485
المشتركون
-124 ساعات
-17 أيام
-1030 أيام
أرشيف المشاركات
* -كان كبار الملحنين يعبرون عن ارتياحهم الكامل عند تعاونهم مع فهد بلان لثقتهم التامة بقدرته المتميزة على أداء كافة ألوان الغناء بل وأصعبها، ابتداءً بالأغنية الشعبية، القصيدة والأنشودة الوطنية والأهزوجة التراثية والموشحات والحواريات.
..ومهما اقتضت تلك الألوان من تنوع وتنقل بين مقامات الموسيقا، فقد كان صوت الفهد شامخاً حاضراً يصدح بكل ما أوتي من قوة و تطريب وتميز..
* -أدلى عثاولة الموسيقا والغناء العربي بشهاداتهم بصوت فهد بلان ولونه الغنائي ودوره المعطاء في إغناء مكتبة الفن العربي حتى نال وبجدارة لقب سفير الأغنية السورية إلى العالم العربي وبلاد الاغتراب..
*-فهد بلان في السينما: لعب دور البطولة في عشرة أفلام سينمائية بجانب شهيرات الغناء والسينما العربية.. صباح، مريم فخر الدين، نجاح سلام، سميرة توفيق، وغيرهنَّ..
*-أما في التلفزيون، فقد شارك ببطولة مسلسل اجتماعي لبناني اسمه /أنا أنت/ ومعه الفنانة اللبنانية آمال عفيش ومجموعة من فناني لبنان المشهورين آنذاك..
* -ختاماً:
..لقد احتل الفنان الكبير الراحل فهد بلان وبجدارة فائقة ركناً عظيماً هاماً ومتميزاً من أركان الفن الغنائي على مستوى عالمنا العربي، فبات من الإجحاف والتقصير اختزال تاريخه الفني والإنساني بسطور أو صفحات قليلة متواضعة.. بل إن المجلدات قد لا تكفي للوفاء لذكرى ذلك الفنان العربي السوري العظيم.. لروحه السلام..
https://feneks.net/art/drama/82183-16-17
..(لقد أوجد فهد بلان منهجاً جديداً، وأسس مدرسة هامة في الغناء العربي، حين نسف أساليب الغناء السائدة آنذاك والممزوجة بالتوجع والأنين و"التسوُّل" العاطفي، واستبدل اسلوب الضعف والتخنث بألحان القوة والرجولة، فاستساغ الشعب العربي هذا الأسلوب من الغناء، وارتاحت له نفوسهم بعد زمن طويل طغت خلاله مدارس "النواح والبكائيات" في الغناء العربي..)!
..وأضاف الحامولي: بين كل المطربين العرب، فأنا لا أجد أجدر من صوت فهد بلان في تجديد وإحياء تراث جدٍِي المطرب القدير "عبده الحامولي")..!
*- الموسيقار المصري محمد الشريف (ملحن نشيد الله أكبر فوق كيد المعتدي).. اعتاد ان يخاطبه:
" يا (فَجْر).. بدلاً من (فهد) تحبباً و توصيفاً له بأنه (فَجْر الأغنية العربية)..
*- ونعود لرفيق دربه الموسيقار عبد الفتاح سكر الذي صرح ذات يوم:
.."كنت على خلاف شخصي عابر مع فهد، فقررت أن أتحداه في جُمل لحنية تعجيزية (في مجموعة أغاني المسلسل الإذاعي: موال من بلدي)..
..لكني وجدت نفسي أقف منذهلاً أمام "ديناصور غنائي" لا يعجز عن أداء أي جملة لحنية مهما بلغت من التعقيد والصعوبة!
*- ومفارقة طريفة أثارها الملحن الكبير الفنان سهيل عرفة إذ قال:
..لو غنَّى عبد الوهاب بذاته أغنية (واشرح لها) سنسمعه يؤديها بطريقة فهد بلان..!
..وتابع يقول: لو أنني سمعتُ قصيدة الأطلال بصوت فهد صدفة من الراديو بلا علم مُسبق، لأدركت فوراً بأنه.. فهد بــلان..!
..أعزائي..
* - لا شك بأن تلك التصنيفات الموثقة - و هي غيض من فيض - و غيرها قد استندت إلى تحليل فني دقيق صرح بها ذوو خبرات موسيقية فنية وأكاديمية، وخبرات أخرى في فسيولوجيا الصوت البشري. وليست مرتكزة على معايير النجومية والشهرة فقط. ولذلك فهي تصنيفات علمية حقيقية وعادلة ومنطقية.
*- أما من جهتي المتواضعة شخصياً، فقد تشبَّعَت أذني على مدى سنوات طويلة بصوت الفهد مباشرة وعلى الطبيعة، سواء بمرافقتي له على العود في جلسات وسهرات مشتركة لا حصر لها، أو مشاركتي له عزفاً في حفلاته، أو حضوري لتسجيلاته في استوديوهات متعددة..
..ومن هنا أتابع وأقول:
* - ينطوي صوت فهد بلان على مواصفات، بعضها فطري، وبعضها الآخر مكتسب. ومن الميزات الفطرية التي وهبها الخالق عز وجل لصوت الفهد:
*- الجهورية والعمق، القوة، الدفء، النبرة المميزة الواضحة والسليمة في النطق واللفظ، المساحة الواسعة والمطواعة في الأداء..
* - الكاريزما.. تلك السمات الطبيعية برزت أصلاً في صوت الفهد منذ صغره، ولكن عناصر "كاريزمية" أخرى خاصة تشكلت منها شخصيته وساهمت بشكل مؤثر في تنمية تلك الهبات التي انعم الله بها على صوته. فكان الفهد صاحب شخصية إنسانية رجولية قوية ممزوجة بالطيبة وخفة الظل، وحضور آخاذ وسرعة بديهة لماحة.. صادق حنون رؤوف كريم النفس.. كلها وغيرها من صفات حببت فيه الناس منذ صباه وجعلت منه نجماً اجتماعياً يشاركهم في مناسبات الأفراح والأعراس، منشداً لهم ما تيسر له من تراث وفولكلور الجبل والسهل والوادي والصحراء.. حتى استكمل بذلك تأسيس حنجرة ذهبية كانت قادرة على أداء لونه الخاص المميز في عالم الغناء العربي على مدى عقود من السنين.
*- موسيقياً: أستطيع القول وبكل معرفة وثقة بأن صوت الفهد يمتد بحرية مطلقة على مساحة أدناها (اوكتافين = سلمين موسيقيين = ١٦ درجة موسيقية تبدأ من قرار الصول حتى جواب الجواب لدرجة الصول نفسها).. يؤدي ضمن تلك المساحة بارتياح و تطريب وانسيابية.
..إلا أنه وفضلاً عن تلك المساحة الصوتية الواسعة، فقد اثبت قدرته الفائقة على أداء ثلاث مقامات أخفض من قرار الصول (فا - مي - ري) وبرز ذلك في أدائه لمذهب أغنية (يا صلاة الزين).. وغيرها من اغانٍ تردد صوته خلالها بين أدنى طبقات القرار وأعلاها جواباً..
..وفي أغنية (صلاة الزين) ذاتها، فقد أدى جملة لحنية تنطوي على معجزة صوتية عندما جمع فيها بصوته وفي آن واحد بين طبقتين (تينور = الصوت الرجالي الحاد+باص= الصوت الرجالي المنخفض الجهوري)، الأمر الذي أثار استغراب وإعجاب الكثير من الملحنين والموسيقيين فضلاً عن آراء غيرهم من النقاد والخبراء في الغناء والأصوات..
* - أما عن لونه الغنائي "البلاني":
..فقد استطاع فهد بلان أن يستفرد بلون جبلي افتقر إليه عالمنا العربي.. وذلك بجهوده مع رفيق دربه الطويل الملحن الراحل عبد الفتاح سكر وغيره من ملحنين سوريين وعرب آخرين، لكن الثنائي (الفهد وعبد الفتاح) فرض ذلك اللون المتميز بقوة ونجاح حتى على أذواق الكثير من كبار الملحنين العرب عندما التقت الحانهم مع صوت الفهد، فكان أن تركوا له مساحات واسعة لإبراز لونه وطبيعة صوته.. ومنهم: بليغ حمدي، فريد الأطرش، سيد مكاوي، محمد الموجي، محمود الشريف، خالد الأمير، فليمون وهبي.. وغيرهم..
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (16 و17).
2026.07.28
عماد بلان
..الرجال مواقف.. والفهد رجل المواقف المُشرّفة..!
==================================
..في دمشق، و ذات يوم من عام 1979م، رافقت الفهد بسيارته إلى محطة سفريات بيروت - دمشق ليستلم مغلفاً يخصه من أحد أصدقائه في لبنان.
..وفور دخولنا بوابة المحطة لاحظنا تجمهراً غفيراً لشباب يتدافعون لتخليص ثلاثة فتيان تحت السن القانوني وقد اعتقلهم عدد من رجال الجمارك وأمعنوا بهم إهانة وضرباً وركلاً أمام الناس..!
..أوقف أبو طلال سيارته وقال لي:
"..هذول أكيد عناصر من ادارة مكافحة التهريب، والأولاد مهربين ويسكي من لبنان.. بدي روح شوف صاير.."!
..رجوته ألا يتدخل تجنباً لأي إساءة قد يلقاها من أحد العناصر، إلا أنه أصرّ وترجّل من السيارة كالمارد مخترقاً صفوف المتجمهرين، تابعته أمشي بجانبه حتى وصل إلى عناصر الجمرك، استوقفهم، وقال لهم بكل لطف:
"..يا شباب.. بالله عليكم، لو سمحتوا اتركوهم.. خذوا المهربات.. بس اتركوهم، هذول أولاد صغار فقراء..
..ردّ أحد العناصر صارخاً:
"..هدول زعران مهربين، لازم بتبهدلوا حتى ما يعيدوها!
..وعاد الفهد يقول بكل أدب:
"..يا أخي.. خلص أنا أكفلهم ما يعيدوها..!
..هنا، تدخل الضابط رئيس المجموعة وقال:
"..يا أستاذ فهد.. الله يخليك.. انت ما إلك علاقة بالموضوع.. هذول مهربين زعران، ونحنا معنا مأمورية من "معلمنا" باعتقالهم.. ومصادرة المهربات كلها..!
..ارتفع صوت الفهد و قال له بنبرة حادة:
..تعتقلوهمً؟ فهمنا.. تصادروا مهرباتهم؟ كمان فهمنا.. بس ليش الإهانات والضرب؟
..حرام عليكم.. هدول صغار وفقرا..!
..وبكل وقاحة رد عليه الضابط:
"..روح أستاذ.. روح واتركنا نشوف شغلنا.. وأدار ظهره للفهـد وعاد يركل الأولاد بقدمه..!
..هنا انقلب فهد الفنان الرقيق العطوف إلى فهد كاسر وسط هتافات المتجمهرين حوله.. فوقف كالجبل الشامخ حاجزاً بين الأولاد والعناصر، ثم أمسك بالأولاد الثلاثة وجذبهم خلفه بقوة قائلاً لعناصر الجمارك بكل حزم:
"..هيك لكان؟!.. طيب اسمعوا هالكلام يللي راح يسر خاطركم: بترجعوا لمعلمكم وتبلغوه عن لساني:
"..خليه يروح يعتقل المهربين الكبار بالبلد بالأول، وبعدين يعتقل هذول الصغار، وقولوا له كمان بأن "معلمي" أنا هو من منعكم من اعتقال هذول الأولاد..!
