en
Feedback
بُغْيَةُ الأَرِيبِ

بُغْيَةُ الأَرِيبِ

Open in Telegram
2 259
Subscribers
No data24 hours
+287 days
+22730 days
Posts Archive
تتركُ البيوتُ في أخلاقِ أبنائِها أثرًا من سيرتِها وسُلالتِها وعرقَتِها وما تُعظِّمُه من خصالٍ؛ ثمّ تكشفُ المخالطةُ معدنَ المرءِ، وتُظهرُ للنَّاسِ ما استقرَّ فيه. ولا تحتاجُ إلى كبيرِ عناءٍ لتعرفَ منبتَ مَن تُزامِلُه ومعدنَه: فأنت تجاورُه وتشاركُه، وتكونُ مواقفُه كاشفةً لكَ عمّا وراءَها. قال تميمُ بنُ طرفةَ: سمعتُ عديَّ بنَ #حاتمٍ، وأتاه رجلٌ يسألُه مائةَ درهمٍ، فقال: «تسألُني مائةَ درهمٍ وأنا #ابنُ_حاتمٍ! واللهِ، لا أُعطيكَ». ثمّ ذكرَ ما سمعَه من رسولِ الله ﷺ «مَن حلفَ على يمينٍ، ثمّ رأى خيرًا منها؛ فليأتِ الذي هو خيرٌ، ولكَ أربعمائةٌ في عطائي». ففي قولِه «وأنا ابنُ حاتمٍ» استدعاءٌ لاسمٍ ارتبطَ بالجود؛ لكنّ النسبَ هنا لم يكن وسامًا يكتفي به، بل صار حجّةً على صاحبِه، فمنعَهُ منْ النزُولِ عن اللَّائقِ بمثلهِ، أوْ أن تحبسَه كلمةُ غضبٍ عن معروفٍ، فراجعَ يمينَه، ثمّ زادَ السائلَ على ما طلبَ، وهكذا كشفَ الموقفُ المعدنَ بالفعل، وأعادَ الاسمُ صاحبَه إلى ما يليقُ به. وليسَ في ذلكَ تهوينٌ من شأنِ الأيْمان؛ فمَن حلفَ ثمّ رأى الخيرَ في خلافِ يمينِه أتى الخيرَ وكفَّرَ عن يمينِه. فالنسبُ إرثٌ تُصقِلُه التربيةُ، والمعدنُ حقيقةٌ تمتحنُها المواقفُ؛ ولا يصدِّقُ الانتسابَ إلا خُلُقٌ ومُروءَةٌ يشهدانِ له.

ليسَ #النضجُ_العلمِيُّ أن يسبقَ الطالبُ مراحلَه، ولا أن يُكثِرَ المحفوظَ قبلَ إحكامِ الأصولِ؛ فلكلِّ طورٍ مقرَّراتُه، ولكلِّ معرفةٍ وقتٌ يَحسنُ فيه تلقّيَها. وقد تنبّه العلماءُ لترتِيبِ العلُومِ بحسبِ الأعمَار، واختَاروا أنْ يُعنى الناشئُ بما يؤسّس دينَه ولسانَه، ثمّ يتوسّعُ في الرواية، حتى يتهيّأ له أن ينفذَ من حفظ النصوص لفقه معناها. قال أبو عبدالله #الزُّبَيريُّ: (يُستحبُّ كَتْبُ الحديث من العشرين؛ لأنها مجتمع العقل، وأَحَبُّ إليَّ أن يشتغل دونَها بحفظ القرآن والفرائض). وقال #الرامهرمزيّ: (وسمعتُ بعض شيوخ العلم يقول: الرِّواية من العشرين، والدِّراية من الأربعين). . وليسَ في هذا تحديدٌ لأهليةِ كلِّ طالبٍ بعمرٍ لازم؛ فالاستعدادُ يتفاوت، وإنما فيه تذكيرٌ بأنّ كثرةَ المحفوظ لا تُغني عن رسوخِ الفهم، وأنّ التدرّجَ في الطلب صيانةٌ للعلم من أن يُجمعَ قبل أن يُحسنَ صاحبُه الانتفاعَ به. فالروايةُ حفظُ الأثر، والدرايةُ هي فقهُ موضعِه؛ وبينهما صبرٌ وتربية، لا يختصرُهما القَفزُ ولا التكديس.

