مـورِدُ أثـــر 🕊
Open in Telegram
مورِدُ هدايةٍ ومعنى، تُستقى منه آثارٌ يُرجى بها رسوخٌ لقاصدِه، وإبانةٌ لسيره.
Show moreThe country is not specifiedThe category is not specified
219
Subscribers
+624 hours
+137 days
+1730 days
Posts Archive
-
"الهدف الاستراتيجي لحياتِك أن تربي نفسك وأسرتك ومن حولك، على علمِ البصيرةِ والرسوخ لا علم المنشأ والمَربى".
https://youtu.be/7IAwgi9ywU4?si=qkhiFJV1OdFa2iuI
-
والنفسُ إن لم تنتظم حول مقصدٍ جامع، صارت نهبًا لكلِّ عابر، حتى يمضي بها العمر ولم تُحكم بناءً أو تُتمِم مسيرًا !
-
إذا استقرَّ في قلبِ السَّائرِ أنَّ هذه الدار محضُ ظلٍ زائل، وأنَّ الأعمار فيها أقصرُ من الآمال التي تُنسَج حولها، تبدَّل نظرهُ إلى كثيرٍ مما يتنافس فيهِ الناس، وهان عليه ما يفوته منها، وصغُرت في عينه حوادثُها التي تستوقفُ القلوب وتستنزفُ الأعمار، فيجوزُها مترفِّعًا عن الاغترارِ بزخرفها، متزوِّدًا للِّقاءِ القريب، ناظرًا إلى الدارِ الأخرى نظرَ المشتاقِ إلى وطنه، والعاملِ لدارِ بقائه وقراره، كمسافرٍ أبصَرَ وجهته، ولَم يُثقِلُه متاعُ الطريق، أو يَحبِسُه عن المسيرِ ما يعرض له من لذائذها أو متاعبها.
-
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
في هذه الآية الكريمة من فقه التربية ما يفوق كثيرًا من طرائقها وأدواتها؛ إذ تُبين أن القلوب لا تُفتح بالشدة، ولا تُستصلح بالغِلظة، وإنما تُؤخذ بمفاتيح الرحمة، ويُتوصَّل إليها بجسور اللين وحسن المعاشرة.
يقول العلامة السعدي - رحمه الله - في تفسيره: "فالأخلاق الحسنة في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبها من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟! أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم، من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالا لأمر الله، وجذبًا لعباد الله لدين الله؟".
نعم أيها المربي، كم من كلمةٍ حُجبت عن قلب من وُجِّهت إليهِ لسوءِ أسلوبِ أو معاملةِ حاملها، وكم من توجيهٍ يسيرٍ باركه الله حتى جاوز أثرُه ما ظُنَّ له، لما اكتنفه من لطفٍ ورفقٍ وصدق تواد !
ولتعلَم أن التربية في حقيقتها صحبةٌ طويلةٌ للنفس البشرية؛ تراه في إقبالها وإدبارها، وفي قوتها وضعفها، وفي رشدها وتعثرها، ومن لم يُحسن معاشرة النفوس، ويصبر على تقلباتها، ويحتمل ما يكون منها، لم يُحسن قيادتها إلى ما ينفعها.
ولذا لم يكن أعظم ما أوتيه المربون الناجحون وفرةَ المعرفةِ، بقدر ما أوتوا من سعة الصدر، ولين الجانب، وحسن الاحتمال؛ فإن النفوس قد تُعجب بالعلم، لكنها لا تأمن إلا لمن رحِمها، ولا تنقاد إلا لمن شعرت بصدقِ شفقته عليها.
ومن رام أن يُحدث في الناسِ أثرًا، فليبدأ ببناء الجسر الذي يعبر منه أثره إليهم؛ فشتّان بين من يحمل الناس على الحق فحسب، ومن يحملهم عليه بترغيبهم فيه!
جعلنا الله مفاتيح للقلوب لا مغاليق لها، وأجرى على أيدينا من الهداية ما تستصلح به القلوب وتحيا النفوس، وجعل لنا من الاتساءِ بهديِ نبينا ﷺ أوفر الحظ والنصيب.
-
بين ضعفِ المَركب وسعةِ فضلِ المُبلِّغ ..
