صهيب حسن الشافعي الأشعري
رفتن به کانال در Telegram
9 196
مشترکین
-524 ساعت
-37 روز
-1930 روز
آرشیو پست ها
👆👆👆
(منها) أي: من الاصطلاحات التي يجب استحسانًا وعرفًا تقديمها لمن أراد الشروع في شيء من العلوم: (إيساغوجي؛ وهو لفظ يوناني يراد به) في اصطلاح المناطقة: (الكليات الخمس) وقيل في أصله أمور لم يقم عليها دليل عندنا؛ منها:
- ما اختاره السيد قدس سره في «حاشية شرح المطالع» أنه اسم الحكيم الذي استخرج الكليات الخمس.
- أنه اسم للطالب الذي كان يقرأها على مدونها، فكان المعلم يقول له أثناء التعليم: يا إيساغوجي! الأمر كذا وكذا، فلما تكرر هذا صارت اسمًا للكليات الخمس.
- أنه يطلق في لغة اليونان على ورد له خمس أوراق متغايرة في اللون، فشبهت به الكليات الخمس، وأطلق اسمه عليها، من باب تسمية الشيء باسم شبيهه.
- أنه مركب من ثلاثة مقاطع: «إيس – أغو – أجي» أي: «أنت – أنا - ثم»، فحذفت ألف «أجي» للاختصار، وجعله المنطقيون علمًا على الكليات الخمس.
والحق أن كلمة «إيساغوجي» تعريب للكلمة اليونانية «εἰσαγωγή» وتنطق: Eisagōgḗ = إِيْسَاجُوجِي، وهي مركبة في لغة اليونان من شقين:
الأول: «eis» = «εἷς»؛ ويعني: داخل.
الثاني: «ágō» = «ἄγω»، ويعني: يقود أو يوصل.
والترجمة الحرفية لها: القائد أو الموصل إلى الداخل، والمقصود بها: «المدخل والمقدمة»، ثم إنها نقلت عن هذا المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي عند المناطقة؛ وصارت تطلق على: «الكليات الخمس»، وإن كان بعضهم يستعملها أحيانًا بالمعنى اللغوي -أي: «المدخل والمقدمة»- كما فعل أثير الدين الأبهري في: «رسالة المطالع» حيث ضم تحتها أمورًا خارجة عن مبحث الكليات الخمس وما يتعلق به؛ كـ : الحاجة لعلم المنطق، وتعريفه، وموضوعه، بل حتى مبحث المعرِّف.
فيكون للكلمة استعمالان:
- لغوي يطلق على المدخل والمقدمة، واستعماله بهذا النحو قليل.
- واصطلاحي يطلق على الكليات الخمس، وهو الغالب على استعمال الكلمة.
والمراد هنا الاصطلاحي بمعنى: الكليات الخمس.
بيان معنى كلمة «إيساغوجي» التي ترجم بها الأبهري أول مبحث في رسالته المنطقية التي سماها بعض العلماء فيما بعد بـ «إيساغوجي» من شرح الفقير على (شرح حسام الدين الكاتي على إيساغوجي): 👇👇👇
ليس في مصنفات أثير الدين الأبهري كتاب أو رسالة سماها «إيساغوجي» ولا «الهداية»! وهذه التسميات إنما أطلقها بعض العلماء المتأخرين، أو أطلقها النساخ وتبعهم هؤلاء العلماء.
بمناسبة مولد سيد الكونين وفخر الكائنات صلى الله عليه وسلم - أتاح مكتب إحياء التراث الإسلامي بمشيخة الأزهر أربعة من أعماله المولدية مجانًا.
[تجدون الروابط في تعليقات هذا المنشور👇]
https://www.facebook.com/share/p/17TSwGiiV2/
يمكن تصنيف كتب الأبهري الاختصارية التعليمية إلى:
أ- كتب ممهدة لتعلم مذهب المشائين؛ وهي على صنفين:
1- كتب ممهدة لآراء ابن سينا خصوصًا كتاب «الإشارات والتنبيهات».
2- كتب ممهدة لآراء الفارابي، خصوصًا آراءه المنطقية.
ب- كتب ممهدة لتعلم مذهب الإشراقيين؛ خصوصًا لكتاب «التلويحات اللوحية والعرشية» لشيخ الإشراق السهروردي.