..فأجابه الضابط بشيء من التهكم:
"..ممكن نعرف مين هوي معلمك أستاذ فهد"..؟!
..فصرخ الفهد بعالي صوته مشيراً إلى العشرات من الشباب الذين حاصروه بكل الحب والمؤازرة:
"..كل مواطن من هذول.. هو معلمي"..!
**
..حلقة خاصة في دراسة موجزة لصوته ولونه الغنائي..
==================================
..فيما مضى، نشرت لحضراتكم حلقات عديدة تضمنت خصوصيات وعموميات في مسيرة حياة الفنان الكبير الراحل فهد بلان إنسانياً وفنياً، وتوقفتُ عند محطات مختارة من ذكريات شهدتها معه أو سمعتها منه شخصياً دارت حول شخصية الفهد الإنسان، والفنان..
..أما اليوم، فسأتحدث عن الخصوصيات الفنية لفهد بلان، من حيث طبيعة صوته المتميزة التي وهبها له الله تعالى، ومدرسته الغنائية النادرة ولونه الفني ككل، والذي على متنه وصل إلى أقصى وأوسع آفاق النجومية والشهرة عبر عالمنا العربي، من محيطه إلى خليجه.
..تفضلوا بالمتابعة:
* - أبدأ بتصريح موثق لأحد النقاد، وهو مستشرق غربي متخصص في الأصوات الغنائية وقال:
..(..إن صوت الفنان فهد بلان، هو واحد من أقوى خمسة أصوات غنائية على مستوى العالم خلال القرن العشرين من حيث قوّته ومساحته التي تغطي أدنى قرار وأعلى جواب، فضلاً عن جهوريته الرخيمة الطروبة.. وقدرته على أداء أصعب الجمل اللحنية الشرقية بكل مرونة واقتدار وحرفية..)..!
.. انتهى اقتباسي لتصريح ذلك المستشرق الأكاديمي الذي غاب عني اسمه..!
*- قال عنه الموسيقار الراحل فريد الأطرش:
.."لا أمدح صوته لأنه ابن بلدي، بل لأنني أشعر بكل الارتياح عندما أتعاون معه شخصياً وفنياً ولديه إمكانيات صوتية لا حدود لها"..
*- وقال الموسيقار سيد مكاوي:
.."أنت تعطي فهد بلان اللحن شجرة عارية فتسمع منه اللحن مزهواً بأجمل الأزهار"..
..كما وصف صوت الفهد بأنه: "الصوت الذي لا يرقى إليه الغبار الدري"..!
*- أما الموسيقار بليغ حمدي فقد قال لصديقه الفهد -وكنتُ برفقتهما في دمشق-:
"يا فهد، إذا أنت تفتخر بانتمائك الوطني إلى سورية، فنحن نفتخر بانتمائك الفني للعالم العربي كله"..!
*- وكذلك قالت عنه سيدة الغناء العربي أم كلثوم:
.."فهد بلان لون جديد، وأداء جديد، ومغنى جديد في الغناء العربي".
..كما نُسبَ إليها قولها الطريف خلال جلسة خاصة لها مع نقّاد مصريين:
.."أول مرة أسمع وأشوف "راجل" بيغني..
كلهم بيبكوا.. دموع بدموع.. إلا فهد بلان"..!
* - أما حفيد المطرب المصري العظيم الراحل عبده الحامولي (1836م- 1901م) وهو موسيقي أكاديمي، فقد أوجز في تصريح له يقول فيه:
*- موسيقياً: أستطيع القول وبكل معرفة وثقة بأن صوت الفهد يمتد بحرية مطلقة على مساحة أدناها (اوكتافين = سلمين موسيقيين = ١٦ درجة موسيقية تبدأ من قرار الصول حتى جواب الجواب لدرجة الصول نفسها).. يؤدي ضمن تلك المساحة بارتياح و تطريب وانسيابية.
..إلا أنه وفضلاً عن تلك المساحة الصوتية الواسعة، فقد اثبت قدرته الفائقة على أداء ثلاث مقامات أخفض من قرار الصول (فا - مي - ري) وبرز ذلك في أدائه لمذهب أغنية (يا صلاة الزين).. وغيرها من اغانٍ تردد صوته خلالها بين أدنى طبقات القرار وأعلاها جواباً..
..وفي أغنية (صلاة الزين) ذاتها، فقد أدى جملة لحنية تنطوي على معجزة صوتية عندما جمع فيها بصوته وفي آن واحد بين طبقتين (تينور = الصوت الرجالي الحاد+باص= الصوت الرجالي المنخفض الجهوري)، الأمر الذي أثار استغراب وإعجاب الكثير من الملحنين والموسيقيين فضلاً عن آراء غيرهم من النقاد والخبراء في الغناء والأصوات..
* - أما عن لونه الغنائي "البلاني":
..فقد استطاع فهد بلان أن يستفرد بلون جبلي افتقر إليه عالمنا العربي.. وذلك بجهوده مع رفيق دربه الطويل الملحن الراحل عبد الفتاح سكر وغيره من ملحنين سوريين وعرب آخرين، لكن الثنائي (الفهد وعبد الفتاح) فرض ذلك اللون المتميز بقوة ونجاح حتى على أذواق الكثير من كبار الملحنين العرب عندما التقت الحانهم مع صوت الفهد، فكان أن تركوا له مساحات واسعة لإبراز لونه وطبيعة صوته.. ومنهم: بليغ حمدي، فريد الأطرش، سيد مكاوي، محمد الموجي، محمود الشريف، خالد الأمير، فليمون وهبي.. وغيرهم..
* -كان كبار الملحنين يعبرون عن ارتياحهم الكامل عند تعاونهم مع فهد بلان لثقتهم التامة بقدرته المتميزة على أداء كافة ألوان الغناء بل وأصعبها، ابتداءً بالأغنية الشعبية، القصيدة والأنشودة الوطنية والأهزوجة التراثية والموشحات والحواريات.
..ومهما اقتضت تلك الألوان من تنوع وتنقل بين مقامات الموسيقا، فقد كان صوت الفهد شامخاً حاضراً يصدح بكل ما أوتي من قوة و تطريب وتميز..
* -أدلى عثاولة الموسيقا والغناء العربي بشهاداتهم بصوت فهد بلان ولونه الغنائي ودوره المعطاء في إغناء مكتبة الفن العربي حتى نال وبجدارة لقب سفير الأغنية السورية إلى العالم العربي وبلاد الاغتراب..
*-فهد بلان في السينما: لعب دور البطولة في عشرة أفلام سينمائية بجانب شهيرات الغناء والسينما العربية.. صباح، مريم فخر الدين، نجاح سلام، سميرة توفيق، وغيرهنَّ..
*-أما في التلفزيون، فقد شارك ببطولة مسلسل اجتماعي لبناني اسمه /أنا أنت/ ومعه الفنانة اللبنانية آمال عفيش ومجموعة من فناني لبنان المشهورين آنذاك..
* -ختاماً:
..لقد احتل الفنان الكبير الراحل فهد بلان وبجدارة فائقة ركناً عظيماً هاماً ومتميزاً من أركان الفن الغنائي على مستوى عالمنا العربي، فبات من الإجحاف والتقصير اختزال تاريخه الفني والإنساني بسطور أو صفحات قليلة متواضعة.. بل إن المجلدات قد لا تكفي للوفاء لذكرى ذلك الفنان العربي السوري العظيم.. لروحه السلام..
..(..إن صوت الفنان فهد بلان، هو واحد من أقوى خمسة أصوات غنائية على مستوى العالم خلال القرن العشرين من حيث قوّته ومساحته التي تغطي أدنى قرار وأعلى جواب، فضلاً عن جهوريته الرخيمة الطروبة.. وقدرته على أداء أصعب الجمل اللحنية الشرقية بكل مرونة واقتدار وحرفية..)..!
.. انتهى اقتباسي لتصريح ذلك المستشرق الأكاديمي الذي غاب عني اسمه..!
*- قال عنه الموسيقار الراحل فريد الأطرش:
.."لا أمدح صوته لأنه ابن بلدي، بل لأنني أشعر بكل الارتياح عندما أتعاون معه شخصياً وفنياً ولديه إمكانيات صوتية لا حدود لها"..
*- وقال الموسيقار سيد مكاوي:
.."أنت تعطي فهد بلان اللحن شجرة عارية فتسمع منه اللحن مزهواً بأجمل الأزهار"..
..كما وصف صوت الفهد بأنه: "الصوت الذي لا يرقى إليه الغبار الدري"..!
*- أما الموسيقار بليغ حمدي فقد قال لصديقه الفهد -وكنتُ برفقتهما في دمشق-:
"يا فهد، إذا أنت تفتخر بانتمائك الوطني إلى سورية، فنحن نفتخر بانتمائك الفني للعالم العربي كله"..!
*- وكذلك قالت عنه سيدة الغناء العربي أم كلثوم:
.."فهد بلان لون جديد، وأداء جديد، ومغنى جديد في الغناء العربي".
..كما نُسبَ إليها قولها الطريف خلال جلسة خاصة لها مع نقّاد مصريين:
.."أول مرة أسمع وأشوف "راجل" بيغني..
كلهم بيبكوا.. دموع بدموع.. إلا فهد بلان"..!
* - أما حفيد المطرب المصري العظيم الراحل عبده الحامولي (1836م- 1901م) وهو موسيقي أكاديمي، فقد أوجز في تصريح له يقول فيه:
..(لقد أوجد فهد بلان منهجاً جديداً، وأسس مدرسة هامة في الغناء العربي، حين نسف أساليب الغناء السائدة آنذاك والممزوجة بالتوجع والأنين و"التسوُّل" العاطفي، واستبدل اسلوب الضعف والتخنث بألحان القوة والرجولة، فاستساغ الشعب العربي هذا الأسلوب من الغناء، وارتاحت له نفوسهم بعد زمن طويل طغت خلاله مدارس "النواح والبكائيات" في الغناء العربي..)!
..وأضاف الحامولي: بين كل المطربين العرب، فأنا لا أجد أجدر من صوت فهد بلان في تجديد وإحياء تراث جدٍِي المطرب القدير "عبده الحامولي")..!
*- الموسيقار المصري محمد الشريف (ملحن نشيد الله أكبر فوق كيد المعتدي).. اعتاد ان يخاطبه:
" يا (فَجْر).. بدلاً من (فهد) تحبباً و توصيفاً له بأنه (فَجْر الأغنية العربية)..
*- ونعود لرفيق دربه الموسيقار عبد الفتاح سكر الذي صرح ذات يوم:
.."كنت على خلاف شخصي عابر مع فهد، فقررت أن أتحداه في جُمل لحنية تعجيزية (في مجموعة أغاني المسلسل الإذاعي: موال من بلدي)..
..لكني وجدت نفسي أقف منذهلاً أمام "ديناصور غنائي" لا يعجز عن أداء أي جملة لحنية مهما بلغت من التعقيد والصعوبة!