الكلامُ في العلمِ أمانةٌ، تسبقُه مسؤوليّةُ الفهم، ويُفسِدُه طلبُ الظهور إذا صار المتكلّمُ أحرصَ على أن يُسمَعَ منه مِن حرصِه على أن يُفهَم ما يقول. . ومن هنا يحِبُ أن يُفتّشَ طالبُ العلمِ عن نيّتِه؛ فليس كلُّ ما عُلِمَ يُقال، ولا كلُّ ما خطرَ صلحَ أن يُنشَر، وقد يكونُ الإمساكُ عن الكلامِ عبادةً للعقل، وصيانةً للعلمِ من أن يُتَّخذَ سُلّمًا إلى المنزلة. قال أبو حيّان #التوحيدي بعد أن أطال في اشتقاقات لفظة لغوية: [وهذا شكلٌ من الكلام لولا أني قد سمعتُه، ووعيتُه، واستخرجتُه، وتدبَّرْتُه، وعرضْتُه على العلماء، ويسَّرْتُه؛ لكان الإقلالُ منه أسلمُ] . وهذِه ستُّ محطّاتٍ تفصلُ بين الخاطرِ والكلام: سماعٌ، ووعيٌ، واستخراجٌ، وتدبّرٌ، وعرضٌ على أهلِ العلم، ثمّ تيسيرٌ للعبارة. وليسَ المرادُ أن تُستوفى كلُّ واحدةٍ منها في كلِّ جواب؛ بل أن يعرفَ المتكلّمُ وزنَ ما يقول، وأيَّ حقٍّ يفرضُه عليه.

سمع سعيد بنُ المسيّبِ منشدًا يقول: تضوعَ مسكًا بطنُ نعمانَ إذ مشتْ به زينَــبٌ في نِــسوةٍ خَفِـراتِ فاستلذّ البيت، وقال: «هذا والله ممّا يلذّ استماعه»، ثم أجاب قائِلًا: وليستْ كأخرى أوسعتْ جيبَ درعها وأبْـدتْ بَــنانَ الكفِّ بالجمراتِ وقامتْ ترائي يومَ جمعٍ فأفْتنتْ برؤيتِــها مَن راح من عرفاتِ . وسُئل مسروق بنُ الأجدَع، عن بيتٍ شعريٍّ فقال: «أكره أن أرى في صحيفتي شعرًا». . والفارقُ بين #ابنِ_المسيّب و #مسروقِ ليس حكمًا فقهيًّا متقابلًا على الشعر؛ فالأوّل خبرٌ عن استلذاذٍ عابرٍ بسماع بيتٍ والجواب عنه، والثاني تعبيرٌ عن تحرّجٍ شخصيّ من أن يُثبت الشعر في صحيفة العمل. ولا يثبت من هذا أن سعيدًا يُذَمُّ لذلكَ التفاعُل، ولا أن مسروقًا يفَضَّل بالتحرُّجِ من تعاطِي الشعر؛ إنما يكشف الخبران تفاوتَ الطباع ومقاديرَ الاحتياط. وهنا موضعُ الدقّة: فلا يتحوّل الاستلذاذُ وحده لتزكية مفتوحةٍ، ولا الإعراضُ وحده لحُجّةٍ على المنع؛ كما لا يُجعل واحدٌ منهما مقياسًا لتقوى الناس، فأذواق الأفراد وورعهم الخاصّ، لا تُحمَّل أكثر مما تحتمل.

من أشدِّ عقوباتِ اللهِ للمنتسبِ إلى العلمِ أنْ يُمحَقَ أثرُهُ، وتُسلَبَ بركتُهُ؛ فلا يُنتفَعَ بهِ، ولا يُقتبَسَ من نورِهِ، فهذَاخذلانٌ خفيٌّ، وعقوبةٌ، يُحرَمُ فيها المتعلّمُ ثمرةَ عُمرِهِ، فيموتُ ذِكرُهُ قبلَ موتِ جسدِهِ. . ولا يبعُدُ أنْ يكونَ ادّعاءُ #النّسبِ_الشّريفِ زورًا، والتّزيّي بما لم يُعطَ المرءُ كذبًا، ممّا يُخمِلُ اللهُ بهِ الذّكرَ، ويُطفِئُ بهِ نورَ المتعلّم. ولعلَّ من أبلغِ الشّواهدِ على هذهِ السّنّةِ الرّبّانيّةِ، ما قيّدهُ الإمامُ #ابنُ_الجزريِّ في ترجمةِ أحدِ #القرّاءِ ممّنِ ابتُلُوا بهذا الدّاءِ، فكانَتْ عاقبتُهُ خمولَ الذّكرِ وانقطاعَ الأثرِ، حيثُ ساقَ خبرَهُ كاشفًا عن آفتِهِ التي أودَتْ ببركةِ علمِهِ رغمَ جلالةِ شيوخِهِ وعلُوِّ مناصبِهِ، ليختمَها بعبارةٍ قاصمةٍ تختزِلُ مأساةَ هذا الصّنفِ؛ إذ يقولُ المتَرجَم له عن نفسه: (وإنّما حملني على ادّعاءِ نسبِ الشّرفِ مغالاتي في حبِّ آلِ البيتِ)، قالَ #ابنُ_الجزريِّ (ولم يُنتفَعْ بهِ).