ج- كتب ممهدة لتعلم آراء فخر الدين الرازي؛ خصوصًا كتاب «الملخص في المنطق والحكمة».
د- كتب ممهدة للتعليم ما يتخذه الأبهري مذهبًا.
Repost from قناة || محمد محمود فكري
جَلَّ جَنَابُ الحَقِّ عَنْ أَنْ يَكُونَ شرعةً لِكُلِّ وَارِدٍ، أَوْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إلاَّ وَاحِد بَعْدَ وَاحِدٍ. وَلذَلِكَ فَإنَّ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الفَنُّ ضُحْكَةٌ لِلْمُغَفَّلِ، عِبْرَةٌ لِلْمُحَصِّلِ؛ فَمَنْ سَمِعَهُ فَاشْمَأَزَّ عَنْهُ فَلْيَتَّهِمْ نَفْسَهُ، لَعَلَّهَا لاَ تُنَاسِبُهُ؛ وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ.
الرئيس ابن سينا.
هذا تصنيف هيكلي شامل لمصنفات أثير الدين الأبهري (ت. 655هـ)؛ وهو تقسيم استقرائي أزعم أني لم أُسبَق إليه، بل هو مما فتح الله به وتفضل، ولم يقف الأمر عند وضع هذا الهيكل العام، بل أوقفني الله -فيما اندرج تحت هذا التصنيف من حقول- على تفاصيل جديدة ومصنفات لم أسبق إليها؛ وقد بسطتُ القول عن بعضها ضمن دراستي وتحقيقي لكتاب (المطالع)، واحتفظتُ ببعضها الآخر ريثما يكتمل العمل عليها.. فأسأل الله الإعانة والتوفيق للوفاء بهذا المشروع.
أسعدني تعليق صديقي الدكتور محمد محمود فكري أسأل الله أن أكون ويكون البحث كما وصف، كما أساله سبحانه وتعالى الإعانة والتوفيق لإتمام هذا المشروع على خير.
من الجنايات التي ارتكبت في حق التقييم الفلسفي لآراء أثير الدين الأبهري: النظر إليه من خلال:
- رسالته في المنطق التي سماها البعض بـ «إيساغوجي».
- ورسالة «الهداية» في المنطق والحكمة.
والحق أن ما في هاتين الرسالتين لا علاقة له البتة بما يتخذه الأبهري مذهبًا، سواء في المنطق أو الحكمة؛ إذ هما معبرتان عن المشهور من الآراء المنطقية والفلسفية السائدة في عصره، ولا يعبر شيء منهما عن رأيه ومذهبه، فمن اعتمد عليهما في نسبة قولٍ أو رأيٍ له، أو حاول تقييمه من خلالهما، فقد أخطأ غاية الخطأ، وجانب الصواب كل المجانبة.
نعم، يمكن أن تعبر هاتان الرسالتان عن الأبهري معلمًا ومدرسًا، ومختصِرًا لتلك العلوم مهذبًا لها، صاحب مدرسة متكاملة لها سلم تعليمي متدرج، شامل للمنطق والحكمة المشائية منها والإشراقية؛ تبدأ بهاتين الرسالتين، ثم تتدرج إلى باقي رسائله المكونة لهذا السلم التعليمي؛ فيتخرج بها الطالب قادرًا على الدلوف إلى (الإشارات والتنبيهات) للشيخ الرئيس، و(التلويحات اللوحية والعرشية) لشيخ الإشراق، و(الملخص) لفخر الدين الرازي.
هذا السلم التعليمي المتكامل الشامل لهاتين الرسالتين الشهيرتين وغيرهما لا يعبر شيء منه عما يتخذه الأبهري مذهبًا، إذ المعبر عن هذا كتب أخرى له غيرها، وقد شرحتُ هذا وبينتُه في مقدمة تحقيقي على «المطالع» يسر الله نشره.
