2 094
订阅者
+424 小时
+487 天
+23930 天
数据加载中...
吸引订阅者
九月 '26
九月 '26
+30
在3个频道中
八月 '26
+280
在20个频道中
Get PRO
七月 '26
+310
在10个频道中
Get PRO
六月 '26
+291
在15个频道中
Get PRO
五月 '26
+1 336
在6个频道中
| 日期 | 订阅者增长 | 提及 | 频道 | |
| 05 九月 | +3 | |||
| 04 九月 | +6 | |||
| 03 九月 | +5 | |||
| 02 九月 | +8 | |||
| 01 九月 | +8 |
频道帖子
مِن أوجعِ ما تكشفه #سِيَرُ_الماضين : أنَّ الفقدَ لا يذهب بالرّاحل وحدَه، بل يأخذ معه شيئًا من الباقين؛ فيبدِّل طباعًا استقرَّت، ويُطفئ عاداتٍ لازمت أصحابَها، وينقل الموجوعَ إلى حالٍ لم يخطر له يومًا أن يصير إليها.
روى ابنُ بطَّةَ بإسناده عن بُكير بن الأشجِّ أنَّه قال: «أما إنَّ رجالًا من أهل بدرٍ لزموا بيوتَهم بعد قتل عثمانَ، فلم يخرجوا إلَّا إلى قبورهم».
وقال الحسنُ البصريُّ في الأسود بن سريعٍ: «لمَّا قُتل عثمانُ؛ ركب الأسودُ سفينةً، وحمل معه أهلَه وعيالَه، فانطلق، فما رُئي بعدُ».
وقال المغيرةُ بنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ: «كنتُ كثيرَ الضَّحك، فلم يقطعْه عنِّي إلَّا قتلُ زيد بن عليٍّ».
فهؤلاء لم تنته الفاجعةُ عند مَن رحل، بل واصلت عملَها في الأحياء: حتى أغلقت على جماعةٍ منهُم أبوابَهم، وغيَّبت رجلًا منهُم عن الأنظار بقيةَ عمُره، وانتزعت من آخرَ ضحكَته؛ فليس كلُّ مَن بقي حيًّا بعد الفاجعة قد نجا منها. وليس في هذه الآثار دليلٌ على تشريعِ السَّخط بأقدار الله؛ فالرِّضا مقامُ القلب، والحزنُ مقتضى الطَّبع، وقد يجتمعان في نفسٍ واحدةٍ. لكنَّ الأكملَ: أنَّ الموْجُوعَ لا يمنح الفاجعةَ حقَّ إعادة تشكيل حياته كلِّها؛ ولكنْ يحفظُ للغائب موضعَه من القلب، وحقَّه في الترحُّم، ويحفظُ لنفسِهِ حقَّها من الحياة بقيّة عمره. فمِن الطبيعيِّ في حقِّ الرّاحل أن يُحزن عليه، وليس من حقِّ الحزن أن يُلحِق به الأحياء.
| 2 | « #الرَّزَّاق» اسمٌ لم يَرِد في القرآن كلِّه إلّا مرّةً واحدةً، في خاتمة #الذاريات: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، وفي السورةُ قسَمٌ على قضية #الرزق لا نظيرَ له: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾؛ فمن ارتاب في رزقه فليرتَبْ في أنّه ناطق.
السورةُ تبدأ بمشاهدَ كونيّةٍ كلُّها حركةٌ ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾؛ رياحٌ تذرو، وسحبٌ تحمل، وسفنٌ تجري، وملائكةٌ تقسِّم ما أُمرت به، مؤكدةً أنّ الكونَ ليس فوضى تتناهبُها المصادفات، ولا سوقًا منفلتةً يحكمها الأذكى والأقوى وحدَه؛ بل جنودٌ تتحرّك، وأسبابٌ تعمل، وأرزاقٌ تقسَّم بأمرٍ سابقٍ عليها، تُختَم بثلاثِ آياتٍ مترتّبةٍ:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وفيهَا تقريرُ الغاية، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ وفيهَا نفيُ أن تكون العبادةُ صفقةً، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وفيهَا تعليلٌ للاثنتين معًا، وليست الأخيرةً بشارةً معلّقةً في الهواء، بل حسمٌ لترتيب الأولويّات: فأنتَ عليك عبادةٌ، وهو عليه رزقٌ، وقُرِن الاسمُ بـ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ لأنّ العطاءَ لا يتخلّف إلّا لعجزِ معطٍ أو نفادِ ما عنده، وكلاهما منفيٌّ هنا.
