KARANTAA-BAA's Channel 🌋قناة كرنتابا
前往频道在 Telegram
*اللوائح والضوابط* *RULES & REGULATIONS* 1⃣ الالتزام بتعليمات الإسلام وآدابه. 2⃣ اسأل، وشاور فيما تريد من الدين والدنيا. 3⃣ إذا تريد نَشرَ شيءٍ ارسله إلى أحد المشرفين، سيُنشَرُ إذا توفرت فيه الشروط. 4⃣ ممنوع أخذ بيانات المتابعين لهدف محرم شرعاً 1⃣ Complyi
显示更多487
订阅者
无数据24 小时
-27 天
-830 天
数据加载中...
相似频道
标签云
进出提及
---
---
---
---
---
---
吸引订阅者
六月 '26
六月 '260
在1个频道中
五月 '26
+1
在1个频道中
Get PRO
四月 '26
+3
在1个频道中
Get PRO
三月 '26
+12
在1个频道中
Get PRO
二月 '26
+2
在1个频道中
Get PRO
一月 '26
+4
在0个频道中
Get PRO
十二月 '25
+6
在0个频道中
Get PRO
十一月 '25
+2
在0个频道中
Get PRO
十月 '25
+8
在0个频道中
Get PRO
九月 '25
+10
在0个频道中
Get PRO
八月 '25
+8
在0个频道中
Get PRO
七月 '25
+5
在0个频道中
Get PRO
六月 '25
+16
在0个频道中
Get PRO
五月 '25
+6
在0个频道中
Get PRO
四月 '25
+12
在0个频道中
Get PRO
三月 '25
+18
在0个频道中
Get PRO
二月 '25
+28
在0个频道中
Get PRO
一月 '25
+30
在0个频道中
Get PRO
十二月 '24
+23
在0个频道中
Get PRO
十一月 '24
+50
在0个频道中
Get PRO
十月 '24
+17
在0个频道中
Get PRO
九月 '24
+18
在0个频道中
Get PRO
八月 '24
+390
在0个频道中
| 日期 | 订阅者增长 | 提及 | 频道 | |
| 15 六月 | 0 | |||
| 14 六月 | 0 | |||
| 13 六月 | 0 | |||
| 12 六月 | 0 | |||
| 11 六月 | 0 | |||
| 10 六月 | 0 | |||
| 09 六月 | 0 | |||
| 08 六月 | 0 | |||
| 07 六月 | 0 | |||
| 06 六月 | 0 | |||
| 05 六月 | 0 | |||
| 04 六月 | 0 | |||
| 03 六月 | 0 | |||
| 02 六月 | 0 | |||
| 01 六月 | 0 |
频道帖子
| 2 | وعليه، فالجواز مقيد بالشروط الآتية:
١- ألا يشتمل العمل على شعائر أو طقوس دينية.
٢- ألا يتضمن أدعية أو صلوات دينية خاصة بدين الميت.
٣- ألا يقصد به تعظيم دين الميت أو إقرار معتقده.
٤- أن يقتصر على الإجراءات المهنية المعتادة.
٥- ألا يترتب عليه ترك واجب أو فعل محرم.
وأما وضع الأزهار على جثمانه أو حوله، فإن حكمه تابع لحقيقته ومقصده؛ فإن كان جزءاً من شعيرة دينية أو رمزاً عقدياً خاصاً فلا يجوز للمسلم فعله ولا المشاركة فيه.
أما إذا كان مجرد عادة اجتماعية أو إجراءً مؤسسياً يُقصَد به الاحترام أو المواساة أو الترتيب الجمالي للمكان، فإنه يبقى على أصل الإباحة الأصلية؛ لأن الأصل في العادات والمعاملات الإباحة، ولأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
مثل ما أن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح والوفاء بالعهود وأداء الأمانات، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ۖ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
الخلاصة:
إن ما يقوم به الممرضون والممرضات في القطاع الصحي ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين من تنظيف أجساد الموتى المسلمين وغير المسلمين وتجهيزهم للنقل أو الحفظ ليس من الغسل الديني التعبدي، وإنما هو عمل مهني وإنساني وإداري محض، والأصل فيه وأخواته الإباحة الأصلية.
وكذلك أن وضع الأزهار حول الجثمان إذا كان على سبيل العادة المهنية أو الإجراء الإداري أو التعبير الإنساني عن الاحترام والمواساة لأهله الأحياء، ولم يكن جزءاً من شعيرة دينية، فلا حرج فيه.
وعليه، فإذا باشر الممرض أو الممرضة المسلم هذه الأعمال في إطار عمله المهني، خالياً من المشاركة في الطقوس الدينية أو الإقرار بالعقائد المخالفة، فلا حرج عليه شرعاً، بل قد يدخل ذلك في عموم البر والإحسان الإنساني، والوفاء بالعقود، وأداء الأمانات التي جاءت الشريعة بتأكيدها.
هذا، والله تعالى أعلم، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته في الدنيا والآخرة: الشيخ الدكتور هارون أبوبكر ماني الغامبي، ظهر يوم الجمعة 6 شوال 1441 الموافق 29 مايو 2020م، في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين وعواصمهم. | 41 |
| 3 | السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حكم تغسيل أو تنظيف الممرض أو الممرضة المسلمة للميت غير المسلم في المستشفى ودار الرعاية الصحية، ووضع الأزهار حوله؟
What is the ruling on a Muslim nurse washing or cleaning a non-Muslim deceased in a hospital or healthcare facility, and placing flowers around him?
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه من المسائل التي يكثر السؤال عنها، وخاصة بين العاملين والعاملات في المستشفيات ودور الرعاية الصحية. وتحرير الحكم فيها مبني على قاعدة أصولية عظيمة وهي: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره»؛ إذ لا بد من معرفة حقيقة الفعل قبل تنزيل الحكم الشرعي عليه.
والواقع، أن ما يقوم به الممرض أو الممرضة بعد وفاة المريض من تنظيف جثمانه، وإزالة النجاسات والإفرازات عنه، وتغيير ملابسه، وتهيئته للنقل أو الحفظ، إنما هو عمل مهني وإنساني وإداري محض، لا يُقصَد به تعبد ديني، ولا أداء شعيرة دينية، ولا يُعدّ ذلك شيئاً ينتفع به الميت في آخرته، وإنما هو من مقتضيات العمل الوظيفي، للحفاظ على النظافة العامة.
ولهذا يجب التفريق بين الغسل الديني التعبدي الذي يُقصَد به أداء شعيرة من شعائر الدين وعقائد الجنائز وبين التنظيف المهني الوظيفي الذي يجري في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين للموتى، مسلمين كانوا أو غير مسلمين.
وذلك أن العبرة بحقائق الأفعال ومقاصدها لا بمجرد أسمائها، إذ ليس كل ما سمي غسلاً يأخذ حكم الغسل التعبدي، حيث إن حكم غسل العادة للحي ليس كحكم غسل الجنابة له، وكذلك حكم غسل العادة للميت ليس كحكم الغسل الديني التعبدي له.
وبالتالي، فإن الأصل في مثل هذه الأعمال العادية الإنسانية الإباحة؛ إذ تقرر القاعدة الأصولية أن الأصل في العادات والمعاملات الإباحة، بخلاف العبادات فإن الأصل فيها المنع والحظر.
وعليه، فإن تنظيف الممرض أو الممرضة المسلمة لجثمان غير المسلم من باب الخدمة الإنسانية والمهنية المباحة من أجل تحقيق النظافة العامة، ولا يوجد دليل يمنع منه، بل جاءت النصوص بما يدل على مشروعية البر والإحسان الإنساني إلى غير المسلمين المسالمين في غير ما يتعلق بالشعائر الدينية؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
وثبت في الصحيحين: «أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَا بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا جِنَازَةٌ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَقَالَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟».
وثبت أن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لما مات أبوه أبو طالب: «اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ». رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
وهنا ينبغي التفريق بين صورتين:
الصورة الأولى: الغسل الديني التعبدي:
وهو ما كان جزءاً من شعائر دين الميت أو طقوسه العقدية، أو مشاركة في عباداته الجنائزية.
فهذه الصورة لا يجوز للمسلم ولا للمسلمة أن يشارك فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ولأن الشريعة فرقت بين البر والإحسان الإنساني وبين المشاركة في الشعائر الدينية.
وقال تعالى في وصف عباده المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
وقد فسر جماعة من السلف الزور في الآية بحضور أعياد المشركين وشعائرهم.