*- ومفارقة طريفة أثارها الملحن الكبير الفنان سهيل عرفة إذ قال:
..لو غنَّى عبد الوهاب بذاته أغنية (واشرح لها) سنسمعه يؤديها بطريقة فهد بلان..!
..وتابع يقول: لو أنني سمعتُ قصيدة الأطلال بصوت فهد صدفة من الراديو بلا علم مُسبق، لأدركت فوراً بأنه.. فهد بــلان..!
..أعزائي..
* - لا شك بأن تلك التصنيفات الموثقة - و هي غيض من فيض - و غيرها قد استندت إلى تحليل فني دقيق صرح بها ذوو خبرات موسيقية فنية وأكاديمية، وخبرات أخرى في فسيولوجيا الصوت البشري. وليست مرتكزة على معايير النجومية والشهرة فقط. ولذلك فهي تصنيفات علمية حقيقية وعادلة ومنطقية.
*- أما من جهتي المتواضعة شخصياً، فقد تشبَّعَت أذني على مدى سنوات طويلة بصوت الفهد مباشرة وعلى الطبيعة، سواء بمرافقتي له على العود في جلسات وسهرات مشتركة لا حصر لها، أو مشاركتي له عزفاً في حفلاته، أو حضوري لتسجيلاته في استوديوهات متعددة..
..ومن هنا أتابع وأقول:
* - ينطوي صوت فهد بلان على مواصفات، بعضها فطري، وبعضها الآخر مكتسب. ومن الميزات الفطرية التي وهبها الخالق عز وجل لصوت الفهد:
*- الجهورية والعمق، القوة، الدفء، النبرة المميزة الواضحة والسليمة في النطق واللفظ، المساحة الواسعة والمطواعة في الأداء..
* - الكاريزما.. تلك السمات الطبيعية برزت أصلاً في صوت الفهد منذ صغره، ولكن عناصر "كاريزمية" أخرى خاصة تشكلت منها شخصيته وساهمت بشكل مؤثر في تنمية تلك الهبات التي انعم الله بها على صوته. فكان الفهد صاحب شخصية إنسانية رجولية قوية ممزوجة بالطيبة وخفة الظل، وحضور آخاذ وسرعة بديهة لماحة.. صادق حنون رؤوف كريم النفس.. كلها وغيرها من صفات حببت فيه الناس منذ صباه وجعلت منه نجماً اجتماعياً يشاركهم في مناسبات الأفراح والأعراس، منشداً لهم ما تيسر له من تراث وفولكلور الجبل والسهل والوادي والصحراء.. حتى استكمل بذلك تأسيس حنجرة ذهبية كانت قادرة على أداء لونه الخاص المميز في عالم الغناء العربي على مدى عقود من السنين.
* -كان كبار الملحنين يعبرون عن ارتياحهم الكامل عند تعاونهم مع فهد بلان لثقتهم التامة بقدرته المتميزة على أداء كافة ألوان الغناء بل وأصعبها، ابتداءً بالأغنية الشعبية، القصيدة والأنشودة الوطنية والأهزوجة التراثية والموشحات والحواريات.
..ومهما اقتضت تلك الألوان من تنوع وتنقل بين مقامات الموسيقا، فقد كان صوت الفهد شامخاً حاضراً يصدح بكل ما أوتي من قوة و تطريب وتميز..
* -أدلى عثاولة الموسيقا والغناء العربي بشهاداتهم بصوت فهد بلان ولونه الغنائي ودوره المعطاء في إغناء مكتبة الفن العربي حتى نال وبجدارة لقب سفير الأغنية السورية إلى العالم العربي وبلاد الاغتراب..
*-فهد بلان في السينما: لعب دور البطولة في عشرة أفلام سينمائية بجانب شهيرات الغناء والسينما العربية.. صباح، مريم فخر الدين، نجاح سلام، سميرة توفيق، وغيرهنَّ..
*-أما في التلفزيون، فقد شارك ببطولة مسلسل اجتماعي لبناني اسمه /أنا أنت/ ومعه الفنانة اللبنانية آمال عفيش ومجموعة من فناني لبنان المشهورين آنذاك..
* -ختاماً:
..لقد احتل الفنان الكبير الراحل فهد بلان وبجدارة فائقة ركناً عظيماً هاماً ومتميزاً من أركان الفن الغنائي على مستوى عالمنا العربي، فبات من الإجحاف والتقصير اختزال تاريخه الفني والإنساني بسطور أو صفحات قليلة متواضعة.. بل إن المجلدات قد لا تكفي للوفاء لذكرى ذلك الفنان العربي السوري العظيم.. لروحه السلام..
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (16 و17).
2026.07.28
عماد بلان
..الرجال مواقف.. والفهد رجل المواقف المُشرّفة..!
==================================
..في دمشق، و ذات يوم من عام 1979م، رافقت الفهد بسيارته إلى محطة سفريات بيروت - دمشق ليستلم مغلفاً يخصه من أحد أصدقائه في لبنان.
..وفور دخولنا بوابة المحطة لاحظنا تجمهراً غفيراً لشباب يتدافعون لتخليص ثلاثة فتيان تحت السن القانوني وقد اعتقلهم عدد من رجال الجمارك وأمعنوا بهم إهانة وضرباً وركلاً أمام الناس..!
..أوقف أبو طلال سيارته وقال لي:
"..هذول أكيد عناصر من ادارة مكافحة التهريب، والأولاد مهربين ويسكي من لبنان.. بدي روح شوف صاير.."!
..رجوته ألا يتدخل تجنباً لأي إساءة قد يلقاها من أحد العناصر، إلا أنه أصرّ وترجّل من السيارة كالمارد مخترقاً صفوف المتجمهرين، تابعته أمشي بجانبه حتى وصل إلى عناصر الجمرك، استوقفهم، وقال لهم بكل لطف:
"..يا شباب.. بالله عليكم، لو سمحتوا اتركوهم.. خذوا المهربات.. بس اتركوهم، هذول أولاد صغار فقراء..
..ردّ أحد العناصر صارخاً:
"..هدول زعران مهربين، لازم بتبهدلوا حتى ما يعيدوها!
..وعاد الفهد يقول بكل أدب:
"..يا أخي.. خلص أنا أكفلهم ما يعيدوها..!
..هنا، تدخل الضابط رئيس المجموعة وقال:
"..يا أستاذ فهد.. الله يخليك.. انت ما إلك علاقة بالموضوع.. هذول مهربين زعران، ونحنا معنا مأمورية من "معلمنا" باعتقالهم.. ومصادرة المهربات كلها..!
..ارتفع صوت الفهد و قال له بنبرة حادة:
..تعتقلوهمً؟ فهمنا.. تصادروا مهرباتهم؟ كمان فهمنا.. بس ليش الإهانات والضرب؟
..حرام عليكم.. هدول صغار وفقرا..!
..وبكل وقاحة رد عليه الضابط:
"..روح أستاذ.. روح واتركنا نشوف شغلنا.. وأدار ظهره للفهـد وعاد يركل الأولاد بقدمه..!
..هنا انقلب فهد الفنان الرقيق العطوف إلى فهد كاسر وسط هتافات المتجمهرين حوله.. فوقف كالجبل الشامخ حاجزاً بين الأولاد والعناصر، ثم أمسك بالأولاد الثلاثة وجذبهم خلفه بقوة قائلاً لعناصر الجمارك بكل حزم:
"..هيك لكان؟!.. طيب اسمعوا هالكلام يللي راح يسر خاطركم: بترجعوا لمعلمكم وتبلغوه عن لساني:
"..خليه يروح يعتقل المهربين الكبار بالبلد بالأول، وبعدين يعتقل هذول الصغار، وقولوا له كمان بأن "معلمي" أنا هو من منعكم من اعتقال هذول الأولاد..!
..فأجابه الضابط بشيء من التهكم:
"..ممكن نعرف مين هوي معلمك أستاذ فهد"..؟!
..فصرخ الفهد بعالي صوته مشيراً إلى العشرات من الشباب الذين حاصروه بكل الحب والمؤازرة:
"..كل مواطن من هذول.. هو معلمي"..!
**
..حلقة خاصة في دراسة موجزة لصوته ولونه الغنائي..
==================================
..فيما مضى، نشرت لحضراتكم حلقات عديدة تضمنت خصوصيات وعموميات في مسيرة حياة الفنان الكبير الراحل فهد بلان إنسانياً وفنياً، وتوقفتُ عند محطات مختارة من ذكريات شهدتها معه أو سمعتها منه شخصياً دارت حول شخصية الفهد الإنسان، والفنان..
..أما اليوم، فسأتحدث عن الخصوصيات الفنية لفهد بلان، من حيث طبيعة صوته المتميزة التي وهبها له الله تعالى، ومدرسته الغنائية النادرة ولونه الفني ككل، والذي على متنه وصل إلى أقصى وأوسع آفاق النجومية والشهرة عبر عالمنا العربي، من محيطه إلى خليجه.
..تفضلوا بالمتابعة:
* - أبدأ بتصريح موثق لأحد النقاد، وهو مستشرق غربي متخصص في الأصوات الغنائية وقال:
..(لقد أوجد فهد بلان منهجاً جديداً، وأسس مدرسة هامة في الغناء العربي، حين نسف أساليب الغناء السائدة آنذاك والممزوجة بالتوجع والأنين و"التسوُّل" العاطفي، واستبدل اسلوب الضعف والتخنث بألحان القوة والرجولة، فاستساغ الشعب العربي هذا الأسلوب من الغناء، وارتاحت له نفوسهم بعد زمن طويل طغت خلاله مدارس "النواح والبكائيات" في الغناء العربي..)!
..وأضاف الحامولي: بين كل المطربين العرب، فأنا لا أجد أجدر من صوت فهد بلان في تجديد وإحياء تراث جدٍِي المطرب القدير "عبده الحامولي")..!
*- الموسيقار المصري محمد الشريف (ملحن نشيد الله أكبر فوق كيد المعتدي).. اعتاد ان يخاطبه:
" يا (فَجْر).. بدلاً من (فهد) تحبباً و توصيفاً له بأنه (فَجْر الأغنية العربية)..
*- ونعود لرفيق دربه الموسيقار عبد الفتاح سكر الذي صرح ذات يوم:
.."كنت على خلاف شخصي عابر مع فهد، فقررت أن أتحداه في جُمل لحنية تعجيزية (في مجموعة أغاني المسلسل الإذاعي: موال من بلدي)..
..لكني وجدت نفسي أقف منذهلاً أمام "ديناصور غنائي" لا يعجز عن أداء أي جملة لحنية مهما بلغت من التعقيد والصعوبة!
*- ومفارقة طريفة أثارها الملحن الكبير الفنان سهيل عرفة إذ قال:
..لو غنَّى عبد الوهاب بذاته أغنية (واشرح لها) سنسمعه يؤديها بطريقة فهد بلان..!
..وتابع يقول: لو أنني سمعتُ قصيدة الأطلال بصوت فهد صدفة من الراديو بلا علم مُسبق، لأدركت فوراً بأنه.. فهد بــلان..!
..أعزائي..