وقَد يقِفُ العبدُ أمام ما يرجوه وقد رأى من نفسِه ضعفًا، ومن أسبابِه قصورًا، ومن وِسعه ما لا يبلغُ به ما يُؤمِّل؛ فيداخلُه الوهنُ ويظنُّ أنَّ الطريقَ لا يُقطَعُ إلا بقوَّةِ المركبِ وكمالِ العُدَّة، وما عَلِم أنَّ للهِ ألطافًا تحملُ الصادقينَ حيثُ تعجزُ بهم أقدامُهم، وتُبلغُ المخلصينَ ما لا تُبلِّغُه لهم أسبابُهم !
اعلَم - هُديتَ وسُدِّدت - أنْ ليسَ الشأنُ كلُّ الشأنِ في قوَّةِ الوسيلة، وإنما في صدقِ التوجُّهِ إلى من بيده الوسائلُ كلّها، وكم ممّن ضاقت يدُه واتَّسعت نيَّتُه، فبلغَ عند اللهِ ما لم يبلغه أصحابُ المقدرة، وكم من امرئٍ قصرت به خُطاه، غير أنَّ قلبَه سبقَ إلى اللهِ فبُلِّغَ ما لم تُحصِله جوارحُه.
فإذا صحَّ القصدُ، وأخلصَ العبدُ وجهتَه، تولَّى اللهُ ما وراء ذلك من أسبابٍ لا تخطرُ له على بال، وفتحَ له من أبوابِ التيسيرِ ما يُعجِزُ الحِساب؛ فإنَّ الكريمَ سبحانه لا ينظرُ إلى ما فاتَ العبدَ من قدرةٍ بقدرِ ما ينظرُ إلى ما قامَ في قلبِه من صدقٍ وإقبال.
فأحسِن ظنَّك بربِّك؛ فما خابَ من صدقَ الطلَب وإن أبطأَت به الوسائل، ولا حُرِمَ من أخلصَ في القصدِ وإن قلَّ زادُه، ولعلَّ اللهَ يفتحُ لك بنيةٍ صادقةٍ ما لا تفتحُه سنواتٌ من السعي، ويكتبُ لك بإخلاصِ قلبِكَ ما تعجزُ عن بلوغِه قوى الأبدان؛ لأنَّ الفضلَ فضلُه، والعطاءَ عطاؤه.
-
ولرُبَّما يتأتى التهذيبُ من الجهةِ التي ألقى إليها القلبُ بعضَ سكونه، فإذا ما انزاحت الأوهامُ عن مقاديرِ الأشياء عادت إلى مواضِعها، واستقام في القلبِ ما كان ينبغي أن يستقيم مُنذ البدء !
Repost from قناة سليمان بن ناصر العبودي
شواهــد الأحـوال!
زرتُ قبل مدةٍ عالمًا جليلا، كان مجلسًا عذبًا كأنما تنحلُّ فيه الروح من عِقالها، من تلك المجالس التي تبرحها وقد تركت غرسًا يثمر في داخلك، وكلَّما أجدبت روحك استعدت سُحنة الشيخ الجليل وتمتماته اليسيرة فأثمرت عِبْرةً وإيمانًا، كانت جملةُ الكلمات التي ألقاها الشيخ في المجلس لا تزيد بمجموعها على نصف صفحة، لكنها كانت تنساب في الروح انسيابَ الماء الرقراق.
وحده الصدق يخترق المناطق الخرسانية للتأثير، فله أشعة كثيفة تتسلل إلى القلوب، وتأسرها في خيطٍ من حَرير، وفي معايير التأثير تمتماتُ الصادقين أبلغُ من معلَّقات البطالين، وهمهمات العاملين تربو على تزويقات المفذلكين، فشتانَ شتانَ بين شواهد الأحوال وشوارد الأقوال.