الصورة الثانية: التنظيف أو التجهيز المهني:
وهو ما يجري في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين للميت، مسلماً كان أو غير مسلمٍ، من تنظيف جثمانه وإزالة الأوساخ والنجاسات عنه، وتغيير ملابسه، وإعداده للنقل أو الحفظ.
فهذه الصورة جائزة؛ لأنها من العادات والمعاملات التي الأصل فيها الإباحة الأصلية، وخدمة إنسانية لا شعيرة دينية، ومعتبرة بالنية والمقصد؛ لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه.
ومثل ما أن الحاجة العامة معتبرة شرعاً، وخاصة في المؤسسات الصحية التي لا يوجد فيها غالباً من يتولى هذه الأعمال إلا الموظفون المناوبون، ولتحقيق النظافة العامة فيها. | 30 |
| 4 | Audio from Dr. Haroun AB Manneh | 25 |
| 5 | وأما إذا كانت مجرد عادة اجتماعية أو إجراء مؤسسياً متبعاً في المستشفيات ودور الرعاية، يقصد به الاحترام أو المواساة أو الترتيب الجمالي للمكان، فإنها تبقى على أصل الإباحة؛ وذلك للقواعد الأصولية الآتية:
- قاعدة "الأصل في العادات الإباحة".
- قاعدة "العادة محكمة".
- قاعدة "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً".
لأن العلة الموجبة للمنع هي المشاركة الدينية، فإذا انتفت تلك العلة انتفى حكم الحظر وحل محله حكم الإباحة الأصلية في الأشياء والعادات البشرية.
وعليه، فلا يصح تحويل كل عادة عند غير المسلمين إلى شعيرة دينية، مثل ما لا يصح تحويل كل رمز اجتماعي إلى رمز تعبدي. فهذا خلاف الواقع وخلاف قواعد الشريعة.
سادساً: مراعاة المقاصد الشرعية العامة، والمصالح البشرية الدنيوية.
جاءت الشريعة بتحقيق المصالح ودرء المفاسد؛ ومن مقاصدها: حفظ النفس الإنسانية، وتحقيق الرحمة، وإظهار محاسن الإسلام، والوفاء بالعقود والالتزامات، وأداء الأمانات.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}. [النساء: 58]. وقال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
والموظف المسلم قد التزم بعقد عمل مشروع يقتضي أداء هذه المهام المهنية الإنسانية، ما دامت خالية من المحظور الشرعي.
والأصل وجوب الوفاء بما التزمه من الأعمال غير المحظور شرعاً.
سابعاً: القواعد الفقهية المؤيدة لكون غسل العادة المهنية المعتادة للميت غير المسلم ليس بمحظور:
تضافر في هذه المسألة جملة من القواعد الكبرى على أنها غير محظور، ومنها ما يلي:
- قاعدة "الحكم على الشيء فرع عن تصوره".
- قاعدة "الأمور بمقاصدها".
- قاعدة "الأصل في العادات الإباحة".
- قاعدة "الأصل في المعاملات الإباحة".
- قاعدة "العادة محكمة".
- قاعدة "الوسائل لها أحكام المقاصد".
- قاعدة "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً".
- قاعدة "المشقة تجلب التيسير".
- قاعدة "لا واجب مع العجز، ولا حرام مع الضرورة والحاجة المعتبرة".
وجميع هذه القواعد تتجه إلى أن هذه الأعمال المهنية المجردة لا تخرج عن دائرة المباح.
الخاتمة:
وبعد التأمل في حقيقة الواقعة، والنظر في النصوص الشرعية، والقواعد الأصولية والفقهية، يظهر أن ما تقوم به الممرضات والممرضون في المستشفيات ودور الرعاية الصحية من تنظيف أجساد الموتى غير المسلمين وتجهيزهم للنقل أو الحفظ ليس من التغسيل الديني التعبدي المعروف في أبواب الجنائز عند اهل الأديان، وإنما هو عمل مهني وإنساني وإداري محض.
وبناءً على ذلك، فإن الأصل فيه الجواز؛ لأن الشريعة فرقت بين الشعائر الدينية وبين الأعمال العادية، وبين التعبد وبين الخدمة الإنسانية البشرية، وبين المشاركة العقدية وبين البر والإحسان الإنساني المشروع.
وأن وضع الأزهار حول الجثمان إذا كان على سبيل العادة المهنية أو الإجراء الإداري أو التعبير الإنساني المجرد عن الاحترام والمواساة، ولم يكن جزءاً من شعيرة دينية أو طقس عقدي، فإنه يبقى على أصل الإباحة، ولا يصح إلحاقه بالعبادات أو الشعائر التي لم يقصدها الفاعل ولم يدل عليها واقع الحال.
وعليه فإن الممرضة أو الممرض المسلم إذا باشر هذه الأعمال في إطار عمله المهني، خالياً من المشاركة في الطقوس الدينية أو الإقرار بالعقائد الدينية، فلا حرج عليه شرعاً، بل قد يكون داخلاً في عموم البر والإحسان الإنساني، والوفاء بالعقود، وأداء الأمانات التي جاءت الشريعة بتأكيدها.
هذا، والله تعالى أعلم، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته في الدنيا والآخرة: الشيخ الدكتور هارون أبوبكر ماني الغامبي، ظهر يوم الجمعة 6 شوال 1441 الموافق 29 مايو 2020م، في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين وعواصمهم. | 15 |
| 6 | ومن ثم، فمن ادعى التحريم احتاج إلى دليل ناقل عن هذا الأصل؛ إذ ليس هناك ثمَّةَ نصٍّ يمنع المسلم من تنظيف جثمان غير المسلم أو خدمته أو القيام بأعمال عادية مهنية تتعلق به بعد وفاته، وخاصة في المؤسسات الصحية؛ بل إن هناك النصوص تدل على خلاف ذلك، وخاصة في حالات الحاجة والضرورة.
إذ هناك أدلة تدل على مشروعية الإحسان الإنساني إلى غير المسلم، كقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
فهذه الآية أصل في جواز البر والإحسان الإنساني لا الديني إلى غير المسلمين المسالمين.
ثبت في الصحيحين «أنَّ قَيْسَ بنَ سَعْدٍ، وَسَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ رضي الله عنهما، كانا بالقادِسِيَّةِ فَمَرَّتْ بهِما جِنازَةٌ فَقاما، فقِيلَ لهما: إنَّها مِن أَهْلِ الأرْضِ، فَقالا: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ مَرَّتْ به جِنازَةٌ، فَقامَ فقِيلَ: إنَّه يَهُودِيٌّ، فَقالَ: أَليسَتْ نَفْساً». متفق عليه.
وفيه مراعاة حرمة الآدمية من حيث هي نفس بشرية.
وثبت أن النبي ﷺ أذن لعلي بن طالب رضي الله عنه في شأن أبيه أبي طالب لما مات، فقال: «اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ». رواه أبو داود، والنسائي بإسناد صحيح.
فدل هذا على جواز مباشرة بعض شؤون الميت الكافر عند الحاجة والضرورة.
وعليه، فتحرير محل النزاع في المسألة كالتالي:
ليس الكلام هنا في الغسل الديني بين أهل الأديان، وإنما الكلام هنا في غسل العادة المهنية للميت غير المسلم
وعليه، فإن الغسل هنا على صورتين:
الصورة الأولى: الغسل الديني التعبدي.
وهو الغسل الذي يُقصد به أداء شعيرة دينية مقررة في دين الميت، أو المشاركة في طقوس دينية عقدية جنائزية حسب عقيدة الميت.
فهذه الصورة لا تجوز لأحد من المسلمين؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ولأن المشاركة في الشعائر الدينية من أعظم صور التعاون على الباطل العقدي؛ وأن الشريعة فرقت بين المعاملة البشرية الحسنة وبين المشاركة في شعائر الأديان الأخرى؛ ولهذا نهى الله تعالى عن شهود مجالس الباطل وإقرارها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢].
وقد فسر جماعة من السلف الزور بأعياد المشركين وشعائرهم.
الصورة الثانية: الغسل أو التنظيف الوظيفي أو المهني.
وهو ما يجري في المستشفيات ودور الرعاية الصحية من تنظيف الجثمان، وإزالة الأوساخ والنجاسات، وتغيير الملابس، وإعداده للنقل لأهل دينه، أو حفظه في الثلاجات إلى أن يأتي له أهل دينه.
فهذه الصورة ليس فيه مانع شرعي لما يأتي من الأدلة:
أولاً: أن الأصل في المعاملات والعادات الإباحة، وهي قاعدة أصولية مستقرة.
