قناة أ.د. حاكم المطيري
前往频道在 Telegram
الأمين العام لمؤتمر الأمة ورئيس حزب الأمة في الكويت أستاذ الحديث والتفسير - جامعة الكويت
显示更多📈 Telegram 频道 قناة أ.د. حاكم المطيري 的分析概览
频道 قناة أ.د. حاكم المطيري (@drhakem) 阿拉伯语 语言赛道中的 是活跃参与者。目前社区聚集了 10 210 名订阅者,在 宗教与灵性 类别中位列第 9 182,并在 叙利亚 地区排名第 927 位。
📊 受众指标与增长动态
自 невідомо 创建以来,项目保持高速增长,吸引了 10 210 名订阅者。
根据 14 六月, 2026 的最新数据,频道保持稳定运转。过去 30 天订阅人数变化为 -122,过去 24 小时变化为 -10,整体触达仍然可观。
- 认证状态: 已认证(Telegram 官方确认)
- 互动率 (ER): 平均受众互动率为 10.91%。内容发布后 24 小时内通常能获得 3.62% 的反应,占订阅者总量。
- 帖子覆盖: 每篇帖子平均可获得 1 114 次浏览,首日通常累积 370 次浏览。
- 互动与反馈: 受众积极参与,单帖平均反应数为 0。
- 主题关注点: 内容集中在 دَولَة, أُمَّة, نِظَام, شَعب, خِلَافَة 等核心主题上。
📝 描述与内容策略
作者将该频道定位为表达主观观点的平台:
“الأمين العام لمؤتمر الأمة ورئيس حزب الأمة في الكويت أستاذ الحديث والتفسير - جامعة الكويت”
凭借高频更新(最新数据采集于 15 六月, 2026),频道始终保持新鲜度与高覆盖。分析显示受众积极互动,使其成为 宗教与灵性 类别中的关键影响点。
10 210
订阅者
-1024 小时
-387 天
-12230 天
数据加载中...
相似频道
标签云
进出提及
---
---
---
---
---
---
吸引订阅者
六月 '26
六月 '26
+17
在1个频道中
五月 '26
+24
在1个频道中
Get PRO
四月 '26
+180
在11个频道中
Get PRO
三月 '26
+507
在21个频道中
Get PRO
二月 '26
+36
在10个频道中
Get PRO
一月 '26
+255
在10个频道中
Get PRO
十二月 '25
+43
在4个频道中
Get PRO
十一月 '25
+29
在3个频道中
Get PRO
十月 '25
+72
在3个频道中
Get PRO
九月 '25
+62
在13个频道中
Get PRO
八月 '25
+22
在4个频道中
Get PRO
七月 '25
+34
在12个频道中
Get PRO
六月 '25
+292
在22个频道中
Get PRO
五月 '25
+63
在13个频道中
Get PRO
四月 '25
+31
在8个频道中
Get PRO
三月 '25
+83
在18个频道中
Get PRO
二月 '25
+124
在12个频道中
Get PRO
一月 '25
+60
在10个频道中
Get PRO
十二月 '24
+424
在43个频道中
Get PRO
十一月 '24
+340
在34个频道中
Get PRO
十月 '24
+34
在10个频道中
Get PRO
九月 '24
+20
在4个频道中
Get PRO
八月 '24
+142
在11个频道中
Get PRO
七月 '24
+41
在4个频道中
Get PRO
六月 '24
+24
在5个频道中
Get PRO
五月 '24
+130
在13个频道中
Get PRO
四月 '24
+92
在2个频道中
Get PRO
三月 '24
+353
在14个频道中
Get PRO
二月 '24
+156
在1个频道中
Get PRO
一月 '24
+361
在2个频道中
Get PRO
十二月 '23
+983
在39个频道中
Get PRO
十一月 '23
+701
在50个频道中
Get PRO
十月 '23
+946
在40个频道中
Get PRO
九月 '23
+166
在0个频道中
Get PRO
八月 '23
+73
在0个频道中
Get PRO
七月 '23
+92
在0个频道中
Get PRO
六月 '23
+105
在0个频道中
Get PRO
五月 '23
+151
在0个频道中
Get PRO
四月 '23
+100
在0个频道中
Get PRO
三月 '23
+60
在0个频道中
Get PRO
二月 '23
+92
在0个频道中
Get PRO
一月 '23
+146
在0个频道中
Get PRO
十二月 '22
+225
在0个频道中
Get PRO
十一月 '22
+295
在0个频道中
Get PRO
十月 '22
+86
在0个频道中
Get PRO
九月 '22
+109
在0个频道中
Get PRO
八月 '22
+368
在0个频道中
Get PRO
七月 '22
+110
在0个频道中
Get PRO
六月 '22
+97
在0个频道中
Get PRO
五月 '22
+112
在0个频道中
Get PRO
四月 '22
+113
在0个频道中
Get PRO
三月 '22
+356
在0个频道中
Get PRO
二月 '22
+109
在0个频道中
Get PRO
一月 '22
+226
在0个频道中
Get PRO
十二月 '21
+259
在0个频道中
Get PRO
十一月 '21
+192
在0个频道中
Get PRO
十月 '21
+237
在0个频道中
Get PRO
九月 '21
+595
在0个频道中
Get PRO
八月 '21
+386
在0个频道中
Get PRO
七月 '21
+203
在0个频道中
Get PRO
六月 '21
+119
在0个频道中
Get PRO
五月 '21
+376
在0个频道中
Get PRO
四月 '21
+157
在0个频道中
Get PRO
三月 '21
+151
在0个频道中
Get PRO
二月 '21
+105
在0个频道中
Get PRO
一月 '21
+226
在0个频道中
Get PRO
十二月 '20
+9 182
在0个频道中
| 日期 | 订阅者增长 | 提及 | 频道 | |
| 14 六月 | 0 | |||
| 13 六月 | +1 | |||
| 12 六月 | 0 | |||
| 11 六月 | +1 | |||
| 10 六月 | +1 | |||
| 09 六月 | +3 | |||
| 08 六月 | 0 | |||
| 07 六月 | +2 | |||
| 06 六月 | +1 | |||
| 05 六月 | +2 | |||
| 04 六月 | 0 | |||
| 03 六月 | 0 | |||
| 02 六月 | +1 | |||
| 01 六月 | +5 |
频道帖子
تمام المنة
في اتباع الكتاب والسنة
(١٠ - ١٠)
عاشرا: جاءت نصوص القرآن والسنة القطعية بتحديد ما يثبت به الإسلام والإيمان قطعا، وتحديد فرائضهما وأركانهما حصرا، بما يتحقق به النجاة يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ [البقرة: ١٧٧].
فمن جاء بهذه الفرائض فهو من الصادقين المتقين يقينا.
وكذا حصرت المحرمات التي تكون سببا للخلود في النار، كالإشراك بالله والكفر به، أو سببا للعذاب الأليم دون الخلود في النار، وهي الكبائر، وجاء تحديد المحرمات وحدودها وكفارتها، بنصوص صريحة قطعية محددة محصورة، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا﴾ [النساء: ١٣٦].
وقال: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالح... والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٣].
وكما قال في بيعة النساء: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾ [الممتحنة: ١٢]
وقال النبي ﷺ: (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات).
وسئل أي الذنب أعظم قال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور).
وقال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).
وكل ذلك البيان والحصر والتحديد للواجبات والمحرمات والحدود، من باب إقامة حجة الله على عباده رحمة بهم، وهداية لهم: ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم﴾ [التوبة: ١١٥]، ودليل على يسر هذا الدين، وأنه لا حرج فيه، ولا آصار ولا أغلال ولا أسرار، كما قال تعالى: ﴿هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾ [الحج: ٧٨].
وقال النبي ﷺ: (بعثت بالحنيفية السمحة).
وكل هذه القطعيات لا خلاف فيها بين أهل الإسلام عامتهم، فضلا عن علمائهم وخاصتهم!
فمن اشترط لثبوت التوحيد والإيمان في الدنيا، والنجاة يوم القيامة، أكثر مما بينه الله هنا في كتابه أوضح بيان -حتى عرفه الأعراب الأميون كبارهم وصغارهم ورجالهم ونساؤهم، وبشرهم النبي ﷺ بالجنة إذا أقاموا هذه الفرائض، حتى قال ﷺ لمن قال منهم والله لا أزيد على هذه الخمس ولا أنقص: (دخل الجنة إن صدق) - فقد غلا وغوى!
وإنما أغوى هؤلاء وأضلهم حين رأوا الجدل الشديد والخصومة في كتب الاعتقاد والكلام، واستغرقهم ذلك حد الهوس بها حتى ظنوها الدين ذاته! فعظموا أمر أصول لم يسمع بها الصحابة! وهونوا الأصول التي عصم الله بها الدماء كالشهادتين والصلاة! وكان حالهم كمن درس الفقه المذهبي حتى ظن الشريعة كلها خلافيات! مع أن ما أجمع عليه المسلمون من أمر دينهم في أصوله وفروعه أكثر مما اختلفوا فيه كما نص عليه الإسفرائيني وابن تيمية، غير أن نزاعهم وجدلهم إنما هو في هذا الظني المختلف فيه، لا في القطعي المجمع عليه!
كما أجمعوا على أن الله خالق كل شيء بقدر بنص القرآن، وكل ما سواه مخلوق، ثم اختلفوا في تعلق القدَر في فعل العبد الاختياري، وهل يفعله بإرادته استقلالا كما يقول المعتزلة وهو أصل العدل عندهم؟
أم مجبور عليه، والله الفاعل حقيقة، كما تقول الجهمية وعدوا ذلك توحيدا لله بالفعل فلا فاعل غيره؟
أم العبد فاعل حقيقة باختياره، بإرادة الله ومشيئته وقدره، والله الخالق للعبد وفعله، كما يقول أئمة السنة؟
وهذا اختلاف في تأويل ظاهر القرآن لا نصه، وهو السبب الذي جعل ابن قدامة وابن تيمية يردون على من كفر أهل القبلة -احتجاجا ببعض عبارات السلف التي قصدوا بها كفر التأويل لا الردة- لمعارضة تكفيرهم لنصوص الكتاب والسنة القطعية التي تثبت إسلامهم وإيمانهم، فلا تترك لاجتهاد أحد كائنا من كان!