فإذا تشرّب القلبُ معاني الذّارياتِ، لم يزُل منه كلُّ اهتمامٍ بالرّزق، فهذا عكسُ للفطرة والحكمة؛ إنّما يزول #القلقُ الذي يلتهم الحاضرَ خوفًا من مستقبلٍ لم يأتِ. | 243 |
| 3 | يبدأُ الإنسانُ حياتَهُ وهو طِفلٌ بالانبهارِ الساذجِ لجهلِهِ بالأسبابِ، ثم يمرُّ فيمَا بعدُ بشقاءِ التحليلِ الذي يسلبُهُ المتعةَ، ثمَّ ينتهي بانطفاءِ الشغفِ تمامًا، غيرَ أنَّ #النضجَ المطمئنَّ يتحقَّقُ بالتوسُّط بينَ الحالَين، حين يستعيدُ المرءُ قدرةَ الطفلِ على الدَّهشةِ، ولكنْ بعينِ الخبيرِ المتبصِّرِ.
فكلَّما اتَّسعَ الفهمُ، قلَّ #الانبهارِ؛ فالنضجُ يُفكِّكُ الأشياءَ ويُحيلُها إلى اعتيادٍ، وتتجلَّى هذه العَلاقةُ في مرحلتَين:
١- صراعُ الوعيِ وهو أزمةُ #المتنبّي القائل:
ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلِهِ
وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ فالعقلُ التحليليُّ عِبءٌ ثقيلٌ يُفسدُ متعةَ اللحظةِ لتفكيرِهِ المستمرِّ في مآلاتِها وعيوبِها.
والانبهارُ يغيِّبُ الوعيَِ المفرطِ، والجاهلُ ينعمُ بحياتِهِ تمام التنعُّم لافتقارِهِ لهذهِ النظرة النقديةِ.
٢- الانطفاءُ الانفعاليُّ وهو أزمةُ #المعرّي القائل: تعبٌ كلُّها الحياةُ فما أعـ
ـجَبُ إلّا من راغبٍ في ازديادِ
فهذَا نضجٌ مفرطٌ لحدِّ التخديرِ الشُّعوريِّ الذي تنطفئُ فيه شعلةُ الشغفِ تمامًا، ويحكُمُ العقلُ على الأشياءِ بالعبثيةِ المُسبقةِ، فيموتُ الانبهارُ لغيابِ الدافعِ والتوقُّعِ.
وبينَ الحالينِ تافتُك يقظةُ #ابنِ_الروميِّ القائل:
ما أنسَ لا أنسَ خبّازًا مررتُ به
يدحو الرقاقةَ وشْكَ اللمحِ بالبصرِ
فتجاوزَ الانبهارَ بالغرائبِ، لكنَّهُ لم يتبلَّدْ، ووجَّهَ دهشتَهُ للتفاصيلِ البسيطةِ. | 218 |
| 4 | إذا صنعتَ #معروفًا، وعلمتَ من نفسِك صدقَ #النِّيَّة، فلا تتركْه يمضي كأنَّه حادثةٌ عابرة.
بل اجعلْه بين يدي دعائِك، وتوسَّلْ لله بإخلاصِك فيه، كما فعل أصحابُ الغار حين قال كلُّ واحدٍ منهم: «اللَّهُمَّ إنْ كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِك فافرُجْ عنَّا»؛ فانفرجتْ عنهم الصَّخرة.
وليس العملُ ثمنًا تُعاوض به اللهَ، ولا حقًّا تُوجب به الإجابةَ، وإنَّما هو شاهدُ صدقٍ تفتقر به إلى فضلِه. حديث أصحاب الغار
فموسى عليه السَّلام سقى للمرأتين ثمَّ لم يقفْ ينتظر جزاءً ولا شكرًا؛ بلْ تولَّى عن الخلق، وأقبل على الخالق مفتقرًا، كأنَّ المعروفَ كان مقدِّمةَ الدُّعاء، لا أجرةً لعمله ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
ومن #سنن_الجزاء:
أن يعودَ إحسانُك من جنسِه لا بقدْرِه؛ ففضلُ الله أعظم، فوقد حوسب رجلٌ «فلم يوجدْ له من الخير شيءٌ» سوى أنَّه كان يأمر غلمانَه بالتَّجاوز عن المُعسر، فقال اللهُ: «نحن أحقُّ بذلك منه، تجاوزوا عنه».
لم يكن تحاوُزُه عملًا صاخبًا موثَّقًا، وإنَّما رحمةٌ خفيَّةٌ بالضُّعفاء، علمَ اللهُ صدقَ الشفقة فيها، فكانت سببًا لمغفرةِ خطايَا عمرٍ مديدٍ أثقلته الذُّنوب بلا موطئ قدَمٍ لأيِّ معروف.
فإذا أحسنتَ، فاحفظْ إحسانَك من المنِّ والرِّياء، ثمَّ قل عند شدَّتِك: يا ربِّ، إنْ كنتُ فعلتُه ابتغاءَ وجهِك، فعامِلْنِي بمَا أنت أهلُهُ كرَمًا وقُدرة. | 218 |
| 5 | ضُرِبَ الحجرُ فانفجرت اثنتا عشرةَ عينًا، ثمّ قيل: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾؛ حجرٌ واحدٌ، وماءٌ واحد، ولكلِّ سبطٍ عينُه التي يعرفُها ولا يخطئُها ولا يزاحمُ عليها.