أما العبادات، فالأصل فيها التوقيف؛ فإذا كان الفعل ليس عبادة ولا شعيرة دينية، بقي على أصل الإباحة.
ثانياً: أن المقصود خدمة إنسانية لا شعيرة دينية.
وذلك أن وظيفة العاملة أو الممرضة المسلمة في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ليست دينية ولا تعظيم عقيدة الميت، ولا التعبد لله بهذا العمل، وإنما تؤدي وظيفة مهنية إنسانية مباحة فقط، ومثل هذه الأعمال معتبرة بمقاصدها؛ لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». متفق عليه
ثالثاً: أن الحاجة العامة معتبرة شرعاً، حيث تقرر ذلك قاعدة "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة في بعض الأحكام".
وذلك أن في كثير من المستشفيات ودور الرعاية الصحية لا يوجد من يتولى هذه الأعمال إلا الموظفون المناوبون.
رابعاً: أن هذا من باب البر والإحسان الإنساني لا من باب الموالاة الدينية؛ لأن الشريعة أباحت البر والإقساط البشري إلى غير المسلمين كما سبق بيان ذلك في آية سورة الممتحنة.
وعليه، فالقول بالجواز فإنه مقيد بشروط تالية:
١. ألا يشتمل العمل على شعائر دينية.
٢. ألا يتضمن تلاوة أدعية أو صلوات كنسية أو وثنية.
٣. ألا يُقصَد به تعظيم دين الميت، أو إقرار معتقده.
٤. أن يُقتصَر ذلك العمل على الإجراءات المهنية المعتادة في المستشفى أو مؤسسة الرعاية.
٥. ألا يترتب عليه ترك واجب شرعي أو ارتكاب محرم.
وذلك أن من المقرر شرعاً أن "الوسائل تأخذ أحكام المقاصد"؛ فإذا كان المقصد مهنياً مباحاً كانت الوسيلة مباحة.
وأما إذا كان المقصد المشاركة في طقس ديني أو شعيرة عقدية فيكون الحكم التحريم، وهذا غير متحقق في محل التحرير.
خامساً: حكم وضع الأزهار على الميت أو حوله في المستشفيات ودور الرعاية الصحية، فإن الكلام فيه مبني على الأصل نفسه.
فإن الحكم على وضع الأزهار يتوقف على معرفة حقيقتها. فإذا كانت الأزهار توضع باعتبارها جزءاً من عبادة أو شعيرة دينية أو رمزاً عقدياً خاصاً فإن المشاركة فيها لا تجوز. | 16 |
| 7 | السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حكم تغسيل أو تنظيف الممرضة المسلمة للميت غير المسلم في المستشفى ودار الرعاية الصحية، ووضع الأزهار حوله؟
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه مسألة يكثر عنها السؤال، وخاصة من طرف الممرضات والممرضين في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين، وذلك أن مهنتهم التمريضية تقتضي التعامل مع المسلمين وغير المسلمين بعد الوفاة، تنظيفاً أو تغسيلاً أو تجهيزاً، وقد يُطلَب منهم وضع الأزهار على الجثمان وحوله وفق الأنظمة المتبعة في تلك المؤسسات الصحية.
وعليه، فإن تحرير هذه المسألة وأخواتها يقتضي أولاً تصويرها، بناءً على قاعدة أصولية محكمة، وهي "الحكم على الشيء فرع عن تصوره".
وذلك أن المفتي لا يستطيع أن يصدر حكماً صحيحاً على واقعة من الوقائع حتى يتصور حقيقتها تصوراً دقيقاً، لأن الخطأ في التصور يؤدي بالضرورة إلى الخطأ في الحكم.
ومن هنا وقع الخلل في بعض الأحكام المتعلقة بنوازل المسلمين العاملين في المؤسسات الصحية ودور الرعاية في العالم، وخاصة في البلاد غير الإسلامية؛ إذ تصور بعض الناس أن ما يقوم به الممرضون والممرضات من تنظيف أجساد الموتى وتجهيزهم يشبه التغسيل التعبدي المعروف في الإسلام والديانات الأخرى، ثم بنوا على هذا التصور أحكاماً لا تستقيم مع حقيقة الواقعة ذاتها.
والتحقيق أن الحكم يتغير بتغير حقيقة الفعل ووصفه المؤثر، وأن الأحكام الشرعية تدور مع عللها وأوصافها وجوداً وعدماً، وتفصيل ذلك على ما يلي:
أولاً: تحرير حقيقة العمل الذي يقوم به الممرضون والممرضات بغض النظر عن معتقداتهم الدينية بعد وفاة المريض في المستشفى أو دار الرعاية الصحية مسلماً أو غير مسلمٍ.
فالواقع المشاهد في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين أن الممرض أو الممرضة المناوبة تقوم بعد وفاة النزيل بما يلي حسب عملها الوظيفي المهني، مسلماً كان المتوفى أو غير مسلمٍ:
- تنظيف الجثمان من الأوساخ وآثار المرض بالمناديل أو بما تيسر.
- إزالة ما قد يكون عليه من نجاسات أو إفرازات.
- تغيير الملابس.
- تهيئة الجثمان للنقل أو الحفظ في الثلاجات.
- ترتيب السرير أو غرفة الوفاة.
- أحياناً وضع بعض الزهور أو الرموز المعتادة في المؤسسة.
وهذه الأعمال لا يُقصَد بها التعبد لله تعالى، ولا يُقصَد بها تنفيذ شعائر دينية خاصة بالميت، ولا يَعتقد القائم بها أنها تنفع الميت في آخرته أو تُقرِّبه إلى الله تعالى؛ وإنما هي أعمال مهنية وظيفية وإنسانية وإدارية محضة.
وبناءً على ذلك فإن تنزيل أحكام "غسل الميت الديني" عليها تنزيل فيه نظر؛ لاختلاف الحقيقة والوصف والمقصد، إذ الأول مهني عادي إنساني، وبينما الآخير ديني اعتقادي تعبدي.
ثانياً: الفرق بين التغسيل الديني بين الأديان، والتجهيز المهني الإنساني، إذ الغسل الديني للميت في الأديان عبادة مخصوصة لها أحكامها وشروطها؛ فهو عبادة دينية، ومقصود بها إكرام الميت وتقريبه إلى معبوده، ولها صفة مخصوصة، ومرتبطة بأحكام الجنائز بين الشرائع السماوية.
أما ما يجري في المستشفيات ودور الرعاية فليس بغسل ديني ولا عبادة أصلاً؛ بل هو من جنس تنظيف الميت، والعناية بالجسد، والخدمات الطبية والإدارية، إلى أن يأتي له أهل دينه.
وتقرر القاعدة الأصولية بأن "العبرة في العقود والتصرفات والمعاملات للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني".
فالعبرة بحقيقة الفعل لا باسمه؛ وليس كل ما سمي غسلاً يأخذ حكم الغسل الديني، إذ غسل العادة للحي ليس كغسل الجنابة، وكذلك غسل العادة للميت ليس كالغسل الديني للميت، مع اشتراك الجميع في لفظ الغسل.
ومن ثم، فإن غسل العادة المهنية التي يقوم به الممرضون والممرضات في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين ليس كالغسل الديني التعبدي المعروف بين أهل الأديان، فاختلف الحكم الشرعي فيهما، فكان حكم الأول الإباحة الأصلية بين البشر، وحكم الآخير المنع بين أهل الديانة المختلف فيها.
ثالثاً: الأصل في مثل هذه الأعمال الإباحة، وذلك من القواعد الكلية المقررة، كقاعدة "الأصل في العادات والمعاملات الإباحة".
وأما العبادات، فالأصل فيها المنع حتى يرد الدليل.
وعليه، فالكلام في هذه المسألة ينبني على أصلين عظيمين:
الأصل الأول: التفريق بين الأعمال الدينية والشعائر التعبدية وبين الأعمال المهنية والعادية.
الأصل الثاني: التفريق بين الإحسان المشروع إلى غير المسلم وبين المشاركة في شعائره الدينية؛ وتفصيلهما على ما يلي:
أولاً: حكم تغسيل أو تنظيف الممرضة المسلمة للميت غير المسلم.
وهذا التنظيف الوظيفي الذي تقوم به الممرضات المناوبات في المستشفيات ودور الرعاية الصحية من باب العادات والمعاملات والمهن، التي الأصل فيها الإباحة والجواز. | 18 |
| 8 | الحالة الأولى: أن تكون الأزهار شعاراً دينياً؛ بحيث تكون جزءاً من الطقوس الكنسية أو الوثنية أو العقدية المتعلقة بالموتى.
