uk
Feedback
صهيب حسن الشافعي الأشعري

صهيب حسن الشافعي الأشعري

Відкрити в Telegram
9 179
Підписники
+324 години
+47 днів
-830 день
Архів дописів
كان شمس الدين الأصفهاني (ت. 688هـ) إذا أراد الطالب أن يقرأ عليه الفلسفة ينهاه، ويقول: لا حتى تمتزج بالشرعيات امتزاجًا حقيقيًّا جيدًا. تاج الدين السبكي

الإمام المحقق معيد آي الحكمة الإلهية صاحب التلاويح العرشية تغمده الله بغفرانه. أثير الدين الأبهري واصفًا شيخ الإشراق السهروردي

👆👆👆👆👆 ذكرتُ سابقًا أنَّ قِوامَ صنعة التحقيق يقوم على يقظة المحقق وفطنته، وضرورة أن يكون متقنًا للفن الذي يحقق فيه؛ حتى يستطيع ابتداءً أن يقرأ النص قراءة صحيحة لا تعسف فيها ولا اعتساف، فضلاً عن أن يقع في الأوهام الفاضحة، كما أوضحتُ أيضًا أنَّ من أبشع صور الجناية على المخطوط أن يتصرف المحقق في النص دون حاجة، فكيف إذا اجتمع الأمران معًا، فكان التصرفُ في النص نابعًا من الجهل بالعلم المُحقَّق فيه؟! وهنا أضع بين يدي القارئ أنموذجًا فجًّا لاجتماع هذين الخطأين المنهجيين، وذلك في تحقيق كتاب «منتهى الأفكار في إبانة الأسرار» لأثير الدين الأبهري (ت. قبل 655هـ)، عند كلامه عن «صفة الآفاق» والكلام في هذه المسألة على نحوين: الأول: الكلام عن صفة آفاق خط الاستواء، وهي التي يقال لها: آفاق الفلك المستقيم، وهي المواضع المسامتة لمعدل النهار. الثاني: الكلام عن صفة الآفاق المائلة، حيث يميل فيها معدل النهار عن سمت الرأس. وقد وقف المحقق عند قول الأبهري وفق المخطوط: «وآفاق خط الاستواء عن المواضع المسامتة لمعدل النهار...»، فلم يستسغ استخدام «عن» هنا، فشرع في ترميم ما استشكل لديه بضربٍ من التخمين المبني على الوهم، ولأنه يفتقر إلى فهم المسألة أصلًا، مع عدم مراعاته لقواعد التحقيق الصارمة، عمد إلى إقحام كلمة «المائلة» في صلب المتن! فقلب المعنى رأسًا على عقب، وألحق التناقض بكلام الأبهري؛ إذ وصف آفاق خط الاستواء (التي هي عنوان الاستقامة) بالميل! ليصير النص: «وآفاق خط الاستواء [المائلة] عن المواضع المسامتة لمعدل النهار!!!». هذا الصنيع لا يخرق قواعد التحقيق فحسب، بل ينسف أصول علم الهيئة نسفًا؛ فكيف يوصف الاستواء بالميل؟! والآفاق المستقيمة قسيمةٌ للمائلة لا قسيمةٌ فيها! لقد أوقع المحققُ الأبهريَّ في تناقضٍ هندسي لا يمكن لعالمٍ بوزنه أن يقع فيه بله طالب مبتدئ؛ إذ جعل العبارة تحمل الصفة ونقيضها في سطر واحد، والأنكى من ذلك، أنَّ المصنف عاد في ذات الصفحة بعد خمسة أسطر ليتحدث عن «الآفاق المائلة» بأحكامها الحقيقية، فصار النصُّ في هذه الطبعة مضطربًا، يُثبت للمائلة حكم المستقيمة أولًا، ثم ينفيه عنها آخِرًا! وكان الواجب على المحقق أن يثبت العبارة كما وردت، ويعلق في الهامش موضحاً أنَّ «عن» في المخطوط قد تكون تصحيفًا عن كلمة «وهي» أو «في»، ليستقيم المعنى دون هدمِ الأصول، فيكتب في الهامش: (كذا في الأصل، ولعله خطأ من الناسخ، صوابه: «وهي» أو «في» فتكون العبارة هكذا: «وآفاق خط الاستواء -وهي المواضع المسامتة لمعدل النهار- تمر كلها على قطبي العالم»، أو هكذا: «وآفاق خط الاستواء في المواضع المسامتة لمعدل النهار تمر...»). كما أنَّ قوله بعد ذلك: «وتقطع [لا كما كتبها: ويقطع] معدل النهار والدوائر الموازية له من القطب إلى القطب بقسمين متساويين» هو البرهان الساطع على أنَّ الحديث عن الاستواء لا الميل؛ فهذا القَطْعُ الشاملُ لآفاق السماء من القطب إلى القطب هو خاصيةٌ لخط الاستواء، لا يشاركها فيها أفقٌ مائلٌ قط. هذا لا شك دال على جهل المحقق بالعلم الذي تصدر للتحقيق فيه، مع عدم المبالاة بقواعد التحقيق الصارمة التي تمنع التصرف في النصوص إلا في أضيق الحدود، ولو أن المحقق استحضر هذا أثناء عمله لكان ذلك دافعًا له لبذل غاية الجهد ولرجع إلى كتب الفن لفهم ما يحقق مما أشكل عليه، لكن شيئًا من ذلك لم يكن. ولم يقف الحدُّ عند هذا، فبعد عدة صفحات، وجدنا المحقق يكرر ذات الفضول الإقحامي، فيتصرف في النص وفق الوهم والتشهي؛ ففي قول الأبهري بحسب المخطوط: «الكواكب الخمسة قد يعرض لها أن تترك صوب جهة المشرق...»، فلم تعجبه عبارة «تترك صوب»، فأقحم فيها كلمة «حركتها» دون مسوّغ لغوي أو فني، والمعنى: «قد يعرض أن تترك الكواكب الخمسة الاتجاه جهة المشرق...»، ولو أنه تمرس أسلوب الأبهري واستقرأ كتبه لعلم أن هذا أسلوب مستخدم له في الكتب الحكمية والهيئيِّة، وأنه لا حاجة لتلك الزيادة والتي فيها تصرف غير مبرر في النص. وختام الفواجع ما وقع في نفس الصفحة من سوء القراءة؛ فبينما يتحدث الأبهري عن الفلك الذي يُحرك أوج وحضيض عطارد، وهو المسمى بـ «الفلك المدير»، قرأه المحقق: «الفلك المنير» ولا أدر هل هذا من الأخطاء الإملائية أم أنه في إطار ما مر دالٌ على الضعف العلمي في علم الهيئة أكثر من مجرد خطأ عابر، وعلى كل فإن من كان متيقظًا يهمه تطبيق قواعد التحقيق الصارمة، ملتفتًا ومراعيًا لتقاليد المخطوطة التي يعمل عليها، مستحضرًا العلم الذي يحقق فيه، مع أسلوب المؤلف، يندر وقوع مثل تلك الأخطاء منه.