قالَ اللهُ ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ۝ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. وليسَتِ الآيةُ دعوةً لإرهاقِ النّفسِ حتّى تَعطَبَ، بل قاصمَةٌ لظهرِ #البطالةِ، وزاجرةٌ عنِ الرّكونِ لمستنقعِ #الفراغِ؛ فالمؤمنُ لا يتّخذُ البطالةَ مألفًا. فإذا انقضى من شأنٍ، نَصَبَ في آخَرَ؛ جاعلًا في يومِهِ متّسعًا لعبادةٍ يرفعُها، أو نفعٍ يسديهِ، أو حقٍّ يقضيهِ، وقد ذهبَ الطّبريُّ في تأويلِها للحضِّ على الاجتهادِ في عبادةِ اللهِ متى فرغَ المرءُ من شواغلِ الدّينِ والدّنيا، من غيرِ حصرِ النّصبِ في شُغلٍ بعينِهِ. وللهِ درُّ #الزّمخشريِّ حينَ كشفَ قبحَ البطالةِ بقولِهِ: (قعودُ الرّجلِ فارغًا من غيرِ شُغلٍ، أو اشتغالُهُ بما لا يعنيهِ في دينِهِ أو دنياهُ: من سَفَهِ الرّأيِ، وسَخافةِ العقلِ، واستيلاءِ الغفلةِ). وكلماتُه قوارعُ تمسُّ عصبَ المروءةِ؛ فالشّهمُ الأبيُّ يأنفُ أن يكونَ كَلًّا غثًّا يتثاقلُ على الزّمانِ، فإذا وجدَ في وقتِهِ فُسحةً، تفقّدَ ذوي الحقوقِ، وأغاثَ الملهوفَ، ونجّزَ ما أخّرَهُ. وهو وإن أخذَ بحظِّهِ من راحةٍ تستجمُّ بها قُواهُ؛ إلّا أنّه يربأُ بأيّامِهِ أن تنقضيَ سُدًى، وتتبدّدَ هباءً، وهو قادرٌ على أن يخطَّ فيها أثرًا كريمًا.

أكثرُ بيتٍ من #حلفاءِ_قريشٍ خرج في #الهجرةِ : بنو غنمِ بنِ دودانَ من بني أسدِ بنِ خزيمةَ، حلفاءُ بني أميّةَ، وفيهم آلُ جحشٍ. خرجوا إلى #المدينةِ مهاجرين رجالًا ونساءً لم يتخلّفْ منهم أحدٌ، فكانُوا [٢٠] رجلًا و[٨] نسوةٍ. وخلَتْ دارُهم في #مكّةَ، فمرّ بها عتبةُ بنُ ربيعةَ والعبّاسُ وأبو جهلٍ، فرأى عتبةُ أبوابَها تخفقُ ليس فيها ساكنٌ، فتنفّس الصعداءَ، فحمّل أبو جهلٍ ذلك النبيَّ ﷺ، وقال للعبّاسِ إنّ ابنَ أخيه فرّق جماعتَهم وقطع ما بينهم. ثمّ استولى أبو سفيانَ على الدارِ وباعها لعمرِو بنِ علقمةَ من بني عامرِ بنِ لؤيٍّ، فلمّا شكا ذلك عبدُ اللهِ بنُ جحشٍ قال له النبيُّ ﷺ: (ألا ترضى يا عبدَ اللهِ أن يعطيَك اللهُ بها دارًا في الجنّةِ خيرًا منها)، قال: بلى، قال: (فذلك لك). . والعجيبُ أنّ أبا سفيانَ المستولي على دارِهم صهرُهم مرّتين: فقد كانت ابنتُه الفارعةُ زوجَ أبي أحمدَ بنِ جحشٍ، وكانت ابنتُه أمُّ حبيبةَ زوجَ عبيدِ اللهِ بنِ جحشٍ. وهذا البيتُ الذي خرج كلُّه في الهجرةِ خرج منه أيضًا أشهرُ من ارتدّ من مهاجرةِ الحبشةِ.

