KARANTAA-BAA's Channel 🌋قناة كرنتابا
الذهاب إلى القناة على Telegram
*اللوائح والضوابط* *RULES & REGULATIONS* 1⃣ الالتزام بتعليمات الإسلام وآدابه. 2⃣ اسأل، وشاور فيما تريد من الدين والدنيا. 3⃣ إذا تريد نَشرَ شيءٍ ارسله إلى أحد المشرفين، سيُنشَرُ إذا توفرت فيه الشروط. 4⃣ ممنوع أخذ بيانات المتابعين لهدف محرم شرعاً 1⃣ Complyi
إظهار المزيد486
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
لا توجد بيانات7 أيام
-930 أيام
جاري تحميل البيانات...
القنوات المماثلة
سحابة العلامات
الإشارات الواردة والصادرة
---
---
---
---
---
---
جذب المشتركين
يونيو '26
يونيو '260
في 1 قنوات
مايو '26
+1
في 1 قنوات
Get PRO
أبريل '26
+3
في 1 قنوات
Get PRO
مارس '26
+12
في 1 قنوات
Get PRO
فبراير '26
+2
في 1 قنوات
Get PRO
يناير '26
+4
في 0 قنوات
Get PRO
ديسمبر '25
+6
في 0 قنوات
Get PRO
نوفمبر '25
+2
في 0 قنوات
Get PRO
أكتوبر '25
+8
في 0 قنوات
Get PRO
سبتمبر '25
+10
في 0 قنوات
Get PRO
أغسطس '25
+8
في 0 قنوات
Get PRO
يوليو '25
+5
في 0 قنوات
Get PRO
يونيو '25
+16
في 0 قنوات
Get PRO
مايو '25
+6
في 0 قنوات
Get PRO
أبريل '25
+12
في 0 قنوات
Get PRO
مارس '25
+18
في 0 قنوات
Get PRO
فبراير '25
+28
في 0 قنوات
Get PRO
يناير '25
+30
في 0 قنوات
Get PRO
ديسمبر '24
+23
في 0 قنوات
Get PRO
نوفمبر '24
+50
في 0 قنوات
Get PRO
أكتوبر '24
+17
في 0 قنوات
Get PRO
سبتمبر '24
+18
في 0 قنوات
Get PRO
أغسطس '24
+390
في 0 قنوات
| التاريخ | نمو المشتركين | الإشارات | القنوات | |
| 17 يونيو | 0 | |||
| 16 يونيو | 0 | |||
| 15 يونيو | 0 | |||
| 14 يونيو | 0 | |||
| 13 يونيو | 0 | |||
| 12 يونيو | 0 | |||
| 11 يونيو | 0 | |||
| 10 يونيو | 0 | |||
| 09 يونيو | 0 | |||
| 08 يونيو | 0 | |||
| 07 يونيو | 0 | |||
| 06 يونيو | 0 | |||
| 05 يونيو | 0 | |||
| 04 يونيو | 0 | |||
| 03 يونيو | 0 | |||
| 02 يونيو | 0 | |||
| 01 يونيو | 0 |
منشورات القناة
Repost from MENBARR MAHAD BRIKAMA. 🌺
كيف تتم خِطْبَةُ الأرملة والمطلقة شرعاً، لأن هنالك مقولةً مفادها أن للرجل أن يمارس الجنس مع المطلقة أو الأرملة قبل أن يعقد عليها الزواج؟
How can a widow, divorcee, or previously married woman be proposed to according to Islamic law, since there is a saying that a man can have sexual relations with a divorcee or widow woman before marrying her?
| 2 | Audio from Dr. Haroun AB Manneh | 25 |
| 3 | ثالثاً، مذهب الشافعية:
فالمشهور عندهم أن الخدمة ليست واجبة بعقد النكاح نفسه، وإنما تستحب، وإن كانت المعاشرة بالمعروف مطلوبة.
الترجيح:
الذي يظهر، والله أعلم، أن الأدلة والآثار وعمل الصحابة تدل على أن خدمة الزوجة لزوجها في شؤون البيت المعتادة واجبة بالمعروف، لا على سبيل الاسترقاق أو التكليف بما لا تطيق، وإنما بحسب حال الزوجين، وعرف البلد، وقدرة المرأة، وما جرى به التعامل بين الناس.
فلا تُكلَّف المرأة ما يشق عليها أو يخرج عن المعتاد، مثل ما لا يجوز للزوج أن يظلمها أو يستغل هذا الحق، بل الواجب على الزوجين التعاون والتراحم، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. [النساء: 19].
وقد رجح هذا القول جماعة من المحققين، منهم: ابن تيمية، وابن القيم، وابن حبيب المالكي، وغيرهم من أهل العلم.
هذا، والله تعالى أعلم، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته في الدنيا والآخرة الشيخ الدكتور هارون أبوبكر ماني، الغامبي، عصر يوم الثلاثاء ١ محرم ١٤٤٨هـ، الموافق ١٦ يونيو ٢٠٢٦، مدينة الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، حرسها الله وسائر بلاد المسلمين وعواصمهم. | 16 |
| 4 | السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سعادة الدكتور هارون أبوبكر ماني، ما حكم قيام المرأة بخدمة زوجها، هل هي واجبة عليها أم لا؟
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فمسألة خدمة المرأة لزوجها من المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف بين العلماء، إلا أن الجمهور من المالكية والحنابلة وكثير من الحنفية، وجماعة من المحققين، يرون أن خدمة الزوجة لزوجها فيما جرى به العرف من شؤون البيت واجبة عليها بالمعروف، مع اختلافهم في حدود هذه الخدمة بحسب حال الزوجين وعرف البلد.
ومن أهم الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب كالآتية:
أولاً: قوله تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228].
وذلك أن الله تعالى جعل للزوج حقوقاً على زوجته مثل ما جعل لها حقوقاً عليه، ومن المعروف الذي جرى به عرف المسلمين في سائر الأعصار قيام الزوجة بخدمة بيتها وزوجها بالمعروف، مثل ما يقوم الزوج بالسكنى والنفقة والكسب لها بالمعروف.
وقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34].
وجه الدلالة أن القوامة تقتضي طاعة الزوجة لزوجها في المعروف، ومن مقتضيات الحياة الزوجية قيام كل من الزوجين بما يصلح شأن الأسرة.
ثانياً: حديث فاطمة رضي الله عنها «أَنَّها أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْتَكِي إِلَيْهِ مَا تَلْقَى مِنْ الطَّحْنِ، وَتَطْلُبُ مِنْهُ خَادِماً، فَلَمْ تُوَافِقْهُ، فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ». متفق عليه.
وجه الدلالة أن النبي ﷺ لم يقل لفاطمة إن الخدمة ليست واجبة عليها، ولم يأمر علياً أن يقوم عنها بأعمال البيت، بل أقرها على ما كانت تقوم به من الطحن والخدمة، وأرشدها إلى ما يعينها عليها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «هذا يدل على أن خدمة الزوجة لزوجها أمر معروف».
ثالثاً: حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ، وَمَا لَهُ فِي الأَرْضِ مَالٌ، وَلا مَمْلُوكٌ، وَلا شَيْءٌ غَيْرَ نَاضِحٍ وَفَرَسٍ، فَكُنْتُ أَسُوسُ فَرَسَهُ، وَأَسْتَقِي الْمَاءَ، وَأَخْرُزُ دَلْوَهُ، وَأَعْجِنُ، وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى عَلَى رَأْسِي مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ، وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ». متفق عليه.
وجه الدلالة أن النبي ﷺ علم بذلك ولم ينكره، فكان إقراراً منه على مشروعية خدمة الزوجة لزوجها.
وفي رواية: "أنها كانت تحمل النوى على رأسها من أرض الزبير".
وحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا». متفق عليه.
والشاهد من الحديث قوله ﷺ: «وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا»، مما هو نص على أن قيامها برعاية بيت زوجها واجبٌ عليها بالمعروف.