👆👆👆👆👆 ذكرتُ سابقًا أنَّ قِوامَ صنعة التحقيق يقوم على يقظة المحقق وفطنته، وضرورة أن يكون متقنًا للفن الذي يحقق فيه؛ حتى يستطيع ابتداءً أن يقرأ النص قراءة صحيحة لا تعسف فيها ولا اعتساف، فضلاً عن أن يقع في الأوهام الفاضحة، كما أوضحتُ أيضًا أنَّ من أبشع صور الجناية على المخطوط أن يتصرف المحقق في النص دون حاجة، فكيف إذا اجتمع الأمران معًا، فكان التصرفُ في النص نابعًا من الجهل بالعلم المُحقَّق فيه؟! وهنا أضع بين يدي القارئ أنموذجًا فجًّا لاجتماع هذين الخطأين المنهجيين، وذلك في تحقيق كتاب «منتهى الأفكار في إبانة الأسرار» لأثير الدين الأبهري (ت. قبل 655هـ)، عند كلامه عن «صفة الآفاق» والكلام في هذه المسألة على نحوين: الأول: الكلام عن صفة آفاق خط الاستواء، وهي التي يقال لها: آفاق الفلك المستقيم، وهي المواضع المسامتة لمعدل النهار. الثاني: الكلام عن صفة الآفاق المائلة، حيث يميل فيها معدل النهار عن سمت الرأس. وقد وقف المحقق عند قول الأبهري وفق المخطوط: «وآفاق خط الاستواء عن المواضع المسامتة لمعدل النهار...»، فلم يستسغ استخدام «عن» هنا، فشرع في ترميم ما استشكل لديه بضربٍ من التخمين المبني على الوهم، ولأنه يفتقر إلى فهم المسألة أصلًا، مع عدم مراعاته لقواعد التحقيق الصارمة، عمد إلى إقحام كلمة «المائلة» في صلب المتن! فقلب المعنى رأسًا على عقب، وألحق التناقض بكلام الأبهري؛ إذ وصف آفاق خط الاستواء (التي هي عنوان الاستقامة) بالميل! ليصير النص: «وآفاق خط الاستواء [المائلة] عن المواضع المسامتة لمعدل النهار!!!». هذا الصنيع لا يخرق قواعد التحقيق فحسب، بل ينسف أصول علم الهيئة نسفًا؛ فكيف يوصف الاستواء بالميل؟! والآفاق المستقيمة قسيمةٌ للمائلة لا قسيمةٌ فيها! لقد أوقع المحققُ الأبهريَّ في تناقضٍ هندسي لا يمكن لعالمٍ بوزنه أن يقع فيه بله طالب مبتدئ؛ إذ جعل العبارة تحمل الصفة ونقيضها في سطر واحد، والأنكى من ذلك، أنَّ المصنف عاد في ذات الصفحة بعد خمسة أسطر ليتحدث عن «الآفاق المائلة» بأحكامها الحقيقية، فصار النصُّ في هذه الطبعة مضطربًا، يُثبت للمائلة حكم المستقيمة أولًا، ثم ينفيه عنها آخِرًا! وكان الواجب على المحقق أن يثبت العبارة كما وردت، ويعلق في الهامش موضحاً أنَّ «عن» في المخطوط قد تكون تصحيفًا عن كلمة «وهي» أو «في»، ليستقيم المعنى دون هدمِ الأصول، فيكتب في الهامش: (كذا في الأصل، ولعله خطأ من الناسخ، صوابه: «وهي» أو «في» فتكون العبارة هكذا: «وآفاق خط الاستواء -وهي المواضع المسامتة لمعدل النهار- تمر كلها على قطبي العالم»، أو هكذا: «وآفاق خط الاستواء في المواضع المسامتة لمعدل النهار تمر...»). كما أنَّ قوله بعد ذلك: «وتقطع [لا كما كتبها: ويقطع] معدل النهار والدوائر الموازية له من القطب إلى القطب بقسمين متساويين» هو البرهان الساطع على أنَّ الحديث عن الاستواء لا الميل؛ فهذا القَطْعُ الشاملُ لآفاق السماء من القطب إلى القطب هو خاصيةٌ لخط الاستواء، لا يشاركها فيها أفقٌ مائلٌ قط. هذا لا شك دال على جهل المحقق بالعلم الذي تصدر للتحقيق فيه، مع عدم المبالاة بقواعد التحقيق الصارمة التي تمنع التصرف في النصوص إلا في أضيق الحدود، ولو أن المحقق استحضر هذا أثناء عمله لكان ذلك دافعًا له لبذل غاية الجهد ولرجع إلى كتب الفن لفهم ما يحقق مما أشكل عليه، لكن شيئًا من ذلك لم يكن. ولم يقف الحدُّ عند هذا، فبعد عدة صفحات، وجدنا المحقق يكرر ذات الفضول الإقحامي، فيتصرف في النص وفق الوهم والتشهي؛ ففي قول الأبهري بحسب المخطوط: «الكواكب الخمسة قد يعرض لها أن تترك صوب جهة المشرق...»، فلم تعجبه عبارة «تترك صوب»، فأقحم فيها كلمة «حركتها» دون مسوّغ لغوي أو فني، والمعنى: «قد يعرض أن تترك الكواكب الخمسة الاتجاه جهة المشرق...»، ولو أنه تمرس أسلوب الأبهري واستقرأ كتبه لعلم أن هذا أسلوب مستخدم له في الكتب الحكمية والهيئيِّة، وأنه لا حاجة لتلك الزيادة والتي فيها تصرف غير مبرر في النص. وختام الفواجع ما وقع في نفس الصفحة من سوء القراءة؛ فبينما يتحدث الأبهري عن الفلك الذي يُحرك أوج وحضيض عطارد، وهو المسمى بـ «الفلك المدير»، قرأه المحقق: «الفلك المنير» ولا أدر هل هذا من الأخطاء الإملائية أم أنه في إطار ما مر دالٌ على الضعف العلمي في علم الهيئة أكثر من مجرد خطأ عابر، وعلى كل فإن من كان متيقظًا يهمه تطبيق قواعد التحقيق الصارمة، ملتفتًا ومراعيًا لتقاليد المخطوطة التي يعمل عليها، مستحضرًا العلم الذي يحقق فيه، مع أسلوب المؤلف، يندر وقوع مثل تلك الأخطاء منه.

