ar
Feedback
صهيب حسن الشافعي الأشعري

صهيب حسن الشافعي الأشعري

الذهاب إلى القناة على Telegram
9 202
المشتركون
+124 ساعات
+37 أيام
+2530 أيام
أرشيف المشاركات
ومما ضل فيه فحول العلماء الحذاق من أهل النظر حكمهم بأن حصول العلم بذات الله عز وجل وصفاته من طريق التعلم هو غاية السعادة ومنتهى الدرجات، وهذا جهل عظيم قد استولى على الأكثرين من المتبحرين في العلم والواصلين، فضلًا عمن هو بعدُ في السلوك، ومن ظن أن العلم بذات المعشوق وصفاته عين الوصول إليه فقد سحب الضلالُ ذيلَه عليه، ومن صار إلى أن الوقوع في مخلب السبع الضاري وأن العلم بالوقوع واحد فهو في مهواة بعيدة من الجهل، وهذا مثل هؤلاء القوم في اغترارهم بظنونهم الفاسدة وآرائهم المتناقضة، على أن الوصول إلى ما يدعونه من العلم المشار إليه عزيز جدًا؛ إذ لا يتفق ذلك إلا على الندور لبعض الأشخاص في آحاد العصور! أبو المعالي الميانجي

وله ضِنَّة بالتصنيف والتعليم!... ودخل عليه يومًا حجة الإسلام محمد الغزالي وسأله عن تعيين جزء من أجزاء الفلك القطبية دون غيرها، مع أن الفلك متشابه الأجزاء... فأطال الإمام عمر الكلام، وابتدأ من أن الحركة من مقولة كذا، وضن بالخوض في محل النزاع! وكان هذا من دأب ذلك الشيخ المطاع، حتى قام قائم الظهيرة وأذن المؤذن فقال الإمام الغزالي: (جاء الحق وزهق الباطل) وقام. ابن فندمه عن أبي الفتح عمر بن إبراهيم الخيام

من الوهم أن يُتَصوَّر أن رد حماقات الجهلة الأجلاف في حق آل البيت عمومًا وسيدنا الحسين خصوصًا يكون بموافقة الروافض ومخالفة الشريعة في عدم جواز تجديد الأحزان والجزع... ونحو ذلك. ومن الوهم أيضًا أن يتصور أن أمورًا عاطفية من نحو الإحساس بالظلم والخذلان لها مدخل في تغير ذلك الحكم الشرعي. نعم يزيد رمز للظلم مطلقًا، والحسين رمز للحق مطلقًا في مقابل هذا الظلم، ولكن يزيدًا لم يستحق وصف الظالم لمقاتلته الحسين فقط، بحيث لو ترك مقاتلته لم يكن ظالمًا، بل هو ظالم قبلها وفيها وبعدها، وكذا الحسين لم يستحق وصف المحق لأنه قاتل يزيدًا، بل لأنه رفض الباطل كما كان ابن عم رسول الله عبد الله بن عباس ولم يقاتل يزيدًا، وكان ينصح الحسين بعدم الذهاب لمقاتلة يزيد لمعرفته بخذلان أهل العراق له، وكذا كان ابن عمر أيضًا، فالحقية لم يكتسبها الحسين بمقاتلة يزيد، كما يتوهم أصحاب التحسين والتقبيح السياسي في عصرنا، بل الحسين من أهل الحق من قبل ومن بعد، ثم لما تميز الحسين عن أهل الحق في زمانه بمقاتلة الباطل ورفضه صار رمزا للحق، فليست رمزية الحسين استشهاده ولا في استشهاد من معه من آل البيت، بل في وقوفه مع الحق ومقاتلته للباطل، فلو لم تتأذى منه شعره ولا من آل بيت النبي فسوف يظل رمزًا للحق. وما دام الأمر كذلك فمن الوهم أيضا اعتقاد أن رمزية الحسين تكمن في أحداث استشهاده واستشهاد من معه من آل البيت وفظائع ذلك، فاستحضار ذلك لا رمزية فيه إذ الرمزية حاصلة قبل الاستشهاد بمجرد التصدي لدفع الباطل، فلم يبق من استحضار تلك المشاهد إلا تجديد الأحزان والجزع وبذكر المصائب، وموافقة الروافض في فعلهم، وكل ذلك منهي عنه في الشرع الشريف سواء بالنسبة لسيدنا الحسين أو لغيره. ومع ذلك فلو فرضنا جدلًا أن الرمزية في استحضار تلك الآلام والأحزان والجزع...إلخ فإن الحكم سيكون الحرمة، لأن تلك الرمزية ليست مما له مدخل في تغير أحكام الشريعة من عدم جواز تجديد الأحزان والجزع بتذكر المصائب من موت ونحوه. فعلى هؤلاء اللاطمين النيَّاحين ومن وافقهم إن كانوا صادقين في تغنيهم برمزية الحسين للحق أن يحتفلوا طول العام ويتغنوا بشجاعته وبسالته في وقوفه في وجه الباطل، كما نفعل مع جميع الصحابة وآل البيت الشجعان الذي استشهدوا في سبيل الحق كحمزة أسد الله وجعفر الطيار، وعلي الكرار...إلخ لا أن نقلب رمزيتهم نواحًا وأحزانًا وجزعًا، فإن رمزية جعفر مثلًا في ثباته وقوة عزمه وبأسه في تمسكه براية رسول الله أن تقع على الأرض...إلخ وليست رمزيته رضي الله عنه في قطع يديه، وكذا جميع رموز الأمة إذ ليست هناك رمزية في المصائب، بل الرمزية دائمًا في المبادئ، إذ لها تبذل الأرواح والمهج.