* - لا شك بأن تلك التصنيفات الموثقة - و هي غيض من فيض - و غيرها قد استندت إلى تحليل فني دقيق صرح بها ذوو خبرات موسيقية فنية وأكاديمية، وخبرات أخرى في فسيولوجيا الصوت البشري. وليست مرتكزة على معايير النجومية والشهرة فقط. ولذلك فهي تصنيفات علمية حقيقية وعادلة ومنطقية.
*- أما من جهتي المتواضعة شخصياً، فقد تشبَّعَت أذني على مدى سنوات طويلة بصوت الفهد مباشرة وعلى الطبيعة، سواء بمرافقتي له على العود في جلسات وسهرات مشتركة لا حصر لها، أو مشاركتي له عزفاً في حفلاته، أو حضوري لتسجيلاته في استوديوهات متعددة..
..ومن هنا أتابع وأقول:
* - ينطوي صوت فهد بلان على مواصفات، بعضها فطري، وبعضها الآخر مكتسب. ومن الميزات الفطرية التي وهبها الخالق عز وجل لصوت الفهد:
*- الجهورية والعمق، القوة، الدفء، النبرة المميزة الواضحة والسليمة في النطق واللفظ، المساحة الواسعة والمطواعة في الأداء..
* - الكاريزما.. تلك السمات الطبيعية برزت أصلاً في صوت الفهد منذ صغره، ولكن عناصر "كاريزمية" أخرى خاصة تشكلت منها شخصيته وساهمت بشكل مؤثر في تنمية تلك الهبات التي انعم الله بها على صوته. فكان الفهد صاحب شخصية إنسانية رجولية قوية ممزوجة بالطيبة وخفة الظل، وحضور آخاذ وسرعة بديهة لماحة.. صادق حنون رؤوف كريم النفس.. كلها وغيرها من صفات حببت فيه الناس منذ صباه وجعلت منه نجماً اجتماعياً يشاركهم في مناسبات الأفراح والأعراس، منشداً لهم ما تيسر له من تراث وفولكلور الجبل والسهل والوادي والصحراء.. حتى استكمل بذلك تأسيس حنجرة ذهبية كانت قادرة على أداء لونه الخاص المميز في عالم الغناء العربي على مدى عقود من السنين.
*- موسيقياً: أستطيع القول وبكل معرفة وثقة بأن صوت الفهد يمتد بحرية مطلقة على مساحة أدناها (اوكتافين = سلمين موسيقيين = ١٦ درجة موسيقية تبدأ من قرار الصول حتى جواب الجواب لدرجة الصول نفسها).. يؤدي ضمن تلك المساحة بارتياح و تطريب وانسيابية.
..إلا أنه وفضلاً عن تلك المساحة الصوتية الواسعة، فقد اثبت قدرته الفائقة على أداء ثلاث مقامات أخفض من قرار الصول (فا - مي - ري) وبرز ذلك في أدائه لمذهب أغنية (يا صلاة الزين).. وغيرها من اغانٍ تردد صوته خلالها بين أدنى طبقات القرار وأعلاها جواباً..
..وفي أغنية (صلاة الزين) ذاتها، فقد أدى جملة لحنية تنطوي على معجزة صوتية عندما جمع فيها بصوته وفي آن واحد بين طبقتين (تينور = الصوت الرجالي الحاد+باص= الصوت الرجالي المنخفض الجهوري)، الأمر الذي أثار استغراب وإعجاب الكثير من الملحنين والموسيقيين فضلاً عن آراء غيرهم من النقاد والخبراء في الغناء والأصوات..
* - أما عن لونه الغنائي "البلاني":
..فقد استطاع فهد بلان أن يستفرد بلون جبلي افتقر إليه عالمنا العربي.. وذلك بجهوده مع رفيق دربه الطويل الملحن الراحل عبد الفتاح سكر وغيره من ملحنين سوريين وعرب آخرين، لكن الثنائي (الفهد وعبد الفتاح) فرض ذلك اللون المتميز بقوة ونجاح حتى على أذواق الكثير من كبار الملحنين العرب عندما التقت الحانهم مع صوت الفهد، فكان أن تركوا له مساحات واسعة لإبراز لونه وطبيعة صوته.. ومنهم: بليغ حمدي، فريد الأطرش، سيد مكاوي، محمد الموجي، محمود الشريف، خالد الأمير، فليمون وهبي.. وغيرهم..
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (16 و17).
2026.07.28
عماد بلان
..الرجال مواقف.. والفهد رجل المواقف المُشرّفة..!
==================================
..في دمشق، و ذات يوم من عام 1979م، رافقت الفهد بسيارته إلى محطة سفريات بيروت - دمشق ليستلم مغلفاً يخصه من أحد أصدقائه في لبنان.
..وفور دخولنا بوابة المحطة لاحظنا تجمهراً غفيراً لشباب يتدافعون لتخليص ثلاثة فتيان تحت السن القانوني وقد اعتقلهم عدد من رجال الجمارك وأمعنوا بهم إهانة وضرباً وركلاً أمام الناس..!
..أوقف أبو طلال سيارته وقال لي:
"..هذول أكيد عناصر من ادارة مكافحة التهريب، والأولاد مهربين ويسكي من لبنان.. بدي روح شوف صاير.."!
..رجوته ألا يتدخل تجنباً لأي إساءة قد يلقاها من أحد العناصر، إلا أنه أصرّ وترجّل من السيارة كالمارد مخترقاً صفوف المتجمهرين، تابعته أمشي بجانبه حتى وصل إلى عناصر الجمرك، استوقفهم، وقال لهم بكل لطف:
"..يا شباب.. بالله عليكم، لو سمحتوا اتركوهم.. خذوا المهربات.. بس اتركوهم، هذول أولاد صغار فقراء..
..ردّ أحد العناصر صارخاً:
"..هدول زعران مهربين، لازم بتبهدلوا حتى ما يعيدوها!
..وعاد الفهد يقول بكل أدب:
"..يا أخي.. خلص أنا أكفلهم ما يعيدوها..!
..هنا، تدخل الضابط رئيس المجموعة وقال:
"..يا أستاذ فهد.. الله يخليك.. انت ما إلك علاقة بالموضوع.. هذول مهربين زعران، ونحنا معنا مأمورية من "معلمنا" باعتقالهم.. ومصادرة المهربات كلها..!
..ارتفع صوت الفهد و قال له بنبرة حادة:
..تعتقلوهمً؟ فهمنا.. تصادروا مهرباتهم؟ كمان فهمنا.. بس ليش الإهانات والضرب؟
..حرام عليكم.. هدول صغار وفقرا..!
..وبكل وقاحة رد عليه الضابط:
"..روح أستاذ.. روح واتركنا نشوف شغلنا.. وأدار ظهره للفهـد وعاد يركل الأولاد بقدمه..!
..هنا انقلب فهد الفنان الرقيق العطوف إلى فهد كاسر وسط هتافات المتجمهرين حوله.. فوقف كالجبل الشامخ حاجزاً بين الأولاد والعناصر، ثم أمسك بالأولاد الثلاثة وجذبهم خلفه بقوة قائلاً لعناصر الجمارك بكل حزم:
"..هيك لكان؟!.. طيب اسمعوا هالكلام يللي راح يسر خاطركم: بترجعوا لمعلمكم وتبلغوه عن لساني:
"..خليه يروح يعتقل المهربين الكبار بالبلد بالأول، وبعدين يعتقل هذول الصغار، وقولوا له كمان بأن "معلمي" أنا هو من منعكم من اعتقال هذول الأولاد..!
..فأجابه الضابط بشيء من التهكم:
"..ممكن نعرف مين هوي معلمك أستاذ فهد"..؟!
..فصرخ الفهد بعالي صوته مشيراً إلى العشرات من الشباب الذين حاصروه بكل الحب والمؤازرة:
"..كل مواطن من هذول.. هو معلمي"..!
**
..حلقة خاصة في دراسة موجزة لصوته ولونه الغنائي..
==================================
..فيما مضى، نشرت لحضراتكم حلقات عديدة تضمنت خصوصيات وعموميات في مسيرة حياة الفنان الكبير الراحل فهد بلان إنسانياً وفنياً، وتوقفتُ عند محطات مختارة من ذكريات شهدتها معه أو سمعتها منه شخصياً دارت حول شخصية الفهد الإنسان، والفنان..
..أما اليوم، فسأتحدث عن الخصوصيات الفنية لفهد بلان، من حيث طبيعة صوته المتميزة التي وهبها له الله تعالى، ومدرسته الغنائية النادرة ولونه الفني ككل، والذي على متنه وصل إلى أقصى وأوسع آفاق النجومية والشهرة عبر عالمنا العربي، من محيطه إلى خليجه.
..تفضلوا بالمتابعة:
* - أبدأ بتصريح موثق لأحد النقاد، وهو مستشرق غربي متخصص في الأصوات الغنائية وقال:
..(..إن صوت الفنان فهد بلان، هو واحد من أقوى خمسة أصوات غنائية على مستوى العالم خلال القرن العشرين من حيث قوّته ومساحته التي تغطي أدنى قرار وأعلى جواب، فضلاً عن جهوريته الرخيمة الطروبة.. وقدرته على أداء أصعب الجمل اللحنية الشرقية بكل مرونة واقتدار وحرفية..)..!
.. انتهى اقتباسي لتصريح ذلك المستشرق الأكاديمي الذي غاب عني اسمه..!
*- قال عنه الموسيقار الراحل فريد الأطرش:
.."لا أمدح صوته لأنه ابن بلدي، بل لأنني أشعر بكل الارتياح عندما أتعاون معه شخصياً وفنياً ولديه إمكانيات صوتية لا حدود لها"..
*- وقال الموسيقار سيد مكاوي:
.."أنت تعطي فهد بلان اللحن شجرة عارية فتسمع منه اللحن مزهواً بأجمل الأزهار"..
..كما وصف صوت الفهد بأنه: "الصوت الذي لا يرقى إليه الغبار الدري"..!
*- أما الموسيقار بليغ حمدي فقد قال لصديقه الفهد -وكنتُ برفقتهما في دمشق-:
"يا فهد، إذا أنت تفتخر بانتمائك الوطني إلى سورية، فنحن نفتخر بانتمائك الفني للعالم العربي كله"..!
*- وكذلك قالت عنه سيدة الغناء العربي أم كلثوم:
.."فهد بلان لون جديد، وأداء جديد، ومغنى جديد في الغناء العربي".
..كما نُسبَ إليها قولها الطريف خلال جلسة خاصة لها مع نقّاد مصريين:
.."أول مرة أسمع وأشوف "راجل" بيغني..
كلهم بيبكوا.. دموع بدموع.. إلا فهد بلان"..!