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM
| 2 | 没有文字... | 231 |
| 3 | تمام المنة
في اتباع الكتاب والسنة
(٩ - ١٠)
تاسعا: فرّق الأئمة الفقهاء بين الخطأ في الاجتهاد، والخطأ في الاعتقاد، فخصوا الأول بوصف الخطأ ويقابله الصواب، أو الراجح ويقابله المرجوح، وروي عنهم قولهم في مثله (قولنا صواب يحتمل الخطأ)، وخصوا الثاني بوصف السنة أو الحق، ويقابله البدعة أو الباطل، ولهذا صنفوا كتبهم في الاعتقاد باسم (أصول السنة)، لأنهم صنفوها في بيان مسائل الاعتقاد التي اختلف فيها أهل الإسلام، فاقتصروا على بيان السنة والحق في المختلف فيه بين أهل القبلة، لا المجمع عليه من أصول الدين التي أجمع عليها المسلمون كافة، فليست محل نزاع أصلا لتذكر في هذه الكتب! وهي تماما كمتون المذاهب الفقهية التي صنفت لبيان مذهب كل إمام، فلا يكاد يذكر فيها الإجماع إلا عرضا، إذ المجمع عليه خارج دائرة الفقه والاجتهاد، وكما أنه لا يجب على كل مسلم دراسة هذه المذاهب الفقهية وكتبها، إذا علم أداء ما فرض الله عليه من العبادات، واتقى المحرمات، كذلك لا يجب عليه بعد الإيمان والإخلاص دراسة كتب الاعتقاد هذه، إذ معرفة ذلك فرض كفاية على أهل العلم، بما يدفع الشبهة، ويبين السنة!
وكما غلا أهل المذاهب الفقهية في مذاهبهم، وتحولت مع الزمن إلى عصبيات جاهلية، حتى كفر بعضهم بعضا، واستباح بعضهم دماء بعض! كذلك غلا أهل الاعتقاد في العصبيات لفرقهم وطوائفهم الكلامية، حتى كفروا بعضهم فيما يغتفرونه إذا وقع من أتباعهم أو أهل بلدهم أو جماعاتهم أو علمائهم ورؤسائهم!
فدل ذلك على أنها عصبية جاهلية، لا حمية دينية!
ولا يكاد يجد من درس هذه الكتب لذة الإيمان، ولا حلاوته، ولا حقائقه، كما يجدها في تلاوة القرآن وتدبره، وسماع كلام الله ورسولهﷺ، ولهذا يوجد في عامة المسلمين وصالحيهم من أهل المساجد المحافظين على الصلوات الخمس، ومن المجاهدين المرابطين في الثغور، من تقوى الله وخشيته، واتقاء حرماته، ما لا يوجد في كثير من دعاة هذه المذاهب والفرق وشيوخها، الذين انشغلوا بالعلوم عن غايتها، وبالجدل عن العمل، وبالقيل والقال وكثرة السؤال، عن إصلاح القلوب والأعمال!
فكان المرابطون في مساجدهم وثغورهم خير من هؤلاء المغرورين بعلومهم!
كما قال النبيﷺ: (أفضل الناس مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، ثم مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله، ويعبد ربه، ويدع الناس من شره).
قال الإمام الأوزاعي: (إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل)!
وقال: (ويل للمتفقهين لغير العبادة، والمستحلين الحرمات بالشبهات) .
وقد بين النبيﷺ حقائق الدين لكل مسلم، بما لا يحتاج معه إلى جدل المتخاصمين في أصول الدين، كما في الحديث الصحيح عند أبي داود عن عبدالله الخثعمي: (سئل نبي الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟
قال إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحج مبرور .
قيل فأي الصلاة أفضل؟
قال طول القيام .
قيل فأي الصدقة أفضل؟
قال جهد المقل .
قيل فأي الهجرة أفضل؟
قال من هجر ما حرم الله عليه.
قيل فأي الجهاد أفضل؟
قال من قاتل المشركين بماله ونفسه.
قيل فأي القتل أشرف؟
قال من عقر جواده وأهريق دمه).
وفي المسند بإسناد حسن عن عمرو بن عبسة وسأل النبي ﷺ بمكة (قلت: ما الإسلام؟
قال: طيب الكلام، وإطعام الطعام .
قلت: ما الإيمان؟
قال: الصبر والسماحة .
قلت: أي الإسلام أفضل؟
قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده.
قلت: أي الإيمان أفضل؟
قال: خلق حسن .
قلت: أي الصلاة أفضل؟
قال: طول القنوت .
قلت: أي الهجرة أفضل؟
قال: أن تهجر ما كره ربك).
فجعل النبي ﷺ حقائق الدين والإيمان أعمالا ظاهرة تعبر عن غايتها، يستطيع كل مسلم أن يأتي بها، دون حاجة للخوض فيما يخوض فيه المتكلمون المتخاصمون حتى وإن ادعوا بأنهم أثريون متبعون!
وأي اتباع وسنة في كل هذا الجدل، وإثارة الحقد والغل، والعداوة والبغضاء بين المؤمنين، وبالطعن في علمائهم الأموات فضلا عن الأحياء بزعم نصرة السنة!
بينما يخالف هؤلاء نص القرآن فيما أمرهم به من الاستغفار لمن سبقهم من المؤمنين ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠].
وقال النبي ﷺ: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء)!
فكل مسلم داخل في عموم هذه الآية نصا ولا يخرجه خلاف مذهبي ولا طائفي غير الإشراك بالله.
قال ابن تيمية في جامع المسائل (٧/ ١٠٥) : (يجب بيان الحق الذي بعث الله به رسوله، وبيان أنه لا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه الله، وأن من اجتهد من أهل العلم والدين فأحل أشياء بتأويله واجتهاده وهي مما حرمه الله، أو اتخذ دينا باجتهاده ظن أنه من دين الله ولم يكن في نفس الأمر من دين الله، فله حكم أمثاله من أهل الاجتهاد، ويعطى حقه ويثنى عليه بما فيه من العلم والدين، وإن لم يجز اتباعه فيما أخطأ فيه وخالف فيه سنة الرسول مع اجتهاده وتأويله. فهذا أصل).
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 416 |
| 4 | تمام المنة
في اتباع الكتاب والسنة
(٨ - ٩)
ثامنا: أمر الله المؤمنين عند الخلاف والتنازع الرد إلى كتابه وإلى رسولهﷺ فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٩].
وكذا أوجب اتباع سبيل المؤمنين السابقين من المهاجرين والأنصار ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ [النساء: ١١٥].
وقال ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ [التوبة: ١٠٠].
فلا حجة ولا عصمة لقول أحد غير الكتاب والسنة والإجماع القطعي، وإذا جاز في مسائل الاجتهاد والاختلاف اتباع المجتهد العدل والأخذ باجتهاده لمن استفتاه، فلا يكون ذلك شرعا ولا حجة يجب على غيره الأخذ به، وعلى هذا استقر الإجماع العملي منذ عصر الصحابة، فاشتهر عنهم الخلاف في مسائل كثيرة علمية عقائدية، وعملية فقهية، فلم يثرب بعضهم على بعض، ولم يوجبوا اتباع أحد منهم بعينه، بل أجازوا للتابعين الأخذ بما ترجح عندهم من أقوالهم، كما في خلافهم في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج، فنفته عائشة وقالت (من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية)! وذهب أبو ذر وابن عباس إلى أنه رآه!
وجمع بعضهم بين القولين بأنه رآه رؤية قلبية بفؤاده، لا رؤية عين بصرية، وظلت مسألة خلافية.
وكذا اختلافهم في تعذيب الميت ببكاء أهله، وهو مذهب عمر وابنه، وخالفتهم عائشة، واحتجت بقوله ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ .
ومثله اختلافهم في قاتل المؤمن ظلما وعدوانا، فقد ذهب ابن عباس إلى أنه لا توبة له، وأنه خالد في النار .
وكل هذه مسائل عقائدية فرعية يبحثها أهل العلم، ولا يجب على كل مسلم العلم بها أو اعتقادها، ولو لم يسمع بها المسلم قط ما نقص من إيمانه شيء!
فكما أن للأحكام العملية أصولا وفروعا، كذلك لمسائل الاعتقاد أصول وفروع، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كل ذلك أركان وأصول للإيمان بنص القرآن، وأجمع المسلمون عليها، فيجب على كل مسلم الإيمان بها.
بينما تعريف الإيمان - وماهيته وكنهه وهل العمل جزء منه أم شرط له أم خارج عنه - قضية فرعية يبحثها العلماء ويرجحون بحسب الأدلة، ولا يجب على كل مسلم معرفتها والعلم بها، ومن ادعى أن الصحابة خاضوا في ذلك، أو أجمعوا على شيء منه فقد أخطأ ظنه!
وكذا أجمع المسلمون على أن من آمن بالله ورسوله ﷺ وأطاعهما مؤمن، وأن الإيمان بهما وطاعتهما فرض، وأن جزاء ذلك الخلود في الجنة، كما هو نص القرآن، وأن من لم يؤمن بهما، أو أشرك مع الله غيره كافر مشرك، وأن جزاءه الخلود في النار، وأن من آمن بهما ووحد الله ثم عصاه بما دون الشرك فاسق، ثم وقع الخلاف في حقيقة الفاسق هل هو مؤمن ناقص الإيمان قد يعاقب بقدر عصيانه، ولا يخلد في النار بسبب إيمانه، كما هو قول عامة الأمة؟ أم كافر في الدنيا خالد في النار يوم القيامة كما ادعت الخوارج؟ فقال واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد - من تلاميذ الحسن البصري - هو في الدنيا في منزلة بين المنزلتين لا هو مؤمن، ولا هو كافر، أما في الآخرة فهو كافر خالد في النار!
وهذه كلها مسائل فرعية لا يجب على كل مسلم العلم بها، وإنما الواجب على كل مسلم أن يعلم بأن الإيمان بالله ورسوله وطاعتهما فرض واجب، وأن عدم الإيمان كفر جزاؤه الخلود في النار، وأن الإيمان مع العصيان فسق، فيه الوعيد الشديد بنص القرآن .