والنّاسُ في المجالسِ والمكاتبِ والأسفار وقاعات التعليم ومجالس الرواية، يجتمعون على المورد، ويفترقون على المشارب، فتراهم صفًّا واحدًا وهم في الحقيقةِ ١٢ عينًا، كلُّ نفسٍ لها مشربِها.
ولذلك لم يقلِ النّبيُّ ﷺ: النّاسُ أشكالٌ ولا أصنافٌ ولا طبائع؛ بل قال ﷺ: «النّاسُ معادنُ»، والمعدنُ لا يُصنَع، إنّما يُستخرَج من باطنِ الأرضِ، وهو هو بعد أن يُصاغ، والصّياغةُ تغيّرُ الهيئةَ ولا تغيّرُ العنصر، والطّلاءُ يعلو المعدنَ ولا يصيرُ منه، ولأجل هذا لا تُعرَفُ المعادنُ بالنّظرِ الرّائق، بل بالحكِّ والعرضِ على النّار، وهنا نتبيّنُ أنّ أكثرَ ما يُبهرُنا في النّاسِ ممارسةٌ تمثيليّة: أدبٌ يُتَكلَّف، ووقارٌ يُلبَس، وسخاءٌ في موضعِ الشّهود، وحِلمٌ ما دام لا يُكلِّفُ صاحبَه شيئًا، وأدَبٌ مُزوَّر قبل تمامِ المُدة.
والتّمثيلُ تفضحُه المواضعُ التي لا يحتملُ فيها الدّورُ أن يستمرّ: شركةٌ في مال، وخصومةٌ في حظ نفس، وخلافٌ في مصلحة، ومصاهرةٌ تدخلُ عُمقَ بيتك ولا تكتَفي بمجلسك.
هذه - وغيرُها - علاقاتٌ كشّافةٌ بطبعِها، تُسقِطُ الأقنعةَ، لأنّها تُتعِبُ الممثّل؛ فيَعطَشُ فيعودُ راغِمًا لمشربِه، فـ #خذها_قاعدة:
أنت لستَ تُخدَعُ بالنّاس، إنّما تُخدَعُ بحُسنِ ظنِّك بالصّورة؛ فالمعادنُ لا تكذبُ، ولكنّها لا تُفصِحُ إلّا في النّار، فلا تلُمِ الحديدَ الصَّدِئَ لأنّه لم يكنْ ذهبًا. | 443 |
| 6 | في المصنَّف لابن أبي شيبة عن خيثمة قال :
صليت إلى جنب ابن عمر، فرأى في الصف فرجة، فأومأ إلي، فلم أتقدم، قال : فتقدم هو فَسَدَّها.
.
بدأ بأخفِّ ما يملك: إيماءةً لا تشغلُ مصلّيًا ولا تُسمِعُ أحدًا،فلمّا لم تبلغْ، لم يُثنِّها ولا أتبعها عتبًا؛ إذ لو كرّرَ الإشارةَ لصارت الصّلاةُ خصومةً صامتة. فعدَلَ عن مطالبةِ غيرِه إلى تكليفِ نفسِه، فمشى فسدَّها.
ومن #فقهِ الخبرِ: العفوُ عن يسيرِ الحركةِ في الصّلاة، فقد أشارَ وخطا، ولم يرَ في ذلك بأسًا؛ لأنّ الحركةَ إذا كانت لمصلحةِ الصّلاةِ لم تكنْ غريبةً عنها، بل صارت من جنسِها، وتسويةُ الصّفِّ من إقامةِ الصّلاة كما جاء في الحديث؛ فسادُّ الفُرجةِ متمِّمٌ لصلاتِه لا قاطعٌ لها، وابنُ عمرَ من أشدِّ النّاسِ تحرّيًا للاتّباعِ وأبعدِهم عن التّرخّص، ومع ذلك رأى بقاءَ الخللِ أثقلَ من خطوةٍ يخطوها.
.
وأدقُّ من هذا: أنّ الأعلمَ بالحكمِ هو الذي تحمّلَ كُلفتَه، وفي إسنادِ الخبرِ لطيفةٌ تُغني عن التّصريح: فراويهِ هو المقصّرُ فيه، فقد حدّثَ خيثمةُ عن نفسِه أنّه أُشيرَ إليه فلم يتقدّمْ، وفي هذا من سلامة الصدر والصدق ما لا يخفى، فقد كان يسعه عدم التصريح بأنه صاحب القصة. | 319 |
| 7 | ليستِ #القارونيّةُ المشؤومةُ في آيةِ ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ أن تعرفَ سببَ نجاحك، بل أن تخطئَ منزلتَه؛ فتجعلَ الوسيلةَ مانحةً، والسّعيَ خالقًا للنّتيجة، وترويَ النّعمةَ مقطوعةً عن مُنعِمها، وأدقُّ ما في حالِ قارونَ أنه لم يقلْ: لا رازقَ لي؛ إنّما قال: «عندي». حرفُ ظرفيّةٍ واحدٌ حوّل النّعمةَ من عطيّةٍ إلى استحقاق، ومن أمانةٍ إلى مِلك.