* - أما حفيد المطرب المصري العظيم الراحل عبده الحامولي (1836م- 1901م) وهو موسيقي أكاديمي، فقد أوجز في تصريح له يقول فيه:
..ثم قدم سهيل للفهد أغنيتين عاطفيتين صاغ لحنيهما على طريقة الثنائي كمال الطويل وعبد الحليم حافظ، وكان هذا سبباً كافياً لرفضهما من قبل لجنة الرقابة في إذاعة دمشق..! فقد تقمص الفهد خلالهما شخصية عبد الحليم الغنائية المختلفة عن لونه وطريقته في الأداء.. فما العمل لتمرير الأغنيتين..؟
..كان الفهد على معرفة بالسيد /توفيق حسن/ بحكم أنه من مدينة السويداء ويشغل منصب مدير إذاعة حلب آنذاك، اتصل به الفهد يرجو زيارته في مكتبه، فحمل معه شريط الأغنيتين وقفصاً لفرخين من الحجل طلبهما منه توفيق حسن.. بينما حمل سهيل عرفة عوده ومضى الرجلان في رحلتهما من دمشق إلى حلب. وهناك نزلا في فندق متواضع، وصباح اليوم التالي أخذ الفهد الشريط وتوجه به إلى مكتب توفيق حسن – مدير الإذاعة، لكن هذا لم يتمكن من استقباله بسبب ازدحام جدول أعماله، وأرجأ الموعد لليوم التالي.. وفي اليوم التالي حدث الشيء ذاته.. فالرجل مشغول.. ومضى اليوم الثالث.. والرابع.. مصاريفهما تتزايد وفاتورة الفندق تتراكم، ولا مال يكفي لديهما..! إلى أن حان موعد جديد، حمل الفهد قفص الحجل بينما حمل سهيل عوده ومضيا نحو الباب، لكن صاحب الفندق سرعان ما رآهما واستوقفهما بنبرة عالية:
"شو لوين شباب ماشيين؟ هيك لا إحم ولا دساتير.. ولا دفع الفواتير..؟! يا بتدفعوا فاتورتكم يا إما بجيب الشرطة..!"
..وأمام هذا الموقف المحرج، قدم له الفهد عرضاً وقال: اسمع سيدنا.. أنا بروح مشواري وبرجع.. وانت خللي هذا الرجـَّـال – يقصد سهيل - ومعه عوده رهينة عندك حتى إرجع.. شو رأيك..؟! وافق الحجي صاحب الفندق ومضى الفهد في سبيله وحيداً.
..وباختصار: تم رفض الأغنيتين أيضاً في إذاعة حلب..! لكن مدير الإذاعة أشفق على حال الفهد وصديقه المحجوز رهينة في الفندق، فما كان منه إلا وأن نقد الفهد بمبلغ مائة ليرة سورية على سبيل الهدية مقابل هدية القفص والحجلتين..! عاد الفهد ليسدد فاتورة الفندق ويحرر صديقه سهيل من الرهن.. ليعودا من حلب بخفي حنين..!
..هكذا كانت معاناة الفنان الحقيقي تلك الأيام.. ولكم أن تتخيلوها من واقع ذلك المشهد الدرامي الذي جمع رجلين بات كلاهما قطبين من أقطاب الغناء والتلحين فيما بعد..!
..وأنتقل بصحبتكم إلى مشهد طريف آخر:
..في الدور الثاني للمبنى القديم لإذاعة دمشق، وعلى شرفة صغيرة كان يجلس عليها الفهد برفقة صديقه الإعلامي الراحل /عبد الله الشيتي/ مع القهوة والسجائر، يراقبان احتفالاً لتخريج دفعة من عناصر الأمن الداخلي في ساحة مدرسة الشرطة المقابلة للشرفة. بعد انتهاء الحفل، لمح الفهد أحد الخريجين وربما كان يعرفه، ناداه ليشاركه الجلسة الحميمة مع صديقه عبد الله الشيتي، وصل الشرطي الخريج، فسأله الفهد: شو خيو.. كام راح يكون راتبك بالشرطة..؟ رد عليه الخريج: وعدونا بمائة وخمسين ليرة قابلة للزيادة مستقبلاً.. أطرق الفهد يفكر قليلاً ثم انتفض وقال لجليسيه: شباب.. أنا بكرا بدي روح وقدم على مدرسة الشرطة.. العمى.. أنا راتبي اليوم 120 ليرة.. والله في فرق..! حاول عبد الله الشيتي ثنيه عن مشروعه، مذكراً إياه بالمستقبل الفني الواعد الذي ينتظره.. إنما بلا جدوى.. بل أصر الفهد على تنفيذ خطته صباح اليوم التالي..!
..لكن صديقه عبد الله سبقه مبكراً في اليوم التالي إلى قسم الاستقبال في مدرسة الشرطة وقال للموظف: مرحبا أخي.. أنا عبد الله الشيتي.. وقبل أن يستكمل ما يريد قوله، وقف الموظف مذهولاً يقول: بالله عليك.. أنت الأستاذ عبد الله الشيتي..؟ أنا كل يوم بسمعك بالراديو وأنت تقدم خاطرة الصباح الساعة العاشرة.. خواطرك رائعة وهادفة يا أستاذ.. تفضل شو بتأمرني حاضر..
..اقترب منه عبد الله هامساً: لو سمحت اليوم يمكن يمر عليك شاب أسمراني طويل ونحيف اسمه فهد حمود بلان لتقديم طلبه للالتحاق بمدرسة الشرطة، الله يخليك قل له انتهى التسجيل وما في مجال.. ماشي خيو..؟ هذا الشاب أمه موصتني عليه..!
..وتم تنفيذ خطة عبد الله الشيتي بنجاح.. حيث عاد والتقى صاحبه الفهد في الإذاعة وهو يتعثر بأذيال الخيبة والحزن والغضب.. إذ رفض موظف كلية الشرطة طلبه نهائياً..!
..بعد زمن ليس بالقصير، افترق الصديقان.. استمر الفهد في مشواره الغنائي منطلقاً من بيروت فيما بعد.. بينما سافر عبد الله الشيتي إلى الكويت ليصبح من أشهر الإعلاميين والصحفيين ومديراً لتحرير أهم الصحف والمجلات الدورية المعروفة في الكويت..
..في الكويت – وبحكم عملي وإقامتي – تعرفت على الأستاذ عبد الله الشيتي الذي حدثني عن تفاصيل حكاية الفهد مع مدرسة الشرطة، رغم أني كنت قد سمعتها بالتفاصيل نفسها من الفهد شخصياً من قبل.. لكن الفرق بين الخبرين اللذين سمعتهما من الراحلين.. أن عبد الله الشيتي اختتم الحكاية بطريقته الطريفة، وقال لي:
"من هذه الحكاية يا عماد ستدرك حتماً أنه لولاي أنا لما كان العالم العربي قد عرف فناناً كبيراً ومطرباً عظيماً اسمه فهد بلان.. بل كان القلائل من أشخاص قد عرفوا:
واستمر لأربع سنوات حافلة بحكايات طريفة بين الزوجين المتناقضين في طبعهما ومزاجهما وطريقة حياة كل منهما..
..ومن تلك الحكايات:
..كان للفهد ثلة من أصدقائه المقربين، وكان يدعوهم بعد منتصف كل ليلة للسهرة في شقته العامرة، الأمر الذي أخذت مريم تتذمر منه وتتضايق حتى طلبت من الفهد أن يستأجر لها شقة أخرى مستقلة، وله أن يستمر في سهراته مع أصدقائه كيفما شاء في هذه الشقة. وحدث ذات يوم أن دخل الفهد الشقة عند الظهيرة ملهوفاً وقال لمريم: شو طابخة اليوم..؟ عندك ما يكفي لأربعة أشخاص..؟ استغربت وسألته: بتقصد مين الأشخاص الأربعة..؟ ولم تستكمل سؤالها حتى اقتحم الشقة ثلاثة أشخاص في حالة غريبة: ملابسهم وأياديهم ووجوههم ملطخة بشحوم السيارات وزيوتها..! دخلوا بأحذيهم التي انطبع ما عليها مما اسودَّ لونه على السجاد الأبيض العجمي..! وفي المطبخ اقترب الفهد من مريم وقال لها: هذول شباب من بلدي.. من الجبل.. انتخوا و صلحوا لي دولاب السيارة.. فعزمتهم على الغــدا..! التزمت مريم الصمت رغم ضيقها من ذلك الحدث الغريب بالنسبة لطبيعتها لأنها أدركت أن موقف زوجها الفهد نابع من صدق وشفافية وطيبة قلبه وكرم أخلاقه.. وتكررت المواقف الطريفة خلال حياتهما الزوجية، حكايات بقيت مريم فخر الدين تتذكرها وتنقلها للناس بتفاصيلها موشحة بالثناء على الفهد وطيبته وروعته وكرمه: ما عرفت السعادة مع أي من أزواجي.. كما عرفتها مع فـهــد بــلان..!
..وأحدثكم عن حكاية السيارة الأسطورة – رولس رويس – التي امتلكها ذات يوم:
..بعد عرض فيلمه الثاني مع مريم فخر الدين /أين حبي/ لقي الفيلم فشلاً ذريعاً لأسباب عديدة لسنا بصددها الآن. فكان لا بد للفهد من طريقة يغطي فيها فشل الفيلم. أيامها، انتشر بين اللبنانيين خبر بثته وسائل الإعلام المتعددة بأن أربع سيارات فقط من طراز – رولس رويس - وصلت إلى لبنان، تم بيع ثلاث منها لثلاثة من أثرياء البلد أتذكر منهم إثنين /كميل شمعون ونجيب صالحة والثالث من عائلة فرعون/، و بقيت السيارة الرابعة معروضة للبيع.
..تلقف الفهد ذلك الخبر، فقرر أن يشتري تلك السيارة، سدد آنذاك ثمنها بمبلغ 67 ألف ليرة لبنانية، وكان ثمناً لا يستهان به، ويعادل مشهد من يشتري طائرة خاصة هذه الأيام..!
..وفي موعد الاستلام والتسليم، اصطحب الفهد معه زوجته مريم وكلّف حشداً من الصحفيين والإعلاميين بالحضور شخصياً لتغطية الحدث ونشره.. وعند اللحظة الحاسمة استلم الفهد مفتاح السيارة وفتح بابها الأيمن وتقدم من زوجته مريم قائلاً لها بكل دماثة ولطف: تفضلي.. ستكونين أول فنانة عربية تركب سيارة الرويس رويس..!
..اجتاحت صور الحدث وأخباره وانتشرت عبر كافة وسائل الإعلام كانتشار النار في الهشيم.. وبذلك نجح الفهد في تغطية فشل فيلمه وإشغال الناس بخبر آخر بات على كل شفة ولسان في سوريا ولبنان ويقول:
..فهد بلان اشترى سيارة العصر.. رولس رويس..!
..أما في السويداء الحبيبة، فقد وصل خبر زواج الفهد من مريم فخر الدين إلى جارتنا الختيارة الطيبة، وأحبت أن تنقله لجارتها التي تشاركها قرعة المتة عند عتبة الدار، قالت الختيارة للجارة: دخلك سمعتي شو عبيقولو إنه فهد بلان تـجـوَّز وحدة رابعة..؟ سألتها جارتها: لا يختي ما عرفتش.. ومان هيي الحرمة الرابعة هذي يللي تجـوَّزهـا هالمفزور..؟ ردت عليها ستي الختيارة: عبيقولو اسمها.. شو يا ربي.. شو اسمها.. نسيت.. اسمها فيه هيك كلمة مثل فخر.. وفجأة تذكرت وقالت: إي إي إسا تذكرت اسمها.. صـبـاح.. صـباح فخــري..!