عالمٌ ثانٍ يتحامل على نفسه المنهكة وجسده المرهق، ويلقي درسًا علميًّا في مسائل العلم وأحكام الفقه، كان صوته المبحوح وأنفاسه المتعبة شاهدَ حالٍ بليغٍ على الهمِّ الحقيقي الذي عاش لأجلِه، وأفنى فيه ريعان الصبا وزهرة الشباب وميعة الكهولة، واحتمل في سبيل تمامِهِ شتى العوارض والعوائق، هذه شاهد حال صادقة، تفنى الكلمات المتراكمة فوق الكلمات، وتبقى هذه الحال مما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
عالمٌ آخر كانت الأورام تفري جَسَدَه الناحل، لكنه ظلَّ حريصًا على النفع والبذل إلى آخر نفَسٍ يتردَّد، ومع تخلُّلِ حالات الإغماء المتعدِّدة كان يلقي درسَه العلمي قاعِدًا وعلى جنب، وظلَّ على حالٍ مقارِبة من النفع إلى أن فاضت روحه إلى باريها، وهكذا فشواهد الأحوال مفصِحَةٌ عمَّا في القلوب، لا تعرف الزخرفة والبهرج والتزيين.
هذه ليست أخبارًا محضة تروى ثم تطوى، هذه ينابيع صافية تحيا بها أمةٌ من الناس يسقون، هذه الأحوال الصادقة تقوم مقام الزيت للمصابيح المنطفئة، والروح للأجساد الميتة، والضوء الساطع لمن تاهت بهم الدروب الجانبية، ونأت بهم عن محاريب العلم والعمل والإيمان.
كان بعض الأوائل يقولون: نظرة عندنا من فلان تَعدِل عبادة كذا وكذا! وكان الإمام أحمد بن حنبل -فيما روي- متكأً مرةً لعلَّةٍ، فذُكِر عنده أحد الصالحين وهو إبراهيم بن طهمان فاستوى أحمدُ جالسًا ثم قال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فنتكئ!
ربما لا يستبين لك وجه بعض هذه العبارات، لكن لا ينبغي أن تستريب في ضرورةِ القدوات العمليَّة، وفي معرفة أن شواهد الأحوال أبلغ أثرًا، وأقوى نفاذًا، وأسرعَ تبديدًا للأوهام، وتجليةً للطريق.
كان العلامة ابن حزمٍ ينقل عن بعض أصحابه مصطلحًا لطيفًا يسميه (شاهد الحال)، وهو ما يقطع الإنسان بباطن حالِ غيره من خلال تعاضد ظواهر أحواله، ومن خلال تحمله للأذى فيه، وعدمِ اكتراثه بما يلقى في سبيله، وذَكَرَ عدة نماذج تطبيقية لذلك المفهوم، فمن ذلك حالُ عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب والحسن البصري رحمهم الله، ثم قال: (فهؤلاء مقطوع على إسلامهم عند الله، وعلى خيرهم وفضلهم)، وذكر من جملة ذلك حالَ أحمدَ بن حنبل في العمل بالحديث وفي القول بأن القرآن منزل غير مخلوق، فذكر أنه كان (يدين الله تعالى بالتدين بالحديث في باطن أمره بلا شك، وبأن القرآن غير مخلوق بلا شك، وهكذا كلُّ من تناصرت أحواله وظهر جِدُّه في معتقد، وتَرَكَ المسامحة فيه، واحتمل الأذى والمضض من أجله، وهذا قول صحيح لا شك فيه إذ لا يمكن البتة في بنية الطبائع أن يحتمل أحد أذى ومشقة لغير فائدة يتعجلها أو يتأجَّلُها).
كثيرًا ما يُظهر الله بعضَ ما أخفاه الصادقون، ومن لطفه سبحانه ألا يظهر عملهم الصالح فحسب، وإنما يظهر فوق ذلك حرصهم الصادق على خفاء أحوالهم، ومجاهدتهم المستمرَّة في طيِّها، فتظهر كمائن الإخلاص، وتنطق شواهد الأحوال بالخفايا من السرائر والأعمال.
وهكذا سائر شواهد الأحوال، وهي التي تظهر في صورةِ الصبر الطويل والعمل المتصل، وعدم الاستيحاش من الوحدة والتفرد عند قيام المقتضي ولو في بعض الطريق، واحتمال الأذى والمضض حيال العوارض، لهي أصدق من شوارد الأقوال، وأبقى حياةً في نفوس الأجيال!
صبيحة الأربعاء ٩ / ٨/ ١٤٤٧ هـ.
-
كلَّما اتَّسع صدرُ العبد للخلق، ورحُبت نفسُه باحتمال ما يكون منهم، وغلبت فيه دواعي الرحمة على نوازع المؤاخذة، فوسِعهم بحِلمه قبل علمه، ورحمته قبل حكمه، كان أقربَ إلى مشكاة النبوة، وأوفرَ نصيبًا من هديها.