#الاعتراضُ أن تتخلّلَ مجرى الكلامِ قبل تمامِه جملةٌ لا محلّ لها من الإعرابِ، ثمّ يعودَ المتكلّمُ إلى ما بدأ. وقيمتُه البااغِيَّةُ ليست في الفصلِ نفسِه، بل في أنّ المعنى الطارئَ يقال في اللحظةِ التي تشتدّ الحاجةُ إليه: فتسمعُ التنزيهَ قبل أن يستقرَّ الباطلُ في أذنك، والاستثناءَ قبل أن يتمَّ الجزمُ، والحكمةَ قبل أن يكتملَ المشهدُ. وفي القرآنِ قالَ اللهُ ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾؛ فاعترض التنزيهُ ﴿سُبْحَانَهُ﴾ وسطَ حكايةِ افترائهم فورَ ذكرِه، فلم يبقَ الباطلُ في الأذنِ لحظةً بلا ردٍّ. وقال ﷺ «إنّي واللهِ إن شاء اللهُ لا أحلفُ على يمينٍ فأرى غيرَها خيرًا منها إلّا كفّرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خيرٌ»، فبين (إنّ) وخبرِها قسَمٌ ومشيئةٌ تفوّضُ الأمرَ لله قبل أن يتمَّ الخبرُ، فلم يخرجِ الجزمُ إلّا مردودًا إلى اللهِ. وقال معنُ بنُ أوسٍ: وفيهنّ والأيّامُ يعثُرْن بالفَتَى نوادبُ لا يمللنه ونوائحُ فقدّم الحكمةَ على المشهدِ؛ فإذا بلغ السامعُ النوادبَ كان قد علم أنّ الأيّامَ تعثرُ بكلّ فتًى، فصار المشهدُ الخاصُّ شاهدًا على سنّةٍ عامّةٍ. وإلى هذا أشار ابنُ جنّي قائلًا: «والاعتراضُ في شعرِ العربِ ومنثورِها كثيرٌ وحسنٌ، ودالٌّ على فصاحةِ المتكلّمِ، وقوّةِ نفْسِه، وامتدادِ نفَسِه». وحُسنُه: أن يحملَ الكلامُ خاطرًا ثانيًا في موضعِه، ثمّ يستأنفَ طريقَه من غيرِ أن يضيعَ الأوّلُ.

قال ﷺ «من جاءه من أخيه معروفٌ من غيرِ إشرافٍ ولا مسألةٍ فليقبلْه ولا يردَّه، فإنّما هو رزقٌ ساقه اللهُ إليه»، وقولُه ﷺ «من غيرِ إشرافٍ ولا مسألةٍ» يجمعُ #عفّتَيْن؛ فقد يعفّ اللسانُ عن السؤالِ والقلبُ معلّقٌ بأيدي الناسِ، يحصي ما عندهم ويتأذّى إن لم يعطَ، فالمسألةُ طلبُ #اللسانِ، والإشرافُ طلبُ #القلبِ، فإذا سلم العطاءُ منهما تحقًّقتْ فيكَ أهليَّةُ الأمرِ «فليقبلْه ولا يردَّه»، ثمّ جاءَ التعليلُ النبويُّ «فإنّما هو رزقٌ ساقه اللهُ إليه». ولا يقفُ #المعروفُ عند اليدِ التي تتلقّاه؛ فقدْ قال ﷺ «فإن كان غنيًّا فليوجّهْه إلى من هو أحوجُ إليه منه»، فيصيرُ جسرًا إلى محتاجٍ، وقال ﷺ لعمرَ لمّا قال: (أعطِه من هو أفقرُ إليه منّي): «خذه فتموّلْه أو تصدّقْ به، وما جاءك من هذا المالِ وأنت غيرُ مشرفٍ ولا سائلٍ فخذه، وما لا فلا تتبعْه نفسَك»، وبهذا حسم ﷺ الإشرافَ من جهتيه: لا تردَّ ما جاء، ولا تتعلّقْ بما لم يجئْ. وقد تأتي #العطيّةُ في ثوبِ الإحسانِ وهي ثمنٌ لباطِلٍ كما أرسلت ملكةُ سبأ لسليمانَ ﷺ بهديّةٍ تنظرُ بمَ يرجعُ المرسلون، فقال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، فلم يجعلْ ﷺ مجرَّدَ وصولِها موجبًا لقبولِها، إذ كان قبولُها يلبسُ موقفَه من دعوتِهم، ويجعلُ الرسالةَ سلعةً يساوم عليها. فالمعروفُ الطيّبُ يُقبَل ويُشكَر، وما يَشتري ذمّتَك ويقتطِعً من قَدْرِكَ فكرامتُك في ردِّه.