رابعاً: حديث فاطمة وعلي رضي الله عنهما في تقسيم العمل، حيث جاء فيه: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَكُونَ فَاطِمَةُ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ فِي مَا خَارِجَ الْبَيْتِ». رواه أبو داود بإسناد فيه كلام.
وجه الدلالة أن النبي ﷺ جعل أعمال الداخل على المرأة وأعمال الخارج على الرجل.
خامساً: عمل نساء الصحابة رضي الله عنهن:
ثبت عن عدد من الصحابيات أنهن كن يخدمن أزواجهن ويقمن بشؤون البيوت، ومن ذلك فاطمة بنت رسول الله ﷺ مع زوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أسماء بنت أبي بكر مع زوجها الزبير بن العوام رضي الله عنه، ونساء الأنصار والمهاجرين رضي الله عنهن.
وهذا العمل المستفيض في عصر النبوة من غير إنكار يعد دليلاً قوياً عند كثير من الفقهاء.
سادساً: المعقول والعرف:
أن النكاح عقد يقتضي المعاشرة بالمعروف، وليس من المعاشرة بالمعروف عقلاً ومنطقاً أن يكون الرجل خادماً لامرأته في كل شيء وهي لا تخدمه، إذ كانت نساء النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم يخدمنهم، وأن المعروف يختلف باختلاف الأحوال والأعراف.
سابعاً: مذهب المذاهب الأربعة:
أولاً، الجهور من المالكية والحنابلة:
يرون وجوب الخدمة المعتادة التي جرى بها العرف على المرأة.
ثانياً، الحنفية:
يفرقون بين المرأة الشريفة المخدومة في بيت أبيها قبل الزواج وغيرها، لكنهم يوجبون من الخدمة ما جرى به العرف. | 15 |
| 5 | واستدلوا أيضاً بما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه جاء إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا، فجمع جماعةً وأذَّن وأقام وصلى بهم. رواه ابن أبي شيبة في مصنفه.
الاتجاه الثاني: كراهة الجماعة الثانية في المسجد ذي الإمام الراتب.
وهو مشهور عند المالكية وكثير من الشافعية.
واحتجوا بأن هدي النبي ﷺ وأصحابه كان قائماً على المحافظة على الجماعة الأولى، ولم يكن من عادتهم إقامة جماعات متعددة في المسجد الواحد.
وقالوا: لو اعتاد الناس وجود جماعات متعاقبة لتهاون كثير منهم بإدراك الجماعة الأولى، وفي ذلك إضعاف لشعيرة الاجتماع.
وهذا مبني على قاعدة سد الذرائع المفضية إلى تفويت المقاصد الشرعية.
فالجماعة الثانية في نفسها مصلحة، لكن إذا أدت إلى تضييع الجماعة الأولى أصبحت مفسدتها راجحة.
الاتجاه الثالث: التفصيل:
وهو الذي اختاره كثير من المحققين، وهو أعدل الأقوال وأجمعها للأدلة.
وحاصله إذا كانت الجماعة الثانية عارضة، بأن يفوت بعض الناس الصلاة ثم يجتمعوا فيصلوا جماعة.
فهي مشروعة؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتقدم، ولفعل أنس بن مالك رضي الله عنه.
أما إذا اتخذت عادةً منظمة، بحيث يعلم الناس أن هناك جماعات متتابعة دائمة، فيتخلفون عن الجماعة الأولى اعتماداً عليها، ليفرقوا بها جماعة الإمام الراتب.
فإن ذلك ممنوع ومنهي عنه شرعاً بالنصوص السابقة؛ لأنه يفضي إلى تفويت المقصود الشرعي من اجتماع أهل المسجد على إمام واحد.
وتخريج ذلك النهي أصولياً:
تُردّ هذه المسألة إلى جملة من القواعد الكلية، وذلك على ما يلي:
أولاً: قاعدة "مراعاة المقاصد":
فالمقصود من الجماعة في المساجد ليس مجرد حصول عددٍ من المصلين، وإنما اجتماع المسلمين، وتعارفهم، واتحادهم، وإظهار شعائر الإسلام؛ ولذلك كان اجتماع مئة مصلٍ خلف إمامٍ واحدٍ أكمل شرعاً من تفرقهم إلى جماعاتٍ متعددةٍ.
ثانياً: قاعدة "تحصيل المصالح وتكميلها":
فالجماعة الثانية تحقق مصلحة، لكن الجماعة الأولى تحقق مصلحة أعظم، وعند التعارض تقدم المصلحة الأعلى على المصلحة الأدنى.
ثالثاً: قاعدة "سد الذرائع":
فكل ما يؤدي إلى التهاون بالجماعة الأولى أو تفريق أهل المسجد يمنع سداً للذريعة.
رابعاً: قاعدة "رفع الحرج":
فإذا فاتت الجماعة الأولى لعذر شرع للمتأخرين إقامة جماعة ثانية حتى لا يفوتهم فضل الجماعة.
خلاصة الجواب:
يمكن تلخيص الحكم في النقاط الآتية:
١. يحرم أو يمنع تعمد إقامة جماعة قبل الإمام الراتب بغير عذر معتبر؛ لما فيه من منازعته وتفريق جماعة المسجد، ولمقتضي النهي الشرعي عنه في قوله ﷺ: «لَا يَؤُمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ». رواه مسلم.
٢. يجوز إقامة جماعة قبله إذا تأخر تأخراً يفضي إلى الحرج أو خيف خروج الوقت أو تعذر حضوره.
٣. تشرع الجماعة الثانية لمن فاتته الجماعة الأولى من غير ترتيب مسبق ولا اعتياد؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ؟».
٤. يكره أو يمنع اتخاذ الجماعات المتعددة نظاماً دائماً في المسجد ذي الإمام الراتب؛ لأنه يناقض مقصود الشريعة في جمع المسلمين على إمام واحد.
وعليه فإن الشريعة راعت مصلحتين عظيمتين: مصلحة اجتماع المسلمين في الجماعة الأولى، ومصلحة عدم حرمان المتأخرين من فضل الجماعة، فجاءت الأحكام محققةً لهاتين المصلحتين بقدر الإمكان دون أن تهدم إحداهما الأخرى.
هذا، والله تعالى أعلم، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
✍🏽: كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته في الدنيا والآخرة الشيخ الدكتور هارون أبوبكر ماني، الغامبي، ضحى يوم الاثنين ٢٩ ذي الحجة ١٤٤٧هـ، الموافق ١٥ يونيو ٢٠٢٦، بمدينة الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، حرسها الله وسائر بلاد المسلمين وعواصمهم. | 28 |
| 6 | السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حكم إقامة جماعةٍ في المسجد قبل جماعة الإمام الراتب أو بعد جماعته؟
What is the ruling on holding a congregational prayer in Masjid either before or after the prayer led by the appointed Imam?
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه المسألة من المسائل المهمة المتعلقة بمقصدٍ عظيم من مقاصد الشريعة، وهو تحقيق الاجتماع والائتلاف بين قلوب المسلمين، وإظهار شعيرة الجماعة؛ ولذلك لم ينظر العلماء إليها من جهة صحة الصلاة فقط، وإنما نظروا أيضاً إلى ما يترتب عليها من مصالح ومفاسد تتعلق بوحدة المسلمين واجتماع كلمتهم.
وذلك أن الأصل الشرعي في صلاة الجماعة أن يجتمع أهل المسجد على إمامٍ واحدٍ راتبٍ في وقتٍ واحدٍ، وهذا هو الذي استقر عليه عمل النبي ﷺ والخلفاء الراشدين والصحابة رضي الله عنهم، والأئمة المهتدين؛ لقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وقوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». متفق عليه.
وعند مسلم: «صَلاةٌ مع الإمامِ أفضَلُ مِن خَمْسٍ وعِشرينَ صَلاةً يُصلِّيها وحْدَه».
وعنه رضي الله عنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ». متفق عليه.