👇👇👇👇👇👇
+1
👇👇👇👇👇👇

هذا خط عماد الدين يحيى بن أحمد الكاشي (ت. 745هـ) في نسخة من شرحه المسمى «إيضاح المقاصد لفرائد الفوائد» وهو شرح لكتاب: «الفوائ
هذا خط عماد الدين يحيى بن أحمد الكاشي (ت. 745هـ) في نسخة من شرحه المسمى «إيضاح المقاصد لفرائد الفوائد» وهو شرح لكتاب: «الفوائد البهائية» في علم الحساب والمساحة، للعلامة عماد الدين أبي علي عبد الله بن محمد الحربوي، المعروف بابن الخوام البغدادي (ت. 724هـ)

إلى إخوان الصفا وخلان الوفا، أرباب النفوس القدسية والهياكل النورانية؛ كل عام وأنتم في بهجة لا يدنسها نقص المادة، وتنزهٍ عن حُجبِ الغواسق الكَدِرة، وانفكاكٍ عن أسرِ النفس في عقالِ الهيولى؛ لتبقى جواهرُكم مرايا لاهوتية تتراءى فيها صورُ الحقائقِ الإلهية. كل عام وأنتم في سلامة وعافية من بوارق الوهم، مستورين برداء السكينة والقدس، محفوظين بلطائف المدد الذي يفيض من عقل العقول. جعل الأول عيدكم تجليا لبوارق الأنوار اللاهوتية على بواطنكم، ومَحوًا لظلمات الغربة الغربية عن بصائركم، أضحى أضحاكم مباركًا على من أبصر منكم فتبصر، وأخلص فتخلص، وخلع ربقة التقليد ولبس حلة التجريد.

يقول جمال الدين الحموي (ت. 697هـ) تعليقًا على حادثة حصلت بين الملك الكامل ناصر الدين محمد (ت. 635هـ) وبين الإمام أفضل الدين الخونجي (ت. 646هـ) وقد سأله الملك عن مسألتين في الطب، فأجب عن الأول موافقًا للشيخ الرئيس، وقد خطأه فيه سائر الأطباء في زمانه، وفي الثاني أجاب جوابًا خاطئًا، وقد دخل حينها رشيد الدين أبو حُلَيقة الطبيب (ت. 660هـ)، فسأله الكامل فأجاب بالجواب الصحيح، فقال الملك الكامل متهكمًا بأفضل الدين: «فقل لمولاى الذى قال كذا وكذا !»، فعلق الحموي قائلًا: «وليس هذا إنصافًا من الملك الكامل، فإنه ليس الغلط في مسئلة أو مسائل قليلة مما يقضى بعدم الفضيلة، فإنه ليس يمكن الإحاطة بجميع المسائل».