فهذه الصورة لا تجوز للمسلم أن يشارك فيها؛ لأنها مشاركة في شعيرة دينية محرمة على المسلم شرعاً.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وقوله سبحانه: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦].
والشريعة جاءت بالمباينة العقدية وعدم المشاركة في الشعائر الدينية المخالفة.
الحالة الثانية: أن تكون الأزهار عادة اجتماعية محضة، وهو واقع في كثير من المستشفيات ودور الرعاية والمقابر الحديثة.
فلا يقصد بها أي تعبد ديني، ولا أي اعتقاد، ولا طلب أي نفع للميت، وإنما هي رمز للتعزية أو الاحترام أو المواساة.
فهذه الصورة أقرب إلى الجواز؛ لأن الأصل في العادات الإباحة.
ومن القواعد: "الأصل في العادات الإباحة حتى يقوم دليل المنع".
ولا يصح نقل الفعل من دائرة العادات إلى دائرة العبادات إلا بدليل.
هل يشبه ذلك وضع الجريد على القبور؟ حيث ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ...»، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين وغرس على كل قبر واحدة، وقال ﷺ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». متفق عليه.
لكن جماهير العلماء على أن هذا الفعل من خصائص النبي ﷺ أو أنه مبني على علمه بحال المقبورين، وليس أصلاً عاماً لوضع النباتات والزهور على القبور.
وعليه، فلا يستدل بهذا الحديث على مشروعية وضع الأزهار للميت ابتداءً.
القواعد الفقهية المؤثرة في المسألة، وتفصيل ذلك على ما يلي:
القاعدة الأولى: "الأصل في العادات الإباحة".
وذلك أن ما كان عرفاً إدارياً أو اجتماعياً مجرداً عن التعبد الديني بقي على أصل الإباحة.
القاعدة الثانية: "الأمور بمقاصدها".
فإن قصد به المشاركة في شعائرهم الدينية حرم؛ وإن قصد به أداء متطلبات العمل أو المجاملة المباحة أو الاحترام الإنساني المجرد لم يلحق بشعيرة من الشعائر الدينية فلا بأس به.
القاعدة الثالثة: "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً".
وذلك متى ما كانت الأزهار شعاراً دينياً منع الفعل؛ ومتى ما زال الوصف الديني بقي حكم العادة.
القاعدة الرابعة: "الوسائل لها أحكام المقاصد".
وذلك إذا كانت الأزهار وسيلة لشعيرة دينية أخذت حكمها وهو التحريم؛ وإذا كانت وسيلة إدارية أو عرفية مجردة أخذت حكمها وهو الإباحة.
الخلاصة:
١- غسل المسلمة للميت غير المسلم إن كان غسلاً دينياً جنائزياً يمثل مشاركة في شعائر دينه فلا يجوز.
٢- أما إن كان مجرد تنظيف مهني أو تجهيز وظيفي تقتضيه أنظمة المستشفى أو دار الرعاية ولا يتضمن شعائر دينية، فالأصل جوازه.
٣- وضع الأزهار إن كان جزءاً من طقس ديني أو شعاراً عقدياً فلا يجوز؛ لأنه مشاركة في الشعائر.
٤- أما إذا كان مجرد إجراء عرفي أو إداري أو وسيلة للتعزية والاحترام لا تحمل معنى دينياً، فالأصل فيه الجواز.
٥- مدار الحكم في المسألتين على التفريق بين الإحسان الإنساني المباح والمشاركة الدينية الممنوعة، وبين العادات والعبادات، وهو فرق مقرر في الأصول والفقه وتدل عليه النصوص والقواعد الشرعية. والله أعلم.
هذا، والله تعالى أعلم، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته في الدنيا والآخرة: الشيخ هارون أبوبكر ماني الغامبي، ظهر يوم الجمعة 6 شوال 1441 الموافق 29 مايو 2020م، في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين وعواصمهم. | 11 |
| 9 | السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حكم غسل أو تنظيف المسلمة للميت غير المسلم في المستشفيات ودور الرعاية الصحية، وحكم وضع الأزهار عليه؟
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وآله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه المسألة يكثر عنها السؤال، وخاصة من طرف الممرضات والممرضين في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ومراكز العناية بالمسنين، وقد يقتضي عملهم التعامل مع غير المسلمين بعد الوفاة، تنظيفاً أو تغسيلاً أو تجهيزاً، وقد يُطلَب منهم وضع الأزهار على الجثمان أو حوله وفق الأنظمة المتبعة في تلك تلك المؤسسات.
والكلام في هذه المسألة ينبني على أصلين عظيمين:
الأصل الأول: التفريق بين الأعمال الدينية والشعائر التعبدية وبين الأعمال المهنية والعادية.
الأصل الثاني: التفريق بين الإحسان المشروع إلى غير المسلم وبين المشاركة في شعائره الدينية.
وبيان تفصيل الأصلين العظيمين على ما يلي:
أولاً: حكم تغسيل أو تنظيف الممرضة المسلمة للميت غير المسلم.
إن هناك عدة أدلة تدل على مشروعية الإحسان إلى غير المسلم، منها قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
فهذه الآية أصل في جواز البر والإحسان إلى غير المسلمين غير المحاربين؛ وثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «مَرَّتْ جِنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَقِيلَ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟». متفق عليه.
وفيه مراعاة حرمة الآدمية من حيث هي نفس بشرية، إذ ثبت أن النبي ﷺ أذن لعلي بن أي طالب رضي الله عنه في شأن أبيه أبي طالب لما مات، فقال: «اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ». رواه أبو داود، والنسائي بإسناد صحيح.
فدل هذا على جواز مباشرة بعض شؤون الميت الكافر عند الحاجة والضرورة.
تحرير محل النزاع:
ليس الكلام هنا في غسل الميت المسلم الغسل الشرعي المأمور به في الشريعة، وإنما الكلام في ميت غير مسلم؛ وأن الغسل قد يكون على صورتين:
الصورة الأولى: الغسل الديني التعبدي.
وهو الغسل الذي يُقصد به أداء شعيرة دينية مقررة في دين الميت، أو المشاركة في طقوس كنسية أو عقدية أو جنائزية.
فهذه الصورة لا تجوز؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ولأن المشاركة في الشعائر الدينية من أعظم صور التعاون على الباطل العقدي؛ وأن الشريعة فرقت بين المعاملة الحسنة وبين المشاركة في شعائر الأديان الأخرى؛ ولهذا نهى الله تعالى عن شهود مجالس الباطل وإقرارها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢].
وفسر جماعة من السلف الزور بأعياد المشركين وشعائرهم.
الصورة الثانية: الغسل أو التنظيف الوظيفي أو المهني.
وهو ما يجري في المستشفيات ودور الرعاية الصحية من تنظيف الجثمان، وإزالة الأوساخ والنجاسات، وتغيير الملابس، وإعداده للنقل أو الحفظ في الثلاجات.
فهذه الصورة أقرب إلى الجواز؛ وذلك لأمور آتية:
أولاً: أن الأصل في المعاملات والعادات الإباحة، وهي قاعدة أصولية مستقرة.
أما العبادات، فالأصل فيها التوقيف؛ فإذا كان الفعل ليس عبادة ولا شعيرة دينية، بقي على أصل الإباحة.
ثانياً: أن المقصود خدمة إنسانية لا شعيرة دينية.
وذلك أن وظيفة العاملة المسلمة في المستشفيات ودور الرعاية الصحية لا تقصد على تعظيم عقيدة الميت، ولا التعبد لله بهذا العمل، وإنما تؤدي وظيفة مهنية مباحة فقط، والأعمال معتبرة بمقاصدها؛ لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». متفق عليه
ثالثاً: أن الحاجة العامة معتبرة شرعاً، حيث تقرر ذلك قاعدة "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة في بعض الأحكام".
وذلك أن في كثير من المستشفيات ودور الرعاية الصحية لا يوجد من يتولى هذه الأعمال إلا الموظفون المناوبون.
رابعاً: أن هذا من باب البر والإحسان لا من باب الموالاة الدينية؛ لأن الشريعة أباحت البر والإقساط إلى غير المسلمين كما سبق في آية الممتحنة.
ضوابط الجواز:
فالقول بالجواز فإنه مقيد بشروط تالية:
١- ألا يشتمل العمل على شعائر دينية.
٢- ألا يتضمن تلاوة أدعية أو صلوات كنسية أو وثنية.
٣- ألا يُقصَد به تعظيم دين الميت، أو إقرار معتقده.