تدل هذه النصوص على عظم شأن الجماعة، وأن الشارع يقصد إلى جمع المسلمين عليها وعدم تفريقهم.
وعليه، فالتفصيل في الإجابة على السؤال على ما يلي:
أولاً: حكم إقامة جماعة قبل جماعة الإمام الراتب، وذلك لا يخلو من عذر شرعي وعدم عذر:
أولاً، إذا كانت بغير عذر، كأن يتقدم جماعة فيصلوا قبل الإمام الراتب مع إمكان انتظار حضوره.
فهذا الفعل مكروهٌ كراهةً شديدة أو ممنوعٌ عند جمهور الفقهاء، بحسب ما يترتب عليه من منازعة الإمام وإحداث الفرقة.
ومن أدلتهم ما رواه أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَؤُمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ». رواه مسلم.
قال الفقهاء: والإمام الراتب له حق التقدم في مسجده، فلا ينازع في هذا الحق، وأن إقامة جماعة مستقلة قبل الإمام الراتب تؤدي إلى عدة مفاسد:
١. تفريق جماعة المسجد.
٢. إضعاف منزلة الإمام الراتب.
٣. فتح باب التحزب والانقسام.
٤. إبطال المقصد الذي شُرعت له الجماعة أصلاً.
ولهذا قرر العلماء قاعدة "ما شُرع لجمع الكلمة لا يجوز أن يُتخذ سبباً لتفريقها".
وقاعدة أخرى: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض".
وذلك أن مصلحة صلاة هؤلاء جماعةً مستقلة قبل الإمام دون عذر تعارضها مفسدة أعظم، وهي تفريق جماعة المسجد.
ثانياً، إذا كانت لعذر، كأن يتأخر الإمام تأخراً غير معتاد، أو يغلب على ظن المصلين أنه لن يحضر، أو يخشون خروج الوقت.
فهنا يجوز لهم إقامة الجماعة؛ لأن المحافظة على الصلاة في وقتها مقصد أعظم من المحافظة على انتظار الإمام.
والقاعدة الأصولية: "إذا تعذر الأصل صير إلى البدل".
والقاعدة: "المشقة تجلب التيسير".
ثانياً: حكم إقامة جماعة ثانية بعد جماعة الإمام:
وهي الصورة الأكثر وقوعاً، وذلك بأن يأتي قوم بعد انتهاء الجماعة الأولى فيقيموا جماعة جديدة.
وقد اختلف العلماء فيها على ثلاثة اتجاهات، وتفصيل ذلك على ما يلي:
الاتجاه الأول: استحباب الجماعة الثانية لمن فاتته الجماعة الأولى.
وهو مذهب كثير من الحنابلة وجماعة من السلف.
واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ؟» فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ. رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
ووجه الاستدلال من الحديث أن النبي ﷺ أقر إنشاء جماعة بعد انتهاء الجماعة الأولى، بل حث عليها.
مثل ما استدلوا بعموم الأحاديث الواردة في فضل الجماعة، ومنها قوله ﷺ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
قالوا: والمتأخر إذا أمكنه تحصيل الجماعة فلا ينبغي أن يصلي منفرداً. | 29 |
| 7 | Audio from Dr. Haroun AB Manneh | 29 |
| 8 | Audio from Dr. Haroun AB Manneh | 1 |
| 9 | السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل صحيح أن موسى عليه السلام قد ضرب ملك الموت في وجهه حتى فقأ عينه؟
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن خبر ضرب موسى عليه السلام ملك الموت حتى فقأ عينه حديث صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما، وقد رواه الإمامان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وهذا نص الحديث كاملاً:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ. فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى ظَهْرِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. فَقَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ: فَالْآنَ. فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكُثْبَةِ الْحَمْرَاءِ». رواه البخاري مسلم.
نعم، هذا الحديث صحيح بلا ريب؛ لأنه اتفق الإمام البخاري والإمام مسلم، وجميع أئمة الحديث المتقدمين على صحته، وتلقته الأمة بالقبول.
ولذلك لا يجوز رد الحديث لمجرد استغراب ظاهره، أو عدم فهم معانيه.
نعم، فقد أشكل هذا الحديث على بعض الناس، لكن العلماء أجابوا عنه بأجوبة متعددة، وأشهرها ما يلي:
أولاً: أن ملك الموت جاء إلى موسى عليه السلام في صورة رجلٍ.
ذكر كثير من العلماء أن ملك الموت لم يأتِ موسى عليه السلام على صورته التي خلقه الله عليها، وإنما جاء في صورة بشر، مثل ما كان جبريل عليه السلام يأتي الأنبياء والصحابة رضي الله عنهم في صورة رجلٍ.
فلما دخل عليه بهذه الصورة البشرية، وأراد قبض روحه، ظنه موسى عليه السلام معتدياً على نفسه، فدفعه فلطمه على وجهه حتى فقأ عينه.
وبهذا يزول الإشكال؛ لأن موسى لم يكن يعلم أنه ملك الموت، كان يظنه رجلاً يريد الاعتداء عليه، فدافع عن نفسه حتى لطمه بقوة على وجهه مما أدى إلى فقء عين ملك الموت في صورة رجل بشري.
ثانياً: أن فقء العين كان للعين التي تمثل بها ملك الموت، لا للعين التي خلقها الله تعالى لملك الموت في صورته الملائكية.
ولذلك قال العلماء: إذ تشكَّلت الملائكة بصورة البشر فإنه يُجرى على تلك الصورة ما يجري على البشر من العوارض، ففقء العين كان للعين التي في الصورة البشرية التي تمثل بها الملك، لا لعينه الحقيقية، فلذلك رد الله تعالى عليه عينه.
ثالثاً: أن موسى لم يكره لقاء الله كراهة مذمومة.
ليس في الحديث أن موسى عليه السلام اعترض على قضاء الله تعالى، أو كره لقاء الله جل جلاله على وجه المعصية، وإنما لم يكن قد خُيِّر بعد بين البقاء والموت.
ولهذا لما خُيِّر بعد ذلك اختار الموت.
جاء في آخر الحديث «فالآن» أي الآن بعد أن خُيِّر وعلم أن أجله قد حضر.
أقوال العلماء:
قال يحيى بن شرف النووي: "وأما لطم موسى ملك الموت فكان لأنه رآه رجلاً دخل عليه داره بغير إذنه، ولم يعلم أنه ملك الموت".
وقال أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني: "لم يقصد موسى عليه السلام فقء عين ملك الموت، وإنما قصد دفعه، فترتب على ذلك فقء العين."
وقال أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية: "الملائكة قد تتمثل في صورة البشر، فإذا أصاب الصورة ما يصيب البشر لم يلزم أن يكون ذلك واقعاً على حقيقتها الملكية".
خلاصة القول: إن خبر ضرب موسى عليه السلام على ملك الموت في صورة بشر حديث صحيح، حيث اتفق أهل الحديث على صحته، فلا مطعن في سنده.
لم يتعمد موسى عليه السلام الاعتداء على ملك الموت مع علمه بحقيقته، إنما جاء ملك الموت إليه في صورة رجل، فدفعه موسى ظاناً أنه آدمي دخل عليه بغير إذن.
وقع فقء العين للصورة التي تمثَّل بها ملك، ثم رد الله تعالى عليه عينه.
لا يتضمن الحديث أي انتقاص لمقام موسى عليه السلام ولا لملك الموت، بل هو من الأخبار التي يجب الإيمان بها مع فهمها على الوجه الذي قرره أئمة أهل السنة.
هذا، والله تعالى أعلم، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته في الدنيا والآخرة الشيخ الدكتور هارون أبوبكر ماني الغامبي، عصر يوم الاثنين ٢٩ ذي الحجة ١٤٤٧، الموافق ١٥ يونيو ٢٠٢٦، مدينة الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، حرسها الله وسائر بلاد المسلمين وعواصمهم. | 40 |
| 10 | Audio from Dr. Haroun AB Manneh | 36 |
| 11 | وعليه، فالجواز مقيد بالشروط الآتية:
١- ألا يشتمل العمل على شعائر أو طقوس دينية.