‏من أراد أن يدخلَ ⁧ #الراحةَ⁩ من أوسعِ أبوابِها، فليحسنْ إلى الناسِ بقلبِ من يطعمُ الحمامَ والقططَ، فمن أطعم ⁧ #حمامةً⁩ لم يقفْ بعدَ طيرانِها ينتظرُ منها كلمةَ شكرٍ، ومن وضع طعامًا لقطّةٍ لم يحسبِ الوجبةَ دينًا علَى ⁧ #القطَّة⁩ تردّه إليه يومًا؛ يسرّه أن تجدَ ما تأكلُ، ويكفيه أنّه أحسن، قال ﷺ «في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ». ‏ولو عامل المرءُ الناسَ بشيءٍ من هذا القلبِ لاستراح من انتظارِ الجزاءِ على كلِّ معروفٍ؛ يحسنُ إليهم لكرامتِهم وحاجتِهم، ويرجو ثوابَ إحسانِه عندَ الله، ولسانُ حالِه: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. فإن ردّ أحدُهم الجميلَ وجد في ردّه سرورًا زائدًا على ما رجا، وإن مضى آخرُ صامتًا لم تتحوّلْ نعمةُ البذلِ في نفسِه إلى حسرةٍ. ‏وليس خفضُ التوقّعاتِ إسقاطًا لحقٍّ واجبٍ، ولا سوءَ ظنٍّ بالبشرِ؛ فالشكرُ عليهم حقٌّ، قال ﷺ «لا يشكرُ اللهَ من لا يشكرُ الناسَ». ولكنّ من جعل قلبَه رهينةً لكلِّ جوابٍ منتظرٍ، أفسد عليه صمتُ الناسِ لذّةَ ما صنع. ‏فَارفع رجاءَك في الله إلى السماءِ، واخفضْه في الناسِ إلى الأرضِ؛ تسترحْ بينَ السقفين. ‏. ‏أمدُّ لكم كفّي كما سحَّ عارضٌ ‏ على الأرضِ لم يطلبْ جزاءً ولا شكرا ‏فإن تشكروا زدتُّم على الأجرِ فرحةً ‏ وإن تجحدُوا فاللهُ أعظَمُ لي ذخرا

#قصة_قصيرة سُرق مصحفٌ لمالكِ بنِ دينارٍ، وليس فقدُ المصحفِ يومئذٍ كفقدِ نسخةٍ مطبوعةٍ اليومَ يؤتى ببديلِها في ساعةٍ. فقد كان مالكٌ ينسخُ المصاحفَ بأجرةٍ يقتاتُ منها ويَعيشُ، ويذكرُ جعفرُ بنُ سليمانَ أنّه كان يكتبُ المصحفَ في أربعةِ أشهرٍ. فمن عرف مقدارَ هذا العملِ أدرك أنّ المسروقَ لم يكنْ شيئًا هيّنًا عليه. الحاصلُ: أنَّ مالكًا وعظ أصحابَه بعدَ السرقةِ، فجعلوا يبكون. وهنا حصلتْ طُرفةٌ تناقلَها الأدباءُ، فأمامَ مالكٍ مجلسٌ امتلأ بالدموعِ، والمصحفُ ما زال غائبًا.! لم يتّهمْ مالكٌ باكيًا بعينِه، ولم يجعلِ البكاءَ كذبًا، لكنّه سأل السؤالَ الذي عجزت الدموعُ كلُّها عن دفعِه: «كلُّنا نبكي، فمن سرق المصحفَ؟!» وفي السؤالِ فقهٌ دقيقٌ؛ فقد يبكي المرءُ فيشعرُ أنّه أدّى ما عليه، فيخرجُ خفيفَ الضميرِ، ويدُه على ما أخذ، ويبلغُ التأثُّرُ عينَ المرءِ، ولا يبلغُ يدَه.