تكمن صعوبة ترجمة أثير الدين الأبهري في شح المصادر التي تترجم لعلماء القرن السابع الهجري في المشرق الإسلامي عمومًا، وللأبهري خصوصًا؛ وسبب ذلك يرجع إلى اجتياح المغول للمشرق الإسلامي، إذ لم يكتفوا بقتل العلماء وتدمير المكتبات، بل اغتالوا سيرهم بحصر أهل المدن وإبادتهم عن بكرة أبيهم، كما فعلوا بأهل هراة، فقد أبادوا جميع أهلها فلم يبقوا منهم إلا ثلاثة نفر هم أبناء فخر الدين الرازي، فكانوا يقتلون العالم وكل من حوله من الطلاب والعوام، فلا يبقى شاهد على خبره ولا مخبر بأثره؛ فتجد بعض العلماء -وهم الأوفر حظاً- من وصل إلينا اسمهم ولم يصل إلينا شيءٌ من وصفهم أو وصل شحيحاً جداً، كما حصل مع كبار تلاميذ الرازي كزين الدين الكشي الذي تنعدم ترجمته، وقطب الدين المصري، وتاج الدين الأرموي اللذين لا تجد لهم ترجمة إلا بضعة أسطر قليلة، وهناك علماء آخرون -وهم الأقل حظًا- لم يصل إلينا اسمهم ولا وصفهم، وإنما عرفناهم من تدوين أسمائهم على طرر المخطوطات وحرودها، كزين الدين صدقة بن علي، والغضنفر إبراهيم بن محمد التبريزي المعروف بـ: حكيم الروم! وتلميذه علي بن الغلام القونوي (وقد عرفت أسماء هؤلاء الثلاثة أثناء عملي على تراث الأبهري).
وقد كان الأبهري ممن تأثر ذكرهم سلبًا بهذا الاجتياح، ويكفي للوقوف على شح المصادر بترجمته أن تلميذه ابن خلكان لم يفرد له ترجمة، بل ذكره عرضًا أثناء ترجمته لشيخه الكمال بن يونس، وإن الكتب التي كانت مظنة التوسع في ترجمته مفقودة كليًّا أو جزئيًّا؛ ككتاب (المُشرق في حلى المشرق) لابن سعيد المغربي الذي صحب الأبهري أثناء إقامته عند الصاحب محي الدين الجزري في جزيرة ابن عمر، وكتاب (مجمع الآداب) لكمال الدين ابن الفوطي؛ إذ ضاع جزء كبير منه، حتى إننا لمحنا تلميذًا للأبهري هو: جمال الدين أحمد بن عيسى القزويني أثناء الكلام عن ابنه: محمد، إذ قال ابن الفوطي: (وكان والده يعرف بالأثيري؛ لأنه كان يخدم أثير الدين الأبهري وقد ذكرناه)، ولأثر هذا الفقد لكتاب الفوطي لم نستطع الوقوف على ترجمة جمال الدين هذا.
ولهذا لم يكن اعتمادي في ترجمة الأبهري على كتب التراجم بالمقام الأول، بل اعتمدتُ على طرر المخطوطات وحرودها، وتحليل المعلومات القليلة المتوفرة عن تلاميذه وعصره. وحتى في تحديد مصنفاته، لم أرجع لكتب التراجم؛ لاضطرابها وخلطها وعدم دقتها في هذه الناحية، بل أنشأتُ قائمة تصانيفه بناءً على ما وجدته في فهارس المخطوطات واطلعتُ عليه بنفسي حتى جمعتُ له 40 مصنفًا، أسأل الله أن ييسر لي إخراجها ضمن مشروعي حول تراث الأبهري.
وبالجملة، فقد كنتُ في هذه الترجمة كمن ينحت في صخر عسير التشكل، حتى وفق الله لإتمامها على الوجه الذي أرجو أن يكون وافيًا بالغرض ومستفرغاً للوسع، ولم أر في الإمكان أبدع مما كان!
لمحات من ترجمتي للأبهري
- ولد أثير الدين المفضل بن عمر بن المفضل في مدينة «أَبْهَر» الواقعة بين قزوين وزنجان إحدى أعمال ما عرف قديمًا بولاية «الجبال» الواقعة الآن في إيران، وذلك ما بين عامي (585هـ - 590 هـ).