****
..ذكريات قديمة.. لكنها طريفة مع:
١- الموسيقار الراحل /سهيل عرفة/..
٢- الشرطي المتقاعد /فهد بلان /..!
==========================
..قبل أن تتوطد العلاقة مع توأمه الروحي والفني، الموسيقار الراحل /عبد الفتاح سكر/ كانت للفهد علاقة سابقة وحميمة بفنان آخر هو الموسيقار السوري الراحل /سهيل عرفة - وهو والد الفنانة أمل عرفة/ الذي كان قبل انطلاقته الفنية يمتلك محلاً صغيراً في شارع بغداد بدمشق متاخماً للمبنى القديم للإذاعة قبل انتقالها إلى ساحة الأمويين. في ذلك المحل كان سهيل يمارس مهنته الرئيسة في تصليح أجهزة الراديو والتلفزيون، أما عزفه على العود ومحاولاته في التلحين فقد كانت هواية خاصة، لا على سبيل الاحتراف، وكان الفهد بعد ساعات دوامه في الإذاعة غالباً ما يزور سهيل في محله ذاك ويمضي معه بعض الوقت على قدح من الشاي يستمع إلى ألحان صديقه الهاوي من أغنيات شعبية متنوعة.
..بعد طول اجتهاد ومثابرة أصبح سهيل عرفة ملحناً معتمداً في إذاعة دمشق، وسمحت له ألحانه الدمشقية المميزة، أن يرتبط بأعمال مشتركة مع كثيرين من مطربي ومطربات ذلك الزمن، وكان الفهد من ضمنهم، وأول عمل تعاونا على إنجازه هو أنشودة /يا بطل الأحرار/ مهداة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر من إذاعة دمشق.
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (14 و15)
2026.07.27
عماد بلان
..زواجه من الفنانة مريم فخر الدين..
..واقتناؤه سيارة (رولس رويس)..
================================
..في هذه الحلقة سأحدثكم عن حكاية زواج الفهد من الممثلة المصرية الشهيرة السيدة /مريم فخر الدين/ رحمها الله.. وعن قصة امتلاكه للسيارة الأسطورة آنذاك – رولس رويس–.. فتفضلوا:
..خلال عام 1967م، توجهت جموع من أهل الفن المصريين إلى لبنان في محاولات للبحث عن أعمال فنية يتكسبون من ورائها وذلك نتيجة لجمود الحركة الفنية والسينمائية في مصر بعد العدوان الصهيوني في حزيران من ذلك العام.. ومن ضمنهم كانت السيدة /مريم فخر الدين/ الفنانة القديرة التي شغلت العالم العربي لزمن طويل من خلال أدوارها في أفلامها المميزة.
في بيروت أقامت مريم فخر الدين في فندق متوسط الحال لضيق ذات يدها، فقررت الانتقال منه إلى شقة مفروشة متواضعة الإيجار، لكن مدير الفندق أوقفها ومنعها من مغادرة الفندق بل وحجز جواز سفرها لأنها لم تسدد كامل فاتورة إقامتها.
..وقعت المسكينة في حيص بيص من أمرها، فحالتها المادية يرثى لها، والتحويل المالي الموعودة به من والدتها – المجرية – لم يصل بعد ، وربما لن يصل.. فما العمل..؟ اتصلت بصديقها وصديق الكل الفنان اللبناني الرائع /فليمون وهبي/ الذي لبى نداءها وحضر على الفور.. لا ليساعدها مالياً.. بل ليواسيها فقط.. فحاله كانت أشد بؤساً من حال السيدة مريم.. جلس الإثنان في صالة الفندق يبحثان عن حل لتلك الورطة المحرجة التي أحاطت بالفنانة الكبيرة، لكن سرعان ما قفز فليمون وهبي مسرعاً وأجرى مكالمة هاتفية سريعة ثم عاد إلى الصالة وجلس بجانب مريم فخر الدين وبسمة التفاؤل قد ارتسمت على محياه..
..وبنبرة رقيقة حزينة، سألته مريم: إيه..؟ في إيه يا فليمون.. أشوفك بتضحك ومبسوط.. إن شالله لقيت الحل..؟ أجابها: إي.. انشالله انحلت المشكلة يا ست مريم.. بعد شوي جاي الحل على ظهر حصان أبيض وخيـَّـاله زلمة كريم كثير واسمه: حاتم الطائي..! ردت باستغراب: حاتم مين وطائي مين..؟ مين قصدك..؟ قال لها بمرحه المعروف: انتظري شوي ورح تعرفي مين هوي هيدا حاتم الطائي..
..وتقول مريم في مذكراتها: بعد نصف ساعة، توقفت سيارة كاديلاك بيضاء فارهة أمام بوابة الفندق ونزل منها سائق ببدلته الرسمية الأنيقة ليقتح الباب الخلفي للسيارة ويترجل منها شاب وسيم أسمر طويل القامة.. دخل ذلك الشاب إلى صالة الفندق وتوجه فوراً نحو فليمون وهبي الذي نهض فرحاً يعانقه ويقدمه لي: هايدا هوي حاتم بيك.. واسمه الحقيقي: المطرب فهد بلان.. وبعد تحية رقيقة من فهد بدا فيها كأمير رومانسي رقيق.. فوجئت به بعد لحظة يتوجه إلى مكتب مدير الفندق ويزمجر صارخاً بوجهه: ولك انت شو.. ما عندك ذوق..؟ ولك هاي مريم فخر الدين شرف كبير إلك وللفندق تبعك وجاي تحجز جواز سفرها كمان..؟!.. ثم سأله عن مجموع الحساب وأخرج من جيبه رزمة نقدية دسها في يد المدير وقال له: خوذ الباقي بخشيش إلك ولجماعتك..! ثم عاد لي وتأبط ذراعي بكل تهذيب يقودني إلى سيارته وبها انطلقنا إلى مطعم فخم على شاطئ البحر وبرفقتنا فليمون وهبي.. ومن هناك إلى شقة خاصة للفهد حيث سلمني مفتاحها عند بوابة العمارة وقال: الشقة كذا بالدور الرابع.. اعتبريها مطرحك وبيتك.. باي باي..!
..كانت شقة رائعة مطلة على البحر.. أثاثها فاخر ثمين.. وما هي إلا دقائق حتى قرع جرس الباب، كان الفهد بذاته.. وبمنتهى الذوق واللطف ناولني ظرفاً فيه مبلغ كبير من المال.. ابتسم ببراءة وقال: العفو منك ست مريم.. انتِ أكبر بكثير من هيك.. لكن اعتبريني صديقك من اليوم..!
..لكن مع الأيام الحلوة والليالي الملاح، ارتقت الصداقة بينهما إلى علاقة حميمة ثم إلى حب عميق جرفهما إلى حيث النهاية السعيدة المتوقعة.. إلى الزواج.. كيف..؟
..كان الفهد متعاقداً مع منتج لبناني ثري – حبيب مجاعص -على دور بطولة له في فيلمين: الأول /فرسان الغرام/ والثاني /أين حبي/ وكان المنتج يبحث عن ممثلة مناسبة تشارك الفهد في دور البطولة.. فما كان من الفهد إلا وأن أصر على ترشيحه لمريم فخر الدين لبطولة الفيلمين معاً.. تردد المنتج في البداية لأسباب متعددة.. لكن الفهد استطاع أن يقنعه.. فكان له ما أراده عندما قبل المنتج بذلك الترشيح..
..وكأسلوب إعلامي دعائي يتبعه منتجو الأفلام.. فقد كان جميع أفراد الفيلم مدعوين إلى سهرة عارمة في واحد من أفخم النوادي الليلية في بيروت، وعلى رأس المدعوين كان: بطل وبطلة الفيلم: الفهد ومريم.. وفي لحظة تم اختيارها بدقة وعن سابق تخطيط خلال السهرة، ووسط جوقة من الصحفيين والإعلاميين.. وقف المنتج وأمسك بالمكريفون بين الحضور المخملي وقال: يسعدني أن أزف إلى حضراتكم في هذه الليلة الحلوة خبراً سعيداً.. إنه خبر زواج مطربنا فهد بلان من النجمة القديرة مريم فخر الدين..!.. كانت الفكرة مجرد دعاية للفيلم، لكنها بعد يوم واحد باتت حقيقة و واقعاً.. فقد تم الزواج فعلاً..
ترامب يعلق على اعتراض نتنياهو على بيع مقاتلات إف-35 لتركيا
https://cnn.it/4hAdnFu
مصادرة الخطاب.. بعد مصادرة الموقف
2026.07.27
أيمن حمدون
بعد عقود من كم الأفواه التي عشناها في ظل الاستبداد، كان الأمل أن تصبح وسائل التواصل الاجتماعي منبرا إعلاميا لكل إنسان، ومساحة حرة لتعدد الآراء وتبادل الأفكار... لكن المفارقة أن بعض الخطابات أعادت إنتاج الذهنية نفسها، وإن بأدوات مختلفة.
فلم يعد يكفي أن تتفق مع فكرة ما، بل عليك أن تتحدث بالطريقة نفسها، وتكتب بالمفردات نفسها، وتغضب بالنبرة نفسها.. فإن وافقت بالموقف وخالفت بالأسلوب، أصبحت في نظر البعض خارج الصف...
وهكذا يتحول النقاش من تبادل للأفكار إلى فرضٍ لقوالب جاهزة، فيضيق هامش التنوع، وتغيب ثقافة الاختلاف التي تعد من أسس أي حوار صحي في سبيل بناء الدول. والمفارقة أن بعض من يرفعون شعارات حرية الرأي ورفض الإقصاء ينتهون إلى تبني الأدوات نفسها والنهج ذاته الذي ينتقدونه...
عندها لا يعود الحوار بحثا عن الحقيقة، بل اختبارا لمدى التزامك بقاموس الجماعة وطريقتها في التعبير..
فبعد مصادرة الموقف.. تأتي مصادرة الخطاب..
https://feneks.net/study/free/82182-2026-07-27-19-17-05
وعندما تستعيد الدولة قدرتها على حماية حدودها، وصيانة استقلال قرارها الوطني، وترسيخ الأمن وسيادة القانون، يصبح المجتمع أكثر قدرة على البناء والإنتاج، ويستعيد الاقتصاد حيويته، وتعود المؤسسات التعليمية والثقافية والعلمية لأداء رسالتها، فتعود سورية إلى مكانتها التي تستحقها في محيطها الإقليمي والدولي.
إنَّ المستقبل الذي يتطلع إليه السوريون لا يمكن أنْ يُبنى على ذاكرة الانقسام، بل على إرادة العيش المشترك، واحترام التنوع، والإيمان بأن الوطن يتسع لجميع أبنائه. فالوحدة الوطنية ليست إلغاءً للاختلاف، وإنما هي إدارة راشدة له ضمن مؤسسات دستورية وقانونية، بحيث يتحول التنوع إلى مصدر ثراء ثقافي واجتماعي وسياسي.