السابق إلى فهم الجماهير [يعني: العوام] يكاد الحق يجانبه، وينحاز إلى ما يفهمه الفقيه والأفقه! حجة الإسلام الغزالي

يتحدث حجة الإسلام الغزالي عن فضيلتي العمل والعلم، فيبين أن العمل سعي في إزالة ما ينبغي من شهوات بالنفس بالمجاهدة، والعلم تحصيل النفس ما ينبغي من الحقائق الإلهية التي تنطبع في مرآتها بعد تطهر النفس عن الهيئات الخبيث والعلائق الشهوانية الرديئة، وبين أن العمل والمجاهدة بمثابة الشرط أو الخادم بالنسبة إلى هذا العلم؛ فلا يحصل هذا العلم إلا بهذا العمل والمجاهدة، وما دام العمل بالنسبة لهذا العلم كالخادم بالنسبة للمخدوم فهو أشرف منه، واستدل على ذلك استدلالًا لطيف بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون بابا، أدناها إماطة الأذى عن الطريق» -فيقول رحمه الله ونفعنا به في الدارين: «العمل يرجع إلى مجاهدة النفس بإزالة ما لا ينبغى، وإذا نسبت [أي: مجاهدة النفس بإزالة ما ينبغي] إلى اتباع الشهوات، ظهرت فضيلتها [أي: المجاهدة]، وإذا نسبت إلى تحصيل ما ينبغي، كانت رتبتها منه [أي: رتبة المجاهدة من تحصيل ما ينبغي] مرتبة الشرط من المشروط، والخادم من المخدوم، وما أريد لغيره بالنسبة إلى ما أريد لنفسه، وعليه نبه النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «الإيمان بضع وسبعون بابًا، أدناها إماطة الأذى عن الطريق»، والمجاهدة بالعبادات أكثر أغراضها إماطة الأذى عن الطريق! ولقائل أن يقول : المراد بالحديث التقاط الزجاج والعظم والحجارة من الشوارع، وإن هذا هو السابق إلى فهم الأكثرين. ولقائل آخر أن يقول : إن الناس يتفاوتون في فهم معانى الألفاظ، على حسب تفاوت رتبتهم، ولذلك قال عليه السلام : «نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، فلولا أن في ألفاظه ما يسبق إلى فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم الفقيه لما كثرت الوصية بذلك، ثم ليت شعرى! إذا روعيت الكثرة توجد في جانب الفقيه، أو الأفقه، أو في جانب غيرهم؟! ولا شك أن هذا عزيز نادر، والغالب خلافه؛ وهم الجماهير؛ فالسابق إلى فهم الجماهير يكاد الحق يجانبه، وينحاز إلى ما يفهمه الفقيه والأفقه، لا سيما في لفظ لا يصرح بالتخصيص؛ فإن لفظ «الأذى» عام، ولفظ «الطريق» عام، ولو أريد الخاص لذكر الزجاج أو المدر ، ونبه به على أمثاله، وذلك الظاهر أيضًا مندرج تحت العموم، فإنه بذلك العمل أيضًا مصلح نفسه، ومهذب خلقه، ومميط عن النفس رذيلة الغفلة والقساوة وقلة الشفقة». اهـ

إن العاقل إذا تفقد ونظر فيما يعتوره الكون والفساد من هذا العالم، ورأى أن عنصرها عنصر مستحيل منحل سيال لا ثبات لشيء منه، ولا دوام له بالشخصية، بل كلها زائل داثر مستحيل فاسد مضمحل، فلا ينبغي أن يستكثر ويستعظم ويستفظع ما سلب منه وفجع به منها، بل يجب عليه أن يعد مدة بقائها له فضلًا، وما استمتع به من ذلك ربحًا، إذ كان فناؤها وزوالها كائنًا لا محالة ولا يعظم ويكبر ذلك عليه وقت كونه إذ كان شيئًا لا بد أن يعرض فيها فإنه متى أحب دوام بقائها فقد رام ما لا يمكن وجوده لها، ومن أحب ما لا يمكن وجوده كان جالبًا بذلك الغم إلى نفسه ومائلًا عن عقله إلى هواه. الفيلسوف المتطبب محمد بن زكريا الرازي

وبعد فما من رأي دنيائي قط إلا ويوجب شيئًا من زم الهوى والشهوات ولا يطلق إهمالها وإمراحها، فزم الهوى وردعه واجب في كل رأي، وعند كل عاقل وفي كل دين. الفيلسوف المتطبب محمد بن زكريا الرازي