- انتقل إلى مدينة «الرَّي» المجاورة لمسقط رأسه للتعرف على شيخه الإمام فخر الدين الرازي (ت. 606هـ)، ثم إلى بعدها إلى مدينة «هرات» إحدى أعمال ولاية خرسان الواقعة الآن في أفغانستان، وذلك للالتحاق بمدرسة فخر الدين الرازي هناك، وقد أقام فيها حتى وفاة فخر الدين الرازي سنة 606هـ .
- انتقل الأبهري بعدها إلى مدينة «نيسابور» إحدى أعمال ولاية خرسان، الواقعة الآن في إيران، وذلك لدراسة على يد قطب الدين المصري (ت. 618هـ) وقد التقى فيها أيضًا كل من ركن الدين العميدي (ت. 615هـ) وزين الدين عبد الرحمن الكشي (ت. 618هـ)، وقد بقي في نسابور إلى قرب دخول المغول لها، واستشهاد شيخه قطب الدين المصري.
- ثم رجع إلى «أبهر» لينتقل منها بعد ذلك إلى مدينة «الموصل» أحد أعمال ولاية «الجزيرة» للأخذ عن كمال الدين ابن يونس (ت. 639هـ) وكان يتردد بين «الموصل» و«إربل»، وقد أقام في «الموصل» حتى حوالي سنة 630هـ، وفي الموصل فاقت شهرت الأبهري في العلوم الرياضية شيخه الكمال، حتى أرسل له الملك الأيوبي الكامل ناصر الدين محمد (ت. 635هـ) الجزء الرياضي من الأسئلة الشهيرة التي أرسلها الإمبراطور فريدريك الثاني (ت. 648هـ)، والتي اشتملت على الطب والحكمة والهندسة والفلك.
- ثم انتقل للإقامة في «جزيرة ابن عمر» -من أعمال ولاية «الجزيرة»- بدعوة من الصاحب محيي الدين محمد بن محمد بن سعيد بن ندى الجزري (ت. 651هـ) وكان رحمه الله محبًا للعلماء والفضلاء مقرِّبًا لهم، وقد أقم عنده فترة إلى أواخر العقد الرابع من القرن السابع الهجري.
- ثم إنه انتقل إلى «بلاد الروم» الأناضول حاليًا، والتحق به تلميذه شمس الدين الأصفهاني (ت. 688هـ) ولازمه مدة لخدمته والأخذ عنه، وقد بقي في بلاد الروم حتى سنة 649هـ تقريبًا، ثم إنه عاد بصحبة الأصفهاني إلى مدينة «الموصل» مرة أخرى، وأقام فيها حتى أوائل سنة 650هـ..
- ثم انتقل إلى «بلاد العجم» وهي «إيران» حاليًا، حتى وصل إلى مدينة «شُستَر = تستر» واسمها حالًا «شوشتر»، فتوفي بها قبل 14 جمادى الأولى سنة 655هـ، وقد أصيب في مرض موته بتشنج في الذراع أعقبه إسهال.
- تتلمذ على عدد من العلماء الأفذاذ منهما: فخر الدين الرازي، وقطب الدين المصري، والكمال بن يونس، وتتلمذ عليه: نجم الدين الكاتبي، وشمس الدين الأصفهاني، ونصير الدين الطوسي، وابن خلكان، وزكريا بن محمد القزويني، وجمال الدين الأثيري.
- صنف الأثير الأبهري حوالي 40 كتابًا في المنطق والحكمة، وفي العلم الرياضي (الحساب والهندسة والهيئة)، وفي الجدل، منها بعض العناوين الجديدة التي لم أسبق لها وفقني الله إلى اكتشافها.
وتفاصيل وأدلة هذا قد بسطته في مقدمة تحقيقي لكتاب المطالع للأبهري يسر الله نشره.
نُشر خبر مناقشتي في مجلة (أخبار المخطوط العربي) التابعة لمعهد المخطوطات العربية.
وقد انتهيتُ -ولله الحمد والمنة- من إعداد المخطوط للنشر، مع تنقيح وزيادات مهمة في قسم الترجمة لتكون -بإذن الله- من أوسع وأدق التراجم التي كُتبت عن أثير الدين الأبهري، متجاوزًا بذلك عقبة شُحِّ المصادر التاريخية المكتوبة عن الأبهري، كما قمت بتعقب وتصحيح بعض الأوهام والأخطاء التي وقع فيها من سبقني بالترجمة للمؤلف، ولا سيما د. مهدي عظيمي في بحثه «میراث اثیری حیات و کارنامه اثیر الدین ابهری» المنشور في مجلة (تاريخ فلسفه) التابعة لمؤسسة صدرا للحكمة الإسلامية، وكذلك د. حسين صاري أوغلو في مقدمة تحقيقه لكتاب «كشف الحقائق» وفي بحثه المنشور ضمن (موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين).