وكذا أجمع المسلمون على أن القرآن كلام الله، أوحاه إلى رسوله محمد ﷺ، وهذا ركن من أركان الإيمان بالله وكتبه ورسله، وإنما وقع الخلاف في القرن الثاني في حقيقة كلام الله؟
فادعى الجعد بن درهم - من تلاميذ وهب بن منبه - أنه مخلوق، وتبعه الجهم بن صفوان، وامتحن المأمون الأمة بهذا القول، فقال أكثر العلماء هو (كلام الله) فقط، ولا يزاد على ذلك، فهذا هو القدر المعلوم من الدين بالضرورة بإجماع المسلمين، فلا يزاد (مخلوق) لبطلانه، ولا (قديم غير مخلوق) لحدثانه، فأبى المأمون إلا أن يجيبوا بقولهم (مخلوق)، وإلا فقد وقعوا في الشرك بزعمه! إذ لا خالق إلا الله، وكل شيء سواه مخلوق! فلما امتحنوا الإمام أحمد قال لهم ايتوني بآية من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أقل بأنه مخلوق! وبين لهم أن كلام الله من علمه صفة له ليست مخلوقة، فلما أظهره الله عليهم بالحجة، ورفع المتوكل الفتنة بذلك، لم يتعرض الإمام أحمد للقاضي ابن أبي دؤاد ولا للمعتزلة، ونهى عن التعرض لهم، ولم يحكم بردتهم، وكان يخاطب المعتصم والواثق باسم أمير المؤمنين، ويرى طاعتهم، وتحريم الخروج عليهم، مع صدعه بأن قولهم ذلك كفر، يعني كفر تأويل، لا كفر ردة، يخرجهم من الإسلام والإيمان!
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 463 |
| 5 | تمام المنة
في اتباع الكتاب والسنة
(٧ - ٨)
سابعا: جعل النبي ﷺ اجتماع أمته ووحدتها الأصل الثاني، بعد إقامة الدين وتوحيد الله، فقال (إن الله يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) كما قال الله ﴿ولا تكونوا من المشركين . من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ .
وأطلق النبي ﷺ اسم الأمة تارة على المسلمين عامة، وتارة على الأمة بمفهومها السياسي، فيدخل فيها غير المسلمين من أهل دار الإسلام، وجعل لهم ذمة الله ورسوله وحق الحماية والنصرة، وعصمة الدم والمال، والبر والإحسان، كما قال في صحيفة المدينة (وأن المؤمنين من أهل يثرب ومن هاجر إليهم أمة من دون الناس.. وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين)، وفي رواية (من المؤمنين للمسلمين دينهم ولليهود دينهم)، ودخلت قبيلة خزاعة وهي مشركة في حلفه ﷺ في صلح الحديبية فأوجب لهم النصرة، وقال كما في الصحيح (من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاش من مؤمنها، ولا يفي لذي عهدها، فليس مني)، أو (ليس من أمتي).
وكما قال عمر رضي الله عنه في وصيته للخليفة بعده : (وأوصيه بأهل ذمة المسلمين خيرا، أن يوفي لهم بعهدهم، ويحاط من ورائهم) .
كما جعل النبي ﷺ للأمة بمفهومها الإيماني ما هو أكثر من ذلك من الحرمة والفضل والحقوق والخيرية، كما قال (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم)، وقال (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وقال (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن رفق بهم فارفق به)، وقال (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا).
وفي الصحيح (أن النبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم: ﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني﴾، وقال عيسى: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ فرفع يديه وقال: اللهم، أمتي أمتي! وبكى، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك).
وقال (ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، وقال (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد).
وهذه النصوص تعم كل مسلم .
وقال (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال: من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا).
وكل خلاف في الرأي يفضي إلى فرقة وتهاجر واقتتال وعداوة وبغضاء بين المسلمين فهو من عمل الشيطان وشر محرم شرعا، كما قال تعالى ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء﴾، وكما قال ابن مسعود - وقد خالف عثمان في إتمام الصلاة في السفر وأتم خلفه - (الخلاف شر)، وقال علي وهو خليفة وقد رأى رأيا يخالف اجتهاد عمر، فقال له قاضيه عبيدة السلماني (رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة! فقال : أقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف، حتى يكون الناس جماعة).
وقد أدت العصبية المذهبية والطائفية والطرقية والحزبية إلى ما أدت إليه العصبيات الجاهلية من العداوة والبغضاء، فدل ذلك على أنها من عمل الشيطان، كما نهى النبيﷺ - وقد تداعى الأنصار والمهاجرون كل إلى فئته لنزاع وقع بينهم - (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم! دعوها فإنها منتنة)، وقال :(من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم، فقال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله الذي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله).
ولوضوح هذا الأصل قال علي حين خرج عليه الخوارج (لهم علينا ثلاث: ألا نبدأهم بقتال، ولا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه، ولا نحرمهم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا، على ألا يسفكوا دما حرما، ولا يظلموا ذميا، ولا يقطعوا سبيلا).
فقرر لهم كل حقوق المسلمين، وأجمع الصحابة على سنته فيهم، فلم يقاتلهم، حتى خرجوا على الأمة، فقاتلهم دفعا لشرهم وعدوانهم، لا لبدعتهم!
قال الخطابي :(أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام).
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 535 |
| 6 | تمام المنة
في اتباع الكتاب والسنة
(٦ - ٧)
سادسا : أجمع الصحابة على ثبوت وصف الإيمان، والعدالة لكل مؤمن، وقبول الشهادة، من كل مسلم عدل لقوله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، إلا من الفاسق ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾، والقاذف ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون . إلا الذين تابوا﴾.
وكتب عمر إلى أبي موسى : (المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء، أو في قرابة).
وعرف الشافعي العدل - كما رواه الخطيب في الكفاية ٩٠ - فقال: (إذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرّح).
وقال الشافعي أيضا (أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم).
هذا مع ما روي عنه من تكفير القدرية ونفاة الصفات، فقال البيهقي في "معرفة السنن" (فكأنه - يعني الشافعي - أراد بالتكفير ما ذهبوا إليه من نفي الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه في كتابه، وجحودهم لها بتأويل بعيد، ولم يرد كفرا يخرجون به عن الملة لاعتقادهم إثبات ما أثبت الله في الجملة، وإن كانوا تركوا هذا الأصل في بعض ما ذهبوا إليه بشبهة فأخطؤوا).
فلا يعقل أن يقبل الشافعي شهادة جميع أهل الأهواء - عدا من يستحلون شهادة الزور - إلا وهو يرى عدالتهم، وأن ما وقع منهم من خطأ وإن عد كفر تأويل لا ينفي عنهم اسم الإسلام والإيمان والعدالة، وهي شروط قبول الشهادة!
إذ قد يقع من المسلم العدل الخطأ في المسائل العلمية ظنا منه أنه الحق الذي جاء به النبي ﷺ .
فكل مسلم أدى الفرائض، واتقى المحرمات، فهو عدل تقبل شهادته.
وذلك أن المسلمين من أهل القبلة جميعا يؤمنون بأركان الإيمان، وفرائض الإسلام، وقطعيات الشرع، وإنما يختلفون فيما وراء ذلك، فيقرون بأن الإيمان والعمل الصالح كليهما فرض للنجاة يوم القيامة، وإنما اختلفوا في حقيقة الإيمان الشرعي، وهل العمل جزء من حقيقته وماهيته وركن من أركانه أم هو فقط التصديق والإقرار؟ وهل بزوال جنس العمل يزول الإيمان كله؟ أم يزول ولو بزوال بعض العمل؟
وقد اختلف الأئمة في هذه القضية منذ عهد التابعين، بعد ظهور الحرورية الذين كفروا المؤمنين، واستحلوا دماء المسلمين بالكبائر، مما حدا فقهاءه إلى رد بدعتهم، بإثبات إسلام وإيمان من صدق وأقر، وإن فعل كبيرة غير مستحل.
وصنف الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤) كتابه "الإيمان" لبيان هذه المسألة، وعد كلا القولين من أقوال أهل العلم والدين، وإن كان الثاني منهما غلطا، إلا أنه لا يخرج أهله من دائرتهم إلى دائرة أهل الأهواء والبدع، فقال في أول كتابه ص ٩: (تسألني عن الإيمان، واختلاف الأمة في استكماله، وزيادته ونقصه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك، وما الحجة على من فارقهم فيه، فإن هذا رحمك الله خطب قد تكلم فيه السلف في صدر هذه الأمة وتابعيها ومن بعدهم إلى يومنا هذا، وقد كتبت إليك بما انتهى إلي علمه من ذلك مشروحا مخلصا، اعلم رحمك الله، أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين، فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب، وشهادة الألسنة، وعمل الجوارح.
وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر، وليست من الإيمان، وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين، فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وينفيان ما قالت الأخرى)، ثم أورد الأدلة من الكتاب والسنة وقال ص ١٩: (فأي شيء يتبع بعد كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة! فالأمر الذي عليه السنة عندنا، ما نص عليه علماؤنا، مما اقتصصنا في كتابنا هذا: أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان)، ثم قال ص ٣١: (قد ذكرنا ما كان من مفارقة القوم إيانا في أن العمل من الإيمان، على أنهم وإن كانوا لنا مفارقين، فإنهم ذهبوا إلى مذهب قد يقع الغلط في مثله).
فلم يعدهم من أهل البدع، بل اعترف بإمامتهم في العلم والدين، وعد رأيهم هذا غلطا قد يقع العالم بمثله، ولا يخرجه من الإمامة والعلم.
بينما قال عمن خرج عن القولين بأنه منسلخ عن أقوال أهل العلم والدين، فقال: (ثم حدثت فرقة ثالثة شذت عن الطائفتين جميعا، ليست من أهل العلم ولا الدين، فقالوا: الإيمان معرفة بالقلوب بالله وحده، وإن لم يكن هناك قول ولا عمل! وهذا منسلخ عندنا من قول أهل الملل الحنفية، لمعارضته لكلام الله ورسوله ﷺ بالرد والتكذيب).
وقال ابن تيمية في "العقيدة الأصبهانية" ص ١٧٩ (فقهاء المرجئة خلافهم مع أهل السنة يسير، وبعضه لفظي، ولم يعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا، فإن ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان، وصاحبه أبي حنيفة، وأصحاب أبي حنيفة).
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 592 |
| 7 | تمام المنة
في اتباع الكتاب والسنة
(٥ - ٦)
خامسا: جعل الله سبحانه الإيمان به والعمل الصالح الميزان والمعيار الذي يحكم به على عباده في الدنيا والآخرة، وحدد أركان الإيمان، وفرائض الإسلام، وحدوده وهي محرماته، على نحو جلي قاطع، لا يخفى على مسلم مكلف عاقل بالغ، فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر، وأدى فرائضه بإقامة الصلوات الخمس، وأداء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، واتقى حدوده التي حرمها على عباده كالشرك به، وقتل النفس بغير حق، والزنا، والقذف، وأكل الربا، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، فقد وفى وأوجب الله له الجنة، كما قال تعالى ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ [المؤمنون: ١-١١].