ولذلك جاء الجوابُ في السّياق نفسِه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾؛ فقوبل علمُه المزعومُ بجهلٍ محقّق، وقوبلت قوّتُه بمن هو أشدُّ منه فما نفعته قوّتُه.
و #القرآنُ لا يمحو فعلَ الإنسان، ولكنَّه ينفي استقلالَه عن ربِّه ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾؛ فأثبت الله له فعلًا، ونفى أن يكونَ الأثرُ كلُّه منه، فليس التّوحيدُ إنكارَ الأسباب، بل ألّا تحجبَ الأسبابُ ربَّها.
لكنّ من تأمَّل بعض مجالس الحديث عن الذّات ( #البودكاست) يجدها تستدرجُ بعضَ النّاجحين لترسيخِ وهمٍ القارونيّة؛ مُتناسينَ أنَّ أحدًا أيَّ أحدٍ لم يخترْ عقلَه، ولم يختر زمانَه، ولا بلدَه، ولا صحّتَه، ولا معلّميه، ولا الفرصةَ التي وافقته، ولا القبولَ الذي وُضع له، ولا المصائبَ التي صُرفت عنه، لكنه بذل أسبابًا يراها، وساق اللهُ إليه كثيرًا من الأسباب الخفيّة التي لا يراها.
وفي #العلم يقول يوسفُ: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾، ويقول اللهُ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾؛ فذكاؤك، وذاكرتك، وشيخك، والكتابُ الذي بلغك، والعمرُ الذي اتّسع لتحصيلك: أبوابٌ فُتحت لك، لا أملاكٌ خلقتَها.
وفي #الصّحّة يقول إبراهيمُ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. فهذا الجسدُ الذي تنسب إليه قدرتَك لا تملكُ ضمانَ نبضةٍ من قلبه، ولا سلامةَ خليّةٍ فيه؛ وقد يسعى غيرُك سعيَك، ثمّ يحول المرضُ بينه وبين غايته.
و #طولُ_العمر ليس إنجازًا شخصيًّا، بل إمهالٌ تتضاعف به الحجّة؛ ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾. فكلُّ سنةٍ في سيرتك لم تصنعْها، وإنّما مُنحتَها لتملأَها.
لهذا لم يقلْ سليمانُ عند الإنجاز: هذا بعلمي؛ بل قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾؛ فرأى الفضلَ قبل أن يرى نفسَه، ورأى الامتحانَ في قلب النّعمة.
فاذكرْ جهدَك، ولا تختلسْ به فضلَ الله، فما بين قارونَ وسليمانَ فرقٌ في قراءة العطاء: فهذا قال «من فضل ربّي»، وذاك قال «عندي»، | 357 |
| 8 | ليس #الصبرُ حبسَ العينِ عن #الدمع، وإنّما هو حبسُ القلب عن #السخط.
وأبو بكر بن عيّاش أراد أن يُكابر أوَّلًا، فجعل جَلَدَه غطاءً على جرحٍ لم يُنظَّف، فصار ما تحته يُؤذيه ويُؤلمه وهو يحسبه عافية.
ثمّ علّمه أعرابيٌّ على راحلته أنّ الدمع مَخرَجٌ لا مَهرَب، وأنّ انحداره قد يُعقب راحةً كما يَصفو الماءُ بعد انصباب السيل.
وهذا موافقٌ لقولِه ﷺ يوم وفاةِ إبراهيم (إِنَّما أنا بَشَرٌ، تَدْمَعُ العَيْنُ، و يَخْشَعُ القلبُ، و لا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، و اللهِ يا إبراهيمُ إنَّا بِكَ لَمَحْزُونُون)
.
وفي الخبر لطيفةٌ ثانيةٌ،فهاكَها:
#شعبةُ - رحمه الله - إمامٌ من أئمّة #الكوفة، ومع ذاك يأخذ فقهَ نفسِه عن أعرابيٍّ واقفٍ في الكُناسة، ثم لا يستنكف مِن أن يشهد له بالبصر، فالحكمةُ لا تُوزن بمن قالها. | 361 |
| 9 | 没有文字... | 357 |
| 10 | #المروءةُ: صيانةُ النَّفسِ عمّا يشينُها عند أهلِ الفضلِ بحسبِ #العُرفِ، والتزامُ الإنسانِ ما يليقُ بأمثالِه في زمانِه ومكانِه، وليستِ اجتنابَ مواطنِ ذمِّ النَّاسِ بإطلاقٍ؛ فقد يذمُّون حقًّا، ويمدحون باطلًا، وإنَّما المعتبرُ الصادرُ عن أهلِ العقولِ والمروءاتِ، لا عن أهواءِ العامَّةِ وتقلباتِهم.