٤- أن يُقتصَر ذلك العمل على الإجراءات المهنية المعتادة في المستشفى أو مؤسسة الرعاية.
٥- ألا يترتب عليه ترك واجب شرعي أو ارتكاب محرم.
ثانياً: حكم وضع الأزهار على الميت غير المسلم.
تحرير محل النزاع:
وضع الأزهار على القبور أو الجنازات في العصر الحاضر له أحوال مختلفة: | 11 |
| 10 | رابعاً: قاعدة "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً":
فإن المقصود الغالب من قول الرجل: "أنت علي حرام" هو الامتناع والزجر والمنع، لا إيقاع الطلاق، ولا إيقاع الظهار، وهذا هو معنى اليمين وحقيقتها.
خامساً: قاعدة "الأصل بقاء ما كان على ما كان":
فالأصل بقاء الزوجية واستمرارها حتى يثبت المزيل الشرعي الصريح؛ وليس تحريم الرجل زوجته على نفسه مزيلاً شرعياً صريحاً لبقاء الزوجية.
سادساً: قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح":
وذلك أن جعل هذا اللفظ طلاقاً يؤدي إلى تفريق الأسر وإيقاع الطلاق بكلمات لم يقصد أصحابها إنهاء النكاح؛ وأما جعله يميناً، فيحفظ الأسرة، ويوافق ظاهر القرآن الكريم، ومقاصد الشريعة، ومصالح العباد.
مناقشة القول بأنه ظهار بالقياس على الظهار ضعيف؛ لأن الظهار ورد فيه نص خاص وكفارة خاصة وألفاظ مخصوصة، وأن والأصل عدم إلحاق غير المنصوص بالمنصوص مع اختلاف السبب واللفظ والحكم.
مناقشة القول بأنه طلاق بالقياس على الطلاق فهو أضعف؛ لأن الطلاق حلٌّ لعقد النكاح، ولفظ التحريم ليس موضوعاً له لغة ولا شرعاً، وأن القرآن الكريم لما تعرض للتحريم لم يجعله طلاقاً، وإنما جعله يميناً.
وعليه، فإنه يتعين على من حرم امرأته على نفسه كفارة اليمين قبل أن يمسَّها؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89].
ويؤيده ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». رواه مسلم.
وثبت عنه ﷺ أنه قال: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها». متفق عليه.
الخلاصة
فالراجح، والله تعالى أعلم، أن قول الرجل لزوجته: "أنت علي حرام" ليس طلاقاً بمجرده، وليس ظهاراً بمجرده، وإنما هو يمين؛ لأن الله تعالى سمى التحريم يميناً في سورة التحريم، وفسره بذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ولأن الأصل بقاء النكاح، ولأن التحليل والتحريم حق لله تعالى وحده، ولأن هذا القول هو الموافق لظاهر القرآن الكريم وقواعد الأصول ومقاصد الشريعة.
وعليه، فالواجب في هذا التحريم هو كفارة اليمين قبل أن يمس زوجته، إذ لا يقع الطلاق ولا الظهار إلا إذا اقترن اللفظ بنية الطلاق أو الظهار عند من يعتبر النية في ألفاظ الكنايات.
هذا، والله تعالى أعلم... وصلِّ اللهم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّمْ تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته في الدنيا والآخرة: الشيخ هارون أبوبكر ماني الغامبي، ظهر يوم الجمعة 6 شوال 1441 الموافق 29 مايو 2020م، في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين وعواصمهم. | 38 |
| 11 | وهو المروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، واختاره جمع من المحققين من أهل العلم في الحديث والأصول والفقه.
وهو القول الراجح في المسألة بأدلة كثيرة، منها ما يلي:
الدليل الأول: نص القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}. [التحريم: ١-٢].
فهذه الآية أصل المسألة وأقوى أدلتها.
فقد عاتب الله تعالى نبيه ﷺ على تحريم ما أحل الله له، ثم بين الحكم المترتب على هذا التحريم بقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.
فسمى الله تعالى هذا التحريم يميناً، وجعل مخرجه تحلة الأيمان.
وعليه، فلو كان التحريم طلاقاً لبيّن تبارك وتعالى أحكام الطلاق، ولو كان ظهاراً لبيّن كفارة الظهار، فلما أحاله إلى الأيمان دل ذلك دلالة صريحة على أن حكمه حكم اليمين.
وقد ثبت سبب نزول الآية في حديث عائشة رضي الله عنها في قصة تحريم النبي ﷺ ما أحل الله له في الصحيحين: «كان رسولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الحَلْوَاءَ والعَسَلَ، وكان إذا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ علَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُنَّ، فَدَخَلَ علَى حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ، فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أكْثَرَ ممَّا كانَ يَحْتَبِسُ، فَغِرْتُ، فَسَأَلْتُ عن ذلك، فقيل لي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِن قَوْمِهَا عُكَّةَ عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ مِنْهَا شَرْبَةً. فَقُلتُ: أمَا واللهِ لَنَحْتَالَنَّ له، فَذَكَرَتْ سَوْدَةَ بنْتَ زَمْعَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَدْخُلُ عَلَيْكِ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ: لا، فَقُولِي له: ما هذِهِ الرِّيحُ؟ وكان يَشْتَدُّ عليه أن يُوجَدَ منه الرِّيحُ ...»
وفي آخر الحديث: «فأنزل اللهُ عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة رضي الله عنهما».
الدليل الثاني: تفسير القرآن بالقرآن:
وقد تقرر عند الأصوليين أن تفسير القرآن بالقرآن هو أعلى أنواع التفسير.
فلفظ التحريم ورد في الآية الأولى، ثم جاء تفسير حكمه في الآية التي بعدها مباشرة بقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.
فكان هذا بياناً ربانياً صريحاً لا يجوز العدول عنه إلى القياس على الطلاق أو الظهار.
الدليل الثالث: تفسير الصحابة للآية:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إذا حرَّم الرجل عليه امرأته فهي يمين يكفرها"، ثم استدل بالآية. رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم في "صحيحه"، ووصله عبد الرزاق في "المصنف"، وابن جرير الطبري في "تفسيره"، وإسناده صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
وهذا من أقوى الأدلة؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما من أعلم الصحابة بتفسير القرآن، وقد فسر الآية في عين محل النزاع.
الدليل الرابع: أن الأصل بقاء النكاح:
فالنكاح عقد ثابت بيقين، وقد تقررت القاعدة الأصولية: "اليقين لا يزول بالشك". وقاعدة "الأصل بقاء ما كان على ما كان".
فلا يجوز رفع عقد الزوجية الثابت بيقين بلفظ محتمل لم يجعله الشارع صريحاً في الطلاق.
الدليل الخامس: أن التحليل والتحريم حق لله تعالى وحده
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32].
فالزوج لا يملك أن يجعل زوجته حراماً عليه تحريماً شرعياً بمجرد لفظه، وإنما الذي يملك التحليل والتحريم هو الله تعالى.
فلما لم يكن هذا اللفظ سبباً شرعياً للتحريم الحقيقي، أُلحق بحكم اليمين.
وتقرير هذا القول الراجح بالقواعد الأصولية والفقهية والتعليلات فيها على ما يلي:
أولاً: قاعدة "لا اجتهاد مع النص":
وذلك فقد ورد نص القرآن الكريم في محل النزاع، فلا يصح العدول عنه إلى القياس على الظهار أو الطلاق؛ إنما يتعين تقرير مقتضى النص.
ثانياً: قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب":
وذلك فإن كان سبب نزول الآية خاصاً بالنبي ﷺ، فإن قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، لكنه جاء بلفظ الجمع: ﴿لَكُمْ﴾، فدل بذلك على أن حكمه يشمل الأمة كلها.
ثالثاً: قاعدة "إعمال الكلام أولى من إهماله":
وذلك أنه لا يلغى لفظ التحريم بالكلية، ولا يحمل على الطلاق، ولا على الظهار بغير دليل؛ بل يحمل على أقرب أحكامه الشرعية، وهو اليمين، فترجَّح بذلك حمل قوله: "أنت عليَّ حرام" على اليمين، فيلزمه كفارتها. | 31 |
| 12 | السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حكم تحريم الرجل زوجته على نفسه؟
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وعلى آله وصحبه، وعلينا وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه المسألة من المسائل المشهورة التي اختلف فيها السلف والخلف، وتفرعت فيها أقوال كثيرة، لاختلافهم في تخريج هذا اللفظ: هل يحمل على الطلاق، أو على الظهار، أو على اليمين، أو يختلف الحكم باختلاف نية قائلها؟
والذي يظهر ، والعلم عند الله تعالى، أن أقوى الأقوال دليلاً، وأقربها إلى ظواهر النصوص وقواعد الشريعة، أن تحريم الزوجة ليس طلاقاً ولا ظهاراً بمجرد اللفظ، وإنما هو يمين تجب فيه كفارة اليمين إذا حنث صاحبه، ما لم ينو الطلاق بلفظه.