٢- ألا يتضمن أدعية أو صلوات دينية خاصة بدين الميت.
٣- ألا يقصد به تعظيم دين الميت أو إقرار معتقده.
٤- أن يقتصر على الإجراءات المهنية المعتادة.
٥- ألا يترتب عليه ترك واجب أو فعل محرم.
وأما وضع الأزهار على جثمانه أو حوله، فإن حكمه تابع لحقيقته ومقصده؛ فإن كان جزءاً من شعيرة دينية أو رمزاً عقدياً خاصاً فلا يجوز للمسلم فعله ولا المشاركة فيه.
أما إذا كان مجرد عادة اجتماعية أو إجراءً مؤسسياً يُقصَد به الاحترام أو المواساة أو الترتيب الجمالي للمكان، فإنه يبقى على أصل الإباحة الأصلية؛ لأن الأصل في العادات والمعاملات الإباحة، ولأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
مثل ما أن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح والوفاء بالعهود وأداء الأمانات، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ۖ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
الخلاصة:
إن ما يقوم به الممرضون والممرضات في القطاع الصحي ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين من تنظيف أجساد الموتى المسلمين وغير المسلمين وتجهيزهم للنقل أو الحفظ ليس من الغسل الديني التعبدي، وإنما هو عمل مهني وإنساني وإداري محض، والأصل فيه وأخواته الإباحة الأصلية.
وكذلك أن وضع الأزهار حول الجثمان إذا كان على سبيل العادة المهنية أو الإجراء الإداري أو التعبير الإنساني عن الاحترام والمواساة لأهله الأحياء، ولم يكن جزءاً من شعيرة دينية، فلا حرج فيه.
وعليه، فإذا باشر الممرض أو الممرضة المسلم هذه الأعمال في إطار عمله المهني، خالياً من المشاركة في الطقوس الدينية أو الإقرار بالعقائد المخالفة، فلا حرج عليه شرعاً، بل قد يدخل ذلك في عموم البر والإحسان الإنساني، والوفاء بالعقود، وأداء الأمانات التي جاءت الشريعة بتأكيدها.
هذا، والله تعالى أعلم، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته في الدنيا والآخرة: الشيخ الدكتور هارون أبوبكر ماني الغامبي، ظهر يوم الجمعة 6 شوال 1441 الموافق 29 مايو 2020م، في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين وعواصمهم. | 60 |
| 12 | السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حكم تغسيل أو تنظيف الممرض أو الممرضة المسلمة للميت غير المسلم في المستشفى ودار الرعاية الصحية، ووضع الأزهار حوله؟
What is the ruling on a Muslim nurse washing or cleaning a non-Muslim deceased in a hospital or healthcare facility, and placing flowers around him?
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه من المسائل التي يكثر السؤال عنها، وخاصة بين العاملين والعاملات في المستشفيات ودور الرعاية الصحية. وتحرير الحكم فيها مبني على قاعدة أصولية عظيمة وهي: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره»؛ إذ لا بد من معرفة حقيقة الفعل قبل تنزيل الحكم الشرعي عليه.
والواقع، أن ما يقوم به الممرض أو الممرضة بعد وفاة المريض من تنظيف جثمانه، وإزالة النجاسات والإفرازات عنه، وتغيير ملابسه، وتهيئته للنقل أو الحفظ، إنما هو عمل مهني وإنساني وإداري محض، لا يُقصَد به تعبد ديني، ولا أداء شعيرة دينية، ولا يُعدّ ذلك شيئاً ينتفع به الميت في آخرته، وإنما هو من مقتضيات العمل الوظيفي، للحفاظ على النظافة العامة.
ولهذا يجب التفريق بين الغسل الديني التعبدي الذي يُقصَد به أداء شعيرة من شعائر الدين وعقائد الجنائز وبين التنظيف المهني الوظيفي الذي يجري في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين للموتى، مسلمين كانوا أو غير مسلمين.
وذلك أن العبرة بحقائق الأفعال ومقاصدها لا بمجرد أسمائها، إذ ليس كل ما سمي غسلاً يأخذ حكم الغسل التعبدي، حيث إن حكم غسل العادة للحي ليس كحكم غسل الجنابة له، وكذلك حكم غسل العادة للميت ليس كحكم الغسل الديني التعبدي له.
وبالتالي، فإن الأصل في مثل هذه الأعمال العادية الإنسانية الإباحة؛ إذ تقرر القاعدة الأصولية أن الأصل في العادات والمعاملات الإباحة، بخلاف العبادات فإن الأصل فيها المنع والحظر.
وعليه، فإن تنظيف الممرض أو الممرضة المسلمة لجثمان غير المسلم من باب الخدمة الإنسانية والمهنية المباحة من أجل تحقيق النظافة العامة، ولا يوجد دليل يمنع منه، بل جاءت النصوص بما يدل على مشروعية البر والإحسان الإنساني إلى غير المسلمين المسالمين في غير ما يتعلق بالشعائر الدينية؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
وثبت في الصحيحين: «أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَا بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا جِنَازَةٌ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَقَالَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟».
وثبت أن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لما مات أبوه أبو طالب: «اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ». رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
وهنا ينبغي التفريق بين صورتين:
الصورة الأولى: الغسل الديني التعبدي:
وهو ما كان جزءاً من شعائر دين الميت أو طقوسه العقدية، أو مشاركة في عباداته الجنائزية.
فهذه الصورة لا يجوز للمسلم ولا للمسلمة أن يشارك فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ولأن الشريعة فرقت بين البر والإحسان الإنساني وبين المشاركة في الشعائر الدينية.
وقال تعالى في وصف عباده المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
وقد فسر جماعة من السلف الزور في الآية بحضور أعياد المشركين وشعائرهم.
الصورة الثانية: التنظيف أو التجهيز المهني:
وهو ما يجري في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين للميت، مسلماً كان أو غير مسلمٍ، من تنظيف جثمانه وإزالة الأوساخ والنجاسات عنه، وتغيير ملابسه، وإعداده للنقل أو الحفظ.
فهذه الصورة جائزة؛ لأنها من العادات والمعاملات التي الأصل فيها الإباحة الأصلية، وخدمة إنسانية لا شعيرة دينية، ومعتبرة بالنية والمقصد؛ لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه.
ومثل ما أن الحاجة العامة معتبرة شرعاً، وخاصة في المؤسسات الصحية التي لا يوجد فيها غالباً من يتولى هذه الأعمال إلا الموظفون المناوبون، ولتحقيق النظافة العامة فيها. | 48 |
| 13 | Audio from Dr. Haroun AB Manneh | 37 |
| 14 | وأما إذا كانت مجرد عادة اجتماعية أو إجراء مؤسسياً متبعاً في المستشفيات ودور الرعاية، يقصد به الاحترام أو المواساة أو الترتيب الجمالي للمكان، فإنها تبقى على أصل الإباحة؛ وذلك للقواعد الأصولية الآتية:
- قاعدة "الأصل في العادات الإباحة".
- قاعدة "العادة محكمة".
- قاعدة "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً".
لأن العلة الموجبة للمنع هي المشاركة الدينية، فإذا انتفت تلك العلة انتفى حكم الحظر وحل محله حكم الإباحة الأصلية في الأشياء والعادات البشرية.
وعليه، فلا يصح تحويل كل عادة عند غير المسلمين إلى شعيرة دينية، مثل ما لا يصح تحويل كل رمز اجتماعي إلى رمز تعبدي. فهذا خلاف الواقع وخلاف قواعد الشريعة.
سادساً: مراعاة المقاصد الشرعية العامة، والمصالح البشرية الدنيوية.
