بسم الله الرحمن الرحيم
فتوى.. مواقيت الصلاة في آيسلندا
السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن شاء الله تكونوا بخير وبصحة وعافية.
عندي استفسار بسيط وأتمنى من حضرتكم أن تفيدوني فيه، لأنه فعلًا موضوع يواجهه كثير من المسلمين المقيمين في آيسلندا.
نحن حاليًا بفترة الصيف، والنهار عندنا طويل جدًا، تقريبًا 22 ساعة. أوقات الصلاة تكون كالتالي تقريبًا:
- المغرب الساعة 11 مساءً
- العشاء بعد الساعة 12 ليلًا
- الفجر حوالي الساعة 2:30 صباحًا
- يعني الصلوات الثلاث تكون ضمن فترة قصيرة جدًا لا تتجاوز 4 ساعات تقريبًا.
المشكلة التي نواجهها أننا نعمل يوميًا 12 ساعة، من الساعة 6 صباحًا حتى 6 مساءً، وبعد الرجوع من العمل نكون مرهقين جدًا. وإذا انتظرنا حتى نصلي المغرب والعشاء ثم الفجر، يصبح النوم شبه مستحيل مع دوام العمل المبكر في اليوم التالي.
لذلك أغلب الناس ينامون حوالي الساعة 10 مساءً، ثم عندما يستيقظون فجرًا للعمل يصلّون المغرب والعشاء والفجر مع بعض.
فما هو أفضل حل شرعي في مثل هذه الحالة؟ وهل توجد فتوى أو رخصة خاصة للمقيمين في الدول التي يطول فيها النهار بهذا الشكل؟
وكذلك عندي استفسار بخصوص صيام يوم عرفة، فنحن نتمنى صيام هذا اليوم المبارك، لكن مدة الصيام هنا قد تصل إلى 21 ساعة أو أكثر، ومع ضغط العمل الطويل يصبح الأمر شاقًا جدًا على كثير من الناس. فهل توجد رخصة أو فتوى خاصة بهذا الموضوع أيضًا للمقيمين في هذه البلاد؟ جزاكم الله خيرًا، ونفع الله بعلمكم، وبانتظار ردكم إن شاء الله.
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.
فهذه المسألة من النوازل الفقهية المعاصرة الشهيرة، والتي أوْلَتْها المجامع الفقهية ودورُ الإفتاء عناية خاصة، نظرًا للمشقة الظاهرة الناشئة عن غير المعتاد في طول النهار وقصر الليل. والشرع الحنيف مبناه على اليسر ورفع الحرج؛ كما قال تعالى: ﴿.... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾[ البقرة:185]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ)[1].
وإليك البيان الفقهي الشافي في مسألتي الصلاة وصيام يوم عرفة في مثل ظروفكم:
أولاً: حكم صلوات (المغرب والعشاء والفجر) مع العمل المجْهد.
ما يفعله أغلب الناس عندك من تأخير المغرب والعشاء حتى الاستيقاظ فجرًا لا يصح شرعًا؛ لأن الصلوات مكتوبة بمواقيت محددة، قال تعالى ﴿.. إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103] وخروج وقت المغرب والعشاء ودخول الفجر دون عذر شرعي معتبر يُعدُّ تفريطًا.
ولكن، نظرًا لظروفكم الخاصة (نهار ممتد لـ 22 ساعة، ووقت ضيق جدًا بين الصلوات الثلاث، مع عمل شاق (يمتد لـ 12 ساعة)، فإن الشريعة الإسلامية قدَّمت حلًا شرعيًا صحيحًا وهو (الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت لعذر المشقة).
الحل الشرعي الأفضل:
يجوز لكم الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء (جمع تقديم) في وقت المغرب؛ بناءً على فتوى المجمع الفقهي الإسلامي والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث وعدد كبير من العلماء المعاصرين لدفع المشقة والاضطرار.
كيفية التطبيق: عند الساعة 11 مساءً مع أذان المغرب، تصلون صلاة المغرب (ثلاث ركعات)، ثم تصلون بعدها مباشرة صلاة العشاء (أربع ركعات) جمع تقديم.
النتيجة: بعد الفراغ من الصلاة (حوالي الساعة 11:20 مساءً)، يمكنك الذهاب للنوم فورًا والحصول على قسط كافٍ من الراحة حتى يحين وقت صلاة الفجر (الساعة 2:30 صباحاً) فتصلي الفجر في وقتها ثم تخرج إلى عملك في وقته المضروب.
مستند الرخصة: ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (جَمَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ»، وقيل لابن عباس: لمَ فعل ذلك؟ قال: «أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ)[2]. فالمشقة الناتجة عن تعارض مواقيت الصلاة مع النوم والعمل الشاق حرج ظاهر يبيح الجمع.
ثانياً: رخصة صيام يوم عرفة في النهار الطويل (21 ساعة)
صيام يوم عرفة سنة مؤكدة يكفِّر السنة الماضية والباقية، وهو من النوافل المستحبة وليس من الفرائض كرمضان. وفي مثل بلدكم، ينقسم الحكم إلى حالتين حسب القدرة والاستطاعة:
1. التفريق بين الفريضة والنافلة:
الرخص الفقهية بالتقدير (مثل الصيام على توقيت مكة أو أقرب بلد معتدل) صدرت بها فتاوى تخص صيام شهر رمضان فقط؛ لأنه ركن فرض ولا بد من أدائه. أما في النوافل كصيام يوم عرفة، فالأصل أن من صام يلتزم بالوقت من الفجر حتى مغيب الشمس (21 ساعة)، فإن لم يستطع فلا يشرع له الصيام أصلًا.
يتبع..