محل النزاع:
إذا قال الرجل لزوجته:
- أنتِ عليَّ حرام.
- حرمتُكِ على نفسي.
- لا أنت تحلين لي.
- نحو ذلك من ألفاظ التحريم.
فما الحكم؟ هل هو طلاق فتكون زوجته مطلقةً عليه، أم أنه ظهار فتجب عليه كفارة الظهار، أم أنه يمين فتجب عليه كفارة اليمين؟
أما إذا صرح بالطلاق كأن يقول: "أنت عليّ حرام بالطلاق"، فهذا طلاق.
وأما إذا شبهها بأمه أو أخته فقال: "أنت علي كظهر أمي"، فهذا ظهار بالنص والإجماع.
وإنما الكلام هنا في لفظ التحريم المجرد عن الطلاق والظهار، فقد كثرت أقوال العلماء في هذه المسألة، وأبرزها ما يلي:
القول الأول: أنه ظهار.
وهو مروي عن جماعة من السلف رحمهم الله، وبه قال طائفة من الفقهاء.
واحتجوا بأن التحريم يقتضي الامتناع من الاستمتاع بالزوجة، فأشبه الظهار.
ونوقش مذهبهم هذا بأن الظهار له ألفاظه وأحكامه الخاصة التي بينها القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة : 3]، فلا يجوز إلحاق غيره به بغير دليل.
القول الثاني: أنه طلاق.
وهو مذهب مشهور عند بعض الفقهاء.
واستدلوا بأن المقصود من هذا اللفظ غالباً قطع العلاقة الزوجية، فأشبه ألفاظ الطلاق.
ونوقش هذا المذهب في المسألة بأن الشارع جعل للطلاق ألفاظاً معلومة، ولم يجعل لفظ التحريم واحداً منها، كما أن الله تعالى سمى التحريم يميناً ولم يسمه طلاقاً في كتابه العزيز.
القول الثالث: أنه يكون على حسب نية قائله: فإن نوى به الظهار فهو ظهار، وإن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإن نوى به اليمين فهو يمين.
وهذا القول من أشهر الأقوال في المسألة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية وكثير من الحنابلة، وهو مبني على أصلهم في ألفاظ الكنايات.
وحاصل هذا القول أن لفظ: "أنت علي حرام" ليس لفظاً صريحاً في الطلاق، إذ لم يرد في اللغة ولا في الشرع، وضعه للطلاق وضعاً خاصاً، بخلاف قول الرجل: "أنت طالق"، فإنه صريح في الطلاق لا يفتقر إلى نية عند جمهور الفقهاء.
ولما كان لفظ التحريم يحتمل معاني متعددة، فقد يراد به الطلاق، أو الظهار، أو اليمين، أو مجرد الامتناع من الوطء مدة معينة، أو التأديب والزجر، أو الغضب من غير قصد إنشاء حكم شرعي.
وعليه، قال أصحاب هذا القول: إن اللفظ محتمل، والألفاظ المحتملة لا تنصرف إلى الطلاق إلا بالنية أو بقرينة دالة عليه.
واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». متفق عليه.
وقالوا: لما كان هذا اللفظ غير صريح في الطلاق، وجب الرجوع إلى نية المتكلم لمعرفة مراده.
فإن قال: أردت الطلاق، وقع الطلاق؛ لأنه استعمل لفظاً محتملاً ونواه به. وإن قال: لم أرد الطلاق، وإنما أردت الامتناع من وطئها، أو أردت التهديد أو الغضب أو التأديب، لم يقع الطلاق؛ لأن الكنايات لا تعمل إلا بالنية.
واستدلوا أيضاً بأن الشريعة فرقت بين الصريح والكناية في أبواب كثيرة، ومن ذلك الطلاق والعتق وغيرهما، فاعتبرت النية في الكنايات دون الصرائح.
ومن أقوى ما يستدلون به أيضاً أن الناس يختلفون في مقاصدهم عند إطلاق هذا اللفظ اختلافاً كبيراً، فلا يصح جعل الجميع مطلقين بمجرد لفظ محتمل.
نوقش هذا المذهب بأنه أقوى من القول بوقوع الطلاق به مطلقاً؛ لأنه راعى النية والمقصد، ووافق القاعدة الفقهية المشهورة: "العبرة في العقود والتصرفات للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني."
إلا أن الذي يضعف هذا القول أن الله تعالى لما ذكر التحريم في سورة التحريم لم يربطه بالطلاق، بل ربطه بالأيمان، لقوله سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
فالأصل الذي دل عليه القرآن الكريم أن التحريم يخرج مخرج اليمين لا مخرج الطلاق، وأن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو ترجمان القرآن، قال: "إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها".
القول الرابع: أنه يمين تجب فيه كفارة يمين: | 35 |
| 13 | Audio from Dr. Haroun AB Manneh | 37 |
| 14 | Audio from Dr. Haroun AB Manneh | 1 |
| 15 | سابعاً: قاعدة "المشقة تجلب التيسير، ورفع الحرج من مقاصد الشريعة":
وذلك فلو كان كل ما حرمه الإنسان على نفسه يصير حراماً عليه حقيقة، لأدى ذلك إلى تضييق واسع وإيقاع الناس في الحرج والمشقة.
والشريعة جاءت برفع الحرج والتيسير؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
وقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
ولهذا لم تجعل الشريعة التحريم الذاتي ثابتاً بهذا اللفظ، وإنما جعلت له مخرجاً بالكفارة.
ثامناً: قاعدة "النهي عن الغلو والتشدد في الدين":
فمن مقاصد هذه النصوص منع الناس من مسلك الرهبانية والتشديد على النفس بتحريم الطيبات.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 87].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32].
ففي الآيتين دلالة على أن الأصل هو التمتع بما أباحه الله من غير إفراط ولا تفريط.
تنبيه فقهي مهم:
ومع أن ما ذكرتموه هو مذهب جمهور أهل العلم في أن تحريم الحلال يجري مجرى اليمين وتلزمه كفارة اليمين، إلا أن الفقهاء فصلوا في بعض الصور المتعلقة بالزوجة، كمن قال لزوجته: "أنت علي حرام"، فهذه المسألة لها تفصيل وخلاف مشهور بحسب النية واللفظ والقرائن، هل تكون ظهاراً أو طلاقاً أو يميناً، فلا تدخل في هذا الحكم العام إلا بعد النظر في تفاصيلها.
الخلاصة
فمن حرَّم على نفسه طعاماً أو شراباً أو لباساً أو غير ذلك من المباحات، فإن ذلك المباح لا يصير حراماً عليه شرعاً؛ لأن التحليل والتحريم حق لله تعالى وحده، ولأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، ولأن الأحكام الشرعية لا تثبت إلا بأسباب شرعية معتبرة؛ لكن قوله هذا يُجعل في حكم اليمين؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فإذا أراد الرجوع إلى ذلك المباح أو حنث في تحريمه لزمته كفارة اليمين المذكورة في سورة المائدة، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
هذا، والله تعالى أعلم... وصلِّ اللهم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّمْ تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته في الدنيا والآخرة: الشيخ هارون أبوبكر ماني الغامبي، ظهر يوم الثلاثاء 3 شعبان 1445 الموافق 13 فبراير 2024م، في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين وعواصمهم. | 19 |
| 16 | السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما الحكم إذا حرَّمَ المرء على نفسه شيئاً حلالاً له شرعاً؟
What is the ruling if a person forbids upon himself something that is permissible for him by the Sharia?
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فمن حرَّم على نفسه شيئاً حلالاً له شرعاً، فلا يكون ذلك الشيء عليه محرَّماً بتحريمه إياه على نفسه، بل يبقى هو حلالاً له، وإنما يُخرّج تحريمه ذلك على مخرج اليمين، كما جعل الله تعالى تحريم النبي ﷺ العسل أو مارية القبطية رضي الله عنها على نفسه يميناً عليه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم : 1-2].
ومن ثم، يتعيَّنُ على كل من حرَّم على نفسه شيئاً حلالاً له بالشرع كفارةُ اليمين، وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط قُوتِ بلده، أو كسوتهم بكساء يجزء به الصلاة رجالاً كانوا أو نساءً، أو تحرير رقبة مؤمنة، ولا يوجد اليوم رقيق يجزء في ذلك شرعاً، فإن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة : 89].