وقد تنبَّه #الفقهاءُ إلى أنَّ بين المعصيةِ والفعلِ الكريمِ مساحةً واسعةً من المباحاتِ، قدْ لا يأثمُ المرءُ بفعلِها، لكنَّ إدمانَها على وجهٍ مستقبَحٍ يكشفُ عن سفهٍ، وقلَّةِ حياءٍ، واستخفافٍ بمكانةِ الإنسانِ بين قومِه، ومن هنا دخلتِ المروءةُ في #العدالةِ في الشُّهودِ والرُّواةِ، ومن ذلك قولُ #الشَّافعيِّ «إذا كان الأغلبُ والأظهرُ من أمرِه الطَّاعةَ والمروءةَ قُبلتْ شهادتُه، وإذا كان الأغلبُ من أمرِه المعصيةَ وخلافَ المروءةِ رُدَّتْ شهادتُه».
وليس معنى هذا الشَّرطِ أنَّ كلَّ خارمٍ للمروءةِ حرامٌ؛ وإنَّما المعنى أنَّ الرِّوايةَ والشَّهادةَ مبناهما على غلبةِ الثِّقةِ، وأحوالُ البواطنِ لا تُعرف مباشرةً، فيُستدلُّ عليها بدلائلِ الظَّاهرِ.
والرَّجلُ قد يسترُ معصيتَه ويتجمَّلُ أمامَ النَّاسِ، ولهذا استدلَّ بعضُهم بقولِ النَّبيِّ ﷺ: «إذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئتَ»؛ لا على أنَّ كلَّ مخالفٍ للعُرفِ كاذبٌ، بل على الصِّلةِ بين ذهابِ الحياءِ واتِّساعِ الجرأةِ والوقَاحة.
ورأى آخرونَ أنَّ هذه قرينةٌ محتملةٌ، لا برهانٌ قاطعٌ؛ فاعترضَ #ابنُ_حزمٍ رادًّا على الشَّافعيِّ، فقال:
«إن كانت من الطَّاعةِ فالطَّاعةُ تغني عنها، وإن كانت ليست من الطَّاعةِ فلا يجوزُ اشتراطُها في أمورِ الدِّيانةِ؛ إذ لم يأتِ بذلك نصُّ قرآنٍ ولا سُنَّةٍ».
ومعنَى اعتراضِه أنَّ المباحَ لا ينقلبُ قادحًا شرعيًّا لمجرَّد استقباحِ النَّاسِ له؛ فلا يكون الأكلُ في السُّوقِ، أو المشيُ حافيًا أو مكشوفَ الرَّأسِ، أو الاشتغالُ بالحجامةِ والدِّباغةِ والنَّظافةِ، سببًا كافيًا لإسقاطِ شهادةِ مسلمٍ أو ردِّ خبرِه ما دام مجتنبًا للمحرَّماتِ، بل إنَّ احتقارَ بعضِ المهنِ النَّافعةِ أقربُ إلى فسادِ العرفِ من كونه دليلًا على سقوطِ أصحابِها.
ويُقوِّي هذا الاعتراضَ أنَّ مَن ثبتَ اجتنابُه الكبائرَ، وعدمُ إصرارِه على الصَّغائرِ، وغلبتْ عليه الطَّاعةُ والصِّيانةُ، فقد ظهرَ فيه من وازعِ الدِّينِ ما هو أقوى من وازعِ الخوفِ من ألسنةِ النَّاسِ؛ فلا يسوغُ إسقاطُ عدالتِه لمجرَّد فعلٍ مباحٍ استغربَه أهلُ بلدٍ أو طبقةٍ اجتماعيَّةٍ
والحاصلُ: أن المروءةَ ليست شريعةً ثانيةً تُحرِّم ما أحلَّ اللهُ، وليست ـ في مقابل ذلك ـ فضولًا لا معنى له؛ وإنَّما هي قرينةٌ اجتماعيَّةٌ أخلاقيَّةٌ، تُقبل بقدرِ دلالتِها على الأمانةِ والرُّشدِ والحياءِ، وتُردُّ متى تحوَّلتْ إلى استعلاءٍ طبقيٍّ، أو تحكيمٍ لعرفٍ فاسدٍ، أو ذريعةٍ لإسقاطِ العدولِ بالمباحاتِ. | 409 |
| 11 | ليس تمامُ #التِّلاوةِ أن تبلغَ آخرَ السُّورةِ، بل أن تبلغَ بك السُّورةُ حاجاتِكَ عند ربِّك، ومن #السُّنَنِ المغفولِ عنها: أن يجعلَ القارئُ بين ما يقرأُ وما يدعو صلةً؛ فإذا مرَّ بوعدٍ سألَ اللهَ فضلَه، وإذا مرَّ بوعيدٍ استعاذَ من سَخَطِه، وإذا مرَّ بتنزيهٍ سبَّحَه، وإذا قرأ عن الجنَّةِ سألَها، وعن النَّارِ استعاذَ منها.