👆👆👆👆👆 أنموذج آخر عن أهمية حضور «كلية العمل» في ذهن المحقق ذكرتُ في منشور سابق أن قِوامَ صنعة التحقيق يقوم على يقظة المحقق وفطنته؛ فلا يغيب عنه سابق الكلام عند الانشغال بلاحقه، بل يجب أن تكون جزئيات العمل شاخصة في ذهنه مترابطةً في نظره، وهذا هو الذي يمكِّنه من إدراك مشكلات النص، وعمل الإحالات بدقة، ومعالجة ما قد يقع للمؤلف أو النُّساخ من اضطراب أو سقط. وهذا أنموذج آخر لنفس محقق كتاب «تنزيل الأفكار» للأبهري، وهذه المرة في تحقيقه لكتاب «مراصد المقاصد» (الطبعة التركية)؛ ففي أثناء مطالعتي لقسم الطبيعيات لفت نظري تناقض فج وقع في البحث التاسع من الفصل الأول في الآثار العلوية والسفلية من المرصد الثالث؛ حيث يتحدث الأبهري في هذا البحث عن المواضع الأكثر اعتدالاً من حيث الحرارة والبرودة، فيقرر أنَّ خط الاستواء هو الأكثر اعتدالاً من بين المواضع، ثم يذكر أنَّ المواضع التي (عرضُها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم) يشتد فيها الحرُّ صيفًا، قال الأبهري في «مراصد المقاصد»: (2/542): «والمواضع التي عرضها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم فيشتد الحر فيها في الصيف». ثم تلا ذلك بالحديث عن مواضع أخرى يصفها بأنها قريبة من الاعتدال؛ ومنها -على ما أثبته المحقق- المواضع التي (عرضها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم)، قال الأبهري -بحسب المحقق- في «مراصد المقاصد»: (2/ 542): «وتكون المواضع التي عرضها مثل الميل الأعظم ومثل نصفه تكون قريبة من الاعتدال». ولا يخفى ما في هذا من التناقض الظاهر؛ فكيف تكون المواضع (التي عرضها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم) شديدة الحرارة صيفًا وفي الوقت نفسه قريبة من الاعتدال؟! هذا خلفٌ!، وصواب العبارة -كما سيظهر لك- أن تكون هكذا: «وتكون المواضع التي عرضها مثل [[ضِعْف]] الميل الأعظم ومثل نصفه تكون قريبة من الاعتدال» بزيادة لفظة: «ضِعْف». والمؤسف هنا أنَّ المحقق لما وجد النُّسخ متفقةً على هذا الخطأ، مرَّ عليها مرور الكرام، فلم ينبس ببنت شفة، وكأن اتفاق النسخ يعفي المحقق من التعقيب والتعليق والتنبيه على الخطأ في الهامش على أقل تقدير، نعم جميع النسخ متفقة على هذا الخطأ، لكن كان يجب على المحقق أن يتساءل: هل هذه النسخ مستقلة فعلًا، أم أنها بمثابة نسخة واحدة نقلت عنها باقي النسخ، ومن ثَمَّ أتى هذا الاتفاق على الخطأ؟! وهذا لا يظهر إلا إذا اهتم المحقق ابتداءً بعمل شجرة لعائلة النُّسخ المعتمدة في التحقيق، ومع قطع النظر عن هذا؛ فلو فرضنا جدلًا أنها نسخ مختلفة لا علاقة بينها في شجرة عائلة النسخ، وأنها جميعًا متفقة على الخطأ فإن هذا لا يعفي المحقق من وجوب التعقيب والتنبيه على الخطأ في الهامش على أقل تقدير، فإنه لو كان يقظًا يهمه فهم ما يقرأ ويحقق لانتبه لهذا الخطأ والتناقض، ولنبَّه عليه في الهامش مبيِّنًا الصواب، لكنه لم يفعل. على أن الأبهري قد نصَّ بعدُ على العبارة صحيحة، وذلك في آخر البحث الثالث من الفصل الثاني في المزاج عند الكلام على أن الإنسان أقرب الأنواع من الاعتدال الحقيقي، وأن أقرب أنواع الإنسان اعتدالًا هم سكان خط الاستواء ثم سكان (الموضع الذي عرضه مثل ضِعْف غاية الميل ومثل نصفه!)؛ فزاد كلمة: «ضعف» التي نبهنا عليها آنفًا؛ قال الأبهري في «مراصد المقاصد»: (2/ 547): «وأعدل أصناف الإنسان سكان خط الاستواء، وبعدهم سكان الموضع الذي عرضه مثل ضعف غاية الميل ومثل نصفه على ما مر من قبلُ». فهذه العبارة قاطعة في تصحيح ما وقع من خطأ وتناقض في الكلام أولًا، ولو أضربنا صفحًا عن هذا وفرضنا أن المحقق كان في غفلة عند موضع الخطأ والتناقض أولًا فلم ينتبه لما وقع من تناقض، لم نجد له مع ذلك عذرًا؛ فإن الأبهري في الموضع الثاني كأنه طلب من المحقق الإحالة صراحةً بقوله: «على ما مر من قبل»، فلو اهتم المحقق بعمل الإحالة، وبحث عن الموضع السابق الذي يشير إليه الأبهري، لكان ربما أدرك هذا الخطأ ووقف على التناقض فصححه ونبه عليه، إنَّ غفلته عن الموضع الأول، وعجزه عن الربط بين الموضعين آخرًا، يُثبت أنَّ التحقيق اليوم صار عند البعض أقرب إلى نساخة الوراقين قديمًا؛ همُّهم جمع الأموال وتحصيل السمعة سريعًا برصِّ الكلمات ليكتب تحقيق فلان واعتناء علان، وإن خلا العمل من فقهٍ للمعاني أو فحصٍ للمباني!