-
بين مشهد الوداع وفقه المآل ..
وما أسرع ما انقضت أيام الحج، كأنها ومضةُ برقٍ لمع في الأفق ثم توارى، أو طيفُ زائرٍ أقبل على عجلٍ ثم ارتحل.
بالأمس كانت القلوب تتأهب للرحيل، وتعدُّ العدة للمسير، واليوم تُطوى الصفحات، ويعود الركب، ويبقى في النفس حديثُ الأمس القريب !
وفي ذلك عبرةٌ بليغة؛ فإن هذه الدنيا أشبه ما تكون بتلك الرحلة، يبدأ المرء مسيرَه إليها وهو يرى المدى طويلًا، ويؤمِّل في الأيام والسنين، ثم لا يلبث أن يجد مراحل العمر قد تعاقبت كما تعاقبت عليه أيام الموسم، فإذ بالبدايات ذكريات، وإذ بالأعوام صحائف مطوية، وإذ به واقفٌ على أعتاب الرحيل إلى الدار الباقية.
فكما أن العاقل في الحج لا يفرِّط في ساعةٍ من ساعاته، ولا يرضى أن يعود خالي الوفاض من مواطن النفحات، فكذلك المؤمن في رحلة عمره؛ يستكثر من الزاد قبل انقضاء الطريق، ويغتنم مواسم الخير قبل أفولها.
فما الحج إلا تذكرةٌ مكثفةٌ بحقيقة المسير؛ إحرامٌ يذكِّر بالتجرُّد، وتنقُّلٌ يذكِّر بالسفر، ووقوفٌ يذكِّر بالموقف الأعظم، ثم انفضاضُ جمعٍ كان بالأمس ملء السمع والبصر، بمضي كل امرىءٍ إلى شأنه، كما تمضي الخلائق يومًا إلى ربها فرادى.
فطوبى لمن أدرك رسالة الرحلة، وأخذ من سرعة أيامها شاهدًا على سرعة العمر، ومن انقضاء مناسكها واعظًا بانقضاء الدنيا، فاستعدَّ للقاء الله بقلبٍ صادق الإيمان، وعملٍ صالحٍ تُشرق به الصحائف، ويثقل به الميزان، ويومئذٍ يفرح المؤمن بما قدَّم بين يديه.
-
لستُ أُشفِقُ إلا على المعتدِّ بذاتِه، المُطمئنِّ إلى قوّةِ نفسِه، يرفعُ صوتَ يقينِه بحالِه، كأنَّه قد أمِنَ التقلُّبَ، أو فرغَ مِن مجاهدةِ الطرِيق !!
اخفضْ صوتَك قليلًا، فإنَّ الثباتَ عزيز، ولا تركنْ إلى نفسِك أو تأمنْ طريقَك وإن استقَمت؛ فإنَّما يثبتُ العبْدُ ما دامَ وَجِلًا، مفتقرًا، مستمسكًا ببابِ ربِّه، مدرِكًا أنَّه لا حولَ له ولا قوّةَ إلا به، ولَا فَضلَ لنَفسِه في هِدايتِه واستِقَامتِه.
اللهمَّ أخلِصْ قلوبَنا لك، وارزقْها خَشيتَك، ولا تجعلنا ممن أوردتْهُم نفوسُهم مواردَ الهلكة، وثبّتْنا ولا تُزِغْنا بعد إذ هديتَنا، وهبْ لنا من لدنك رحمةً إنك أنتَ الوهَّاب.
-
استحثِث سيرَك عند كل فتورٍ بتلمُّحِ الغاية، وأعِد إلى قلبِك صورةَ المقصودِ الذي تهفو إليه نفسُك؛ فإنَّ النفوسَ متَى غفلت عن الغاياتِ، أثقلَها الطريق، ومتَى عظُم فيها الاستِحضَار، هانَ عليها التَّعب، واستعذبتْ مشقّةَ السَّير، ونالَت من العزمِ ما يُحيي خُطَاها.
-
"وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين: (همةٌ ترقيه، وعلمٌ يبصره ويهديه).
فإن مراتب السعادةِ والفلاح إنما تفوت العبدَ من هاتين الجهتين، أو من إحداهما: (إما أن لا يكون له علمٌ بها فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالمًا بها ولا تنهض همته إليها).