جاءت الشريعة بتحقيق المصالح ودرء المفاسد؛ ومن مقاصدها: حفظ النفس الإنسانية، وتحقيق الرحمة، وإظهار محاسن الإسلام، والوفاء بالعقود والالتزامات، وأداء الأمانات.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}. [النساء: 58]. وقال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
والموظف المسلم قد التزم بعقد عمل مشروع يقتضي أداء هذه المهام المهنية الإنسانية، ما دامت خالية من المحظور الشرعي.
والأصل وجوب الوفاء بما التزمه من الأعمال غير المحظور شرعاً.
سابعاً: القواعد الفقهية المؤيدة لكون غسل العادة المهنية المعتادة للميت غير المسلم ليس بمحظور:
تضافر في هذه المسألة جملة من القواعد الكبرى على أنها غير محظور، ومنها ما يلي:
- قاعدة "الحكم على الشيء فرع عن تصوره".
- قاعدة "الأمور بمقاصدها".
- قاعدة "الأصل في العادات الإباحة".
- قاعدة "الأصل في المعاملات الإباحة".
- قاعدة "العادة محكمة".
- قاعدة "الوسائل لها أحكام المقاصد".
- قاعدة "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً".
- قاعدة "المشقة تجلب التيسير".
- قاعدة "لا واجب مع العجز، ولا حرام مع الضرورة والحاجة المعتبرة".
وجميع هذه القواعد تتجه إلى أن هذه الأعمال المهنية المجردة لا تخرج عن دائرة المباح.
الخاتمة:
وبعد التأمل في حقيقة الواقعة، والنظر في النصوص الشرعية، والقواعد الأصولية والفقهية، يظهر أن ما تقوم به الممرضات والممرضون في المستشفيات ودور الرعاية الصحية من تنظيف أجساد الموتى غير المسلمين وتجهيزهم للنقل أو الحفظ ليس من التغسيل الديني التعبدي المعروف في أبواب الجنائز عند اهل الأديان، وإنما هو عمل مهني وإنساني وإداري محض.
وبناءً على ذلك، فإن الأصل فيه الجواز؛ لأن الشريعة فرقت بين الشعائر الدينية وبين الأعمال العادية، وبين التعبد وبين الخدمة الإنسانية البشرية، وبين المشاركة العقدية وبين البر والإحسان الإنساني المشروع.
وأن وضع الأزهار حول الجثمان إذا كان على سبيل العادة المهنية أو الإجراء الإداري أو التعبير الإنساني المجرد عن الاحترام والمواساة، ولم يكن جزءاً من شعيرة دينية أو طقس عقدي، فإنه يبقى على أصل الإباحة، ولا يصح إلحاقه بالعبادات أو الشعائر التي لم يقصدها الفاعل ولم يدل عليها واقع الحال.
وعليه فإن الممرضة أو الممرض المسلم إذا باشر هذه الأعمال في إطار عمله المهني، خالياً من المشاركة في الطقوس الدينية أو الإقرار بالعقائد الدينية، فلا حرج عليه شرعاً، بل قد يكون داخلاً في عموم البر والإحسان الإنساني، والوفاء بالعقود، وأداء الأمانات التي جاءت الشريعة بتأكيدها.
هذا، والله تعالى أعلم، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته في الدنيا والآخرة: الشيخ الدكتور هارون أبوبكر ماني الغامبي، ظهر يوم الجمعة 6 شوال 1441 الموافق 29 مايو 2020م، في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين وعواصمهم. | 27 |
| 15 | ومن ثم، فمن ادعى التحريم احتاج إلى دليل ناقل عن هذا الأصل؛ إذ ليس هناك ثمَّةَ نصٍّ يمنع المسلم من تنظيف جثمان غير المسلم أو خدمته أو القيام بأعمال عادية مهنية تتعلق به بعد وفاته، وخاصة في المؤسسات الصحية؛ بل إن هناك النصوص تدل على خلاف ذلك، وخاصة في حالات الحاجة والضرورة.
إذ هناك أدلة تدل على مشروعية الإحسان الإنساني إلى غير المسلم، كقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
فهذه الآية أصل في جواز البر والإحسان الإنساني لا الديني إلى غير المسلمين المسالمين.
ثبت في الصحيحين «أنَّ قَيْسَ بنَ سَعْدٍ، وَسَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ رضي الله عنهما، كانا بالقادِسِيَّةِ فَمَرَّتْ بهِما جِنازَةٌ فَقاما، فقِيلَ لهما: إنَّها مِن أَهْلِ الأرْضِ، فَقالا: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ مَرَّتْ به جِنازَةٌ، فَقامَ فقِيلَ: إنَّه يَهُودِيٌّ، فَقالَ: أَليسَتْ نَفْساً». متفق عليه.
وفيه مراعاة حرمة الآدمية من حيث هي نفس بشرية.
وثبت أن النبي ﷺ أذن لعلي بن طالب رضي الله عنه في شأن أبيه أبي طالب لما مات، فقال: «اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ». رواه أبو داود، والنسائي بإسناد صحيح.
فدل هذا على جواز مباشرة بعض شؤون الميت الكافر عند الحاجة والضرورة.
وعليه، فتحرير محل النزاع في المسألة كالتالي:
ليس الكلام هنا في الغسل الديني بين أهل الأديان، وإنما الكلام هنا في غسل العادة المهنية للميت غير المسلم
وعليه، فإن الغسل هنا على صورتين:
الصورة الأولى: الغسل الديني التعبدي.
وهو الغسل الذي يُقصد به أداء شعيرة دينية مقررة في دين الميت، أو المشاركة في طقوس دينية عقدية جنائزية حسب عقيدة الميت.
فهذه الصورة لا تجوز لأحد من المسلمين؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ولأن المشاركة في الشعائر الدينية من أعظم صور التعاون على الباطل العقدي؛ وأن الشريعة فرقت بين المعاملة البشرية الحسنة وبين المشاركة في شعائر الأديان الأخرى؛ ولهذا نهى الله تعالى عن شهود مجالس الباطل وإقرارها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢].
وقد فسر جماعة من السلف الزور بأعياد المشركين وشعائرهم.
الصورة الثانية: الغسل أو التنظيف الوظيفي أو المهني.
وهو ما يجري في المستشفيات ودور الرعاية الصحية من تنظيف الجثمان، وإزالة الأوساخ والنجاسات، وتغيير الملابس، وإعداده للنقل لأهل دينه، أو حفظه في الثلاجات إلى أن يأتي له أهل دينه.
فهذه الصورة ليس فيه مانع شرعي لما يأتي من الأدلة:
أولاً: أن الأصل في المعاملات والعادات الإباحة، وهي قاعدة أصولية مستقرة.
أما العبادات، فالأصل فيها التوقيف؛ فإذا كان الفعل ليس عبادة ولا شعيرة دينية، بقي على أصل الإباحة.
ثانياً: أن المقصود خدمة إنسانية لا شعيرة دينية.
وذلك أن وظيفة العاملة أو الممرضة المسلمة في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ليست دينية ولا تعظيم عقيدة الميت، ولا التعبد لله بهذا العمل، وإنما تؤدي وظيفة مهنية إنسانية مباحة فقط، ومثل هذه الأعمال معتبرة بمقاصدها؛ لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». متفق عليه
ثالثاً: أن الحاجة العامة معتبرة شرعاً، حيث تقرر ذلك قاعدة "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة في بعض الأحكام".
وذلك أن في كثير من المستشفيات ودور الرعاية الصحية لا يوجد من يتولى هذه الأعمال إلا الموظفون المناوبون.
رابعاً: أن هذا من باب البر والإحسان الإنساني لا من باب الموالاة الدينية؛ لأن الشريعة أباحت البر والإقساط البشري إلى غير المسلمين كما سبق بيان ذلك في آية سورة الممتحنة.
وعليه، فالقول بالجواز فإنه مقيد بشروط تالية:
١. ألا يشتمل العمل على شعائر دينية.
٢. ألا يتضمن تلاوة أدعية أو صلوات كنسية أو وثنية.
٣. ألا يُقصَد به تعظيم دين الميت، أو إقرار معتقده.