فقد حكم الله للمؤمنين بالفلاح ووعدهم الفردوس الأعلى من الجنة بشرط الإيمان به والعمل الصالح، المعلوم لكل مؤمن، والمقدور لكل مكلف، فكل من جاء بهذه الأعمال من المسلمين كافة فهو مؤمن عدل بحكم الله، وله الجنة بوعد الله.
وفي الصحيح عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: (قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال: قل: آمنت بالله ثم استقم).
فالإيمان بالله، والاستقامة بالعمل الصالح هما قنطرة النجاة والفلاح .
وقال النبي ﷺ للصحابة (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه قال: فبايعته على ذلك).
وقد تواتر عن النبي ﷺ - كما في الصحيحين - الوعد بالجنة لكل من جاء بموجباتها، كما قال (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقال (من صلى البردين - الصبح والعصر - دخل الجنة)، وقال (من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة)، و جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: (دلني على عمل أعمله يدنيني من الجنة، ويباعدني من النار، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل ذا رحمك، فلما أدبر، قال رسول الله ﷺ: إن تمسك بما أمر به دخل الجنة).
وقال (كل أمتي يدخلون الجنة، إلا من أبى. قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).
وفي الصحيحين أيضا (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته، ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: خمس صلوات في اليوم والليلة،فقال: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع، وصيام شهر رمضان، فقال: هل علي غيره؟ فقال: لا، إلا أن تطوع، وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه، فقال النبي ﷺ : دخل الجنة إن صدق).
وقال يوما للصحابة (من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة، قال أبو بكر : أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينا، قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا، قال أبو بكر : أنا. فقال رسول الله ﷺ: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة).
وقال :(من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنة).
فكل هذه أعمال صالحة مقدورة لكل مكلف، من جاء بها فهو مؤمن مسلم عدل صالح، موعود بالجنة، بوعد الله ورسوله.
وفي المقابل رفع الله عن عباده ما وقع من خطأ، أو نسيان، أو ما استكرهوا عليه، بما في ذلك الكفر، لمن فعله مكرها، فقال ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ [النحل: ١٠٦].
فجعل الشرط للمؤاخذة على صدور الكفر من المؤمن أن يصدر عن قصد واختيار وانشراح صدر!
وقال تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٨٦]
قال النبي ﷺ وتلا هذه الآيات (قال الله قد فعلت).
وقال (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
فلا يخرج المؤمن من وصف الإيمان والإسلام والصلاح والعدالة إلا الكفر أو الفسق بلا توبة، لا الخطأ سواء في العلم أو العمل جهلا أو تأويلا .
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 677 |
| 8 | تمام المنة
في اتباع الكتاب والسنة
(٤ - ٥)
رابعا: غاية الإيمان والإسلام والتوحيد والدين الخالص هو العمل الصالح الذي تتحقق به النجاة يوم القيامة، لا العلم بها والمعرفة فقط، والجدل والخصومة فيها، والافتراق بسببها!
ولهذا قرن القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، كشرط للفوز برضا الله ومحبته وجنته، فقال الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾، وقال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا﴾، وجاءت السنة بتفصيل ذلك، فقال النبي ﷺ: (لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم)، وقال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)، وقال: (لا إيمان لمن لا أمانة له)، وقال: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، وقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدو بعضه بعضا)، وقال (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)..
فالإيمان أمانة وأمن وحب وأخوة ورحمة واجتماع، والإسلام سلم وسلام، فهذه غاياتهما وحقائقهما!
فتجريد الإيمان من غاياته وحقائقه وهداياته إلى مجرد نظريات جدلية وخصومات كلامية، ثم اتخاذ ذلك سبيلا لإثارة العداوة والبغضاء بين المسلمين، وتفريق صفهم، والحكم عليهم بالكفر، واستباحة ما حرم الله من حرماتهم، كل ذلك تعدٍ لحدود ما أنزل الله، وخروج عن سبيله، إلى ما نهى الله عنه مما حرمه وأبغضه، كما قال ﷺ: (إن الله يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال..)، وقال النبي ﷺ: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)، ولهذا كان هدي الصحابة رضي الله عنهم ترك الخوض فيما لا عمل فيه، وتجنب الجدل في الدين، وكان الإمام مالك قد أدرك التابعين وكان ينهى عن الخوض في هذا الباب، كما رواه ابن عبد البر عنه بإسناد صحيح في "جامع فضل العلم" (رقم ١٧٨٦): (كان مالك بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه، وكان أهل بلدنا يكرهونه، وينهون عنه نحو الكلام في رأي جهم، والقدر، وكل ما أشبه ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في الدين، وفي الله عز وجل، فالسكوت أحب إلي؛ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا ما تحته عمل).
قال ابن عبد البر: (قد بين مالك رحمه الله أن الكلام فيما تحته عمل هو المباح عنده وعند أهل بلده، يعني العلماء منهم رضي الله عنهم، وأخبر أن الكلام في الدين نحو القول في صفات الله وأسمائه وضرب مثلا فقال: نحو رأي جهم، والقدر.
والذي قاله مالك عليه جماعة الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى، وإنما خالف ذلك أهل البدع المعتزلة وسائر الفرق، وأما الجماعة على ما قال مالك..).
ومما يؤكد صدق ما قاله الإمام مالك أثر كل من الطريقتين على الأمة واجتماعها، فحفظت طريقة أهل العلم والفقه على الأمة وحدتها وجماعتها، ولم يفض اختلافهم في الفقه إلى تفرقها، ولا كفر بعضهم بعضا، بينما كفر المتكلمون والخائضون في الجدل في أصول الدين بعضهم بعضا، وفرقوا جماعتها، وما زالوا سببا للفتن فيما بينها، وهي من أبرز صفات المشركين وأهل الجاهلية كما قال تعالى عنهم: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ [الأنعام: ١٥٩].
وقد كان سلف الأمة وأئمة السنة أشد تعظيما للجماعة واجتماع الأمة، حتى أوجبوا الجمعة والجماعة والجهاد مع كل إمام وإن كان رمي ببدعة الاعتزال، كالمأمون والمعتصم والواثق، حفاظا على هذا الأصل العظيم.
ومع إطلاق الإمام أحمد وصف الكفر على القول بخلق القرآن، لمعارضة ذلك لظواهر النصوص، إلا أنه لم يخرجهم من دائرة الإسلام، ولم يحكم بردتهم، وإنما أراد كفر التأويل الذي قد يقع من العالم المجتهد بتأويل باطل، فيحكم ببطلان القول وكفره، دون القائل به اجتهادا وتأويلا أو تقليدا.
قال ابن تيمية في الفتاوى (٢٣/ ٣٤٨): (فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة وغير ذلك. ويدعون الناس إلى ذلك ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم ويكفرون من لم يجبهم.. ومع هذا فالإمام أحمد ترحم عليهم واستغفر لهم لأنه لم يتبين له أنهم مكذبون للرسول ولا جاحدون لما جاء به ولكن تأولوا فأخطئوا وقلدوا من قال لهم ذلك.
وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال: القرآن مخلوق: كفرت بالله العظيم. بين له أن هذا القول كفر ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك).
وقال النووي في المجموع (٤/ ٢٥٤): (ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة ونحوهم ومناكحتهم وموارثتهم وإجراء سائر الأحكام عليهم وتأولوا ما نُقِل عن الشافعي وغيره من تكفير القائل بخلق القرآن على أن المراد كفران النعمة لا كفران الخروج عن الملة).
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 646 |
| 9 | تمام المنة
في اتباع الكتاب والسنة
(٣ - ٤)
ثالثا: قضية تعريف الإسلام والإيمان هي القضية الأهم في القرآن، وبها نزل الفرقان، وقد فصل القرآن في حقيقتهما وأركانهما وشروطهما بما لا يدع المجال فيها للرأي والاجتهاد، ولا يتصور فيهما ذلك أصلا فهما الدين كله ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، فقد جاءت أركان الإيمان وفرائض الإسلام التي يصير بها الإنسان مسلما مؤمنا صالحا مفصلة في آيات كثيرة كما في قوله تعالى ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وفي قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا﴾ [النساء: ١٣٦].
وجاء تفصيل أعمال الإيمان في أول سورة المؤمنين ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ [المؤمنون: ١-١١].
فمن أقام هذه الآيات في نفسه فقد حقق يقينا وصف الإيمان، وتحقق له الفلاح بنص القرآن، وقد جاءت السنة المتواترة بتأكيد هذه الأركان، كما في حديث جبريل في الصحيحين (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر .. والإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا).
وقد نص القرآن على تحقق الأخوة في الدين بذلك فقال على سبيل التفصيل للأحكام ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ [التوبة: ١١] فجعل الله التوبة من الشرك بالتوحيد والإقرار بالشهادتين والدخول في الإسلام، وإقامة الصلوات الخمس، وأداء الزكاة سببا لعصمة الدم، وتحقق الأخوة الإيمانية ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، وتواترت السنة ببيان ذلك وتأكيده فقال النبي ﷺ (من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، فذلك المسلم، الذي له ذمة الله ورسوله)، وقال (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه).
وقالﷺ (لا تدابروا، ولا تهاجروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا)، وقال (حق المسلم على المسلم خمس..).
فمن نفى عن مسلم وصف الإسلام والإيمان الذي ثبت له بنص القرآن، ومتواتر السنة، وإجماع الصحابة، واستحل منه ما حرم الله، وأسقط حقوقه التي أوجبها الله له، وأزال عنه وصف الأخوة الإيمانية، فقد اقتحم باب ضلالة، كما جاء في الصحيحين في شأن من فعل ذلك: (من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى عن مؤمنها، ولا يفي لذي عهد، فليس من أمتي)، وقال فيهم (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وقال عنهم (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان)!