ليست قراءةُ #التواريخ ترفًا يتسلّى به أهلُ الفراغ، بل دروعٌ يلبسها العقلُ قبل أن تنزل به صدماتُ الحياة؛ فمن خبر أحوالَ الناس لم يحسب ما يصيبه نازِلةً لم يُصَب بهَا أحَدٌ قبلَه، ففي مخيّلته طابورٌ طويلٌ من الأشباه والنظائر، يقف مُصابُه في ذيله، أمّا الخاوي من التاريخِ فتُضاعف دهشتُه ألمَه، كأنّه أوّلُ من في الطابُور، فـ #خذها_قاعدة: مهما ينلك من أذى لئيمٍ أحسنتَ إليه، فلن يبلغَ أذاه مبلغَ ما نال عثمانَ بن عفّانَ رضي الله عنه؛ فاقرأ خبرَه، ففيه سلوى عظيمةٌ جدًّا. استشهد أبو حذيفةَ بن عتبةَ يومَ اليمامة وترك ابنًا صغيرًا، فضمّه عثمانُ لعياله، يطعمه مما يطعمون، ويكسوه مما يكتسون، حتى اشتدّ عودُه، ثم خرج الفتى إلى #مصرَ، وعثمانُ يجهّزه فجعل لسانَه هناكَ سيفًا على من ربّاه، يطعن فيه ويؤلّب عليه، حتى سار المصريّون فحصروه في داره، وهنا يكتمل #اللؤم: عثمانُ محصورٌ في #المدينة، وربيبُ نعمتِه في مصرَ طرد عاملَه عليهَا، وقام في في الناس أميرًا. فالبيتُ الذي فُتح لليتيم صغيرًا مغلقٌ اليومَ على صاحبه، واليتيمُ يسرِّب إليه البُغاة، حتى قُتل عثمانُ، بغى على ابن عمّه المشهودِ له بالجنَّة وحيًا يوحى، وهو الذي كفله وربّاه وأحسن إليه، فأساء جوارَه، ووثب على عمّاله، وجهّز إليه الرجالَ حتى قتل. فأين ما نالَكَ ممَّا نالَ عثمان.؟

‏من أعمقِ الهِدَايَاتِ القرآنيَّةِ: ‏انقطاعُ الأسبابِ الظَّاهرةِ في التَّربيةِ؛ ليتجلَّى فعلُ الدعاءِ الخالص، فهَذا إبراهيمُ ﷺ؛ تركَ ولدَهُ بوادٍ بلا زرعٍ، وكانَ الأبَ المفارقَ، فلم يَبقَ بيدِهِ إلَّا مناجاةُ الله: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيۡرِ ذِى زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِىٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ﴾، ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِىۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ﴾. ‏وسألَ ﷺ لهمُ التَّعليمَ والتَّزكيَةَ، وهما ما يعجزُ عنهُ الآباءُ الغائبونَ ﴿رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ ‏ وظهَرَ الأثَرُ بعد قُرُونٍ دالًّا على ثمرةِ هذِه الدَّعوَةِ؛ إذ أخبرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّهُ دعوةُ أبيهِ إبراهيمَ. ‏وامرأةُ عمرانَ دعَتْ قائلةً ﴿وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ ثمَّ غابت عنِ التَّربيَةِ، فتولَّى اللهُ بنتَها ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ﴾، فأسندَ الإنباتَ لنفسِهِ، والكفالةَ لنبيِّهِ، ولم يَبقَ للأمِّ إلَّا صدقُ التَّفويضِ. ‏وجاوزت بركةُ دعائِها البنتَ للحفيدِ عيسَى ﷺ ؛ فأخبرنَا النَّبيُّ ﷺ أنَّ كلَّ مولودٍ يمسُّهُ الشَّيطانُ إلَّا مريمَ وابنَها، وكانَ أبو هريرةَ يتلو الدعوةَ عقبَهُ الآيةَ، فقهًا منهُ للرَّبطِ بينَ السّلامَةِ وتلكَ الكلمَةِ. ‏ومن ذَلكَ سرُّ الحفظِ لليتيمينِ: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ﴾، ماتَ أبوهما فلم يربِّهما، فحُفظا بصلاحِهِ الغابرِ لا بتأديبِهِ الحاضرِ، فالدُّعاءُ والصَّلاحُ أخصُّ أبوابِ التَّربيَةِ، واللهُ إذا تولَّى ابنَكَ أنبتَهُ نباتًا حسَنًا ولو غابت عنهُ كلُّ عينٍ ويدٍ.

