أحلَّ اللهُ، وليست ـ في مقابل ذلك ـ فضولًا لا معنى له؛ وإنَّما هي قرينةٌ اجتماعيَّةٌ أخلاقيَّةٌ، تُقبل بقدرِ دلالتِها على الأمانةِ والرُّشدِ والحياءِ، وتُردُّ متى تحوَّلتْ إلى استعلاءٍ طبقيٍّ، أو تحكيمٍ لعرفٍ فاسدٍ، أو ذريعةٍ لإسقاطِ العدولِ بالمباحاتِ.
495
20
ليس تمامُ #التِّلاوةِ أن تبلغَ آخرَ السُّورةِ، بل أن تبلغَ بك السُّورةُ حاجاتِكَ عند ربِّك، ومن #السُّنَنِ المغفولِ عنها: أن يجعلَ القارئُ بين ما يقرأُ وما يدعو صلةً؛ فإذا مرَّ بوعدٍ سألَ اللهَ فضلَه، وإذا مرَّ بوعيدٍ استعاذَ من سَخَطِه، وإذا مرَّ بتنزيهٍ سبَّحَه، وإذا قرأ عن الجنَّةِ سألَها، وعن النَّارِ استعاذَ منها. وهكذا كانت قراءتُه ﷺ؛ يقرأ مترسِّلًا، «إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذ»، وجاء عن عمرانَ بنِ حُصينٍ رضي الله عنه أنَّه مرَّ بقاصٍّ يقرأ، فلمَّا فرغَ سألَ النَّاسَ، فاسترجعَ عمرانُ، ثمَّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَن قرأ القرآنَ فليسألِ اللهَ به؛ فإنَّه سيجيءُ أقوامٌ يقرؤون القرآنَ، يسألون به النَّاسَ». وسؤالُ اللهِ بالقرآنِ أوسعُ من دعاءٍ يُقال عند الختمِ وحدَه؛ فهو أن تجعلَه مقدِّمةَ رجائك ومادَّةَ ابتهالك، لأنه لا يكشفُ لك خزائنَ الرَّحمةِ لتقفَ على أبوابها صامتًا، ولا يعرِّفُك أسماءَ ربِّك وصفاتِه ثمَّ لا تدعوه بها. عن زيدِ بنِ عليٍّ أنَّه قال: مررتُ بأبي جعفرٍ وهو في دارِه يقول: «اللهمَّ اغفرْ لي بالقرآنِ، اللهمَّ ارحمْني بالقرآنِ، اللهمَّ اهدِني بالقرآنِ، اللهمَّ ارزقْني بالقرآنِ». فلا تُغلقِ #المصحفَ وقد امتلأ قلبُك بالحاجاتِ، ثمَّ تنصرفْ بها ساكتًا، ولكن اسألِ اللهَ بالقرآنِ، واسألْه من هدايتِه ونورِه وبركتِه ورحمتِه؛ وأكثِرِ المسألةَ، فإنَّ عطاءَ اللهِ أكثرُ، وخزائنَه لا تنفدُ، وما عندَه أعظمُ ممّا يخطرُ لك أن تسألَه.
775