👆👆👆👆👆 أنموذج آخر عن أهمية حضور «كلية العمل» في ذهن المحقق ذكرتُ في منشور سابق أن قِوامَ صنعة التحقيق يقوم على يقظة المحقق وفطنته؛ فلا يغيب عنه سابق الكلام عند الانشغال بلاحقه، بل يجب أن تكون جزئيات العمل شاخصة في ذهنه مترابطةً في نظره، وهذا هو الذي يمكِّنه من إدراك مشكلات النص، وعمل الإحالات بدقة، ومعالجة ما قد يقع للمؤلف أو النُّساخ من اضطراب أو سقط. وهذا أنموذج آخر لنفس محقق كتاب «تنزيل الأفكار» للأبهري، وهذه المرة في تحقيقه لكتاب «مراصد المقاصد» (الطبعة التركية)؛ ففي أثناء مطالعتي لقسم الطبيعيات لفت نظري تناقض فج وقع في البحث التاسع من الفصل الأول في الآثار العلوية والسفلية من المرصد الثالث؛ حيث يتحدث الأبهري في هذا البحث عن المواضع الأكثر اعتدالاً من حيث الحرارة والبرودة، فيقرر أنَّ خط الاستواء هو الأكثر اعتدالاً من بين المواضع، ثم يذكر أنَّ المواضع التي (عرضُها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم) يشتد فيها الحرُّ صيفًا، قال الأبهري في «مراصد المقاصد»: (2/542): «والمواضع التي عرضها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم فيشتد الحر فيها في الصيف». ثم تلا ذلك بالحديث عن مواضع أخرى يصفها بأنها قريبة من الاعتدال؛ ومنها -على ما أثبته المحقق- المواضع التي (عرضها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم)، قال الأبهري -بحسب المحقق- في «مراصد المقاصد»: (2/ 542): «وتكون المواضع التي عرضها مثل الميل الأعظم ومثل نصفه تكون قريبة من الاعتدال». ولا يخفى ما في هذا من التناقض الظاهر؛ فكيف تكون المواضع (التي عرضها من خط الاستواء مثل الميل الأعظم) شديدة الحرارة صيفًا وفي الوقت نفسه قريبة من الاعتدال؟! هذا خلفٌ!، وصواب العبارة -كما سيظهر لك- أن تكون هكذا: «وتكون المواضع التي عرضها مثل [[ضِعْف]] الميل الأعظم ومثل نصفه تكون قريبة من الاعتدال» بزيادة لفظة: «ضِعْف». والمؤسف هنا أنَّ المحقق لما وجد النُّسخ متفقةً على هذا الخطأ، مرَّ عليها مرور الكرام، فلم ينبس ببنت شفة، وكأن اتفاق النسخ يعفي المحقق من التعقيب والتعليق والتنبيه على الخطأ في الهامش على أقل تقدير، نعم جميع النسخ متفقة على هذا الخطأ، لكن كان يجب على المحقق أن يتساءل: هل هذه النسخ مستقلة فعلًا، أم أنها بمثابة نسخة واحدة نقلت عنها باقي النسخ، ومن ثَمَّ أتى هذا الاتفاق على الخطأ؟! وهذا لا يظهر إلا إذا اهتم المحقق ابتداءً بعمل شجرة لعائلة النُّسخ المعتمدة في التحقيق، ومع قطع النظر عن هذا؛ فلو فرضنا جدلًا أنها نسخ مختلفة لا علاقة بينها في شجرة عائلة النسخ، وأنها جميعًا متفقة على الخطأ فإن هذا لا يعفي المحقق من وجوب التعقيب والتنبيه على الخطأ في الهامش على أقل تقدير، فإنه لو كان يقظًا يهمه فهم ما يقرأ ويحقق لانتبه لهذا الخطأ والتناقض، ولنبَّه عليه في الهامش مبيِّنًا الصواب، لكنه لم يفعل. على أن الأبهري قد نصَّ بعدُ على العبارة صحيحة، وذلك في آخر البحث الثالث من الفصل الثاني في المزاج عند الكلام على أن الإنسان أقرب الأنواع من الاعتدال الحقيقي، وأن أقرب أنواع الإنسان اعتدالًا هم سكان خط الاستواء ثم سكان (الموضع الذي عرضه مثل ضِعْف غاية الميل ومثل نصفه!)؛ فزاد كلمة: «ضعف» التي نبهنا عليها آنفًا؛ قال الأبهري في «مراصد المقاصد»: (2/ 547): «وأعدل أصناف الإنسان سكان خط الاستواء، وبعدهم سكان الموضع الذي عرضه مثل ضعف غاية الميل ومثل نصفه على ما مر من قبلُ». فهذه العبارة قاطعة في تصحيح ما وقع من خطأ وتناقض في الكلام أولًا، ولو أضربنا صفحًا عن هذا وفرضنا أن المحقق كان في غفلة عند موضع الخطأ والتناقض أولًا فلم ينتبه لما وقع من تناقض، لم نجد له مع ذلك عذرًا؛ فإن الأبهري في الموضع الثاني كأنه طلب من المحقق الإحالة صراحةً بقوله: «على ما مر من قبل»، فلو اهتم المحقق بعمل الإحالة، وبحث عن الموضع السابق الذي يشير إليه الأبهري، لكان ربما أدرك هذا الخطأ ووقف على التناقض فصححه ونبه عليه، إنَّ غفلته عن الموضع الأول، وعجزه عن الربط بين الموضعين آخرًا، يُثبت أنَّ التحقيق اليوم صار عند البعض أقرب إلى نساخة الوراقين قديمًا؛ همُّهم جمع الأموال وتحصيل السمعة سريعًا برصِّ الكلمات ليكتب تحقيق فلان واعتناء علان، وإن خلا العمل من فقهٍ للمعاني أو فحصٍ للمباني!