‏من إبداعِ الشَّاعر حُرمةَ بنِ عَبْدِ الجليل العلوي ⁧ #الشنقيطي⁩ رحمه الله: ‏استخدامُه النَّحْو في الغزَل يوم قال: ‏لقد عادَنِي ما خِلتُه غيرَ عائِدي ‏ بساسية الأنسابِ في حيِّ عائدِ ‏ضنًى من هَواهَا واصِلي وهْي لم تَصِلْ ‏ ولابدَّ للموصُولِ من عَوْدِ عائدِ ‏. ‏و أبدعُ ما في البيتين قولُه: «ولا بدّ للموصولِ من عَوْدِ عائدِ». ‏فظاهرُه ⁧ #قاعدةٌ⁩ نحويّةٌ مقرّرة، هي: أنّ الاسمَ الموصول لا تتمّ صلتُه إلّا بضميرٍ يعود عليه. ‏لكنّ الشاعرَ جعل نفسَه ذلك الموصولَ، لأنّ ضنى الهوى قد وصله، وجعل العائدَ زائرًا يعوده في مرضه. ‏فصارت القاعدةُ حجّةً على المحبوب: فكما يوجب النحوُ للموصول عائدًا، وجبتْ للمريض عيادةُ محبوبِه. ‏وفي ذلك لطافةٌ أخرى، فالعائدُ عند النحاة ضميرٌ خفيٌّ قد يُحذف فلا يُرى، والشاعرُ لم يطلب إلّا أثرًا يعود إليه كما يعود الضميرُ إلى صاحبه، وإلّا بقيت صلتُه ناقصةً لا تتمّ.

‏بعضُ النّاسِ إذا رأى إنسانًا تأثّرَ بمشهدٍ صنعَه ⁧ #الذّكالي⁩، أو استخلصَ منه حكمةً، أقامَ محاكمةً لإثباتِ أنّ المشهدَ مصنوعٌ، كأنّه متى أبطلَ وقوعَه أبطلَ معناه! وهذا - حينَ يكونُ التّخييلُ معلومًا - خلطٌ بينَ صدقِ الخبرِ وصحّةِ الفكرةِ؛ فقد تكونُ الواقعةُ متخيّلةً، والمعنى الذي تجسّدُه صحيحًا. ‏. ‏وقد عرفتْ ⁧ #آدابُ_الأممِ⁩ هذا التسامح في «ألفِ ليلةٍ وليلةٍ»، و«كليلةَ ودمنةَ»، و«مقاماتِ الحريريِّ»، و«حيِّ بنِ يقظانَ» وغيرِها؛ فهي تتفاوتُ مقاصدُها ومضامينُها، ويجمعُها توظيفُ الحكايةِ المصنوعةِ لحملِ المعنى. ‏ومن علّقَ الانتفاعَ بأمثالِها على اتّصالِ الأسانيدِ وعدالةِ الرّواةِ، فقد نقلَ منهجًا جليلًا إلى غيرِ محلِّه؛ إذ يبحثُ عمّا لم يدّعِه صاحبُ الخطابِ أصلًا. والنّضجُ المعرفيُّ يظهرُ في معرفةِ موضعِ التّحقيقِ، لا في استعراضِ أدواتِه حيثُ لا تجيبُ عن سؤالِ المقامِ. ‏وقد صاغَ ⁧ #الحريريُّ⁩ هذا الفرقَ في مقدّمةِ مقاماتِه فقالَ: «فأيُّ حرجٍ على من أنشأَ ملحًا للتّنبيهِ، لا للتّمويهِ، ونحا بها منحى التّهذيبِ، لا الأكاذيبِ». ‏فالحكايةُ تعلنُ عن صنعتِها، وتدعوك لتجاوزِ أشخاصِها؛ ولا يلزمُ من كونِها مصنوعةً أن تكونَ الحكمةُ التي تحملُها باطلةً.