فلا يزال في حضيضِ طبعهِ محبوسًا، وقلبهُ عن كمالهِ الذي خُلقَ له مصدودًا منكوسًا، قد أسامَ نفسه مع الأنعام، راعيًا مع الهمَل، واستطابَ لقيماتِ الراحة والبطالة، واستلانَ فراشَ العجز والكسل.
لا كمن رفع له علم فشمَّر إليه، وبورك له في تفرده في طريقِ طلبِه فلزمه واستقامَ عليه، قد أبَت غلباتُ شوقه إلا الهجرةَ إلى الله ورسوله، ومقتت نفسه الرفقاء إلا ابن سبيلٍ يرافقه في سبيله".
ابن القيم#مفتاح_دار_السعادة
-
ابتدِر عمرك ..
وأقبِل على طلبِ العلم؛ ففيه الحيَاة والبَصيرة، واستقامة القصدِ والوجهة، ونورٌ يهدي الله به الطَّالبُ إذا التبست عليه المسالِك، ويقيمه به على جادة الحق إذا كثرت حوله الفتنُ والمآرِب.
وفيه رفعةٌ عن سفاسف الأمور، وتوسعةٌ للأفق، وتهذيبٌ للفِكر، وبِهِ يغدو الطالب أبصرَ بربِّه ونبيِّه ودينِه، وأوعى لنفسِه، وأحسنَ سيرًا في دنياه وآخرته.
واعلَم أنَّ التَّوفيقَ للطَّلب، إنَما يكون بما يرتَسخُ في القلبِ من صِدقِ الرغبَةِ في الاهتِداءِ بالعلم؛ فمَا من علمٍ وعَاه قلبٌ صادقٌ في طلبِ الاهتِداء به، ونفسٍ لم تستثقل مشقةَ تعلُّمه، ولم تستكثِر على نفسها طولَ الطريق إليه، إلَّا كانَ سببًا في صلاحِ عمر طالِبه، واستقامةِ طريقه، وتحصيلِ فلاحِه، في معاشِه ومعَادِه - بإذن ربهِ وتوفيقه -.
فإذا وفَّقك الله لصدقِ الإقبال على العلم، وألهمك اغتنامَ العمر قبل انصرامه، وسلوكَ طريقِ الطلب بعزمٍ ومصابرة؛ فحاذِر الانشغالَ بصورةِ العلم عن حقيقته؛ فليس الشأنُ كثرَةُ المحفوظ، أو الإشادةُ بالجدِّ والفهم، وإنما الشأن أن يُثمر العلمُ الخشيةَ في القلب، والاستقامَة في السُّلوك، والصِّدقَ والإحسَان في العمَل.
وكنْ مصَابِرًا هَميمًا فَطِنًا، مُدركًا أنَّ العلم لا يُؤتى دفعة واحدة، وإنما بصبرِ الملازمة، وحسنِ التدرّج، ودوامِ الافتقار إلى الله، وصدقِ اللَّجأِ إليه؛ فمن تعجَّل الثمرة قبل أوانها، أو ملَّ عند أوائل المشقّة، انقطع قبل بلوغِ الغاية.
-
قد يُمضي المرء شطرَ سعيه مقاربًا إحسان الصُّنع والبذل، مستفرغًا وسعه في وجوهٍ شتى من المعروف، ثم لا يلقى من الخلق إلا غفلةً عنه، أو جحودًا له، أو نسبةَ فضله إلى غيره، فيضيق صدره، ويتسرب الخللُ إلى ميزانِه؛ إذ كان ينتظر شاهدًا من الأرض!
رويدَك ..
فليس الشأن أن يُذكرَ أو يُشكرَ عملُك، بل أن يُقبَل، فانقل العمل من مقام الالتفات إلى الخلق، إلى مقام الشهود للحق.
ولتعلم هُديت ووُفقت أن شكرَ الخلق ـ وإن حَسُن موقعُه ـ عارضٌ يجيء ويذهب، وأما ما عند الله فباقٍ لا يتطرق إليه نسيان، ولا يلحقه بخس، ومن ارتبط قلبه بثناء الخلق، تعلق بما لا ثبات له، ومن توجه بعمله بين يدي ربه، استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.