وكلما توسعت المشاركة الوطنية، وتعززت الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وترسخت قيم العدالة والمواطنة وسيادة القانون، ازدادت قدرة سورية على تجاوز آثار الماضي، وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
إنَّ بناء الوحدة الوطنية لا يتحقق بالنوايا الحسنة وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة من المرتكزات والمبادئ والسياسات، من أهمها:
المواطنة المتساوية. سيادة القانون. استقلال القضاء .العدالة الانتقالية. التنمية المتوازنة .مكافحة الفساد. اللامركزية الإدارية. استقلال القرار الوطني. الثقافة الوطنية الجامعة .التعليم والإعلام. تمكين الشباب والمرأة. واحترام التنوع الثقافي والديني والقومي ضمن وحدة الدولة.
إن الوحدة الوطنية هي الأساس الفلسفي لبناء الدولة، وهي شرط سابق لقيامها، وليست نتيجة. فالدولة التي تُبنى على الغَلبَة تَبقى معرضة للاضطراب، أما الدولة التي تُبنى على التوافق الوطني والمواطنة وسيادة القانون فتكتسب شرعيةً متجددة وقدرةً على الاستمرار.
إن الوحدة الوطنية هي الثروة الحقيقية التي لا تنضب، والأساس الذي تقوم عليه الدولة القوية والمجتمع المتماسك. فلا تنمية بلا استقرار، ولا استقرار بلا عدالة، ولا عدالة بلا مشاركة وطنية، ولا مشاركة حقيقية دون احترام إرادة الشعب وكرامة الإنسان وسيادة القانون.
وعندما تصبح الوحدةُ الوطنيةُ ثقافةً راسخةً وممارسةً يوميةً ومشروعاً جامعاً، فإن سورية ستكون أكثر قدرة على تجاوز آثار الماضي، وصناعة مستقبل يليق بتاريخها العريق، وموقعها الاستراتيجي، وإمكانات شعبها، لتبقى وطناً موحداً، آمناً، سيداً، وقادراً على الإسهام في نهضة محيطه والعالم.
مروان حبش
https://feneks.net/books/%D8%A2%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9/82181-2026-07-27-19-05-02
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
ليست الوحدة الوطنية معطىً طبيعياً يولد مع الجماعات البشرية، ولا هي مجرد شعار سياسي يُرفع في لحظات الأزمات، وإنما هي بناء تاريخي وأخلاقي وثقافي يتشكل عبرَ وعيِ الأفراد بانتمائهم إلى مجتمع سياسي واحد، تتكامل فيه الحقوق والواجبات، وتتوازن فيه المصالح الخاصة مع المصلحة العامة. فالأمم لا تقوم على التشابه المطلق بين أفرادها، بل على قدرتها على تحويل تنوعها إلى مصدر قوة، واختلافها إلى إطار للتكامل والإبداع.
لم تكن الوحدةُ الوطنيةُ في سورية عبر تاريخها الطويل مجرد شعار سياسي يرفع في المناسبات، ولا عبارة إنشائية تُستدعى في أوقات الأزمات، بل كانت على الدوام، معلماً مميزاً للشعب السوري، والسمةَ الأبرز التي حفظته، وأكسبته القدرة على تجاوز المحن، وصون الدولة، وحماية الهُوية الوطنية الجامعة. وقد أثبتت التجاربُ أنَّ الأوطان التي تتماسك شعوبُها حول هُوية وطنية واحدة، ومصالح مشتركة، وقيم جامعة، هي الأكثر قدرة على النهوض بعد الأزمات، مهما بلغت التحديات وتعاظمت التضحيات.
لقد دفعت سورية أثماناً باهظةً نتيجة سنوات الصراع والانقسام، الأمر الذي يجعل إعادةَ بناء الوحدة الوطنية اليوم أولوية تتقدم على سائر الأولويات، لأنها الإطارُ الذي تتولد منه دولةُ المواطنة، والمؤسسات المستقرة، والتنمية المستدامة، والسيادة الوطنية، والأمن المجتمعي.
ومن هنا، فإنَّ الحديث عن الوحدة الوطنية ليس حديثاً عن حالة عاطفية أو رغبة أخلاقية فحسب، وإنما عن مشروع وطني متكامل يُعيد تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة، وسيادة القانون، والشراكة السياسية، والعدالة، واحترام التنوع ضمن إطار الهُوية الوطنية السورية الجامعة.
إنَّ التجارب التاريخية تؤكد أنَّ الشرعية السياسية الحقيقية لا تنبع من امتلاك أدوات القوة وحدها، وإنما من رضا المواطنين ومشاركتهم الفعلية في صناعة القرار العام. ولذلك فإن تغاضيَ أي سلطة عن المشاركة الشعبية في إنتاج الشأن العام، انطلاقاً من المصالح الوطنية العليا للبلاد، لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الوطنية، ويزيد من اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويحول دون بناء الثقة الضرورية لاستقرار الدولة.
ولا يمكن لأي مشروع سياسي أنْ يحقق الاستقرار الدائم إذا ظلَّ المجتمع مجرد متلقٍ للقرارات، بدلاً من أن يكون شريكاً في صناعتها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى حلٍّ سياسي وطني يحقق تطلعات الشعب، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على التوافق الوطني، ويحدد بوضوح حقوق المواطنين وواجباتهم، ويرسم العلاقة بين السلطات، ويكفل تداول المسؤولية وفق الأطر الدستورية والقانونية.
ويغدو المؤتمر الوطني العام، الذي يمثل مختلف مكونات الشعب تمثيلاً صحيحاً، الركيزةَ الوحيدةَ المهمةَ لإنتاج هذا العقد الاجتماعي، متى قام على قواعد الشمول والتمثيل الحقيقي والحوار المسؤول، بحيث يكون فضاءً وطنياً لتبادل الرؤى، وصوغِ المستقبل المشترك، بعيداً عن الإقصاء أو الاحتكار.
لقد أثبت التاريخ الإنساني أنَّ القوة قد تفرض السيطرة مؤقتاً، لكنها لا تؤسس شرعيةً دائمةً، ولا تبني مؤسسات مستقرة، ولا تصنع ولاءً وطنياً راسخاً.
إنَّ العنفَ العاريَ من أجل حكم البلاد، وغرورَ القوة، يُغَيِّبُ فرصةَ اجتراح هندسة سياسية وطنية قادرة على استيعاب التنوع السوري، وتحويله إلى مصدر قوة وإبداع. فالدولة الحديثة لا تقوم على إخضاع المجتمع، وإنما على تنظيم اختلافاته ضمن مؤسسات دستورية تحترم الجميع.
وسورية ليست بلداً عادياً في الجغرافيا السياسية؛ فهي تمتلك موقعاً استراتيجياً فريداً، وكانت عبر التاريخ ملتقى الحضارات والثقافات والتجارة والأفكار. كما أنَّ شعبها عرف السياسةَ والعملَ العام منذ عقود طويلة، وأسهم في بناء الفكر الدستوري والبرلماني العربي، الأمر الذي يجعل الحوارَ السياسي والتوافقَ الوطني أكثر انسجاماً مع طبيعة المجتمع السوري من منطق الغَلبة والقهر.
إنَّ الهندسة السياسية المطلوبة اليوم هي تلك التي توازن بين قوة الدولة وحقوق المجتمع، وتحفظ وحدة المؤسسات مع صيانة الحريات، وتحقق الاستقرار دون التضحية بالكرامة الإنسانية أو المشاركة الوطنية.
لا يمكن لأي وطن أنْ يؤدي رسالته الحضارية أو الإقليمية إذا افتقد الأمن الداخلي أو تعرضت سيادته للانتقاص.
إنَّ الاستقرار الوطني، والسيادة الكاملة للوطن، والأمن الشامل للمواطنين، تُشكّلُ الأساس الذي يعيد لسورية دورها التاريخي والاستراتيجي، ويؤهلها لاستثمار موقعها الجغرافي المركزي، الذي جعلها عبر التاريخ عقدة وصل بين المشرق والمغرب، وبين آسيا وأوروبا، وبين البحر المتوسط وعمق الوطن العربي.
باتت الفاء مع التسعة ساقطة في الحساب
2026.07.26
السويداء-معين حمد العماطوري
يعتبر الرقم تسعة في حساب الجمل قديما ساقطا.. وما نأمل من مجمع اللغة العربية أن يسقط الفاء فهي سببية، وهي من الأحرف التي غالبا تأتي مع بداية القول حينما يريد المرء التأكيد بالكلام المجازي أو ان يقسم لمسألة ما، يقول: فالواجب كذا... فوالله.. هذه الفاء زائدة، هنا الفاء ذات إشكالية.
وبرأي منح الشهادات العلمية دون دراسة وتعب وبحث ومناقشة ومنهج بالشكل العلمي المتبع جامعيا واكاديميا هو كمن يعطي جرعة مسمومة لاجسام مصابة بنقص المناعة، الامر الذي يتسبب بانتشار امراض نفسية واعتبارية، ما اتى بها من سلطان.
اما الفاء الزائدة التي باتت تطل من منافذ متعددة اكثر ايلاما حينما تاتي اثناء منح شهادة دكتوراه ومعها اي حرف فاء، وللاسف هذه الأيام كثرت الشهادات العليا كالدكتوراه فخرية...وفعلا الفاء هنا زائدة لأن هذه شهادة بوصفها لا تحمل بحثا علميا مقيما ومشرفا من قبل اكاديمي متخصص في الأسلوب والمنهج.
تصبح الفاء زائدة والأجدر بها أن تكون دكتوراه ف....خرية لأنها قائمة على الافتراض والهواء المنثور لا جدوى من وجودها وحتى أصحابها لو أرادوا الحديث في طبيعتها واختصاصها.. تراهم بعيدين كل البعد عن اي اختصاص ولا يملكون منها سوا اسمها... وهذا النوع من الشهادات بقيمتها العلمية يسقط عنها الفاء لزوما ولازما وليس تعديا.. لأن الباحث الذي يعاني ويجاهد في بحثه في بطون المراجع والكتب ليدعم بحثه بإشراف استاذ أو بروفيسور متخصص بعلم معين ويبقى يدرس سنوات في تعلم أصول البحث العلمي كي ينال درجة الدكتوراه بعد مناقشة ومعاناة طويلة لا يمكن مقارنته مع أشخاص لا يحملون من العلم محو الأمية في التعليم كي ينالوا الدكتوراه الفخرية ويطالبون المجتمع بهذا اللقب.
..لعمري هو زمن انهيار القيم والأخلاق والعلم معا... بل هو زمن التفاهه على حد قول مؤلف الكتاب زمن التفاهة د. ألان دونو...
وحين يسود الفوضى واللاشرعية يحق لكل مستحق لها أن يفخر بها كما يشاء هنا الطامة الكبرى إذ لم نعد نعيش انحطاط اقتصادي واجتماعي وثقافي وعلمي وتعليمي فحسب بل وصل للأخلاق وهي الكارثة المجتمعية التي لا يمكن ترميمها بسهولة ويسر... يقينا على حد قول الشاعر انما الامم الاخلاق ما بقيت..... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وفهكم كفاية
https://feneks.net/books/%D8%B1%D8%A4%D9%89-%D9%85%D8%A8%D8%B9%D8%AB%D8%B1%D8%A9/82178-2026-07-26-19-47-36
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
2026.07.26
هلال عون
يرحل الرجال، وتبقى آثار أقلامهم على طريق المعرفة شاهدةً على عظمتهم.