وعليه، فإن التأصيل الأصولي والفقهي لهذه المسألة يُحرَّر على ما يلي:
أولاً: قاعدة "التحليل والتحريم حقٌّ لله تعالى وحده":
وهذه من القواعد الكبرى المستفادة من نصوص الكتاب والسنة، فإن الله تعالى هو المتفرد بالحكم والتشريع، فلا يملك أحد أن يجعل الحلال حراماً أو الحرام حلالاً من عند نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116].
وبالتالي، فإذا حرم الإنسان على نفسه طعاماً أو شراباً أو لباساً أو غير ذلك مما أحله الله له، فإن تحريمه لا يغيِّر حكم الله تعالى فيه، بل يبقى الشيء على أصل إباحته.
ثانياً: قاعدة "الأصل في الأعيان والمنافع الإباحة":
وذلك أن الأصل في الأطعمة والأشربة والملابس والمناكح وسائر المنافع هو الحل والإباحة حتى يرد عليه دليل شرعي ناقل عن هذا الأصل؛ ولذلك فإن مجرد قول الإنسان: "هذا حرام عليَّ" لا ينقل الشيء من الإباحة إلى التحريم؛ لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بمجرد الألفاظ المجردة، وإنما تثبت بدليل شرعي معتبر؛ ولهذا بقي العسل حلالاً للنبي ﷺ، وبقيت أمته حلالاً له، مع أنه حرَّم ذلك على نفسه ابتغاء مرضاة أزواجه.
ثالثاً: قاعدة "اليقين لا يزول بالشك":
وذلك أن كون الشيء حلالاً ثابت بيقين بدليل الشرع، فتحريم المكلف له على نفسه أمر طارئ لا يصلح لإزالة ذلك اليقين.
ومن ثم فلا يرتفع حكم الإباحة الثابتة بالنصوص الشرعية بمجرد لفظ يصدر من المكلف.
رابعاً: قاعدة "الحكم الشرعي لا يثبت إلا بسبب شرعي":
والتحريم حكم شرعي، فلا يثبت إلا بدليل شرعي معتبر؛ فلما لم يجعل الله تعالى مجرد تحريم الإنسان للحلال سبباً لحرمة ذلك الشيء عليه، علم أن التحريم المعتبر شرعاً لم يوجد، وأن غاية ما في الأمر أن هذا اللفظ يأخذ حكم اليمين.
خامساً: قاعدة "إعمال الكلام أولى من إهماله":
فإن قول الإنسان: "هذا حرام عليَّ" لا يُلغى بالكلية، ولا يُجعل تحريماً حقيقياً؛ ولما تعذر حمله على التحريم الشرعي؛ لأن التحريم من حق الله تعالى وحده، حُمِل على أقرب المعاني الشرعية إليه، وهو اليمين.
ولهذا قال تعالى عقب ذكر تحريم النبي ﷺ على نفسه بعض المباحات: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]؛ فسمى الله تعالى المخرج من هذا التحريم تحلة اليمين، فدل على أن حكمه حكم اليمين.
سادساً: قاعدة "العبرة في العقود والأيمان للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني":
فالمقصود من قول القائل: "هذا حرام عليَّ" غالباً هو الامتناع عن الشيء والزجر للنفس عنه، وهو معنى اليمين؛ ولذلك ألحقه جمهور الفقهاء بالأيمان من جهة الحكم والكفارة.
وهذه القاعدة من أعظم القواعد الفقهية في باب الأيمان والنذور والتصرفات. | 21 |
| 17 | ما الحكم إذا حرَّمَ المرء على نفسه شيئاً حلالاً له شرعاً؟
What is the ruling if a person forbids upon himself something that is permissible for him by the Sharia? | 20 |
| 18 | ومع ذلك فالمسألة من مسائل السعة والاجتهاد، فلا إنكار فيها على من أدخل الميت من جهة القبلة أو من جهة الرأس، لثبوت ذلك عن جماعة من السلف، ولعدم وجود نص صحيح صريح ملزم بجهة واحدة دون غيرها.
وعليه، فإن المسألة خلافية، وفيها سعة بين السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى اليوم، وإن كان القول بإنزاله من جهة رِجل القبر، فيُسلُّ الميت منها برأسه سَلاًّ إلى قبره هو الأقوى من حيث الإسناد، لأن الصحابي عبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه صرح بسنية ذلك.
هذا، والله تعالى أعلم، وصلِّ اللهم على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه ومن تبعه إحسان إلى يوم الدين، وسلِّمْ تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو الله وعافيته الشيخ الدكتور هارون أبوبكر ماني، ضحى يوم الخميس، 2 ربيع الآخر، الموافق 27 أكتوبر 2022م بمدينة الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية ـ حرسها وجميع بلاد المسلمين. | 24 |
| 19 | وقال ابن جزيّ الكلبي المالكي المتوفى سنة: (741هـ) في كتابه "القوانين الفقهية" (ص: 66): "وَلَا بَأْس أَن يدخل الْمَيِّت فِي قَبره من أَي نَاحيَة كَانَ والقبلة أولى".
وقال ابن حزم الظاهري المتوفى سنة: (456هـ) في كتابه "المحلى بالآثار" (3/409): "وَيُدْخَلُ الميت القبر كيف أمكن، إما من القِبلة، أو من دبر القبلة، أو من قبل رأسه، أو من قبل رِجلَيْهِ، إذ لا نص في شيء من ذلك. وقد صح عن علي أنه أدخل يزيد بن الْـمُكَفَّفِ من قِبَل القِبلة. وعن ابن الحنفية: أنه أدخل ابن عباس من قِبَل القبلة. وصحَّ عن عبد الله بن زيد الأنصاري، صاحب رسول الله ﷺ أنه أدخل الحارث الخارفي من قِبَلَ رِجلَيْ القبر".
فالتأصيل الأصولي والفقهي لهذه المسألة، مما يزيد هذه المسألة وضوحاً أن الخلاف فيها مبني على باب السنن والهيئات، لا على باب الواجبات والأركان، ولذلك وقع فيه الخلاف بين الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، مع عدم الإنكار الشديد من بعضهم على بعض.
أولاً: قاعدة "الأصل في العبادات التوقيف":
وهذه القاعدة من أعظم قواعد الأصول، ومعناها أن العبادات وكيفياتها لا تثبت إلا بدليل من الشرع.
ولما لم يثبت في كيفية إدخال الميت إلى القبر حديث صحيح صريح مرفوع إلى النبي ﷺ يفصل جهة الإدخال تفصيلاً قاطعاً، وقع الاجتهاد بين أهل العلم في فهم الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم، ولذلك تعددت الأقوال في المسألة.
فدل ذلك على أن الأمر فيها من قبيل السنن والهيئات التي يُعمل فيها بما ثبت من الآثار، لا من قبيل الواجبات التي يأثم تاركها.
ثانياً: قاعدة "إذا وردت السنة على وجوه متعددة كان فعل الجميع سنة":
وهذه قاعدة معروفة عند الأصوليين والفقهاء، فإن العبادات التي ثبتت فيها صفات متعددة عن السلف أو عن النبي ﷺ يشرع فعلها على الوجوه الثابتة جميعاً.
وقد ثبتت آثار عن بعض الصحابة في الإدخال من جهة الرِّجلين، وثبتت آثار عن بعضهم في الإدخال من جهة القبلة، ونُقلت آثار أخرى في الإدخال من جهة الرأس.
فمن رأى صحة هذه الآثار قال: إن الأمر فيه سعة، وأن كل وجه ثبت عن السلف فهو مشروع.
ولهذا قال العلماء: اختلاف التنوع أولى من اختلاف التضاد في مثل هذه المسائل.
ثالثاً: قاعدة "لا إنكار في مسائل الاجتهاد السائغ":
فإن المسألة من مسائل الاجتهاد التي اختلفت فيها أنظار الفقهاء قديماً وحديثاً.
ولهذا لا ينبغي التشديد على الناس فيها، ولا تبديع المخالف، ولا جعلها سبباً للنزاع بين المسلمين؛ لأن كل فريق يستند إلى أثر أو اجتهاد معتبر.
وقد تقرر عند الفقهاء أن: "المختلف فيه لا إنكار فيه، وإنما الإنكار في المجمع عليه"، أي في مسائل الاجتهاد المعتبر التي لها حظ من النظر والدليل.