كان شمس الدين الأصفهاني (ت. 688هـ) إذا أراد الطالب أن يقرأ عليه الفلسفة ينهاه، ويقول: لا حتى تمتزج بالشرعيات امتزاجًا حقيقيًّا جيدًا. تاج الدين السبكي

الإمام المحقق معيد آي الحكمة الإلهية صاحب التلاويح العرشية تغمده الله بغفرانه. أثير الدين الأبهري واصفًا شيخ الإشراق السهروردي

👆👆👆👆👆 ذكرتُ سابقًا أنَّ قِوامَ صنعة التحقيق يقوم على يقظة المحقق وفطنته، وضرورة أن يكون متقنًا للفن الذي يحقق فيه؛ حتى يستطيع ابتداءً أن يقرأ النص قراءة صحيحة لا تعسف فيها ولا اعتساف، فضلاً عن أن يقع في الأوهام الفاضحة، كما أوضحتُ أيضًا أنَّ من أبشع صور الجناية على المخطوط أن يتصرف المحقق في النص دون حاجة، فكيف إذا اجتمع الأمران معًا، فكان التصرفُ في النص نابعًا من الجهل بالعلم المُحقَّق فيه؟! وهنا أضع بين يدي القارئ أنموذجًا فجًّا لاجتماع هذين الخطأين المنهجيين، وذلك في تحقيق كتاب «منتهى الأفكار في إبانة الأسرار» لأثير الدين الأبهري (ت. قبل 655هـ)، عند كلامه عن «صفة الآفاق» والكلام في هذه المسألة على نحوين: الأول: الكلام عن صفة آفاق خط الاستواء، وهي التي يقال لها: آفاق الفلك المستقيم، وهي المواضع المسامتة لمعدل النهار. الثاني: الكلام عن صفة الآفاق المائلة، حيث يميل فيها معدل النهار عن سمت الرأس. وقد وقف المحقق عند قول الأبهري وفق المخطوط: «وآفاق خط الاستواء عن المواضع المسامتة لمعدل النهار...»، فلم يستسغ استخدام «عن» هنا، فشرع في ترميم ما استشكل لديه بضربٍ من التخمين المبني على الوهم، ولأنه يفتقر إلى فهم المسألة أصلًا، مع عدم مراعاته لقواعد التحقيق الصارمة، عمد إلى إقحام كلمة «المائلة» في صلب المتن! فقلب المعنى رأسًا على عقب، وألحق التناقض بكلام الأبهري؛ إذ وصف آفاق خط الاستواء (التي هي عنوان الاستقامة) بالميل! ليصير النص: «وآفاق خط الاستواء [المائلة] عن المواضع المسامتة لمعدل النهار!!!». هذا الصنيع لا يخرق قواعد التحقيق فحسب، بل ينسف أصول علم الهيئة نسفًا؛ فكيف يوصف الاستواء بالميل؟! والآفاق المستقيمة قسيمةٌ للمائلة لا قسيمةٌ فيها! لقد أوقع المحققُ الأبهريَّ في تناقضٍ هندسي لا يمكن لعالمٍ بوزنه أن يقع فيه بله طالب مبتدئ؛ إذ جعل العبارة تحمل الصفة ونقيضها في سطر واحد، والأنكى من ذلك، أنَّ المصنف عاد في ذات الصفحة بعد خمسة أسطر ليتحدث عن «الآفاق المائلة» بأحكامها الحقيقية، فصار النصُّ في هذه الطبعة مضطربًا، يُثبت للمائلة حكم المستقيمة أولًا، ثم ينفيه عنها آخِرًا! وكان الواجب على المحقق أن يثبت العبارة كما وردت، ويعلق في الهامش موضحاً أنَّ «عن» في المخطوط قد تكون تصحيفًا عن كلمة «وهي» أو «في»، ليستقيم المعنى دون هدمِ الأصول، فيكتب في الهامش: (كذا في الأصل، ولعله خطأ من الناسخ، صوابه: «وهي» أو «في» فتكون العبارة هكذا: «وآفاق خط الاستواء -وهي المواضع المسامتة لمعدل النهار- تمر كلها على قطبي العالم»، أو هكذا: «وآفاق خط الاستواء في المواضع المسامتة لمعدل النهار تمر...»). كما أنَّ قوله بعد ذلك: «وتقطع [لا كما كتبها: ويقطع] معدل النهار والدوائر الموازية له من القطب إلى القطب بقسمين متساويين» هو البرهان الساطع على أنَّ الحديث عن الاستواء لا الميل؛ فهذا القَطْعُ الشاملُ لآفاق السماء من القطب إلى القطب هو خاصيةٌ لخط الاستواء، لا يشاركها فيها أفقٌ مائلٌ قط. هذا لا شك دال على جهل المحقق بالعلم الذي تصدر للتحقيق فيه، مع عدم المبالاة بقواعد التحقيق الصارمة التي تمنع التصرف في النصوص إلا في أضيق الحدود، ولو أن المحقق استحضر هذا أثناء عمله لكان ذلك دافعًا له لبذل غاية الجهد ولرجع إلى كتب الفن لفهم ما يحقق مما أشكل عليه، لكن شيئًا من ذلك لم يكن. ولم يقف الحدُّ عند هذا، فبعد عدة صفحات، وجدنا المحقق يكرر ذات الفضول الإقحامي، فيتصرف في النص وفق الوهم والتشهي؛ ففي قول الأبهري بحسب المخطوط: «الكواكب الخمسة قد يعرض لها أن تترك صوب جهة المشرق...»، فلم تعجبه عبارة «تترك صوب»، فأقحم فيها كلمة «حركتها» دون مسوّغ لغوي أو فني، والمعنى: «قد يعرض أن تترك الكواكب الخمسة الاتجاه جهة المشرق...»، ولو أنه تمرس أسلوب الأبهري واستقرأ كتبه لعلم أن هذا أسلوب مستخدم له في الكتب الحكمية والهيئيِّة، وأنه لا حاجة لتلك الزيادة والتي فيها تصرف غير مبرر في النص. وختام الفواجع ما وقع في نفس الصفحة من سوء القراءة؛ فبينما يتحدث الأبهري عن الفلك الذي يُحرك أوج وحضيض عطارد، وهو المسمى بـ «الفلك المدير»، قرأه المحقق: «الفلك المنير» ولا أدر هل هذا من الأخطاء الإملائية أم أنه في إطار ما مر دالٌ على الضعف العلمي في علم الهيئة أكثر من مجرد خطأ عابر، وعلى كل فإن من كان متيقظًا يهمه تطبيق قواعد التحقيق الصارمة، ملتفتًا ومراعيًا لتقاليد المخطوطة التي يعمل عليها، مستحضرًا العلم الذي يحقق فيه، مع أسلوب المؤلف، يندر وقوع مثل تلك الأخطاء منه.