👇👇👇👇👇
+1
👇👇👇👇👇

👆👆👆👆 إنَّ قِوامَ صنعة التحقيق يقوم على يقظة المحقق وفطنته؛ فلا يغيبُ عنه سابقُ الكلام عند الانشغال بلاحقه، بل يجب أن تكون جزيئاتُ العمل شاخصةً في ذهنه مترابطةً في نظره، وهذا الترابط هو الذي يُمكِّنه من إدراك مشكلات النص، وعمل الإحالات بدقة، ومعالجة ما قد يقع للمؤلف من اضطراب أو سقط. وبالنظر في الطبعة التركية لكتاب «تنزيل الأفكار» لأثير الدين الأبهري، نجد نموذجًا يوضح غياب هذه اليقظة المنهجية؛ حيث مرَّ المحقق مرور الكرام على قول المصنف: «وهذا كله مبني على وجود المحدد للجهات، وهو ممنوع على ما تقدم»، فقد وقف المحقق أمام هذه العبارة موقف الساكت، فلم ينبس ببنت شفة، لا بإحالة توضح الموضع المنع هذا، ولا بتعليق يستشكل التناقض، وكأن النص لا يحمل أيَّ إشكالية علمية! وقد استوقفني هذا الموضع لما فيه من غرابة بالغة أثناء عملي على رسالتي عند الكلام عن أحكام محدد الجهات؛ إذ كيف يصف الأبهري محدد الجهات بمنع الوجود، وهو الذي قرر إثباته قبل ذلك بصفحات عند الكلام عن الجهة، فقد نصَّ الأبهري في (اللامع الخامس من المقالة الأولى من العلم الطبيعي على قوله: «وكيفما كان، فلا بد من وجود جسم كري محدد للجهات». وهنا نجد أنفسنا أمام تناقضٍ صارخٍ في صلب المتن؛ فبينما يثبت الأبهري المحدد في موضع، يعود ليدعي أنه قد سبق نفيه في موضع آخر من ذات الكتاب. إن هذا جعلني أتشكك في النسخ المخطوط، وبالرجوع إلى النسخ المخطوطة التي اعتمدها المحقق والتي لم يعتمدها، وجدتها قد اتفقت على هذه العبارة المشكلة، إلا ما تفرَّدت به نسخة: مكتبة رئيس الكُتَّاب بتركيا من سقوط العبارة منها، وبذلك يبقى هذا إشكالًا في النص ينبغي على المحقق أن يوجه أو يوجد له من الاحتمالات ما تنحل به هذه الإشكالية، أو على أضعف الإيمان أن ينبه على وجود خلل ههنا. إنَّ غفلة المحقق عن هذا الموضع، وعدم تنبيهه على هذا التناقض بين الموضعين، يُعدُّ قصورًا ظاهرًا في صنعة التحقيق؛ فالمحقق ليس مجرد ناقلٍ للحروف، بل هو حارسٌ للنص ومبينٌ لمقاصده، والإعراض عن مثل هذه المعضلات العلمية يُفقد التحقيق قيمته النقدية. وبالجملة، فلعله سهوٌ من النُّساخ أو من الأبهري نفسه؛ ولعلَّ مقصده أنَّ هذه الأدلة مبنيةٌ على المشهور من الربط بين الحركة والميل، فإنَّ ما لا ميل فيه لا يقبل الحركة، وأنه قد سبق أن رفع هذا التلازم المشهور بينهما وأبطله.

👇👇👇👇
👇👇👇👇

رحم الله الدكتور الفاضل خالد فهمي وغفر له ورفع درجته وأجزل مثوبته وجزاه خيرًا عما قدمه من خدمة جليلة للعلم وأهله، وألهم أهله
رحم الله الدكتور الفاضل خالد فهمي وغفر له ورفع درجته وأجزل مثوبته وجزاه خيرًا عما قدمه من خدمة جليلة للعلم وأهله، وألهم أهله وذويه وطلابه ومحبيه الصبر والسلوان.