رجفت الكوفة على عهد ابن مسعود، فقال: يأيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه. اهـ
قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا}
المرآة عبرة عظيمة لأولي الألباب، ومن نظر في المرآة نظرًا شافيًا ولم ينحل له كثير من المشكلات فليس يستحق أن يُعد في زمرة العقلاء!
ولعمري لم ينظر في المرأة عاقل إلا ويعتور عقله إشكالات عظيمة وتشكك في جليات الأمور، ولكن تنحل له مع ذلك مشكلات كثيرة، ولو لم يكن من منافع الحديد سوى المرآة لكان يكفي ذلك شاهدًا على صدق قوله تعالى {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنْفِعُ لِلنَّاسِ} وكيف وفيه من المنافع ما يستحقر معها المرآة؟! على أن فيها من المنافع عجائب عظيمة كثيرة لا يمكن إحصاؤها للعقل.
والمرآة بالحقيقة مرآة العقلاء إذ يرون فيها صورة العقل العاجز عن إدراك حقائق كثيرة، فحسبك بها شاهدة على أن العقل معزول عن إدراك كثير من المحسوسات الظاهرة فضلاً عن المعقولات الخفية، فمن أراد أن يشاهد عقله على صورته التي هو عليها من العجز فليكثر النظر في المرآة، فنعمت مُبصٍّرة للعقل بمعجزه وكذبه في دعاويه العريضة الطويلة لنفسه مِن إدراك حقائق الأمور الإلهية، ولست أنكر أن العقل خُلِق لأدراك أمور عظيمة من الغوامض، ولكنه لا يعجبني إذا عدا طوره في دعواه، وجاوز قدره وتخطاه.
أبو المعالي الميانجي
{وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ}
كذا حال كل من حرم عين البصيرة!
وأما العارفون فسواء عندهم إيمانك وكفرك [بعلومهم] فمنزلة علمك الذي تُدِلُّ به عندهم كمنزلة علم الحياكة والحجامة عند أهل التحقيق من العلماء، وماذا على العالم المحيط عمله بحقائق المعلومات لو لم يحط بعلم الحياكة والحجامة؟!!
أبو المعالي الميانجي
إياك أن تغتر بظواهر الأمور؛ فإن الطبع مجبول على التحلي بكل كمال مع التعري عنه، فلا يعترف بالعجز بل يخوض فيما يجوز له وما لا يجوز، ويزاحم فيما يمكن له إدراكه وفيما لا يمكن مزحمةَ الوهم للعقل في مدركاته.
أبو المعالي الميانجي
للمصدقين بالمعاد، الطالبين للسعادة الأخروية أقسام أربعة في حصول الاستفادة من كتب العارفين من الصوفية:
القسم الأول: فريق صدقوا بما جاءت بها الرسل، فآمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يحتاجوا في هذا الإيمان إلى بحث نظري كما جرت به عادة العلماء النُّظار، وهؤلاء لا يصلح لهم النظر في هذه الكتب أصلًا؛ إذ ليس واحد منهم يحتاج إلى شيء مما ذكر فيها، نعم يجوز أن ينتفعوا بها إذا نظروا فيها للاستفادة، ولكن النظر فيه ليس بمهم لأمثالهم.
القسم الثاني: فريق من علماء الظواهر سلكوا مسلكًا من البحث غير مرضي عند المحققين، فقلدوا جماعة من أرباب المذاهب في مذاهبهم وفي دلائلها جميعا، وهؤلاء أحسن حالًا من القسم الأول، وليس لهم حاجة إلى النظر في هذه الكتب، وربما لا ينتفعون بها إن نظروا فيها أيضًا.