وهكذا كانت قراءتُه ﷺ؛ يقرأ مترسِّلًا، «إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذ»، وجاء عن عمرانَ بنِ حُصينٍ رضي الله عنه أنَّه مرَّ بقاصٍّ يقرأ، فلمَّا فرغَ سألَ النَّاسَ، فاسترجعَ عمرانُ، ثمَّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَن قرأ القرآنَ فليسألِ اللهَ به؛ فإنَّه سيجيءُ أقوامٌ يقرؤون القرآنَ، يسألون به النَّاسَ».
وسؤالُ اللهِ بالقرآنِ أوسعُ من دعاءٍ يُقال عند الختمِ وحدَه؛ فهو أن تجعلَه مقدِّمةَ رجائك ومادَّةَ ابتهالك، لأنه لا يكشفُ لك خزائنَ الرَّحمةِ لتقفَ على أبوابها صامتًا، ولا يعرِّفُك أسماءَ ربِّك وصفاتِه ثمَّ لا تدعوه بها.
عن زيدِ بنِ عليٍّ أنَّه قال: مررتُ بأبي جعفرٍ وهو في دارِه يقول: «اللهمَّ اغفرْ لي بالقرآنِ، اللهمَّ ارحمْني بالقرآنِ، اللهمَّ اهدِني بالقرآنِ، اللهمَّ ارزقْني بالقرآنِ».
فلا تُغلقِ #المصحفَ وقد امتلأ قلبُك بالحاجاتِ، ثمَّ تنصرفْ بها ساكتًا، ولكن اسألِ اللهَ بالقرآنِ، واسألْه من هدايتِه ونورِه وبركتِه ورحمتِه؛ وأكثِرِ المسألةَ، فإنَّ عطاءَ اللهِ أكثرُ، وخزائنَه لا تنفدُ، وما عندَه أعظمُ ممّا يخطرُ لك أن تسألَه. | 395 |
| 12 | «هذا حينَ حَمِيَ الوَطِيسُ».
كلمَةٌ قالها رسولُ الله ﷺ #يومَ_حُنينٍ، حينَ عادَ المسلمونَ إلى الميدانِ، والتحمَ الصَّفّانِ، وبلغَ القتالُ غايتَه.
ولم تكنِ الكلمةُ وصفًا عابرًا للشدَّةِ، بل كانت لحظةَ ميلادِ مَثَلٍ عربيٍّ لم يُعرف قبلُ، فقد عدَّها #الجاحظُ من كلامِه ﷺ الذي «لم يسبقْه إليه عربيٌّ، ولا شاركَه فيه أعجميٌّ، ولم يُدَّعَ لأحدٍ ولا ادَّعاه أحدٌ، ممّا صار مستعملًا ومَثَلًا سائرًا»، والوَطيسُ حجارةٌ مدوَّرةٌ تُحمى، فإذا اشتدَّ حرُّها لم يقدرْ أحدٌ أن يطأَ عليها؛ فضُربَ بها المَثَلُ للأمرِ إذا اشتدَّ.
وفي العبارةِ من قوَّةِ التَّصويرِ ودقَّتِه ما أغناها عن الشَّرحِ، فلم يقلْ ﷺ إنَّ القتالَ اشتدَّ، بل جعلَ للمعركةِ وَطيسًا حَمِيَ؛ فنقلَ السَّامعَ من معنى الشِّدَّةِ المجرَّدِ إلى مشهدِ الحجارةِ الملتهبةِ، يراها الخيالُ ويكادُ يحسُّ لفحَها.
والأدقُّ أنَّها لم تُقَلْ عندَ أوَّلِ المفاجأةِ وفرارِ مَن فرَّ، بل بعدما نادى العبَّاسُ أصحابَ السَّمُرةِ، فعطفوا لرسولِ الله ﷺ، وعادَ الأنصارُ، والتحموا بعدوِّهم؛ فنظرَ ﷺ إلى قتالِهم فقالَها.
.
لقد خرجتِ الكلمةُ من وَطيسِ حُنينٍ إلى ألسنةِ #العربِ، فصاروا يقولونها لكلِّ شأنٍ جاوزَ تمهيدَه ودخلَ موضعَ الحسمِ، وهكذا صنعَ البيانُ النَّبويُّ: صورةً أودعَ فيها معنًى واسعًا، وأطلقَها في أربعةِ ألفاظٍ؛ لتعيشَ بعدَ انقضاءِ المعركةِ قرونًا، ويَبْرُدُ الوَطيسُ، ولا تَبْرُدُ الكلمةُ. | 379 |
| 13 | اشتدَّ المرضُ بأبي بكرٍ #الصِّدّيقِ فدخل عليه إخوانُه، فقالوا: يا خليفةَ رسول الله ﷺ، ألا ندعو لك طبيبًا ينظرُ إليك؟
قال: «قد نظر إليَّ».
قالوا: فماذا قال لك؟
قال: «قال: إنِّي فعَّالٌ لما أريد».
.