لبعضِ النّفوسِ حنينٌ إلى #الرّحيلِ لا ينطفئ؛ وهو طبعٌ ورثَه #العربُ عن باديتِهم، فالرّحيلُ عندَهم معاشٌ لا نزوةً؛ يتتبّعونَ مساقطَ الغيثِ ومنابتَ الكلأِ، فيطوونَ بيوتَ الشَّعرِ في منزلٍ لينشروها في آخرَ، ولا يبقى من الدّيارِ إلّا أطلالٌ يقفُ عليها الشّعراءُ، وقد صاغَ أبو تمّامٍ هذا المعنى حكمةً سائرةً، فقال: وطولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلِقٌ لديباجــتَيهِ فاغتَـربْ تتجدّدِ فإنّي رأيتُ الشّمسَ زِيدتْ محبّةً إلى النّاسِ إذْ ليستْ عليهم بسرمدِ ولمّا حملتْ باديةُ شنقيطَ العلمَ، حملتْه على طبعِها؛ فكانتْ محاضرُها جامعاتٍ بدويّةً، تظعنُ بظعنِ الأحياءِ وتنزلُ بنزولِها. وكانَ العلّامةُ المختارُ بنُ بونا، رحمه اللهُ، قليلَ الإقامةِ، حتّى شقَّ على تلامذتِه أن يتبعوا علمَه حيثُ ارتحلَ، فقالَ أحدُهم: لكَ اللهُ من شيخٍ إذا ما تبوّأتْ تلاميذُه مأوًى لنصبِ المدارسِ تيمّمَ ميمونَ الخصاصةِ فاترًا على ظهرِ مفتولِ الذّراعينِ عانسِ يفزّعُ نونَ البحرِ طورًا وتارةً يُهدّمُ جحرَ الضّبِّ في رأسِ مادسِ وهكذا امتزجَ طلبُ العلمِ بعناءِ الطّريقِ، بينَ فيافي تيرسَ وبلادِ السّودانِ؛ فكانتِ الدّيارُ تتبدّلُ، والصّحبةُ باقيةً، والمدرسةُ تقومُ بوظيفتِهَا على ظهورِ الإبلِ

للمعنى عمرٌ، وللمصطلحِ عمرٌ آخرُ؛ فقدْ يولدُ المعنى في آيةٍ نتلوها أو حكمةٍ نرويها، ثمّ ينتظرُ قرونًا حتّى يمنحَه المختبرُ النفسيُّ الحديثُ اسمًا، فنستقبلُ نحنُ الاسمَ بدهشةِ الاكتشافِ، والمعنى مقيمٌ بيننا منذُ زمنٍ بعيدٍ. ومن ذلك ما سمّاه #توماس_ويلز «المقارنةَ النّازلةَ»، وخلاصتُها: أنّ مَن يمرُّ بشعورٍ سلبيٍّ قد تتحسّنُ حالتُه إذا قاسَ نفسَه بمن هو أقلُّ حظًّا. وقبلَ توماس بقرونٍ قالَ النّبيُّ ﷺ: «انظروا إلى مَن أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقَكم، فهو أجدرُ أن لا تزدروا نعمةَ اللهِ» فقد يبقى مالُك ومنصبُك كما هما، وبيتُك وسيارتُك كما هما، ثمّ يتبدّلُ شعورُك بهما حينَ ترى مَن فقدَ كل ذلك؛ فكأنّك استعدتَ حينها نعمةً كانت في يدِك، وغابت عن قلبِك. . وكذلك ما اختبرَه #جيمس_غروس باسمِ «إعادةِ التّقييمِ المعرفيِّ»، فوجدَ أنّ تغييرَ قراءةِ الموقفِ يخفّفُ الانفعالَ به. وقبلَه فتحَ القرآنُ وراءَ الكراهةِ الحاضرةِ أفقًا لخيرٍ لم ينكشفْ: ﴿فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، ففرقٌ بينَ أن ترى المحنةَ شرًّا استوفى حقيقتَه، وأن تعلمَ أنّ شعورَك العاجلَ لم يحطْ بعواقبِها. . فبعضُ فقرِنا تصنعُه عينٌ تتطلّعُ إلى ما فوقَها، وبعضُ ضيقِنا يصنعُه حكمٌ عاجلٌ، وقد لا يتغيّرُ في الحياةِ شيءٌ، ثمّ تتّسعُ، لأنّ الّذي تغيّرَ هو الموضعُ الّذي ننظرُ منه.