👆👆👆👆👆 ذكرتُ سابقًا أنَّ قِوامَ صنعة التحقيق يقوم على يقظة المحقق وفطنته، وضرورة أن يكون متقنًا للفن الذي يحقق فيه؛ حتى يستطيع ابتداءً أن يقرأ النص قراءة صحيحة لا تعسف فيها ولا اعتساف، فضلاً عن أن يقع في الأوهام الفاضحة، كما أوضحتُ أيضًا أنَّ من أبشع صور الجناية على المخطوط أن يتصرف المحقق في النص دون حاجة، فكيف إذا اجتمع الأمران معًا، فكان التصرفُ في النص نابعًا من الجهل بالعلم المُحقَّق فيه؟! وهنا أضع بين يدي القارئ أنموذجًا فجًّا لاجتماع هذين الخطأين المنهجيين، وذلك في تحقيق كتاب «منتهى الأفكار في إبانة الأسرار» لأثير الدين الأبهري (ت. قبل 655هـ)، عند كلامه عن «صفة الآفاق» والكلام في هذه المسألة على نحوين: الأول: الكلام عن صفة آفاق خط الاستواء، وهي التي يقال لها: آفاق الفلك المستقيم، وهي المواضع المسامتة لمعدل النهار. الثاني: الكلام عن صفة الآفاق المائلة، حيث يميل فيها معدل النهار عن سمت الرأس. وقد وقف المحقق عند قول الأبهري وفق المخطوط: «وآفاق خط الاستواء عن المواضع المسامتة لمعدل النهار...»، فلم يستسغ استخدام «عن» هنا، فشرع في ترميم ما استشكل لديه بضربٍ من التخمين المبني على الوهم، ولأنه يفتقر إلى فهم المسألة أصلًا، مع عدم مراعاته لقواعد التحقيق الصارمة، عمد إلى إقحام كلمة «المائلة» في صلب المتن! فقلب المعنى رأسًا على عقب، وألحق التناقض بكلام الأبهري؛ إذ وصف آفاق خط الاستواء (التي هي عنوان الاستقامة) بالميل! ليصير النص: «وآفاق خط الاستواء [المائلة] عن المواضع المسامتة لمعدل النهار!!!». هذا الصنيع لا يخرق قواعد التحقيق فحسب، بل ينسف أصول علم الهيئة نسفًا؛ فكيف يوصف الاستواء بالميل؟! والآفاق المستقيمة قسيمةٌ للمائلة لا قسيمةٌ فيها! لقد أوقع المحققُ الأبهريَّ في تناقضٍ هندسي لا يمكن لعالمٍ بوزنه أن يقع فيه بله طالب مبتدئ؛ إذ جعل العبارة تحمل الصفة ونقيضها في سطر واحد، والأنكى من ذلك، أنَّ المصنف عاد في ذات الصفحة بعد خمسة أسطر ليتحدث عن «الآفاق المائلة» بأحكامها الحقيقية، فصار النصُّ في هذه الطبعة مضطربًا، يُثبت للمائلة حكم المستقيمة أولًا، ثم ينفيه عنها آخِرًا! وكان الواجب على المحقق أن يثبت العبارة كما وردت، ويعلق في الهامش موضحاً أنَّ «عن» في المخطوط قد تكون تصحيفًا عن كلمة «وهي» أو «في»، ليستقيم المعنى دون هدمِ الأصول، فيكتب في الهامش: (كذا في الأصل، ولعله خطأ من الناسخ، صوابه: «وهي» أو «في» فتكون العبارة هكذا: «وآفاق خط الاستواء -وهي المواضع المسامتة لمعدل النهار- تمر كلها على قطبي العالم»، أو هكذا: «وآفاق خط الاستواء في المواضع المسامتة لمعدل النهار تمر...»). كما أنَّ قوله بعد ذلك: «وتقطع [لا كما كتبها: ويقطع] معدل النهار والدوائر الموازية له من القطب إلى القطب بقسمين متساويين» هو البرهان الساطع على أنَّ الحديث عن الاستواء لا الميل؛ فهذا القَطْعُ الشاملُ لآفاق السماء من القطب إلى القطب هو خاصيةٌ لخط الاستواء، لا يشاركها فيها أفقٌ مائلٌ قط. هذا لا شك دال على جهل المحقق بالعلم الذي تصدر للتحقيق فيه، مع عدم المبالاة بقواعد التحقيق الصارمة التي تمنع التصرف في النصوص إلا في أضيق الحدود، ولو أن المحقق استحضر هذا أثناء عمله لكان ذلك دافعًا له لبذل غاية الجهد ولرجع إلى كتب الفن لفهم ما يحقق مما أشكل عليه، لكن شيئًا من ذلك لم يكن. ولم يقف الحدُّ عند هذا، فبعد عدة صفحات، وجدنا المحقق يكرر ذات الفضول الإقحامي، فيتصرف في النص وفق الوهم والتشهي؛ ففي قول الأبهري بحسب المخطوط: «الكواكب الخمسة قد يعرض لها أن تترك صوب جهة المشرق...»، فلم تعجبه عبارة «تترك صوب»، فأقحم فيها كلمة «حركتها» دون مسوّغ لغوي أو فني، والمعنى: «قد يعرض أن تترك الكواكب الخمسة الاتجاه جهة المشرق...»، ولو أنه تمرس أسلوب الأبهري واستقرأ كتبه لعلم أن هذا أسلوب مستخدم له في الكتب الحكمية والهيئيِّة، وأنه لا حاجة لتلك الزيادة والتي فيها تصرف غير مبرر في النص. وختام الفواجع ما وقع في نفس الصفحة من سوء القراءة؛ فبينما يتحدث الأبهري عن الفلك الذي يُحرك أوج وحضيض عطارد، وهو المسمى بـ «الفلك المدير»، قرأه المحقق: «الفلك المنير» ولا أدر هل هذا من الأخطاء الإملائية أم أنه في إطار ما مر دالٌ على الضعف العلمي في علم الهيئة أكثر من مجرد خطأ عابر، وعلى كل فإن من كان متيقظًا يهمه تطبيق قواعد التحقيق الصارمة، ملتفتًا ومراعيًا لتقاليد المخطوطة التي يعمل عليها، مستحضرًا العلم الذي يحقق فيه، مع أسلوب المؤلف، يندر وقوع مثل تلك الأخطاء منه.