وجوابُ أبي بكرٍ آيةٌ نقلها من الغَيبة إلى التكلُّم حكايةً عن الله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. وسياقُها في البروج يكسو المشيئةَ سكينةً ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾؛ فهي مشيئةُ الغفور الودود، لا قهرٌ مجرَّد.
.
وقد سبقه لتحويل هذا الاسم بعينِه النبيُّ ﷺ. كما في حَديثِ أبي رِمْثةَ قال: «أتيتُ رسولَ الله ﷺ مع أبي، فرأى التي بظَهْرِه، فقال: يا رسولَ الله، ألا أُعالجُها لك فإنِّي طبيبٌ؟ قال ﷺ «لستَ بطبيبٍ، ولكنَّك رفيقٌ، طبيبُها الذي خلقها».
.
قال التُّورِبِشْتيُّ في وجه هذا الجواب:
إنَّه ﷺ لم يُرِد نفيَ الاسم عمَّن يتعاطى العلاج، وإنَّما حوَّل المعنى من الطبيعة إلى الشريعة، وبيَّن أنَّ الذي يُرجى من الطبيب فاللهُ فاعلُه. فالرفقُ للمخلوق، والطِّبُّ في حقيقته لواحدٍ. | 444 |
| 14 | «عسى» و«لعلّ» موضوعتان للترجّي، والترجّي طمعٌ فيما لا يُدرى أيقع أم لا، وهذا ممتنعٌ على اللّهِ الذي أحاط بكلّ شيءٍ علمًا.
فمن العُلماءِ من أخرجهما في القرآنِ عن بابهما وقال: «عسى من الله واجبةٌ»، و #الزمخشريّ لم يَنزع الحرف عن معناه، ولكنه ردّه لعُرف الخطاب ومقام المتكلّم، فقال:
«( #عسى) و( #لعلّ) و( #سوف) في وعدِ الملوك ووعيدِهم؛ يدلُّ على صدقِ الأمر وجدِّه وما لا مجالَ للشكِّ بعدَه، وإنما يعنون بذلك: إظهارَ وقارِهم وأنهم لا يعجلون بالانتقام، لإدلالِهم بقهرِهم وغلبتِهم ووثوقِهم أنَّ عدوَّهم لا يفوتُهم، وأنَّ الرمزةَ إلى الأغراض كافيةٌ من جهتهم »
.
فليست «عسى» في القرآنِ بابَ شكٍّ فُتِح، بل بابُ هيبةٍ أُرخِيَ عليه سِتر.
فلمَّا استعجل القومُ العذاب ليستدلّوا بتأخّره على كذب الخبر، جاءهم الجوابُ على قَدْرِ سفههم: تسويفًا في الميعاد لا ترددًا في الوقوع؛ فإنّ الملك إذا وثِق أنّ الطريد لا يفوته لم يَعْدُ في طلبه، وإنما يَعْدو مَن يخاف الفَوت.
فصار أرخى اللفظين أشدَّهما وقعًا، وأليَنُ الحرفين أمضاهما حَدًّا، ومن قرأ «عسى» في وعد الله وجد فيها رَوحًا لا ينقطع رجاؤه، ومن قرأها في وعيده وجد فيها ظِلًّا يدنو على مَهَل؛ وهيَ هيَ، ما تغيّر منها حرفٌ، وإنما تغيّر الواقفُ تحتها. | 438 |
| 15 | قالتْ عائشةُ رضي الله عنها: [لمّا رأيتُ من النبيِّ ﷺ طِيبَ نفسٍ قلتُ: يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ لي].
فقال ﷺ «اللهمَّ اغفرْ لعائشةَ ما تقدَّم من ذنبها وما تأخَّر، وما أسرَّتْ وما أعلنتْ».
فضحكتْ، فقال ﷺ: «أيسرُّك دعائي؟»
قالتْ: وما لي لا يسرُّني دعاؤُك؟
قال ﷺ: «واللهِ إنَّها لدعوتي لأمَّتي في كلِّ صلاةٍ».
.
و«كلّ» من ألفاظ العموم، وإضافتُها إلى «صلاةٍ» تستغرق صلواتِه ﷺ: فرائضَه ونوافلَه، فليس استغفارُه ﷺ لأمَّته خاطرًا عابرًا، بل دعوةٌ راتبةٌ في محرابه.
وأنت لم تلقَه ﷺ ولم يلقَك، ومع ذلك سبقك دعاؤُه بقرونٍ، فكم مرّةً دعوتَ لنفسك بمثل هذا؟ وهل ضمن لك أبوك أو ولدُك هذا الوفاءَ المتتابعَ في كلِّ فريضةٍ ونافلةٍ؟
وهذا الحديثُ فرعٌ عن أصلٍ محكمٍ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
وأوّلُ ما يتبادر من الأولويّة: ولايةُ الحكم؛ أن يكون قضاؤُه ﷺ نافذًا عليك، ومرادُه ﷺ مقدَّمًا على مرادك، وهذا حقٌّ، لكنَّه نصفُ المعنى.