رابعاً: قاعدة "فعل الصحابي حجة إذا لم يعلم له مخالف من الصحابة":
فإن أقوى ما استدل به من رجح الإدخال من جهة رِجل القبر أثر عبد الله بن يزيد رضي الله عنه حين أدخل الميت من جهة الرِّجلين وقال: "هذا من السنة".
وقول الصحابي: "من السنة" محمول عند جمهور المحدثين والأصوليين على سنة النبي ﷺ؛ لأنه لا يطلق ذلك في الغالب إلا على ما تلقاه عن رسول الله ﷺ.
ولذلك كان هذا الأثر من أقوى ما ورد في الباب من جهة الإسناد والدلالة.
خامساً: قاعدة ىالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً":
فالمقصود من كيفية إدخال الميت هو تمكينه من وضعه في لحده برفق وصيانة واحترام.
فإذا تحقق هذا المقصود بأي جهة من الجهات المباحة، ولم يرد نص ملزم بجهة معينة، لم يبطل الدفن ولم يفسد.
ولهذا اتفق الفقهاء على صحة الدفن من أي جهة تم الإدخال منها، وإنما وقع الخلاف في الأفضل والأكمل.
سادساً: قاعدة "المشقة تجلب التيسير":
فقد تختلف القبور في بنائها، وقد تختلف طبيعة الأرض، وقد تضيق بعض القبور أو تتسع، وقد يصعب الإدخال من جهة ويتيسر من أخرى.
ولهذا لم يأت الشرع، فيما يظهر، بإيجاب جهة معينة، بل ترك الأمر على السعة والتيسير، تحقيقاً لمقصود الدفن من غير حرج ولا مشقة.
قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج : 78].
سابعاً: قاعدة "المقصود مقدم على الوسيلة":
فالمقصود الشرعي الأعظم هو تكريم الميت، وصيانته، وتعجيل دفنه، ووضعه على الهيئة المشروعة مستقبلاً القبلة.
أما جهة إدخاله إلى القبر فهي وسيلة إلى هذا المقصود، والوسائل أخف حكماً من المقاصد، ولذلك وقع فيها الخلاف والتوسعة.
الخلاصة
وبناءً على ما تقدم من الأدلة والقواعد الأصولية والفقهية، فإن إدخال الميت إلى القبر من أي جهة كان يجزئ باتفاق أهل العلم، ولا يؤثر ذلك في صحة الدفن.
غير أن الأقرب من جهة الدليل والأثر: أن يُوضَع رأس الميت عند رِجل القبر ثم يُسلُّ سلاً حتى يدخل اللحد، فيكون رأسه أول ما يدخل القبر؛ لثبوت ذلك عن الصحابي عبد الله بن يزيد رضي الله عنه مع تصريحه بقوله: "هذا من السنة". | 20 |
| 20 | السؤال من غينيا بيساو والسنغال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا فضيلة الشيخ الدكتور هارون أبوبكر ماني،
ما هي الجهة التي ينبغي سُنَّةً أن يتم منها إدخال الميت في القبر؟
What is the authentic direction by the Sunnah the dead should be entered through into the grave?
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد اختلف العلماء في الجهة التي ينبغي أن يتم منها إنزال الميت في القبر، بعد أن اتفقوا على أن أي جهةٍ تم منها إدخال الميت في قبره فهو مجزئ، إنما اختلفوا في الأفضلية بين هذه الجهات الأربعة إلى أربعة أقوالٍ: منهم من فَضَّلَ إنزاله من جهة رِجل القبر، ومنهم من فضل إدخاله من قِبَل رأس القبر، ومنهم من فضل أن يدخَل في قبره من جهة القبلة، وتفصيلها على ما يلي:
القول الأول: إن إنزال الميت في القبر من جهة مؤخرة القبر هو الأفضل، حيث يُسلُّ الميت برأسه من قِبَلِ رِجْلِ القبر، فيكون رأسه أول ما يُدخَل في القبر.
وهو المذهب عند الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد. حيث قال الشافعي في كتابه "الأم" (1/311): "باب الخلاف في إدخال الميت القبر، وَسِلَّ الميت سَلًّا من قبل رأسه. وقال بعض الناس: يُدخَل معترضاً من قبل القبلة". وقال أيضاً في "الأم" (1/315): "وسَلُّ الميت من قبل رأسه، وذلك أن يوضع رأس سريره عند رِجلِ القبر ثم يُسَلُّ سَلاًّ".
وعليه، فقال النووي المتوفى سنة (676هـ) في كتابه "المجموع شرح المهذب" (5/294): "إن السنة أن يوضع رأسُه (الميت) عند رِجْلِ القبر، ثم يُسلُّ سَلاًّ".
نعم، هذا هو الأفضل في المسألة إذا تيسر.
وعمدتهم في ذلك حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه، وذلك أن الحارث الأعور رحمه الله، وهو من صغار التابعين أوصى بأن يُصلّي عليه عبد اللهِ بن يزيدٍ رضي الله عنه إذا مات، فصلّى عليهِ، ثم أدخلهُ القبرَ من قبلِ رِجلِ القبرِ، فقال: "هذا مِنَ السُّنَةِ". حديث صحيح، رواه أبو داود في سننه.
والشاهد من الحديث قول الصحابي "هذا من السنة" فهو في حكم السنة المرفوعة إلى النبي ﷺ إذا لم يكن له فيه منازع.
والقول الثاني: إن إنزال الميت في القبر من جهة القبلة هو الأفضل، حيث يكون الميت معترضاً على القبر من جهة القبلة.
وهو المذهب عند الحنفية، حيث قال محمد الشيباني صاحب أبي حنيفة، المتوفى سنة (189هـ) في كتابه "الحجة على أهل المدينة" (1/370): "قَالَ أبو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ يُدْخَل الْمَيِّت من قِبَلِ الْقبْلَة، وَلَا يُسلُّ سَلاًّ من قِبَلِ الرِّجْلَيْن".
وعليه، فقال الكاساني الحنفي المتوفى سنة (587هـ) في كتابه "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (1/318): "فالسنة عندنا أن يُدخَلَ الميت من قِبَلِ القبلة، وهو أن تُوضَعَ الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويُحمَل منه الميت، فيوضعَ في اللحد".
واستدلوا بأدلة عدة منها أن النبي ﷺ أَنزل ميتاً ليلةً في قبره من قِبَلِ القبلة، كما جاء ذلك من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا، فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ، فَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ القِبْلَةِ». حديث حسن، رواه الترمذي وابن ماجه.
والقول الثالث: إن إدخال الميت في القبر من ناحية رأس القبر هو الأفضل، ويُسلُّ من قِبَلِ رأس القبر، فتكون رِجْلاه أولَ ما يدخل القبر.
وهو قول في الشافعية، حيث قال الرُوياني الشافعي المتوفى سنة (502هـ) في كتابه "بحر المذهب" (2/ 595): "عندنا يُسلُّ الميت من قِبَلِ رأسه، وذلك أن يُوضَعَ رأس السرير عند رأس القبر، ثم يُسلُّ سَلًّا؛ لأن القبر منزلُه، والحي إذا دخل منزله أدخل رأسه فيه من قَبْلَ رِجلَيْهِ".
واستدلوا بالخبر الوارد في أن النبي ﷺ، وأبابكر، وعمر رضي الله عنهما أُدخِلوا في القبر من جهة رأس القبر، كما جاء ذلك في مصنف عبد الرزاق الصنعاني (3/ 499)، والسنن الكبرى للبيهقي (4/90)، عن موسى بن عقبة، «أن النبي ﷺ سُلَّ مِنْ نَحْوِ رَأْسِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ، إِنَّ الْأَمْرَ قَبْلَهُمْ لَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ».
وأثر إبراهيم النخعي قال: «إن النبي ﷺ أُدْخِلَ القبر من قبل القبلة». وقد اعُترِض على الخبر بالضعف.
والقول الرابع: أن أي جهة تم منها إنزال الميت في قبره فهو مجزئٌ.
وهو المذهب عند المالكية، والظاهرية، ونص عليه الحنابلة.
وعليه، فقال المازري المالكي المتوفى سنة: (536هـ) في كتابه "شرح التلقين" (1/1200): "وقد اختلف الناس في الجهة التي يُدخَلُ منها الميت قبره، فقال ابن حبيب: إدخاله من ناحية القبلة أحب إليّ. وقال أشهب: أحب إليَّ أن أُدخل من القبلة، أو من ناحية رأسه من الشق الأيسر". | 17 |
现已上线!2025 年 Telegram 研究 — 年度关键洞察 