👇👇👇👇👇👇
+1
👇👇👇👇👇👇

هذا خط عماد الدين يحيى بن أحمد الكاشي (ت. 745هـ) في نسخة من شرحه المسمى «إيضاح المقاصد لفرائد الفوائد» وهو شرح لكتاب: «الفوائ
هذا خط عماد الدين يحيى بن أحمد الكاشي (ت. 745هـ) في نسخة من شرحه المسمى «إيضاح المقاصد لفرائد الفوائد» وهو شرح لكتاب: «الفوائد البهائية» في علم الحساب والمساحة، للعلامة عماد الدين أبي علي عبد الله بن محمد الحربوي، المعروف بابن الخوام البغدادي (ت. 724هـ)

إلى إخوان الصفا وخلان الوفا، أرباب النفوس القدسية والهياكل النورانية؛ كل عام وأنتم في بهجة لا يدنسها نقص المادة، وتنزهٍ عن حُجبِ الغواسق الكَدِرة، وانفكاكٍ عن أسرِ النفس في عقالِ الهيولى؛ لتبقى جواهرُكم مرايا لاهوتية تتراءى فيها صورُ الحقائقِ الإلهية. كل عام وأنتم في سلامة وعافية من بوارق الوهم، مستورين برداء السكينة والقدس، محفوظين بلطائف المدد الذي يفيض من عقل العقول. جعل الأول عيدكم تجليا لبوارق الأنوار اللاهوتية على بواطنكم، ومَحوًا لظلمات الغربة الغربية عن بصائركم، أضحى أضحاكم مباركًا على من أبصر منكم فتبصر، وأخلص فتخلص، وخلع ربقة التقليد ولبس حلة التجريد.

يقول جمال الدين الحموي (ت. 697هـ) تعليقًا على حادثة حصلت بين الملك الكامل ناصر الدين محمد (ت. 635هـ) وبين الإمام أفضل الدين الخونجي (ت. 646هـ) وقد سأله الملك عن مسألتين في الطب، فأجب عن الأول موافقًا للشيخ الرئيس، وقد خطأه فيه سائر الأطباء في زمانه، وفي الثاني أجاب جوابًا خاطئًا، وقد دخل حينها رشيد الدين أبو حُلَيقة الطبيب (ت. 660هـ)، فسأله الكامل فأجاب بالجواب الصحيح، فقال الملك الكامل متهكمًا بأفضل الدين: «فقل لمولاى الذى قال كذا وكذا !»، فعلق الحموي قائلًا: «وليس هذا إنصافًا من الملك الكامل، فإنه ليس الغلط في مسئلة أو مسائل قليلة مما يقضى بعدم الفضيلة، فإنه ليس يمكن الإحاطة بجميع المسائل».