اليوم يترجّل فارس من فرسان العربية، وعَلَمٌ من أعلامها، الدكتور مازن المبارك، بعد رحلةٍ أفناها في خدمة اللغة والأدب، معلّما وباحثا ومفكرا، تاركا وراءه إرثا لا تقوى السنون على محوه.
لم يكن من أولئك الذين يكتبون ليملؤوا رفوف المكتبات، بل كان يكتب ليوقظ العقل، ويصون الذائقة، ويذكّر الأجيال بأن العربية ليست مجرد وسيلة للتخاطب، وإنما هي هوية أمة، وذاكرة حضارة، وروح ثقافة امتدت قرونا.
لقد آمن بأن اللغة ليست حروفا جامدة، وإنما كائن حيّ، يزدهر بالعلم، ويحيا بالأدب، ويضعف إذا هجره أبناؤه.
ولذلك ظل وفيّاً لها، منافحا عنها، يغرس محبتها في نفوس طلابه وقرائه، ويجعل من دروسه وكتبه جسورا تعبر عليها الأجيال إلى رحابة التراث وأصالة البيان.
كان من ذلك الطراز النادر من العلماء الذين يجمعون بين عمق المعرفة ورقيّ الخلق، وبين دقة الباحث وروح الأديب.
فالعلم عنده رسالة، والأستاذية مسؤولية، والكلمة أمانة لا تُقال إلا بحق، ولا تُكتب إلا لتبني ولا تهدم.
برحيله، تفقد العربية صوتا ظل يذكّرنا بقيمة الكلمة، وبأن الأمم التي تحفظ لغتها تحفظ نفسها، وأن حاضر يُبنى ومستقبل يُصان.
رحم الله الدكتور مازن المبارك، رحمةً واسعة، وأجزل له الثواب على ما قدّم للغة العربية وآدابها، وجعل علمه في ميزان حسناته، ونفع الأجيال بما خلّفه من فكرٍ وعلمٍ وأدب.
إن العلماء لا يغيبون حقا، إذ تبقى كتبهم تنطق، وتبقى أفكارهم تهدي، وتبقى سيرتهم تروي للأجيال أن أعظم الأعمار ليست أطولها، بل أكثرها أثرا.
رحم الله الدكتور مازن المبارك، الذي درسنا بعض كتبه أيام الجامعة،
وأحسن عزاء العربية وأهلها برحيل أحد أوفيائها.
https://feneks.net/art/2literature/82179-2026-07-26-20-01-40
معركة الفساد.. بين الحقيقة والإستهداف
2026.07.26
ثامر الحجامي
لسنوات امتلأ المشهد السياسي في العراق بكلام عن الإصلاح ومحاربة الفاسدين، حتى أن الناس صاروا يعتقدون أن معركة النزاهة أولوية عند الجميع، وكل حكومة تأتي تلعن التي قبلها، مدعية أنها ستعلن الحرب على إرهاب الفساد، لكننا في كل مرة نسمع جعجعة ولا نرى طحينا!
مع فجر جديد من صباحات العراق المعطرة برائحة النفط وملفات الفساد الكبيرة، إستيقظ العراقيون على أصوات الدبابات في المنطقة الخضراء، معلنة صولة كبرى على الفاسدين، لكنها مثل كل مرة، أصبحت مادة للتسقيط السياسي والحرب الاعلامية، وصار المواطن لا يفرق بين الحقيقة والذكاء الاصطناعي، مع غياب الشفافية والبيانات الرسمية الحكومية.
من هنا ظهرت الحاجة الى إظهار جدية الدولة في التحول من الشعارات الى التطبيق الفعلي في مكافحة الفساد، بأن تكون المحاكمات علنية لكبار الفاسدين واظهارها الى الجمهور العراقي بكل مهنية وشفافية، بعيدا عن التصفيات السياسية والحروب الاعلامية والسلوكيات الأخرى البعيدة عن مكافحة الفساد.
فكرة فتح ملفات الفساد كلها وعرضها على الرأي العام عبر جلسات قضائية علنية، ليست فكرة من وحي الخيال بل شيء طبيعي في بلد أنهكته الصفقات المشبوهة والمال المنهوب، لكنها بدلا من أن تكون نقطة إتفاق، صارت سبباً في إنقسام واضح، وكأن بعض الأطراف تخاف من الحقيقة أكثر مما تخاف من الفساد نفسه.
فالواقع السياسي في العراق لم يعد الصراع فيه بين فاسد ونزيه بقدر ما هو بين أطراف تستخدم ملف الفساد كورقة ضغط أو لتصفية الحسابات، لذلك كلما اقترب الخطر من جهة معينة، ترتفع أصوات “الاستهداف” و“التسييس”، وإذا وصل إلى الخصوم، تتحول القضية فجأة إلى “معركة وطنية ضد الفساد”، وهذه الازدواجية لم تعد خافية على أحد.
المفارقة أن الناس نفسها بدأت تلاحظ هذا الانتقائية، سواء في إختيار الملفات أو تسريبها للإعلام، والتفاعل الشعبي والإعلامي لم يعد ثابتاً، بل يتغير حسب الجهة المقصودة، وهذا أفقد الخطاب السياسي كثيراً من مصداقيته، وأفقد فكرة محاربة الفساد جزء من مصداقيته، فالقضية لم تعد من سرق؟ بل تابع لأي جهة؟
لا أحد يطالب بأحكام جاهزة أو بتجاوز القانون، لكن الشفافية ليست رفاهية بل ضرورة حتى يعود الحد الأدنى من الثقة التي ما عادت موجودة، فإذا كان القضاء قادراً على الحسم، ما الذي يمنع أن يرى الناس كيف تُدار العدالة في أهم القضايا التي تمسهم مباشرة؟
المواقف الحقيقية تظهر عندما تتقاطع المصالح مع المبادئ، وتتعارض الشعارات مع حسابات السلطة، فمن يؤمن فعلاً بالإصلاح يدعم كشف الحقائق بلا انتقائية، ولا يخاف من أن تُعرض الوقائع أمام الجميع، أما من يتهرب أو يهاجم، فهو عمليا يؤجل المواقف حتى تفقد قيمتها، ويحاول التشويش من أجل غياب الحقيقة.
الحقيقة التي لم تعد خافية في العراق، لكنها بحاجة لمنِ يتجرأ على قولها بصورة علنية وبكل شجاعة.
https://feneks.net/books/%D8%B1%D8%A4%D9%89-%D9%85%D8%A8%D8%B9%D8%AB%D8%B1%D8%A9/82175-2026-07-26-11-02-39
بين وهم "أهل السلطة" وحقيقة المقاومة.. تفكيك مغالطة إدارة الحكم في المنطقة
2026.07.26
حيدر حسين سويري
تتردد في الأوساط السياسية والإعلامية مقولةٌ مفادها أن "الشيعة ليسوا أهلًا للحكم"*، وهي مقولة كرسها الخطاب المناهض، وتلقفها بعض السذج دون تمحيص. غير أن القراءة المنصفة للتاريخ المعاصر والأحداث الجارية تكشف عن زيف هذا الادعاء، وتبين الفرق الجوهري بين *الحكم المستقل ذي السيادة* وبين *إدارة السلطة تحت الهيمنة والوصاية الخارجية*.
أولًا: أزمة الخطاب والتعريف بالنفس
إن ترسخ هذه المقولة في أذهان البعض لم يكن بسبب عجز أصيل في الفكر أو الإدارة، بل بسبب قصور بعض الأطراف في تقديم أطروحتها وإبراز مكامن قوتها. وفي المقابل، قدم تجربة *إيران ومحور المقاومة* نموذجًا مختلفًا؛ حيث تجلت وحدة الهوية، والقوة، والإيمان بالمذهب، والجاهزية للتضحية والشهادة في سبيل المبادئ. لقد أثبتت هذه التجربة أن إدارة الدولة ليست مجرد ترف إداري، بل هي قدرة على الصمود والبناء في مواجهة الحصار والضغوط الدولية.
ثانياً: وهم "خبرة السلطة" لدى الطرف الآخر
إذا ما صُحح المفهوم، يُطرح السؤال: هل أثبتت التجارب التي تُوصف بـ "أهل السلطة في الدول الاسلامية ذات المذاهب المخالفة للشيعة" نجاحًا حقيقيًا في قيادة الأمة؟
الارتهان للخارج: أظهرت الأزمات المتلاحقة أن أنظمة عديدة لا تملك من مقومات إدارة الدول سوى الجلوس على الكراسي وتوزيع الثروات— قليل منها للشعوب، وكثير منها للمصالح الغربية والأمريكية.
غياب الإرادة المستقلة: تبين الأحداث أن مفهوم الدولة لدى هذه الأنظمة يتلخص في طلب الحماية الخارجية، والعيش في ظل ضمانات القوى الكبرى دون القدرة على مواجهة التحديات المصيرية بشكل مستقل.
ثالثًا: معايير النجاح بين السيادة والترف الزائف
تُقاس تجارب الحكم في المقارنات السطحية بمظاهر الترف الاستهلاكي، والانفتاح الشكلي، والمشاريع الترفيهية، وتُعتبر هذه المظاهر دليلًا على "نجاح القيادة". لكن هذا الطرح يغفل جوهر الدولة الإسلامية والمستقلة:
بين معيار الحكم الزائف ومعيار الحكم الأصيل
الحكم الزائف: الترف الاستهلاكي والاعتناء بالمظاهر . بينما الحكم الاصيل: السيادة الوطنية واستقلال القرار.
الحكم الزائف: الامتثال لإرادة القوى الدولية. بينما الحكم الأصيل: الاعتماد على الذات وبناء عناصر القوة.
الحكم الزائف: تقديم الثروات مقابل الحماية. بينما الحكم الأصيل: حماية ثروات الأمة واستثمارها للشعوب.
"إن الحكم الحقيقي ليس مظاهر ترفٍ وملاهٍ وفنادق، بل هو القدرة على اتخاذ القرار الحر وبناء أمة قادرة على حماية كرامتها وهويتها."
رابعاً: الفساد وطبيعة الصراع على السلطة
إن ادعاء فشل مكون بعينه في إدارة الدولة يُغفل حقيقة أن *سراق المال العام والمفسدين لا ينتمون لطائفة محددة*، بل تجمعهم مصلحة واحدة هي البقاء في السلطة وفق الآليات التي يرتضيها النفوذ الأجنبي. هؤلاء هم من يروجون لرمزية "القائد الأوحد" ويسعون لإرضاء القوى الخارجية على حساب كرامة أوطانهم.
بقي شيء...
إن القول بأن الشيعة ليسوا أهلًا للحكم هو *تدليس سياسي* سقط أمام الواقع. لقد أثبتت تجربة المقاومة أن من يملك العقيدة، والإرادة، والجاهزية لبناء مكامن القوة الذاتية، هو الأقدر على إدارة الحكم بروح أصلية تستعيد هيبة الأمة وسيادتها، بعيدًا عن التبعية والانصياع للإملاءات الخارجية.
https://feneks.net/books/%D8%A8%D8%AA%D8%B5%D8%B1%D9%81/82177-2026-07-26-11-20-58