ولا تتخذ آراء بعض الأئمة قديما أو حديثا في شأن أهل البدع حجة لرد قطعيات القرآن والسنة والإجماع، في نزع وصف الإيمان والإسلام منهم، ونفي الأخوة الدينية عنهم، وإسقاط حقوقهم، ولا تتخذ بعض الأحكام الشرعية الاستثنائية كهجر المسلم - لمصلحته ومصلحة جماعة المسلمين كما فعل النبيﷺ مع الثلاثة الذين خلفوا - أصلا تهدم به الأحكام الأصلية القطعية، فتهدر حقوقه على المسلمين كوجوب نصرته، ودفع الظلم عنه، وتحريم عرضه، والصلاة عليه، والاستغفار له!
ثم يؤول حال المسلمين إلى نقيض ما أوجب الشارع عليهم فيتهاجرون ويتباغضون ويتدابرون وهي حالقة الدين كما قال النبيﷺ (ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة. لا أقول : إنها تحلق الشعر ولكن تحلق الدين).
وهي الحال الجاهلية التي كانوا عليها قبل الإسلام ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ثم لا يزال الشيطان يستجر هؤلاء المفتونين حتى يغدو عندهم سبيل الشيطان من إثارة العداوة والبغضاء بين المسلمين وقطع ما أمر الله به أن يوصل واستباحة ما حرم الله من المسلم على أخيه المسلم هو سبيل الله!
ثم لا يجدون من حجة على هدم كل تلك القطعيات القرآنية والنبوية إلا قول هذا الإمام أو ذاك في نوازل واجتهادات جزئية جعلوها هي الأصل، ومحكمات القرآن والسنة والإجماع فرعا ترد إليها!
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 746 |
| 10 | تمام المنة
في اتباع الكتاب والسنة
(٢ - ٣)
ثانيا: إطلاق كلمة الكفر في لغة الشرع ولغة الأئمة له معان :
الأول: على ما ينافي دين الإسلام أصلا، ويضاد حقيقة الإيمان، وهو المراد في القرآن عند الإطلاق، كما في قوله تعالى ﴿خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾، وقوله ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾.
فيعم كل من لم يسلم ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله على أي دين كان، ويدخل في هذا الإطلاق من ارتدوا عن الإسلام، وكفروا بعد الإيمان، كما قال الله ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.
الثاني: كفر التأويل والعصيان، وهو ما يقع من المؤمن والمسلم الذي يشهد صادقا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، مما ينافي بعض فرائض الإسلام، وحقائق الإيمان، وظاهر القرآن، سواء في باب الاعتقاد أو العمل .
وقد أطلق الشارع لفظ الكفر، أو الشرك، أو نفي الإيمان، على أعمال كثيرة مع ثبوت وصف الإسلام والإيمان لأهلها، كما قال ﷺ (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقال (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وقال (من حلف بغير الله فقد أشرك).
فأجمع الأئمة وسلف الأمة على أن من وقع منه شيء من تلك الكبائر غير مستحل لها مسلم مؤمن، إلا أنه فاسق عاص حتى يتوب، أو يقام عليه الحد إن أصاب حدا، أو القصاص إن أصاب دما حراما .
وإنما اختلف سلف الأمة وأئمة السنة في مسألتين عظيمتين:
الأولى: فرائض الإسلام غير الشهادتين: وهي الصلوات الخمس، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، إذا تركها غير جاحد لوجوبها، ولا استخفافا بها، فمنهم من حكم بكفر تارك شيء من هذه الفرائض بلا عذر كالشهادتين، والجمهور على عدم كفره.
ومثلها الحكم بغير ما أنزل الله ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، فإذا ترك حكم الله في قضية جزئية عصيانا بلا استحلال ولا استخفاف فهو كفر دون كفر، كما قال ابن عباس، إذ لم يحدث في عصرهم ترك الحكم بالشريعة جملة، كما حدث في هذا العصر، فهذا كفر يخرج من الملة، لمن استبدل بالشريعة غيرها، وتركها مع قدرته على الحكم بها، ولهذا أجمعوا على قتال الطائفة الممتنعة عن بعض أحكام الشرع والحكم بردتها.
إذ لا يتصور حدوثه إلا استحلالا واستخفافا أو إعراضا وإباء، بخلاف الحكم بالجزئية فقد يقع من هوى وحظ نفس، وهو كبيرة كغيره من الكبائر .
والثانية: قاتل المؤمن بغير حق، فذهب ابن عباس أنه خالد في النار .
أما أهل البدع من أهل القبلة كالخوارج والقدرية ونحوهم فقد أجمع الصحابة على أنهم مسلمون متأولون .
وقد سئل عنهم جابر بن عبد الله رضي الله عنه: هل كنتم تسمون أحدا من أهل القبلة كافرا؟
فقال: معاذ الله!
قال: فهل تسمونه: مشركا؟
قال: لا!
وقد أطلق بعض الأئمة لفظ الكفر على بعضهم وقصد كفر التأويل فظن بعض المتأخرين أنه كفر ردة!
ورد عليهم ابن تيمية وابن قدامة في رسالته- لفخر الدين محمد بن الخضر الحنبلي - في عدم تكفير القائلين بخلق القرآن وخلودهم في النار؛ لعدم وروده عن السلف، فقال - كما في طبقات الحنابلة ١/ ٢٤٦ -: (إن ظهر عندك تصويب الكلام فيها، تقليدا للشيخ أبى الفرج وابن الزاغوني، فقد تيقنتُ أنا تصويب السكوت عن الكلام فيها، اتباعا لسيد المرسلين، ومن هو حجة على الخلق أجمعين، ثم لخلفائه الراشدين، وسائر الصحابة والأئمة المرضيين.
فأما قوله: إن كتب الأصحاب القديمة والحديثة فيها القول بتكفير القائل بخلق القرآن: فهذا متضمن أن قول الأصحاب هو الحجة القاطعة! وهذا عجب!
أترى لو أجمع الأصحاب على مسألة فروعية، أكان ذلك حجة يقتنع بها، ويكتفى بذكرها؟
فإن كان فخر الدين يرى هذا فما يحتاج في تصنيفه إلى ذكر دليل سوى قول الأصحاب!
وإن كان لا يرى ذلك حجة في الفروع، فكيف جعله حجة في الأصول؟
وهب أنا عذرنا العامة في تقليدهم الشيخ أبا الفرج وغيره من غير نظر في دليل! فكيف يعذر من هو إمام يرجع إليه في أنواع العلوم!
ثم إن سلمنا ما قال، فلا شك أنه ما اطلع على جميع تصانيف الأصحاب.
ثم إن ثبت أن جميعهم اتفقوا على تكفيرهم، فهو معارض بقول من لم يكفرهم، فإن الشافعي وأصحابه لا يرون تكفيرهم إلا أبا حامد الغزالي.
فبم يثبت الترجح؟
ثم إن اتفق الكل على تكفيرهم، فليس التخليد من لوازمه.
فإن النبيﷺ قد أطلق التكفير في مواضع لا تخليد فيها.
قال أبو نصر السجزي: اختلف القائلون بتكفير القائل بخلق القرآن، فقال بعضهم: كفر ينقل عن الملة، وقال بعضهم: كفر لا ينقل عن الملة.
ثم إن الإمام أحمد -الذى هو أشد الناس على أهل البدع- قد كان يقول للمعتصم: يا أمير المؤمنين، ويرى طاعة الخلفاء الداعين إلى القول بخلق القرآن، وصلاة الجمع والأعياد خلفهم ولو سمع الإمام أحمد من يقول هذا القول، الذى لم يرد عن النبيﷺ، ولا عن أحد قبله لأنكره أشد الإنكار فقد كان ينكر أقل من هذا)!
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 840 |
| 11 | تمام المنة
في اتباع الكتاب والسنة
📩 س/ شيخنا كيف الجمع بين قول أئمة السنة (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب - دون الشرك - ما لم يستحله)، والقول بكفر من قال بخلق القرآن ونحوها من العقائد التي اختلف فيها أهل القبلة؟
▫️ج/ الواجب شرعا في كل خلاف الرد إلى المحكمات من نصوص الكتاب والسنة والإجماع، وقد تواترت النصوص بتحريم تكفير المسلم تحريما قطعيا، كما قال تعالى لمن خرجوا جهادا في سبيله: ﴿فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا… فتبينوا﴾، وقال النبي ﷺ: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)، وقال: (إن كان كما يقول وإلا فقد حارت عليه)، وقال عن المصلين: (أولئك الذين نهاني الله عنهم)، وقال لأسامة بن زيد حين قتل كافرا استعاذ منه أثناء القتال فقال: (لا إله إلا الله)! فقال له النبي ﷺ: (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله! أين تذهب من لا إله إلا الله يوم القيامة؟) فما زال يرددها حتى قال أسامة: (تمنيت أني لم أسلم إلا بعدها)!
وقد جعل النبي ﷺ تكفير المسلم كقتله، فقال كما في الصحيح: (من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله) فيدخل من كفّر مسلما في عموم نصوص الوعيد الواردة في قتل المؤمن، ومعلوم أن أشد وعيد بعد وعيد المشرك بالخلود في النار ما جاء في قتل المؤمن بغير حق، حتى قال ابن عباس بأن قاتله لا توبة له!
وهذا أصل مجمع عليه بين أئمة السنة، كما قال الطحاوي في عقيدة الإمام أبي حنيفة وصاحبيه: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله).
وكذا قال ابن أبي زيد في رسالته في مذهب الإمام مالك (ص ٨) :(وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة).
وهو مذهب الشافعي كما نص عليه في الأم (٦/ ٢٢٢) فقال :(ذهب الناس من تأويل القرآن والأحاديث أو من ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها فتباينوا فيها تباينا شديدا، واستحل فيها بعضهم من بعض، وكان ذلك منهم متقادما منه ما كان في عهد السلف وبعدهم إلى اليوم، فلم نعلم أحدا من سلف هذه الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه وضلله ورآه استحل فيه ما حرم عليه، ولا رد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول، وذلك أنا وجدنا الدماء أعظم ما يعصى الله تعالى بها بعد الشرك، ووجدنا متأولين يستحلونها بوجوه، وقد رغب لهم نظراؤهم عنها وخالفوهم فيها، ولم يردوا شهادتهم بما رأوا من خلافهم، فكل مستحل بتأويل من قول أو غيره فشهادته ماضية لا ترد من خطأ في تأويله..).
وقال الإمام أحمد في السنة (ص ٧٢): (والكف عن أهل القبلة ولا تكفر أحدا منهم بذنب ولا تخرجه من الإسلام).