٤. أن يُقتصَر ذلك العمل على الإجراءات المهنية المعتادة في المستشفى أو مؤسسة الرعاية.
٥. ألا يترتب عليه ترك واجب شرعي أو ارتكاب محرم.
وذلك أن من المقرر شرعاً أن "الوسائل تأخذ أحكام المقاصد"؛ فإذا كان المقصد مهنياً مباحاً كانت الوسيلة مباحة.
وأما إذا كان المقصد المشاركة في طقس ديني أو شعيرة عقدية فيكون الحكم التحريم، وهذا غير متحقق في محل التحرير.
خامساً: حكم وضع الأزهار على الميت أو حوله في المستشفيات ودور الرعاية الصحية، فإن الكلام فيه مبني على الأصل نفسه.
فإن الحكم على وضع الأزهار يتوقف على معرفة حقيقتها. فإذا كانت الأزهار توضع باعتبارها جزءاً من عبادة أو شعيرة دينية أو رمزاً عقدياً خاصاً فإن المشاركة فيها لا تجوز. | 25 |
| 16 | السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حكم تغسيل أو تنظيف الممرضة المسلمة للميت غير المسلم في المستشفى ودار الرعاية الصحية، ووضع الأزهار حوله؟
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه مسألة يكثر عنها السؤال، وخاصة من طرف الممرضات والممرضين في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين، وذلك أن مهنتهم التمريضية تقتضي التعامل مع المسلمين وغير المسلمين بعد الوفاة، تنظيفاً أو تغسيلاً أو تجهيزاً، وقد يُطلَب منهم وضع الأزهار على الجثمان وحوله وفق الأنظمة المتبعة في تلك المؤسسات الصحية.
وعليه، فإن تحرير هذه المسألة وأخواتها يقتضي أولاً تصويرها، بناءً على قاعدة أصولية محكمة، وهي "الحكم على الشيء فرع عن تصوره".
وذلك أن المفتي لا يستطيع أن يصدر حكماً صحيحاً على واقعة من الوقائع حتى يتصور حقيقتها تصوراً دقيقاً، لأن الخطأ في التصور يؤدي بالضرورة إلى الخطأ في الحكم.
ومن هنا وقع الخلل في بعض الأحكام المتعلقة بنوازل المسلمين العاملين في المؤسسات الصحية ودور الرعاية في العالم، وخاصة في البلاد غير الإسلامية؛ إذ تصور بعض الناس أن ما يقوم به الممرضون والممرضات من تنظيف أجساد الموتى وتجهيزهم يشبه التغسيل التعبدي المعروف في الإسلام والديانات الأخرى، ثم بنوا على هذا التصور أحكاماً لا تستقيم مع حقيقة الواقعة ذاتها.
والتحقيق أن الحكم يتغير بتغير حقيقة الفعل ووصفه المؤثر، وأن الأحكام الشرعية تدور مع عللها وأوصافها وجوداً وعدماً، وتفصيل ذلك على ما يلي:
أولاً: تحرير حقيقة العمل الذي يقوم به الممرضون والممرضات بغض النظر عن معتقداتهم الدينية بعد وفاة المريض في المستشفى أو دار الرعاية الصحية مسلماً أو غير مسلمٍ.
فالواقع المشاهد في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين أن الممرض أو الممرضة المناوبة تقوم بعد وفاة النزيل بما يلي حسب عملها الوظيفي المهني، مسلماً كان المتوفى أو غير مسلمٍ:
- تنظيف الجثمان من الأوساخ وآثار المرض بالمناديل أو بما تيسر.
- إزالة ما قد يكون عليه من نجاسات أو إفرازات.
- تغيير الملابس.
- تهيئة الجثمان للنقل أو الحفظ في الثلاجات.
- ترتيب السرير أو غرفة الوفاة.
- أحياناً وضع بعض الزهور أو الرموز المعتادة في المؤسسة.
وهذه الأعمال لا يُقصَد بها التعبد لله تعالى، ولا يُقصَد بها تنفيذ شعائر دينية خاصة بالميت، ولا يَعتقد القائم بها أنها تنفع الميت في آخرته أو تُقرِّبه إلى الله تعالى؛ وإنما هي أعمال مهنية وظيفية وإنسانية وإدارية محضة.
وبناءً على ذلك فإن تنزيل أحكام "غسل الميت الديني" عليها تنزيل فيه نظر؛ لاختلاف الحقيقة والوصف والمقصد، إذ الأول مهني عادي إنساني، وبينما الآخير ديني اعتقادي تعبدي.
ثانياً: الفرق بين التغسيل الديني بين الأديان، والتجهيز المهني الإنساني، إذ الغسل الديني للميت في الأديان عبادة مخصوصة لها أحكامها وشروطها؛ فهو عبادة دينية، ومقصود بها إكرام الميت وتقريبه إلى معبوده، ولها صفة مخصوصة، ومرتبطة بأحكام الجنائز بين الشرائع السماوية.
أما ما يجري في المستشفيات ودور الرعاية فليس بغسل ديني ولا عبادة أصلاً؛ بل هو من جنس تنظيف الميت، والعناية بالجسد، والخدمات الطبية والإدارية، إلى أن يأتي له أهل دينه.
وتقرر القاعدة الأصولية بأن "العبرة في العقود والتصرفات والمعاملات للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني".
فالعبرة بحقيقة الفعل لا باسمه؛ وليس كل ما سمي غسلاً يأخذ حكم الغسل الديني، إذ غسل العادة للحي ليس كغسل الجنابة، وكذلك غسل العادة للميت ليس كالغسل الديني للميت، مع اشتراك الجميع في لفظ الغسل.
ومن ثم، فإن غسل العادة المهنية التي يقوم به الممرضون والممرضات في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين ليس كالغسل الديني التعبدي المعروف بين أهل الأديان، فاختلف الحكم الشرعي فيهما، فكان حكم الأول الإباحة الأصلية بين البشر، وحكم الآخير المنع بين أهل الديانة المختلف فيها.
ثالثاً: الأصل في مثل هذه الأعمال الإباحة، وذلك من القواعد الكلية المقررة، كقاعدة "الأصل في العادات والمعاملات الإباحة".
وأما العبادات، فالأصل فيها المنع حتى يرد الدليل.
وعليه، فالكلام في هذه المسألة ينبني على أصلين عظيمين:
الأصل الأول: التفريق بين الأعمال الدينية والشعائر التعبدية وبين الأعمال المهنية والعادية.
الأصل الثاني: التفريق بين الإحسان المشروع إلى غير المسلم وبين المشاركة في شعائره الدينية؛ وتفصيلهما على ما يلي:
أولاً: حكم تغسيل أو تنظيف الممرضة المسلمة للميت غير المسلم.
وهذا التنظيف الوظيفي الذي تقوم به الممرضات المناوبات في المستشفيات ودور الرعاية الصحية من باب العادات والمعاملات والمهن، التي الأصل فيها الإباحة والجواز. | 28 |
| 17 | الحالة الأولى: أن تكون الأزهار شعاراً دينياً؛ بحيث تكون جزءاً من الطقوس الكنسية أو الوثنية أو العقدية المتعلقة بالموتى.
فهذه الصورة لا تجوز للمسلم أن يشارك فيها؛ لأنها مشاركة في شعيرة دينية محرمة على المسلم شرعاً.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وقوله سبحانه: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦].
والشريعة جاءت بالمباينة العقدية وعدم المشاركة في الشعائر الدينية المخالفة.
الحالة الثانية: أن تكون الأزهار عادة اجتماعية محضة، وهو واقع في كثير من المستشفيات ودور الرعاية والمقابر الحديثة.
فلا يقصد بها أي تعبد ديني، ولا أي اعتقاد، ولا طلب أي نفع للميت، وإنما هي رمز للتعزية أو الاحترام أو المواساة.
فهذه الصورة أقرب إلى الجواز؛ لأن الأصل في العادات الإباحة.