👆👆👆👆👆 أنموذج آخر عن أهمية حضور «كلية العمل» في ذهن المحقق ذكرتُ في منشور سابق أن قِوامَ صنعة التحقيق يقوم على يقظة المحقق وفطنته؛ فلا يغيب عنه سابق الكلام عند الانشغال بلاحقه، بل يجب أن تكون جزئيات العمل شاخصة في ذهنه مترابطةً في نظره، وهذا هو الذي يمكِّنه من إدراك مشكلات النص، وعمل الإحالات بدقة، ومعالجة ما قد يقع للمؤلف أو النُّساخ من اضطراب أو سقط. وهذا أنموذج آخر لنفس محقق كتاب «تنزيل الأفكار» للأبهري، وهذه المرة في تحقيقه لكتاب «مراصد المقاصد» (الطبعة التركية)؛ ففي أثناء مطالعتي لقسم الطبيعيات لفت نظري تناقض فج وقع في البحث التاسع من الفصل الأول في الآثار العلوية والسفلية من المرصد الثالث؛ حيث يتحدث الأبهري في هذا البحث عن المواضع الأكثر اعتدالاً من حيث الحرارة والبرودة، فيقرر أنَّ خط الاستواء هو الأكثر اعتدالاً من بين المواضع، ثم يذكر أنَّ المواضع التي (عرضُها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم) يشتد فيها الحرُّ صيفًا، قال الأبهري في «مراصد المقاصد»: (2/542): «والمواضع التي عرضها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم فيشتد الحر فيها في الصيف». ثم تلا ذلك بالحديث عن مواضع أخرى يصفها بأنها قريبة من الاعتدال؛ ومنها -على ما أثبته المحقق- المواضع التي (عرضها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم)، قال الأبهري -بحسب المحقق- في «مراصد المقاصد»: (2/ 542): «وتكون المواضع التي عرضها مثل الميل الأعظم ومثل نصفه تكون قريبة من الاعتدال». ولا يخفى ما في هذا من التناقض الظاهر؛ فكيف تكون المواضع (التي عرضها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم) شديدة الحرارة صيفًا وفي الوقت نفسه قريبة من الاعتدال؟! هذا خلفٌ!، وصواب العبارة -كما سيظهر لك- أن تكون هكذا: «وتكون المواضع التي عرضها مثل [[ضِعْف]] الميل الأعظم ومثل نصفه تكون قريبة من الاعتدال» بزيادة لفظة: «ضِعْف». والمؤسف هنا أنَّ المحقق لما وجد النُّسخ متفقةً على هذا الخطأ، مرَّ عليها مرور الكرام، فلم ينبس ببنت شفة، وكأن اتفاق النسخ يعفي المحقق من التعقيب والتعليق والتنبيه على الخطأ في الهامش على أقل تقدير، نعم جميع النسخ متفقة على هذا الخطأ، لكن كان يجب على المحقق أن يتساءل: هل هذه النسخ مستقلة فعلًا، أم أنها بمثابة نسخة واحدة نقلت عنها باقي النسخ، ومن ثَمَّ أتى هذا الاتفاق على الخطأ؟! وهذا لا يظهر إلا إذا اهتم المحقق ابتداءً بعمل شجرة لعائلة النُّسخ المعتمدة في التحقيق، ومع قطع النظر عن هذا؛ فلو فرضنا جدلًا أنها نسخ مختلفة لا علاقة بينها في شجرة عائلة النسخ، وأنها جميعًا متفقة على الخطأ فإن هذا لا يعفي المحقق من وجوب التعقيب والتنبيه على الخطأ في الهامش على أقل تقدير، فإنه لو كان يقظًا يهمه فهم ما يقرأ ويحقق لانتبه لهذا الخطأ والتناقض، ولنبَّه عليه في الهامش مبيِّنًا الصواب، لكنه لم يفعل. على أن الأبهري قد نصَّ بعدُ على العبارة صحيحة، وذلك في آخر البحث الثالث من الفصل الثاني في المزاج عند الكلام على أن الإنسان أقرب الأنواع من الاعتدال الحقيقي، وأن أقرب أنواع الإنسان اعتدالًا هم سكان خط الاستواء ثم سكان (الموضع الذي عرضه مثل ضِعْف غاية الميل ومثل نصفه!)؛ فزاد كلمة: «ضعف» التي نبهنا عليها آنفًا؛ قال الأبهري في «مراصد المقاصد»: (2/ 547): «وأعدل أصناف الإنسان سكان خط الاستواء، وبعدهم سكان الموضع الذي عرضه مثل ضعف غاية الميل ومثل نصفه على ما مر من قبلُ». فهذه العبارة قاطعة في تصحيح ما وقع من خطأ وتناقض في الكلام أولًا، ولو أضربنا صفحًا عن هذا وفرضنا أن المحقق كان في غفلة عند موضع الخطأ والتناقض أولًا فلم ينتبه لما وقع من تناقض، لم نجد له مع ذلك عذرًا؛ فإن الأبهري في الموضع الثاني كأنه طلب من المحقق الإحالة صراحةً بقوله: «على ما مر من قبل»، فلو اهتم المحقق بعمل الإحالة، وبحث عن الموضع السابق الذي يشير إليه الأبهري، لكان ربما أدرك هذا الخطأ ووقف على التناقض فصححه ونبه عليه، إنَّ غفلته عن الموضع الأول، وعجزه عن الربط بين الموضعين آخرًا، يُثبت أنَّ التحقيق اليوم صار عند البعض أقرب إلى نساخة الوراقين قديمًا؛ همُّهم جمع الأموال وتحصيل السمعة سريعًا برصِّ الكلمات ليكتب تحقيق فلان واعتناء علان، وإن خلا العمل من فقهٍ للمعاني أو فحصٍ للمباني!