وهو الذي استقر عليه قول أئمة الحديث كالبخاري ومسلم في الرواية عن أهل البدع كما قال الذهبي في الموقظة (ص ١٠٧): (قال شيخنا ابن وهب - ابن دقيق العيد - العقائد أوجبت تكفير البعض للبعض، أو التبديع، وأوجبت العصبية، ونشأ من ذلك الطعن بالتكفير والتبديع وهو كثير في الطبقة المتوسطة من المتقدمين.
والذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية، ولا نكفر أحدا من أهل القبلة، إلا بإنكار متواتر من الشريعة، فإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه الورع والضبط والتقوى؛ فقد حصل معتمد الرواية، وهذا مذهب الشافعي حيث يقول: (أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الروافض).
وقال ابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ٢٢: (كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنبا أو تأول تأويلا، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة، وهم أهل الفقه والأثر على أن أحدا لا يخرجه ذنبه - وإن عظم - من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة).
فعد ابن عبد البر هذا الأصل والقول به اتفاقا من أهل السنة وأنهم لا يرون كفر أحد من أهل القبلة بذنب أو تأويل دون الشرك بالله، وأن تكفير المخالف من أهل القبلة هو من أقوال أهل البدع لا قول أهل السنة والجماعة!
وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام ٢/ ٢١٩: (وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحدا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم).
وقال ابن تيمية في الإيمان ص ٢٨١: (ما أجمع عليه المسلمون من دينهم الذى يحتاجون إليه أضعاف أضعاف ما تنازعوا فيه، فالمسلمون سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومتفقون على وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، فتنازعهم بعد هذا في بعض أحكام الوعيد أو بعض معاني بعض الأسماء أمر خفيف بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه).
•┈┈┈┈••❁••┈┈┈┈•
https://t.me/askDrHakem | 622 |
| 12 | تمام المنة
في اتباع الكتاب والسنة
ـ(١-٢)ـ
📩 س/ شيخنا كيف الجمع بين قول أئمة السنة (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب - دون الشرك - ما لم يستحله)، والقول بكفر من قال بخلق القرآن ونحوها من العقائد التي اختلف فيها أهل القبلة؟
▫️ج/ الواجب شرعا في كل خلاف الرد إلى المحكمات من نصوص الكتاب والسنة والإجماع، وقد تواترت النصوص بتحريم تكفير المسلم تحريما قطعيا، كما قال تعالى لمن خرجوا جهادا في سبيله: ﴿فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا… فتبينوا﴾، وقال النبي ﷺ: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)، وقال: (إن كان كما يقول وإلا فقد حارت عليه)، وقال عن المصلين: (أولئك الذين نهاني الله عنهم)، وقال لأسامة بن زيد حين قتل كافرا استعاذ منه أثناء القتال فقال: (لا إله إلا الله)! فقال له النبي ﷺ: (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله! أين تذهب من لا إله إلا الله يوم القيامة؟) فما زال يرددها حتى قال أسامة: (تمنيت أني لم أسلم إلا بعدها)!
وقد جعل النبي ﷺ تكفير المسلم كقتله، فقال كما في الصحيح: (من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله) فيدخل من كفّر مسلما في عموم نصوص الوعيد الواردة في قتل المؤمن، ومعلوم أن أشد وعيد بعد وعيد المشرك بالخلود في النار ما جاء في قتل المؤمن بغير حق، حتى قال ابن عباس بأن قاتله لا توبة له!
وهذا أصل مجمع عليه بين أئمة السنة، كما قال الطحاوي في عقيدة الإمام أبي حنيفة وصاحبيه: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله).
وكذا قال ابن أبي زيد في رسالته في مذهب الإمام مالك (ص ٨) :(وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة).
وهو مذهب الشافعي كما نص عليه في الأم (٦/ ٢٢٢) فقال :(ذهب الناس من تأويل القرآن والأحاديث أو من ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها فتباينوا فيها تباينا شديدا، واستحل فيها بعضهم من بعض، وكان ذلك منهم متقادما منه ما كان في عهد السلف وبعدهم إلى اليوم، فلم نعلم أحدا من سلف هذه الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه وضلله ورآه استحل فيه ما حرم عليه، ولا رد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول، وذلك أنا وجدنا الدماء أعظم ما يعصى الله تعالى بها بعد الشرك، ووجدنا متأولين يستحلونها بوجوه، وقد رغب لهم نظراؤهم عنها وخالفوهم فيها، ولم يردوا شهادتهم بما رأوا من خلافهم، فكل مستحل بتأويل من قول أو غيره فشهادته ماضية لا ترد من خطأ في تأويله..).
وقال الإمام أحمد في السنة (ص ٧٢): (والكف عن أهل القبلة ولا تكفر أحدا منهم بذنب ولا تخرجه من الإسلام).
وهو الذي استقر عليه قول أئمة الحديث كالبخاري ومسلم في الرواية عن أهل البدع كما قال الذهبي في الموقظة (ص ١٠٧): (قال شيخنا ابن وهب - ابن دقيق العيد - العقائد أوجبت تكفير البعض للبعض، أو التبديع، وأوجبت العصبية، ونشأ من ذلك الطعن بالتكفير والتبديع وهو كثير في الطبقة المتوسطة من المتقدمين.
والذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية، ولا نكفر أحدا من أهل القبلة، إلا بإنكار متواتر من الشريعة، فإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه الورع والضبط والتقوى؛ فقد حصل معتمد الرواية، وهذا مذهب الشافعي حيث يقول: (أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الروافض).
وقال ابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ٢٢: (كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنبا أو تأول تأويلا، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة، وهم أهل الفقه والأثر على أن أحدا لا يخرجه ذنبه - وإن عظم - من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة).
فعد ابن عبد البر هذا الأصل والقول به اتفاقا من أهل السنة وأنهم لا يرون كفر أحد من أهل القبلة بذنب أو تأويل دون الشرك بالله، وأن تكفير المخالف من أهل القبلة هو من أقوال أهل البدع لا قول أهل السنة والجماعة!
وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام ٢/ ٢١٩: (وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحدا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم).
وقال ابن تيمية في الإيمان ص ٢٨١: (ما أجمع عليه المسلمون من دينهم الذى يحتاجون إليه أضعاف أضعاف ما تنازعوا فيه، فالمسلمون سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومتفقون على وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، فتنازعهم بعد هذا في بعض أحكام الوعيد أو بعض معاني بعض الأسماء أمر خفيف بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه).
•┈┈┈┈••❁••┈┈┈┈•
https://t.me/askDrHakem | 262 |
| 13 | النظام العربي
والعقد المفقود
ما طرحه الأستاذ محمد الرميحي هنا عن ضرورة عقد اجتماعي عربي جديد موضوع في غاية الأهمية والخطورة وجدير بالدراسة والبحث والنقاش العميق بين النخب السياسية والفكرية العربية للخروج بدولها ومجتمعاتها من حال الفشل والعجز والانهيار الذي يعصف بها لأسباب داخلية وخارجية كما هو مشاهد في أكثر دول العالم العربي بما في ذلك دوله التي كانت وإلى وقت قريب تتمتع بالحد الأدنى من التوافق المجتمعي والاستقرار السياسي النسبي كما الكويت!
وتؤكد المؤشرات أن المنطقة العربية على وشك انفجار ثان سيحدث تغييرا عنيفا جذريا راديكاليا بعد أن تحول النظام العربي من نظام برغماتي وظيفي يرعى مصالح المحتل الأمريكي الأوربي ويحافظ على الحد الأدنى من شعبيته إلى عدو يشن الحروب الدموية على الشعوب العربية لمنعها من التحرر والحياة الكريمة ليظل هو في السلطة كقوة احتلال أجنبي لا نظام حكم وطني!
إن العقد الاجتماعي بطبيعته يقتضي بداهة دولا مستقلة وشعوبا حرة وكلاهما مفقود في عالمنا العربي!
فدوله لم تتجاوز بعد مرحلة التحرر الوطني -لا كما جاء في المقال- فهي ما تزال تخضع بشكل واضح جلي للنفوذ الأمريكي الأوربي، ولا يكاد يوجد شعب عربي يستطيع إحداث تغيير سياسي في بلده بعيدا عن هذا النفوذ والتفاهم معه مما يؤكد فقدان دوله للسيادة الحقيقية!
ولهذا اعتادت الشعوب العربية ونخبها السياسية على التفاوض بشأن التغيير السياسي في دولها وحل الصراع الداخلي فيما بينها في لندن وباريس وجنيف وواشنطن ووفق مبادرات هذه العواصم حيث تتخذ القرارات المصيرية وتتشكل الأنظمة السياسية!
ويفترض في العقد الاجتماعي وجود طرفين هما:
١- الشعب: وهو الأصل ذو السيادة ومصدر السلطات جميعا.
٢- والسلطة: وهي الفرع ذات المهمة المحددة، والوظيفة المقيدة، بموجب هذا العقد.
وهو ما لا وجود له في الدول العربية اليوم إلا بشكل صوري حيث ما يزال أكبر شعوبه وهو الشعب المصري يخضع لنظام حكم عسكري يعتقل أكثر من مئة ألف سياسي منذ الانقلاب ٢٠١٣ حتى اليوم!
ويعبر العقد الاجتماعي عادة عن تفاهم شعبي واتفاق مجتمعي حول طبيعة النظام السياسي، ودور السلطة وصلاحياتها، وهو ما لم يحدث حتى الآن في عالمنا العربي كله!
فكل دوله تأسست في ظل حماية الاستعمار ورعايته!
وكل دساتيرها فرضتها الأنظمة بحكم الأمر الواقع سواء كانت عسكرية أو ملكية أو حزبية!
وكانت هذه الدساتير تعبيرا عن إرادة القوى الخارجية أكثر منها تعبيرا عن إرادة شعوبها!
ولهذا لا يكاد يوجد نظام عربي ديمقراطي في الوقت الذي فرض الاستعمار على شعوبه كل أشكال الحكم الدكتاتوري الشمولي العسكري والوراثي!
لا لأن الشعوب العربية لا تريد الحرية والديمقراطية - التي تتمتع بها أكثر الشعوب الأسيوية والأفريقية - بل لأنها ممنوعة منها حيث يعد الاستعمار الغربي تحررها من قبضة أنظمته الوظيفية مهددا لوجوده ومصالحه ونفوذه!