من أبرز النتائج التي توصلتُ إليها في رسالتي «العلم الطبيعي عند أثير الدين الأبهري: مخطوط المطالع دراسة وتحقيق»: أنَّ الأبهري لم يكن مقلدًا لأحدٍ في العلوم الثلاثة عمومًا، وفي العلم الطبيعي خصوصًا؛ ومن جليِّ الدلائل على ذلك: كثرة نقده ونقضه لمشهورات الآراء في العلوم الثلاثة؛ ولنضرب لذلك مثلًا من العلم الطبيعي محل الدراسة فمن أهم نقوضه للمشهور فيه: نقضه لقاعدةٍ كانت تعدُّ أحد أعمدة العلم الطبيعي في عصره، انبنت عليها جملةٌ من أحكام الفلكيات؛ وهي قاعدة: (أنَّ ما لا ميل فيه لا يقبل الحركة). لقد أبطل الأبهري براهين القائلين بهذه القاعدة، بل وتكلف لهم براهين لم يقولوا بها ثم نقضها كذلك، حتى صيَّر المسألة كأنها عارية عن البرهان أصلًا؛ حيث قال في موضع: «لا نسلم أنه يستحيل وجود الحركة بدون الميل، لا بد له من برهان!». وبناءً على هذا المسلك النقدي، لم يثبت الأبهري لـ (محدد الجهات) ميلاً -خلافًا للمشهور- لكونه يجوِّز الحركة ولا ميل، كما رفض الأحكام المشهورة المتعلقة بـ (غير المحدد) من الأجرام السماوية؛ (كعدم قبولها للكون والفساد، والخرق والالتئام، وأنها لا ثقيلة ولا خفيفة، ولا حارة ولا باردة، ولا رطبة ولا يابسة...)، مبينًا أنَّ تلك الأحكام كانت ثمرةً لتلك القاعدة التي أبطلها، فلما بطلت القاعدة بطل ما تفرع عنها، فقال في موضع: «وزعموا أن غير المحدد من المتحركات السماوية في طباعها ميل مستدير؛ بناءً على هذه القاعدة، فلا يكون في طباعها ميل مستقيم فلا تقبل الكون والفساد، ولمَّا ظهر فساد القاعدة تبين فساد هذه الحجة». وبالجملة لم يثبت الأبهري من أحكام الأجرام السماوية إلا ما يختص بالمحدد ما عدا الميل، أما غير المحدد فلم يثبِت له شيئًا فقال: «فالذي صح من أحكام الأجرام الفلكية: أن الحركة الحافظة للزمان دائمة الوجود، وأن بعض الأفلاك محدد لجهات الحركة المستقيمة موصوف بالصفات التي أثبتناها له».

ولولا ما أودَعت لنا الأوائل في كتبها، وخلَّدت من عجيب حكمتها، ودونت من أنواع سيَرها؛ حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها كل مستغلق كان علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم، لما حسن حظنا من الحكمة، ولضعف سببنا إلى المعرفة. الجاحظ

لفت نظري في كثيرٍ من المناقشات العلمية اعتراضُ بعض الأساتذة على الباحثين استخدامهم تركيب: نفس الشيء أو نفس المسألة أو نفس الع
لفت نظري في كثيرٍ من المناقشات العلمية اعتراضُ بعض الأساتذة على الباحثين استخدامهم تركيب: نفس الشيء أو نفس المسألة أو نفس العلم... وأمثال ذلك، زاعمين أن "النفس" لا تُستعمل إلا للتوكيد، بل بلغ ببعضهم الاستنكار بأسلوب تهكمي قائلًا: وهل للعلم نفس؟! والحقيقة أن هذا الاعتراض ينمُّ عن قصورٍ في تتبع أساليب الفصحاء من العلماء والمحققين؛ فقد جرى استعمال (النفس) مضافةً إلى الحقائق والماهيات في تراثنا على مر العصور؛ للدلالة على عين الشيء وحقيقته، كقولهم: (نفس الأمر) و(نفس الماهية)، وهو أسلوب عربيٌّ عريق لا غبار عليه. وقد تذكرت هذه المسألة اليوم حيث استوقفني كلام للشيخ عبد السلام هارون -رحمه الله- في كتابه «كناشة النوادر»، ذكر فيه نفس المسألة، ما يعني أن مثل هذا الاعتراض الخاطئ لا يختص ببعض أساتذة هذا الجيل فقط، بل يمتد إلى أساتذتهم أيضًا الذين رد عليهم الشيخ، ما يؤكد أن المسألة توارث لخطأ نقدي قديم، ولا شك أن من له دربة واطلاع على التراث ولغته لا يستنكر مثل هذا الاستعمال، ولا تصدر عنه مثل تلك الاعتراضات؛ لعلمه بانتشار هذا الأسلوب وأمثاله بين العلماء على اختلاف عصورهم ومجالاتهم.