👆👆👆👆👆 أنموذج آخر عن أهمية حضور «كلية العمل» في ذهن المحقق ذكرتُ في منشور سابق أن قِوامَ صنعة التحقيق يقوم على يقظة المحقق وفطنته؛ فلا يغيب عنه سابق الكلام عند الانشغال بلاحقه، بل يجب أن تكون جزئيات العمل شاخصة في ذهنه مترابطةً في نظره، وهذا هو الذي يمكِّنه من إدراك مشكلات النص، وعمل الإحالات بدقة، ومعالجة ما قد يقع للمؤلف أو النُّساخ من اضطراب أو سقط. وهذا أنموذج آخر لنفس محقق كتاب «تنزيل الأفكار» للأبهري، وهذه المرة في تحقيقه لكتاب «مراصد المقاصد» (الطبعة التركية)؛ ففي أثناء مطالعتي لقسم الطبيعيات لفت نظري تناقض فج وقع في البحث التاسع من الفصل الأول في الآثار العلوية والسفلية من المرصد الثالث؛ حيث يتحدث الأبهري في هذا البحث عن المواضع الأكثر اعتدالاً من حيث الحرارة والبرودة، فيقرر أنَّ خط الاستواء هو الأكثر اعتدالاً من بين المواضع، ثم يذكر أنَّ المواضع التي (عرضُها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم) يشتد فيها الحرُّ صيفًا، قال الأبهري في «مراصد المقاصد»: (2/542): «والمواضع التي عرضها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم فيشتد الحر فيها في الصيف». ثم تلا ذلك بالحديث عن مواضع أخرى يصفها بأنها قريبة من الاعتدال؛ ومنها -على ما أثبته المحقق- المواضع التي (عرضها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم)، قال الأبهري -بحسب المحقق- في «مراصد المقاصد»: (2/ 542): «وتكون المواضع التي عرضها مثل الميل الأعظم ومثل نصفه تكون قريبة من الاعتدال». ولا يخفى ما في هذا من التناقض الظاهر؛ فكيف تكون المواضع (التي عرضها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم) شديدة الحرارة صيفًا وفي الوقت نفسه قريبة من الاعتدال؟! هذا خلفٌ!، وصواب العبارة -كما سيظهر لك- أن تكون هكذا: «وتكون المواضع التي عرضها مثل [[ضِعْف]] الميل الأعظم ومثل نصفه تكون قريبة من الاعتدال» بزيادة لفظة: «ضِعْف». والمؤسف هنا أنَّ المحقق لما وجد النُّسخ متفقةً على هذا الخطأ، مرَّ عليها مرور الكرام، فلم ينبس ببنت شفة، وكأن اتفاق النسخ يعفي المحقق من التعقيب والتعليق والتنبيه على الخطأ في الهامش على أقل تقدير، نعم جميع النسخ متفقة على هذا الخطأ، لكن كان يجب على المحقق أن يتساءل: هل هذه النسخ مستقلة فعلًا، أم أنها بمثابة نسخة واحدة نقلت عنها باقي النسخ، ومن ثَمَّ أتى هذا الاتفاق على الخطأ؟! وهذا لا يظهر إلا إذا اهتم المحقق ابتداءً بعمل شجرة لعائلة النُّسخ المعتمدة في التحقيق، ومع قطع النظر عن هذا؛ فلو فرضنا جدلًا أنها نسخ مختلفة لا علاقة بينها في شجرة عائلة النسخ، وأنها جميعًا متفقة على الخطأ فإن هذا لا يعفي المحقق من وجوب التعقيب والتنبيه على الخطأ في الهامش على أقل تقدير، فإنه لو كان يقظًا يهمه فهم ما يقرأ ويحقق لانتبه لهذا الخطأ والتناقض، ولنبَّه عليه في الهامش مبيِّنًا الصواب، لكنه لم يفعل. على أن الأبهري قد نصَّ بعدُ على العبارة صحيحة، وذلك في آخر البحث الثالث من الفصل الثاني في المزاج عند الكلام على أن الإنسان أقرب الأنواع من الاعتدال الحقيقي، وأن أقرب أنواع الإنسان اعتدالًا هم سكان خط الاستواء ثم سكان (الموضع الذي عرضه مثل ضِعْف غاية الميل ومثل نصفه!)؛ فزاد كلمة: «ضعف» التي نبهنا عليها آنفًا؛ قال الأبهري في «مراصد المقاصد»: (2/ 547): «وأعدل أصناف الإنسان سكان خط الاستواء، وبعدهم سكان الموضع الذي عرضه مثل ضعف غاية الميل ومثل نصفه على ما مر من قبلُ». فهذه العبارة قاطعة في تصحيح ما وقع من خطأ وتناقض في الكلام أولًا، ولو أضربنا صفحًا عن هذا وفرضنا أن المحقق كان في غفلة عند موضع الخطأ والتناقض أولًا فلم ينتبه لما وقع من تناقض، لم نجد له مع ذلك عذرًا؛ فإن الأبهري في الموضع الثاني كأنه طلب من المحقق الإحالة صراحةً بقوله: «على ما مر من قبل»، فلو اهتم المحقق بعمل الإحالة، وبحث عن الموضع السابق الذي يشير إليه الأبهري، لكان ربما أدرك هذا الخطأ ووقف على التناقض فصححه ونبه عليه، إنَّ غفلته عن الموضع الأول، وعجزه عن الربط بين الموضعين آخرًا، يُثبت أنَّ التحقيق اليوم صار عند البعض أقرب إلى نساخة الوراقين قديمًا؛ همُّهم جمع الأموال وتحصيل السمعة سريعًا برصِّ الكلمات ليكتب تحقيق فلان واعتناء علان، وإن خلا العمل من فقهٍ للمعاني أو فحصٍ للمباني!