إن الحديث عن ضرورة التنمية والعقد الاجتماعي الجديد يقفز على الحقيقة التي يعيشها كل شعب عربي وهو شعوره أنه فاقد للحرية وأن دوله فاقدة للسيادة وأن حكوماته غير المنتخبة فاقدة للشرعية الشعبية وأن المخرج من أزمتها التاريخية هو في ربيع عربي جذري يكون المدخل لعقد اجتماعي جديد!
ومن لم يسمع همسها قبيل الربيع العربي الأول حتى تفاجأ ببركان ثوراتها السلمية لن يسمعه قبيل الربيع الثاني حتى يتفاجأ بزلزال ثوراتها الجذرية!
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 1 524 |
| 14 | حكم الأقليات
ليس ظاهرة جديدة بل هو قديم قدم الحملات الصليبية الفرنجية على العالم الإسلامي التي تحالفت قديما مع الأقليات في سواحل الشام حتى حررها الأيوبيون ثم المماليك المصريون!
وأعادت الحملة الصليبية البريطانية الفرنسية رعايته - بعد الحرب العالمية الأولى واحتلال أقاليم الخلافة العثمانية - لمواجهة شعوب الأمة وثوراتها وقام مشروع سايكس بيكو أصلا على تعزيز حكم الأقليات في كل بلدنها!
ويكاد العالم العربي كله يُحكم من الأقليات الدينية والمناطقية والأسرية والحزبية بينما تتعرض الأكثرية للتهميش والإقصاء لتظل دوله مرتبطة بالمحتل الغربي الأمريكي الروسي الأوربي!
وكل ذلك سينتهي بتحرر المنطقة وانتهاء الوجود العسكري الغربي في العالم العربي!
📎
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 1 662 |
| 15 | في ذكرى فتح القسطنطينية
٢٠ جمادى الأولى ٨٥٧ / ٢٩ مايو ١٤٥٣
وصول طبعة جديدة
لجزء "فضائل إسطنبول"
لدى الهيئة العالمية لمناصرة فلسطين
وقف على أهل #غزة و #فلسطين
https://t.me/DrHakem_books/66
📎
https://tinyurl.com/3tfvnvwp
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM
| 1 296 |
| 16 | في رحاب صحيح الإمام البخاري
(٤ - ٤)
رابعا: ليس للبخاري شروط خاصة وحد للرواية في كتابه، إلا ما عنونه به (الجامع المسند الصحيح المختصر) فهو :
١- (الجامع) لكل الأبواب الفقهية والعلمية، على طريقة شيوخ شيوخه من أصحاب الجوامع التي صنفت قبله بأكثر من قرن كامل، كجامع ابن جريج، وموطأ مالك، وجامع معمر، وجامع الثوري، وجامع وكيع، وغيرهم .
٢- وهو أيضا (المسند) الذي يقتصر على الأحاديث النبوية المرفوعة المتصلة - دون المرسلة والمنقطعة والموقوفة التي كانت في تلك الجوامع - على طريقة أصحاب المسانيد من شيوخه، الذين رتبوا الأحاديث النبوية المتصلة على مسانيد الصحابة، كمسند الطيالسي، ومسند أحمد، ومسند مسدد، ومسند إسحاق، وعبيد الله بن موسى، وغيرهم .
٣- وكذلك اقتصر من هذه المسانيد على (الصحيح) عند أهل العلم قبله مما أجمعوا على صحته، دون ما تنازعوا فيه، ودون الضعيف، الذي كان في مسانيد شيوخه، وهذا الوصف للكتاب (الصحيح) يقتضي بداهة أن يراعي شروطهم جميعا لقبول الخبر، بحيث يتحقق له وصف الإجماع، إذ بلغ هذا العلم والفن أوجه في طبقة شيوخ شيوخه كالإمام مالك، والثوري، وشعبة، ثم ابن مهدي، وابن القطان، وطبقة شيوخه كابن المديني، وابن معين، وأحمد، وأعلوا كثيرا من الحديث بالإرسال، والانقطاع، وبالإرسال الخفي، وعدم اللقاء، وعدم السماع، وبالشذوذ، والتدليس، وتكلموا في الرجال جرحا وتعديلا، فتجنب البخاري كل حديث معلول بشيء من ذلك، مراعاة لشرط الإجماع، فلما اقتصر على المجمع عليه بينهم، توفرت فيه بداهةً كل شروطهم جميعا، من عدالة الرواة وضبطهم، واتصال الإسناد، بما في ذلك شرط شيخه ابن المديني بضرورة تحقق اللقاء والسماع في الحديث المعنعن، لا أنه هو الذي وضع هذا الشرط لكتابه كما توهمه كثيرون!
٤- وهو كذلك (المختصر) الذي يقتصر في كل باب على أصح ما ورد فيه، دون استيعاب لكل حديث صحيح، كما قال (لم أدخل في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحيح لحال الطول).
فهو (الجامع) للأبواب على سبيل الاستقصاء والاستيعاب، مع الاختصار للأحاديث الواردة تحت كل باب، فربما كان في الباب الواحد عشرة أحاديث فيقتصر على حديثين أو ثلاثة.
وحتى هذا الاختصار راعى فيه شرط من قاس من الفقهاء قبله الرواية على الشهادة واشترطوا رواية عدلين، عن صحابي مشهور، عن النبي ﷺ، فلا يكاد يخلو صحيحه في كل حديث من رواية عدلين أو ثلاثة، وصحابيين أو ثلاثة، حتى ظن الحاكم أنه شرط له في صحيحه، فقال في المدخل عن الصحيح المتفق عليه: (فالقسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته فهذه الدرجة الأولى من الصحيح).
وليس الأمر كذلك، بل لما راعى البخاري شروط أهل العلم قبله جميعا لقبول الخبر، ليتحصل على المجمع عليه بينهم، جاء كتابه على هذا النحو الذي جعلهم يقبلونه حكما بينهم على اختلاف مدارسهم ومذاهبهم، ويجمعون على صحة ما في كتابه، حين اقتصر فعلا على ما أجمعوا عليه، دون ما تنازعوا في ثبوته، لاختلاف شروطهم، مع أنه عقد في صحيحه كتابا في (أخبار الآحاد) وحجيتها، وهو مذهبه كأكثر أهل الحديث، إلا أنه راعى شرط مخالفيهم ما وجد إلى ذلك سبيلا، حتى توهم الحاكم أنه شرط له!
وقد تأتى للبخاري هذا العمل العظيم لتوفر أمهات المصادر بين يديه، فليس في كتابه كله رواية واحدة شفهية ليست في كتاب قبله، فنظر في تلك الجوامع فاستخرج أبوابها وما فيها من الحديث المسند الصحيح، واستنباط هو أبوابا أودع فيها فقهه من تلك الأحاديث، كما في أول حديث من صحيحه فقد رواه عن شيخه الحميدي و(مسنده) موجود مطبوع، عن ابن عيينة المكي و(جامعه) مشهور فيه نحو عشرة آلاف حديث، عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني التابعي قاضي المدينة ومفتيها (ولد سنة ٦٨ وتوفي ١٤٣) و(كتابه) صحيح مشهور .
وكذا الحديث الثاني رواه من طريق (موطأ) مالك، عن هشام بن عروة من كتابه، عن أبيه عروة بن الزبير (٢٣ - ٩٤) من كتابه المغازي والسير.
وكذلك الحديث الثالث من طريق الليث بن سعد وهو من أصحاب المصنفات، عن عقيل، عن الزهري من كتابه في المغازي، عن عروة من كتابه المغازي، وكان الزهري يحفظه عن ظهر قلب!
وهكذا كل أحاديث البخاري هي سلسلة مصادر كتابية مشهورة آنذاك، بعضها كمسند شيخه أحمد حوى ٣٠ ألف حديث مسند، ومصنف شيخه ابن أبي شيبة فيه نحو ٤٠ ألف حديث وأثر، ومصنف شيخهما عبد الرزاق ٢٠ ألف حديث وأثر، وجامع معمر - شيخ عبد الرزاق - فيه نحو ١٠ آلاف، وكلها موجودة مطبوعة
فلا يوجد في صحيحه حديث ليس في أمات المصادر تلك.
📹
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 1 452 |
| 17 | 📹 | 1 034 |
| 18 | 没有文字... | 1 462 |
| 19 | في رحاب صحيح الإمام البخاري
(٣ - ٤)
ثالثا : ما جاء في هذه المحاضرة هنا 👆 بخصوص حديث عمار فيه نظر!
فلم يقل ابن حجر في الفتح بأن رواية (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) ليست في البخاري!
بل هي ثابت فيه في موضعين في كل طبعاته المشهورة، ونسخه الموثوقة، بنص ابن حجر نفسه!
قال البخاري في صحيحه - ط البغا - في كتاب الصلاة حديث رقم (٤٣٦) حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد العزيز بن مختار، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة: قال لي ابن عباس ولابنه علي: (انطلقا إلى أبي سعيد، فاسمعا من حديثه، فانطلقنا، فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا، حتى أتى ذكر بناء المسجد، فقال: كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ، فينفض التراب عنه، ويقول: ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار.
قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن).
وقال أيضا في الجهاد رقم (٢٦٥٧) حدثنا إبراهيم بن موسى: أخبرنا عبدالوهاب: حدثنا خالد، عن عكرمة: أن ابن عباس بمثله.
والحديث ثابت كذلك في الموضعين في الطبعة السلطانية رقم ٤٤٧ ورقم ٢٨١٢ - التي طبعت على نسخة الحافظ اليونيني وهي أصح نسخ البخاري - وكذا في طبعة السهارنفوري وأشار إلى فروق النسخ في بعض ألفاظه من نسخة الكشميهني، وأبي ذر الهروي، وكريمة، والصاغاني - على نسخة الفربري - وابن السكن، وإنما سقطت لفظة [تقتله الفئة الباغية] من بعض نسخ أبي ذر، والأصيلي، وهي ثابتة في باقي نسخ البخاري الصحيحة الموثوقة المشهورة .
بل هي أيضا ثابتة في نسخة أبي ذر - طبعة شيبة الحمد - في الموضع الأول حديث رقم ٤٤٠ وسقطت في الموضع الثاني رقم ٢٧٢١، وهي بخط الحافظ الصدفي سنة ٤٩٣ بسماع ابن سعادة عنه، عن الباجي، عن أبي ذر الهروي، عن شيوخه الثلاثة: المستملي، والكشميهني ،والسرخسي، عن الفربري، عن البخاري .