ومن القواعد: "الأصل في العادات الإباحة حتى يقوم دليل المنع".
ولا يصح نقل الفعل من دائرة العادات إلى دائرة العبادات إلا بدليل.
هل يشبه ذلك وضع الجريد على القبور؟ حيث ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ...»، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين وغرس على كل قبر واحدة، وقال ﷺ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». متفق عليه.
لكن جماهير العلماء على أن هذا الفعل من خصائص النبي ﷺ أو أنه مبني على علمه بحال المقبورين، وليس أصلاً عاماً لوضع النباتات والزهور على القبور.
وعليه، فلا يستدل بهذا الحديث على مشروعية وضع الأزهار للميت ابتداءً.
القواعد الفقهية المؤثرة في المسألة، وتفصيل ذلك على ما يلي:
القاعدة الأولى: "الأصل في العادات الإباحة".
وذلك أن ما كان عرفاً إدارياً أو اجتماعياً مجرداً عن التعبد الديني بقي على أصل الإباحة.
القاعدة الثانية: "الأمور بمقاصدها".
فإن قصد به المشاركة في شعائرهم الدينية حرم؛ وإن قصد به أداء متطلبات العمل أو المجاملة المباحة أو الاحترام الإنساني المجرد لم يلحق بشعيرة من الشعائر الدينية فلا بأس به.
القاعدة الثالثة: "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً".
وذلك متى ما كانت الأزهار شعاراً دينياً منع الفعل؛ ومتى ما زال الوصف الديني بقي حكم العادة.
القاعدة الرابعة: "الوسائل لها أحكام المقاصد".
وذلك إذا كانت الأزهار وسيلة لشعيرة دينية أخذت حكمها وهو التحريم؛ وإذا كانت وسيلة إدارية أو عرفية مجردة أخذت حكمها وهو الإباحة.
الخلاصة:
١- غسل المسلمة للميت غير المسلم إن كان غسلاً دينياً جنائزياً يمثل مشاركة في شعائر دينه فلا يجوز.
٢- أما إن كان مجرد تنظيف مهني أو تجهيز وظيفي تقتضيه أنظمة المستشفى أو دار الرعاية ولا يتضمن شعائر دينية، فالأصل جوازه.
٣- وضع الأزهار إن كان جزءاً من طقس ديني أو شعاراً عقدياً فلا يجوز؛ لأنه مشاركة في الشعائر.
٤- أما إذا كان مجرد إجراء عرفي أو إداري أو وسيلة للتعزية والاحترام لا تحمل معنى دينياً، فالأصل فيه الجواز.
٥- مدار الحكم في المسألتين على التفريق بين الإحسان الإنساني المباح والمشاركة الدينية الممنوعة، وبين العادات والعبادات، وهو فرق مقرر في الأصول والفقه وتدل عليه النصوص والقواعد الشرعية. والله أعلم.
هذا، والله تعالى أعلم، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته في الدنيا والآخرة: الشيخ هارون أبوبكر ماني الغامبي، ظهر يوم الجمعة 6 شوال 1441 الموافق 29 مايو 2020م، في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين وعواصمهم. | 11 |
| 18 | السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حكم غسل أو تنظيف المسلمة للميت غير المسلم في المستشفيات ودور الرعاية الصحية، وحكم وضع الأزهار عليه؟
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه المسألة يكثر عنها السؤال، وخاصة من طرف الممرضات والممرضين في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين، وقد يقتضي عملهم التعامل مع غير المسلمين بعد الوفاة، تنظيفاً أو تغسيلاً أو تجهيزاً، وقد يُطلَب منهم وضع الأزهار على الجثمان أو حوله وفق الأنظمة المتبعة في تلك تلك المؤسسات.
والكلام في هذه المسألة ينبني على أصلين عظيمين:
الأصل الأول: التفريق بين الأعمال الدينية والشعائر التعبدية وبين الأعمال المهنية والعادية.
الأصل الثاني: التفريق بين الإحسان المشروع إلى غير المسلم وبين المشاركة في شعائره الدينية.
وبيان تفصيل الأصلين العظيمين على ما يلي:
أولاً: حكم تغسيل أو تنظيف الممرضة المسلمة للميت غير المسلم.
إن هناك عدة أدلة تدل على مشروعية الإحسان إلى غير المسلم، منها قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
فهذه الآية أصل في جواز البر والإحسان إلى غير المسلمين غير المحاربين؛ وثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «مَرَّتْ جِنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَقِيلَ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟». متفق عليه.
وفيه مراعاة حرمة الآدمية من حيث هي نفس بشرية، إذ ثبت أن النبي ﷺ أذن لعلي بن أي طالب رضي الله عنه في شأن أبيه أبي طالب لما مات، فقال: «اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ». رواه أبو داود، والنسائي بإسناد صحيح.
فدل هذا على جواز مباشرة بعض شؤون الميت الكافر عند الحاجة والضرورة.
تحرير محل النزاع:
ليس الكلام هنا في غسل الميت المسلم الغسل الشرعي المأمور به في الشريعة، وإنما الكلام في ميت غير مسلم؛ وأن الغسل قد يكون على صورتين:
الصورة الأولى: الغسل الديني التعبدي.
وهو الغسل الذي يُقصد به أداء شعيرة دينية مقررة في دين الميت، أو المشاركة في طقوس كنسية أو عقدية أو جنائزية.
فهذه الصورة لا تجوز؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ولأن المشاركة في الشعائر الدينية من أعظم صور التعاون على الباطل العقدي؛ وأن الشريعة فرقت بين المعاملة الحسنة وبين المشاركة في شعائر الأديان الأخرى؛ ولهذا نهى الله تعالى عن شهود مجالس الباطل وإقرارها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢].
وفسر جماعة من السلف الزور بأعياد المشركين وشعائرهم.
الصورة الثانية: الغسل أو التنظيف الوظيفي أو المهني.
وهو ما يجري في المستشفيات ودور الرعاية الصحية من تنظيف الجثمان، وإزالة الأوساخ والنجاسات، وتغيير الملابس، وإعداده للنقل أو الحفظ في الثلاجات.
فهذه الصورة أقرب إلى الجواز؛ وذلك لأمور آتية:
أولاً: أن الأصل في المعاملات والعادات الإباحة، وهي قاعدة أصولية مستقرة.
أما العبادات، فالأصل فيها التوقيف؛ فإذا كان الفعل ليس عبادة ولا شعيرة دينية، بقي على أصل الإباحة.
ثانياً: أن المقصود خدمة إنسانية لا شعيرة دينية.
وذلك أن وظيفة العاملة المسلمة في المستشفيات ودور الرعاية الصحية لا تقصد على تعظيم عقيدة الميت، ولا التعبد لله بهذا العمل، وإنما تؤدي وظيفة مهنية مباحة فقط، والأعمال معتبرة بمقاصدها؛ لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». متفق عليه
ثالثاً: أن الحاجة العامة معتبرة شرعاً، حيث تقرر ذلك قاعدة "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة في بعض الأحكام".
وذلك أن في كثير من المستشفيات ودور الرعاية الصحية لا يوجد من يتولى هذه الأعمال إلا الموظفون المناوبون.
رابعاً: أن هذا من باب البر والإحسان لا من باب الموالاة الدينية؛ لأن الشريعة أباحت البر والإقساط إلى غير المسلمين كما سبق في آية الممتحنة.
ضوابط الجواز:
فالقول بالجواز فإنه مقيد بشروط تالية:
١- ألا يشتمل العمل على شعائر دينية.
٢- ألا يتضمن تلاوة أدعية أو صلوات كنسية أو وثنية.
٣- ألا يُقصَد به تعظيم دين الميت، أو إقرار معتقده.
٤- أن يُقتصَر ذلك العمل على الإجراءات المهنية المعتادة في المستشفى أو مؤسسة الرعاية.
٥- ألا يترتب عليه ترك واجب شرعي أو ارتكاب محرم.
ثانياً: حكم وضع الأزهار على الميت غير المسلم.