قال أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي (ت. 398هـ) يتحدث عن حال أهل زمانه في الأندلس مع الحكمة والفلسفة، وقارنه بحالنا اليوم وما ابتلينا به من المزعجين من متلفسفة وسائل التواصل الإجتماعي أحداث الأسنان : «إني رأيت أهل زمانا ينتحلون الحكمة ويتعاطون الفلسفة وهم في بِيْدِ الحيرة تائهين، وفي غمرات الضلالة خائضين، يقرؤون ما لا يفهمون، ويطلبون ما لا يعلمون، فلما غلقت الحكمة دونهم أبوابها، وضربت الفلسفة بينهم وبينها حجابها، وقطعت بهم أسبابها - رضوا بدلًا من فوائدها بحملة أسمائها، ومن نتائجها بادعائها، وقنعوا عوضًا من الحق الذي إليه تنتهى الحدود وعنده نقف العقول بأن يقال: فلان الحكيم وفلان الشيخ العظيم، وهو لا يعلم أي العلوم واجبًا ولا أيها ممتعًا ولا أيها ممكنًا، إذا استفهمهم طالب باحث عن علمٍ واجبٍ ضروريٍّ دفعوه وأبطلوه وأنكروه وجحدوه، وأتوا بهذیان يزعمون أنه برهان، والبرهان عند الفلاسفة إنما هو شيء لا يجد العقل فيه مد فعًا ولا من مخرجًا؛ لأنه حجة على تحقيق الخبر. فإذا نطلقوا بتلك الكلمات الهائلة، والألفاظ التي قد وضعها الأولون ألقابًا لعلومهم ورمزًا لكتبهم - أصغى إليهم كل ناقص؛ لقلة درايته في تلك العلوم، واستماعه ما لم يسمع من الألفاظ الهائلة والأسماء الغربية، وأغضى عنهم كل كامل حياء منهم، فصاروا عند العامة أئمة الهدى وأعلام التقى، فلما تحصلوا على هذه الدرجة من الدنيا قالوا: لا ثمرة للعلم أكثر مما بأيدينا، ولا فائدة إلا ما حوينا، فاستغنوا عن قرأة كتب الأولين، ومطالعة علوم المتفلسفين التي هي جلاء الأذهان، ونور الإيمان، ولم تزل هذه الطريقة لازمة لا أهل جزيرتنا [يعني الأندلس] وشيمة من شيم أهل بلدتنا [قرطبة دار العلوم] منذ غمرتهم الفتنة وزالت عنهم أعلام السنة، وذهب أهل الفهم، وخمد نور العلم، ولم تزل الفلسفة تطمس، وآثار الحكمة تدرس، والجهل يغلب، والعلوم تخرب، والعلماء مذلولون، وبأثارة أهل الجهل مقموعون، وبمنافرة طبائعهم لطبائع أهل زمانهم لكل بلاء ممتَحنون، فإلى الله المشتكى على ما نحن فيه من البلاء؛ أن يكون العالم بالحقائق محروم والداعي إلى الفضائل مذموم؛ قد عنى بهذه العلوم قوم لا عقول لهم ولا رادوا بها إتمام إنسانيتهم؛ إذا الفرق بين البهائم والناس لا يكون إلا تلطيف الأذهان، والولوج في علوم البرهان، وبقدر ذلك يستحق اسم الإنسانية لتعلقه بأعراض النفس الملكوتية، وأكثر ما رأبينا من طلاب أهل زماننا لهذه العلوم أن يدرب ذهنه في الأرتماطبيقي وهو علم حساب العدد، وربما ارتقى من ذلك إلى تقويم الكواكب ومعرفة أماكنها في الفلك وطلوعها وغروبها واجتماعها وافتراقها، وهذا عند أهل العصر هو الفيلسوف العظيم!! ثم لا تجد له من العقل بمقدار ما يعرف به ما أريد بعلمه الذي قرأه قد عدَّ بذلك أن علوم الدنيا قد احتوى عليها، فاتخذ الناس هزوًا، وسماهم الرعاع والغثاء على ما أخبر به بعض المؤلفين منهم؛ فإن طولب بما أنتج له ذلك العلم وما حواه برياضة ذهنه فيها أبطل الربوبية وجحد النبوة وصرح بالكفر الذي لم يرضه الله إلا لأهون خلقه عليه، وانقصهم عقلًا، وأعماهم ذهنًا؛ الذين سماهم من جهلهم: أموات غير أحياء وما يشعرون! ولما صارت هذه الصفات لازمة لطلاب هذه العلوم في زماننا أدام الله مكره بهم، وأنزل عذابه عليهم، وصاروا بعد فطرة الإسلام أخبارهم مذمومة، وأعراضهم مباحة... فلقد رأينا جلة أهل زمانهم منهم مضروبون ومنجفلون، سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب، فذمَّ الناس أهل هذا العلم من أجل هذه العلوم، وحملوا هذه الصفات على جميع أهلها، وأخذوا الرواية عنهم أن نتائجها تعطيل الديانات حتى تواطئوا بها على أنفسهم، وجعلوا هذه الكلمة باقية في أعقابهم، فآلت الحالة بهذه العلوم إلى ما رسمنا!!».اهـ

Repost from N/a
شرح نظم شرائط الوضوء.pdf6.74 KB

Repost from N/a
«شرح نظم شرائط الوضوء» هو شرحٌ للمنظومة التي نظمها فضيلة الشيخ / محمد نور الدين الشافعي في شرائط الوضوء على مذهب السادة الشاف
«شرح نظم شرائط الوضوء» هو شرحٌ للمنظومة التي نظمها فضيلة الشيخ / محمد نور الدين الشافعي في شرائط الوضوء على مذهب السادة الشافعية رضي اللَّٰهُ عنهم