كما سمعه الصدفي أيضا، عن البزار، عن الخلال، عن الكشاني، عن الفربري .
بينما نسخة ابن حجر التي شرح صحيح البخاري عليها هي من رواية ابن عمار الطرابلسي، عن عيسى بن أبي ذر، عن أبيه، وهي التي وقع فيها النقص!
قال ابن حجر في الفتح ١/ ٥٤٢ عن هذا اللفظ: (وقع في رواية ابن السكن، وكريمة، وغيرهما، وكذا ثبت في نسخة الصغاني - التي ذكر أنه قابلها على نسخة الفربري التي بخطه - زيادة توضح المراد، وتفصح بأن الضمير يعود على قتلته، وهم أهل الشام، ولفظه: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم" الحديث، واعلم أن هذه الزيادة لم يذكرها الحميدي في الجمع، وقال: إن البخاري لم يذكرها أصلا، وكذا قال أبو مسعود. قال الحميدي: ولعلها لم تقع للبخاري، أو وقعت فحذفها عمدا.
قال: وقد أخرجها الإسماعيلي، والبرقاني في هذا الحديث).
وكذا هي ثابتة في شرح القسطلاني للبخاري في الموضعين، وقد اعتمد في شرحه على نسخة الحافظ اليونيني، وقال في كتاب الجهاد (وسقط لأبي ذر قوله "تقتله الفئة الباغية")، وذكر في كتاب الصلاة ما ذكره ابن حجر .
فالحديث بلفظ [تقتله الفئة الباغية] ثابت بلا خلاف في صحيح البخاري، في أكثر نسخه، وأوثقها، وأصحها، وهي نسخة تلميذه الفربري ،وهي أتم الروايات وآخرها، وقد سمعه من البخاري مرتين، وعنه الكشميهني، وابن السكن، وغيرهم.
فالذي نفى وجودها في البخاري هو أبو مسعود الدمشقي، وذكره الحميدي احتمالا فقال في الجمع بين الصحيحين (٢/ ٤٦٢) : (في هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري أصلا في طريقي هذا الحديث! ولعلها لم تقع إليه فيهما، أو وقعت فحذفها لغرض قصده في ذلك.
وأخرجها أبو بكر البرقاني، وأبو بكر الإسماعيلي قبله، وفي هذا الحديث عندهما: أن رسول الله ﷺ قال: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ".
قال أبو مسعود الدمشقي من كتابه: لم يذكر البخاري هذه الزيادة، وهي في حديث عبد العزيز بن المختار، وخالد بن عبد الله الواسطي، ويزيد بن زريع، ومحبوب بن الحسن، وشعبة، كلهم عن خالد الحذاء. ورواه إسحاق بن عبد الوهاب هكذا. وأما حديث عبد الوهاب الذي أخرجه البخاري دون هذه الزيادة فلم يقع إلينا من غير حديث البخاري. هذا آخر معنى ما قاله أبو مسعود).
فالعبارة هذه بنص الحميدي وأبي مسعود محفوظة مشهورة من حديث خالد الحذاء، رواها عنه خمسة من الثقات الحفاظ فيهم شعبة، ولو لم يذكر البخاري من هذا الحديث إلا الإسناد أو طرفه لعد من تخريجه، كيف وقد ثبت بهذا اللفظ في أكثر نسخ البخاري وأصحها في الموضعين جميعا!
ولم يجزم الحميدي بنفيها بل ذكره احتمالا فقال: (ولعلها لم تقع إليه فيهما، أو وقعت فحذفها لغرض قصده في ذلك)!
فدل ذلك على أن نسخة ابن حجر، والحميدي، وأبي مسعود الدمشقي، ترجع إلى أصل واحد وقع فيه نقص، من رواية عيسى بن أبي ذر، عن أبيه، ومن رواية الأصيلي، عن أبي زيد المروزي، عن الفربري، بينما ثبتت في باقي النسخ بما فيها نسخة الباجي، عن أبي ذر .
وللحديث -إن شاء الله- بقية..
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 1 156 |
| 20 | في رحاب صحيح الإمام البخاري
(٢ - ٣)
ثانيا : عبارة (من روى له البخاري ومسلم فقد جاز القنطرة) تعبير صحيح عن إجماع أئمة الحديث خاصة، وأهل العلم عامة، على اختلاف مذاهبهم على صحة ما فيهما، وأنه ليس فيهما إلا الحديث الصحيح، وهو ما رواه العدول الضابطون سواء من كمل ضبطهم وهم الثقات أو خف ضبطهم وهم أهل الصدق، كما قال أبو الفتح ابن دقيق العيد في "الاقتراح على ابن الصلاح" عن أدلة كون الراوي ثقة (ومنها تخريج الشيخين أو أحدهما في الصحيح الراوي محتجين به، وهذه درجة عالية لما فيها زيادة على الأول وهو إطباق جمهور الأمة أو كلهم على تسمية الكتابين بالصحيح، والرجوع إلى حكم الشيخين بالصحة، فهو بمثابة إطباق الأمة أو أكثرهم على تعديل من ذكرنا، وقد وجد في هؤلاء الرجال المخرج عنهم في "الصحيحين" من تكلم فيه بعضهم، وكان شيخ شيوخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل المخرج عنه في الصحيح: هذا جاز القنطرة. ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما).
قال العلائي - كما في مجموع رسائله ص ٣١٦ - بعد أن ساق كلامه: (فقد تقرر بهذه الجملة أن احتجاج صاحبي "الصحيحين" أو أحدهما بالشيخ يكون مقدما على قول من جرحه إذا لم يكن مفسرا فكيف وقد وثقه جماعة آخرون).
وقال ابن حجر في "الفتح" ١٣/ ٤٥٧ (وقد نقل ابن دقيق العيد، عن ابن المفضل وكان شيخ والده أنه كان يقول فيمن خرج له في الصحيحين: هذا جاز القنطرة، وقرر ابن دقيق العيد ذلك بأن من اتفق الشيخان على التخريج لهم ثبتت عدالتهم بالاتفاق بطريق الاستلزام لاتفاق العلماء على تصحيح ما أخرجاه، ومن لازمه عدالة رواته إلى أن تتبين العلة القادحة بأن تكون مفسرة ولا تقبل التأويل).
وقد قال الذهبي في أبان العطار (جاز القنطرة واحتج به الشيخان).
وعبارته أدق من عبارة المقدسي وهي: (من خرج له الشيخان جاز القنطرة)، إذ الاحتجاج بالراوي أقوى من مجرد التخريج له في المتابعات .
فوصف هذه العبارة بأنها (من أفسد الأقوال) مبالغة فيها نظر! بل هي صحيحة بالمعنى الذي فسره ابن دقيق العيد ووافقه عليه العلائي والذهبي وابن حجر والقسطلاني واستقر عليه القول .
ولو قيل عن هذه العبارة بأنها حكم أغلبي لصحت بلا خلاف في الرواة المتفق على توثيقهم وهم عامة رواة الصحيحين، ويبقى الخلاف في المتكلم فيهم، ولا شك بأن قول البخاري ومسلم في توثيقهم الضمني بالاحتجاج بهم أرجح من قول من ضعفهم، لما تقرر من إجماع أهل العلم على صحة كتابيهما، فصح القول بأن من خرجا له واحتجا به فقد جاز القنطرة .
ومعلوم أن الأمة إنما تلقت "الصحيحين" بالقبول وأجمعت على صحة ما فيهما، استصحابا للإجماع السابق قبل وجود
البخاري ومسلم!
وذلك أن أهل العلم قبلهما وهم أئمة الأمصار كالإمام مالك وابن أبي ذئب في المدينة، وابن جريج وابن عيينة في مكة، ومعمر في اليمن، والثوري في الكوفة، وشعبة وهشيم ويزيد بن هارون في واسط، والحمادين وابن أبي عروبة في البصرة، والأوزاعي في الشام، والليث بن سعد في مصر، وغيرهم من الأئمة قد صنفوا الكتب، وجمع كل إمام حديث شيوخه وأهل بلدة، وأجمعوا على صحة كثير من ذلك الحديث، حتى كان الجدل الفقهي بين المدرستين الحجازية والعراقية، ثم المدرستين الشامية والمصرية، هو في فقه هذه الأحاديث وفهمها وتأويلها، مع اتفاقهم على صحتها وثبوتها، فجاء البخاري وقصد جمع هذا الحديث المجمع على صحته، دون المختلف فيه، كما قال البخاري (ما أدخلت في كتابي "الجامع" إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول).
وعبارة (ما صح) هنا يعني عند أهل العلم قبله، لا عنده فقط! فليس له شرط إلا ما عنون به كتابه وهو (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وسننه وأيامه).
ثم اقتفى أثره تلميذه مسلم في صحيحه وصرح بذلك في كتابه بعد حديث رقم (٤٠٤) فقال :(ليس كل شيء صحيح عندي وضعته ههنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه).
فليس لمسلم شرط خاص للصحيح فيدخل في كتابه ما انطبق عليه شرطه، وإنما اقتصر على ما أجمع أهل العلم قبله على صحته .
فلما اطلع أهل العلم في عصريهما وبعدهما على كتابيهما، وجدوا أنهما فعلا قد جمعا ما أجمع أهل العلم على صحته قبلهما - إلا شيئا يسيرا استدرك عليهما فيه خلاف - فاستصحبوا حكم ذلك الإجماع السابق، وأقبل أهل المدرستين الحجازية والعراقية، ثم باقي المدارس الفقهية، على الاحتجاج بهما، وشرحهما، فلا يوجد حنفي، ولا شافعي، ولا حنبلي، ولا ظاهري، إلا ويحتج بالصحيحين، وموطأ مالك قبلهما، ولا يتصور أن يكون للحديث قبلهما حال من حيث القبول والرد حتى إذا أدخلاه في كتابيهما صار له حال أخرى! بل حاله واحدة قبلهما وبعدهما، ولهذه الخصوصية ذاتها، لم يجعل أهل العلم لصحيح ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وغيرهم، ما جعلوه للصحيحين، لأنهم لم يقصدوا ويقتصروا في صحاحهم على الحديث المجمع على صحته فقط، بل جمعوا ما تركه البخاري ومسلم من الصحيح عندهم وإن خالفهم غيرهم في صحته!
📎
﹎﹎﹎﹎﹎
@DrHAKEM | 1 169 |
现已上线!2025 年 Telegram 研究 — 年度关键洞察 