وأن ما كان لله، لم يضره أن يُجهَل فاعلُه، بل ربما كان خفاؤه أرجى لقبوله، وأزكى لأثره.
فإن حدَّثتكَ نفسُكَ بذهابِ الالتفاتِ إلى شيءٍ من جهدِك، أو تخلَّل الحزن إلى قلبك، فاعلم أنها نفثةٌ من عدوِّك الأول، يُنازعك بها وجهتك، ويصرفك عن شهود المقصود إلى الالتفات للمشهود، فأمسِك عليها بلطفٍ، ثم ألزِمها رشدها، ولا تُطلِق لها العنان مع كل عارض، وردَّها إلى سكينةِ اليقين، ودافِع خواطرها، لا بدفع العمل، بل بتصحيح النظر.
فالعامل لله لا يأبَه بقلة الحامدين، ولا يستكثر بكثرة المثنين، بل يمضي وقلبُه معقودٌ بصدقِ القصد، ورجاءِ القبول، وخوفِ الرد، ويقينِ حفظِ دقائق الأعمال قبل جليلها في كتابٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرة.
-
يتنقل العبدُ في مدارج عمره على سنّةٍ ماضية، كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾؛ تنقُّلٌ يُربيه، ويُعرِّفه حقيقة ضعفِه، ويضعه كلَّ حينٍ أمامَ ما يُهذِّب قلبه، ويُقوِّم نظره.
يقول السعدي - رحمهُ الله - "ومن حِكمتِه أن يُري العبدَ ضعفَه، وأن قوتَه محفوفةٌ بضعفين، وأنه ليسَ له من نفسهِ إلا النقص، ولولا تقويةُ الله له لما وصلَ إلى قوةٍ وقدرة، ولو استمرت قوتُه في الزيادةِ لطغَى وبغَى وعتَا، وليعلمَ العباد كمالَ قدرةِ الله التِي لا تَزالُ مستمرَّة يخلقُ بها الأشياء، ويدبِّرُ بها الأمُور، ولا يلحقها إعياءٌ ولا ضعفٌ ولا نقصٌ بوجه مِن الوجُوه".
ومن فقه هذه السُّنّة، أورثتهُ تربيَتُها، أن لا يجعلَ من مراحله عوارض أو تنقلاتٍ عابرة، بل يجعلُ من كل طورٍ زادًا لما بعده؛ مؤسسًا في زمن قوته ما يبقى إذا انقطعت به، مجريًا من الأعمال ما يمتد أثره إن قصُر به جهده، محسنًا في صحته ما يستديم أجره عند مرضه، معاهدًا الطاعات حتى يألفها، فإذا ما حيل بينه وبينها جرى له من الأجرِ ما كان يعمله مقيمًا صحيحًا، ومُحسنًا نسجَ علاقاتِه على الصدقِ والوفاءِ، لا على عارضِ المنفعة؛ مُشيِّدًا بها وُدًّا صادقًا، ومعروفًا وارفًا، مُدَّخِرًا منها وفاءً بالعونِ والمؤازرةِ.
فاغنمِ التحصيلَ في زمنِ الإمكان، واستصحِبْ شهودَ المِنَّةِ في سائرِ الأحوال، وأدِمْ لزومَ الافتقارِ إلى خالقِك ومُدبِّرِ أمرك، مُستعينًا به، من غيرِ اغترارٍ بقوةٍ، ولا إياسٍ عند ضعف.
Repost from مـورِدُ أثـــر 🕊
-
ما أعجب حال من يسعى يوم جمعته لكل شأنٍ إلا شأن قلبه؛ يلهث خلف ما يفنى، لاهيًا عن ساعةٍ لو وُفِّق بها، لظفر بما أبقى وأغنى!
هاك يومٌ ليس كسائر الأيام، فيه ساعةٌ يفتح الله فيها أبواب الإجابة، لا تُرد فيها دعوة صادقة، ولا يُخيب فيها قلبٌ أقبل منكسرًا مفتقرًا.
اعتد الاستعداد لها من أول يومك؛ بالتخفف من أثقالك، وجمع قلبك، والإقبال على ربك إقبال من يعلم أنه على موعد، وأكثر من الصلاة على نبيك ﷺ.
فربّ دعوةٍ وافقت بابًا مفتوحًا، فعادت بفتحٍ لا يُحاط مداه.