👇👇👇👇👇
+1
👇👇👇👇👇

👆👆👆👆 إنَّ قِوامَ صنعة التحقيق يقوم على يقظة المحقق وفطنته؛ فلا يغيبُ عنه سابقُ الكلام عند الانشغال بلاحقه، بل يجب أن تكون جزيئاتُ العمل شاخصةً في ذهنه مترابطةً في نظره، وهذا الترابط هو الذي يُمكِّنه من إدراك مشكلات النص، وعمل الإحالات بدقة، ومعالجة ما قد يقع للمؤلف من اضطراب أو سقط. وبالنظر في الطبعة التركية لكتاب «تنزيل الأفكار» لأثير الدين الأبهري، نجد نموذجًا يوضح غياب هذه اليقظة المنهجية؛ حيث مرَّ المحقق مرور الكرام على قول المصنف: «وهذا كله مبني على وجود المحدد للجهات، وهو ممنوع على ما تقدم»، فقد وقف المحقق أمام هذه العبارة موقف الساكت، فلم ينبس ببنت شفة، لا بإحالة توضح الموضع المنع هذا، ولا بتعليق يستشكل التناقض، وكأن النص لا يحمل أيَّ إشكالية علمية! وقد استوقفني هذا الموضع لما فيه من غرابة بالغة أثناء عملي على رسالتي عند الكلام عن أحكام محدد الجهات؛ إذ كيف يصف الأبهري محدد الجهات بمنع الوجود، وهو الذي قرر إثباته قبل ذلك بصفحات عند الكلام عن الجهة، فقد نصَّ الأبهري في (اللامع الخامس من المقالة الأولى من العلم الطبيعي على قوله: «وكيفما كان، فلا بد من وجود جسم كري محدد للجهات». وهنا نجد أنفسنا أمام تناقضٍ صارخٍ في صلب المتن؛ فبينما يثبت الأبهري المحدد في موضع، يعود ليدعي أنه قد سبق نفيه في موضع آخر من ذات الكتاب. إن هذا جعلني أتشكك في النسخ المخطوط، وبالرجوع إلى النسخ المخطوطة التي اعتمدها المحقق والتي لم يعتمدها، وجدتها قد اتفقت على هذه العبارة المشكلة، إلا ما تفرَّدت به نسخة: مكتبة رئيس الكُتَّاب بتركيا من سقوط العبارة منها، وبذلك يبقى هذا إشكالًا في النص ينبغي على المحقق أن يوجه أو يوجد له من الاحتمالات ما تنحل به هذه الإشكالية، أو على أضعف الإيمان أن ينبه على وجود خلل ههنا. إنَّ غفلة المحقق عن هذا الموضع، وعدم تنبيهه على هذا التناقض بين الموضعين، يُعدُّ قصورًا ظاهرًا في صنعة التحقيق؛ فالمحقق ليس مجرد ناقلٍ للحروف، بل هو حارسٌ للنص ومبينٌ لمقاصده، والإعراض عن مثل هذه المعضلات العلمية يُفقد التحقيق قيمته النقدية. وبالجملة، فلعله سهوٌ من النُّساخ أو من الأبهري نفسه؛ ولعلَّ مقصده أنَّ هذه الأدلة مبنيةٌ على المشهور من الربط بين الحركة والميل، فإنَّ ما لا ميل فيه لا يقبل الحركة، وأنه قد سبق أن رفع هذا التلازم المشهور بينهما وأبطله.

👇👇👇👇
👇👇👇👇