والآيةُ تقرِّر مع ذلكَ ولايةَ رعايةٍ ومصلحةٍ: أنّه ﷺ أنْظَـرُ لك في مصالحك من نفسك التي بين جنبيك، في دينك ودنياك وآخرتك.
قال ﷺ «ما من مؤمنٍ إلّا وأنا أَولى به في الدنيا والآخرة»، فقرن الدنيا بالآخرة.
فمن ولايتِه ﷺ أنَّه جعل حاجةَ المُذنِبِ مِن أمّته حاجتَه هو ﷺ، وادَّخر دعوتَه ﷺ شفاعةً، وأخبرَنا أنَّه ينتظرنا على حوضه، ويعرف أمَّتَه بسيماها. وهذا كلُّه شرحُ قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وها أنت ترَى أنَّه ﷺ كان أَولى بك من نفسك حين نسيتَها، وأرحمَ بها منك حين أضعتَها، وأحرصَ على مغفرة ذنبِها حين غفلتَ عن الاستغفار لها.
.
فأيُّ جفاءٍ أعظَمُ منْ أن يذكرك في كلِّ صلاةٍ ثمَّ تكون قليلَ الصلاة والسلام عليه؟
اللهمَّ صلِّ وسلِّم على مَن كان بنا أرحمَ من أنفسنا، وأدخِلْنا في دعائه وشفاعته، ولا تجعلْ رجاءَنا به ذريعةً للغُرور، بل باعثًا على محبَّته ﷺ واتِّباعه. | 489 |
| 16 | من #فقه_العطاس الذي ربَّما تحتاجُه مع بدءِ تغيُّر الأجواء.
،
ليس العطاسُ كلُّه على درجةٍ واحدةٍ، ولا تَلزَمُ السُّنَّةُ في التَّشمِيتِ لفظًا واحدًا وقد تبدَّلت حالُ العاطِس.
فعن سلمة بن الأكوع أنَّ رجلًا عطس عند النَّبيِّ ﷺ فقال له: «يرحمُك الله»، ثمَّ عطس أخرى، فقال: «الرَّجلُ مزكومٌ».
وجاء عن أبي هريرة «شمِّتْ أخاك ثلاثًا، فما زاد فهو زكامٌ».
وفِي حديث عُبيد بن رفاعة الزُّرقيِّ: «تُشمَّتُ العاطسَ ثلاثًا، فإن شئتَ أن تُشمِّتَه فشمِّتْه، وإن شئتَ فكُفَّ».
فإذا عطس المسلمُ فحمِد الله شُمِّت، وقيل له: «يرحمُك الله»، ويُعادُ ذلك إلى ثلاثٍ؛ فإن تتابع عطاسُه بعدها فقد انتقل من عارضٍ يزولُ إلى علَّةٍ مستقرَّةٍ، فالأليقُ بحاله أن يُدعى له بالعافية والشِّفاء، لا أن يُكرَّر له لفظُ التَّشميت بلا غايةٍ.
.
وليس قولُه ﷺ: «الرَّجلُ مزكومٌ» زجرًا للمريض ولا تضجُّرًا من عطاسه، وإنَّما هو إعلامٌ بانتقال الحال وسقوطِ التَّشميت؛ قال النَّوويُّ: يُستحبُّ أن يُدعى له، لكن بغير دعاء العطاس المشروع، بل بدعاء المسلم لأخيه بالعافية والسَّلامة. فالعاطسُ العارضُ يُقال له: «يرحمُك الله»، ومن غلبه الزُّكامُ يُقال له: «عافاك الله وشفاك». | 500 |
| 17 | 没有文字... | 473 |
| 18 | 没有文字... | 473 |
| 19 | 没有文字... | 498 |
| 20 | كشَفَ القرآنُ علّةَ #قومَ_لوطٍ التي عطَّلت فيهم وظيفةَ العقل، فقال الله عنهُم ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
فسمَّى اللهُ شذوذَهُم #سَكْرةً؛ لأنَّ الشَّهوة لم تَعُدْ مجرَّدَ رغبةٍ يعرضها أحدُهُم على عقلِه، بل صارتْ قوَّةً مُستوليةً، تختطف قرارَ الرجُل، وتعيد ترتيبَ الحقائق أمامه، وتقرِّب الوهمَ حتَّى يبدو يقينًا، وهذا هو العَمَهُ، فليس هو فقدانَ العين فقط، بل فقدانَ الاهتداء مع بقاء أدوات النَّظر.
.
والشَّهوة لا تسلب الإنسانَ حصافتَه فحسبُ، بلْ تسلبه السِّيادةَ على نفسِه؛ فيبقى العقلُ حاضرًا بآلاته، معزولًا عن سلطانه.
ومن هنا كان التَّعبير القرآنيُّ بالسَّكرةِ أدقَّ من وصفهم بالحمق؛ لأنَّ الأحمق ناقصُ الآلة، أمَّا السَّكران فآلتُه كاملةٌ، لكنَّها واقعةٌ تحت احتلال الشَّهوة. | 479 |