تحرير محل النزاع:
وضع الأزهار على القبور أو الجنازات في العصر الحاضر له أحوال مختلفة: | 11 |
| 19 | رابعاً: قاعدة "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً":
فإن المقصود الغالب من قول الرجل: "أنت علي حرام" هو الامتناع والزجر والمنع، لا إيقاع الطلاق، ولا إيقاع الظهار، وهذا هو معنى اليمين وحقيقتها.
خامساً: قاعدة "الأصل بقاء ما كان على ما كان":
فالأصل بقاء الزوجية واستمرارها حتى يثبت المزيل الشرعي الصريح؛ وليس تحريم الرجل زوجته على نفسه مزيلاً شرعياً صريحاً لبقاء الزوجية.
سادساً: قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح":
وذلك أن جعل هذا اللفظ طلاقاً يؤدي إلى تفريق الأسر وإيقاع الطلاق بكلمات لم يقصد أصحابها إنهاء النكاح؛ وأما جعله يميناً، فيحفظ الأسرة، ويوافق ظاهر القرآن الكريم، ومقاصد الشريعة، ومصالح العباد.
مناقشة القول بأنه ظهار بالقياس على الظهار ضعيف؛ لأن الظهار ورد فيه نص خاص وكفارة خاصة وألفاظ مخصوصة، وأن والأصل عدم إلحاق غير المنصوص بالمنصوص مع اختلاف السبب واللفظ والحكم.
مناقشة القول بأنه طلاق بالقياس على الطلاق فهو أضعف؛ لأن الطلاق حلٌّ لعقد النكاح، ولفظ التحريم ليس موضوعاً له لغة ولا شرعاً، وأن القرآن الكريم لما تعرض للتحريم لم يجعله طلاقاً، وإنما جعله يميناً.
وعليه، فإنه يتعين على من حرم امرأته على نفسه كفارة اليمين قبل أن يمسَّها؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89].
ويؤيده ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». رواه مسلم.
وثبت عنه ﷺ أنه قال: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها». متفق عليه.
الخلاصة
فالراجح، والله تعالى أعلم، أن قول الرجل لزوجته: "أنت علي حرام" ليس طلاقاً بمجرده، وليس ظهاراً بمجرده، وإنما هو يمين؛ لأن الله تعالى سمى التحريم يميناً في سورة التحريم، وفسره بذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ولأن الأصل بقاء النكاح، ولأن التحليل والتحريم حق لله تعالى وحده، ولأن هذا القول هو الموافق لظاهر القرآن الكريم وقواعد الأصول ومقاصد الشريعة.
وعليه، فالواجب في هذا التحريم هو كفارة اليمين قبل أن يمس زوجته، إذ لا يقع الطلاق ولا الظهار إلا إذا اقترن اللفظ بنية الطلاق أو الظهار عند من يعتبر النية في ألفاظ الكنايات.
هذا، والله تعالى أعلم... وصلِّ اللهم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّمْ تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته في الدنيا والآخرة: الشيخ هارون أبوبكر ماني الغامبي، ظهر يوم الجمعة 6 شوال 1441 الموافق 29 مايو 2020م، في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين وعواصمهم. | 51 |
| 20 | وهو المروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، واختاره جمع من المحققين من أهل العلم في الحديث والأصول والفقه.
وهو القول الراجح في المسألة بأدلة كثيرة، منها ما يلي:
الدليل الأول: نص القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}. [التحريم: ١-٢].
فهذه الآية أصل المسألة وأقوى أدلتها.
فقد عاتب الله تعالى نبيه ﷺ على تحريم ما أحل الله له، ثم بين الحكم المترتب على هذا التحريم بقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.
فسمى الله تعالى هذا التحريم يميناً، وجعل مخرجه تحلة الأيمان.
وعليه، فلو كان التحريم طلاقاً لبيّن تبارك وتعالى أحكام الطلاق، ولو كان ظهاراً لبيّن كفارة الظهار، فلما أحاله إلى الأيمان دل ذلك دلالة صريحة على أن حكمه حكم اليمين.
وقد ثبت سبب نزول الآية في حديث عائشة رضي الله عنها في قصة تحريم النبي ﷺ ما أحل الله له في الصحيحين: «كان رسولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الحَلْوَاءَ والعَسَلَ، وكان إذا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ علَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُنَّ، فَدَخَلَ علَى حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ، فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أكْثَرَ ممَّا كانَ يَحْتَبِسُ، فَغِرْتُ، فَسَأَلْتُ عن ذلك، فقيل لي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِن قَوْمِهَا عُكَّةَ عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ مِنْهَا شَرْبَةً. فَقُلتُ: أمَا واللهِ لَنَحْتَالَنَّ له، فَذَكَرَتْ سَوْدَةَ بنْتَ زَمْعَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَدْخُلُ عَلَيْكِ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ: لا، فَقُولِي له: ما هذِهِ الرِّيحُ؟ وكان يَشْتَدُّ عليه أن يُوجَدَ منه الرِّيحُ ...»
وفي آخر الحديث: «فأنزل اللهُ عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة رضي الله عنهما».
الدليل الثاني: تفسير القرآن بالقرآن:
وقد تقرر عند الأصوليين أن تفسير القرآن بالقرآن هو أعلى أنواع التفسير.
فلفظ التحريم ورد في الآية الأولى، ثم جاء تفسير حكمه في الآية التي بعدها مباشرة بقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.
فكان هذا بياناً ربانياً صريحاً لا يجوز العدول عنه إلى القياس على الطلاق أو الظهار.
الدليل الثالث: تفسير الصحابة للآية:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إذا حرَّم الرجل عليه امرأته فهي يمين يكفرها"، ثم استدل بالآية. رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم في "صحيحه"، ووصله عبد الرزاق في "المصنف"، وابن جرير الطبري في "تفسيره"، وإسناده صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
وهذا من أقوى الأدلة؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما من أعلم الصحابة بتفسير القرآن، وقد فسر الآية في عين محل النزاع.
الدليل الرابع: أن الأصل بقاء النكاح:
فالنكاح عقد ثابت بيقين، وقد تقررت القاعدة الأصولية: "اليقين لا يزول بالشك". وقاعدة "الأصل بقاء ما كان على ما كان".
فلا يجوز رفع عقد الزوجية الثابت بيقين بلفظ محتمل لم يجعله الشارع صريحاً في الطلاق.
الدليل الخامس: أن التحليل والتحريم حق لله تعالى وحده
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32].
فالزوج لا يملك أن يجعل زوجته حراماً عليه تحريماً شرعياً بمجرد لفظه، وإنما الذي يملك التحليل والتحريم هو الله تعالى.
فلما لم يكن هذا اللفظ سبباً شرعياً للتحريم الحقيقي، أُلحق بحكم اليمين.
وتقرير هذا القول الراجح بالقواعد الأصولية والفقهية والتعليلات فيها على ما يلي:
أولاً: قاعدة "لا اجتهاد مع النص":
وذلك فقد ورد نص القرآن الكريم في محل النزاع، فلا يصح العدول عنه إلى القياس على الظهار أو الطلاق؛ إنما يتعين تقرير مقتضى النص.
ثانياً: قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب":
وذلك فإن كان سبب نزول الآية خاصاً بالنبي ﷺ، فإن قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، لكنه جاء بلفظ الجمع: ﴿لَكُمْ﴾، فدل بذلك على أن حكمه يشمل الأمة كلها.
ثالثاً: قاعدة "إعمال الكلام أولى من إهماله":
وذلك أنه لا يلغى لفظ التحريم بالكلية، ولا يحمل على الطلاق، ولا على الظهار بغير دليل؛ بل يحمل على أقرب أحكامه الشرعية، وهو اليمين، فترجَّح بذلك حمل قوله: "أنت عليَّ حرام" على اليمين، فيلزمه كفارتها. | 42 |
متاح الآن! بحث تيليغرام 2025 — أهم رؤى العام 