القسم الثالث: فريق من العلماء النظار الذين يزعمون أنهم لا يقلدون في عقائدهم أحدًا من الخلق، وإنما يسلكون فيها طريق البحث العقلي والنظر البرهاني، وطريقة هؤلاء في طلب العلم أحمد الطرائق إلا أنهم إذا قطعوا منازل العلم ظنوا أنهم وصلوا إلى الكمال الكلى في ما هم بصدده، وغرور هؤلاء بما حصلوه من العلوم النظرية عظيم! فإنهم يظنون أن تحصيل العلم بالله مثلًا وصول إليه، وهو عين السعادة المطلوبة، فترى الواحد منهم يكب طول الليل والنهار على طلب الدنيا وشهواتها، ويزعم أن ذلك لا يضر أمثاله، وأنه سعيٌ منه في طلب علف البعير، وامتثالٌ لأمر الله عز وجل حيث يقول {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} وهذه حماقة عظيمة يبعد الخلاص عنها إلا لمن تأخذ بضبْعه [أي: عضده] عناية أزلية، وهؤلاء أيضًا لا ينتفعون بمطالعة هذه الكتب، فتراهم إذا نظروا فيها يتحذلقون ويقولون: نحن إذا لم نقلد الأنبياء من غير برهان يقوم على صدق ما يقولونه، فما بالنا نقلد غيرهم؟! وأي فرق بيننا وبين سائر العوام إذا قلدنا واحدًا من غير بصيرة سواء كان نبيًا أو غيره؟! وهذه مهلكة عظيمة هلك فيها النظار إلا من عصمه الله بفضله {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} ونعِمَ الطريق طريق النظر لو لم يكن فيه أمثال هذه المهالك، ومن زعم أنه يسلك ذلك الطريق ولا تضره تلك المهالك فهو جاهل، وسيعلم حقيقة ما ذكرته في سلوكه ولا ينفعه العلم.
القسم الرابع : شرذمة قليلة يسلكون طريق العلم النظري، فإذا فرغوا من قطع عقباته ومنازله لم يشف ذلك غليل طلبهم شفاء كليًّا، ومن حصل له علم يقيني وضروري بوجود الباري تعالى وتقدس وبوجود صفاته فسكنت بذلك فورة طلبه فليس هو من القوم المشار إليهم أصلًا، فهؤلاء لا يزيدهم التبحر في العلم إلا جدًا في الطلب، وتشوقًا إلى مزيد الاستبصار، وتطلعًا إلى ما وراء العلم والعقل من كشف ذوقي يختص به خواص الحق، وهم الذين ينتفعون بهذه الكتب ومطالعتها حق الانتفاع.
أبو المعالي الميانجي (بتصرف)
كل نَفَسٍ لا يزيدني استغراقًا في مشاهدته فلا بورك لي فيه! ولله در أبي الطيب وهذا الشعر لُفَاظُه فيه:
تَرَكنا لأطرافِ القَنا كُلَّ لذَّةٍ * فلَيسَ لنا إلَّا بهِنَّ لعابُ
فَغَيرُ فُؤادي للغَواني رميَّةٌ * وغيرُ بناني للزُّجاجِ رِكابُ
والمغبون من لم يجعل أنفاسه أثمان المعالي، ولم يجتهد في طلب العز طول الأيام والليالي، ولقد أجاد الموسوي حيث يقول:
إذا أنا لم أركَب إليها مُخاطِرًا * وأُعظِم قتلًا دونَها وقِتالا
فَهذا حُسامي لمَ أُرِقَّ ذُبابُه * مضاءً؟! وهذا ذابِلي لمَ طالا؟!
أبو المعالي الميانجي
من زاحم العلماء بركبتيه لطلب العلم ولم يعتقد أن وراء مقصده مقاصد كثيرة زلَّ قدمه، وكثر ندمه وعظُم زلَلُـهُ، وظهر -حيث لا ينفعه- خطوه؛ وهذا لأن الغالب على من اعتقد ذلك أنه إذا وصل إلى مقصده وأحرز في العلم قصب السبق وقف به الطلب، ولم يكن في نفسه تشوف إلى ما وراء ذلك، وهذا الظنُّ من السموم المهلكة لمن يسلك طريق العلم، ومن لم يجرب ذلك حق التجربة فلا يُتصوَّر أن يعرف ما أقوله!
أبو المعالي الميانجي
