كناشة | محمد برّى علي
رفتن به کانال در Telegram
4 695
مشترکین
+5924 ساعت
+2687 روز
+31430 روز
آرشیو پست ها
صدقُ العالِم مع نفسه، نافذةٌ على إصلاحِ النَّفس.
النموذَج الأول:
قال ابن الجوزِي في صيد الخاطر: (ترخّصتُ في شيءٍ يجوز في بعض المذاهب، فوجدتُ في قلبي قسوةً عظيمة، وتخايل لي نوعُ طردٍ عن الباب، وبُعدٌ، وظلمةٌ تكاثفت.
فقالت نفسي: ما هذا؟ أليس ما خرجتَ عن إجماع الفقهاء؟
فقلتُ لها: يا نفسَ السوء، جوابك من وجهين:
أحدهما: أنك تأوّلتِ ما لا تعتقدين، فلو استُفتيتِ لم تُفتي بما فعلتِ. قالت: لو لم أعتقد جواز ذلك ما فعلته. قلت: إلا أن اعتقادك ما ترضينه لغيرك في الفتوى.
والثاني: أنه ينبغي لك الفرحُ بما وجدتِ من الظلمة عقيب ذلك؛ لأنه لولا نورٌ في قلبك ما أثّر مثلُ هذا عندك. قالت: فلقد استوحشتُ بهذه الظلمة المتجددة في القلب.
قلت: فاعزمي على الترك، وقدّري ما تركتِ جائزًا بالإجماع، وعُدّي هجره ورعًا، وقد سلمتِ). اهـ
النَّموذَج الثاني:
قال الطنطاوي في كتابه مع الناس: (أمّا حلق اللحية فوالله لا أجمع على نفسي بين الفعل والقول السيئ ولا أكتم الحق؛ لأني مخالفه ولا أكذب على الله والناس، وأنا مقرٌّ على نفسي أني مخطئ، ولقد حاولت مرارًا، ولكن غلبتني شهوة النفس وقوة العادة، وأسأل الله أن يعينني على نفسي).
النَّموذَج الثالِث:
قال ابن حزم الأخلاق والسير في مداواة النفوس: (كانت فيَّ عيوب، فلم أزل بالرياضة واطّلاعي على ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم، والأفاضلُ من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وفي آداب النفس، أعاني مداواتها، حتى أعان الله عز وجل على أكثر ذلك بتوفيقه ومنّه. وتمامُ العدل ورياضةِ النفس والتصرفِ بأزمّة الحقائق هو الإقرارُ بها، ليتّعظ بذلك متّعظٌ يومًا إن شاء الله.
فمنها: كلَفٌ في الرضا، وإفراطٌ في الغضب، فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفتُ عند ترك إظهار الغضب جملةً بالكلام والفعل والتخبّط، وامتنعتُ مما لا يحلّ من الانتصار، وتحمّلتُ من ذلك ثقلًا شديدًا، وصبرتُ على مضضٍ مؤلمٍ كان ربما أمرضني...
ومنها: عُجبٌ شديد، فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كلُّه، ولم يبقَ له والحمد لله أثر، بل كلّفتُ نفسي احتقار قدرها جملةً واستعمالَ التواضع...
ومنها: محبةٌ في بُعد الصيت والغلبة، فالذي وقفتُ عليه من معاناة هذا الداء الإمساكُ فيه عمّا لا يحلّ في الديانة، والله المستعان على الباقي...
ومنها: حقدٌ مفرط، قدرتُ بعون الله تعالى على طيّه وستره وغلبته على إظهار جميع نتائجه، وأمّا قطعه ألبتّة فلم أقدر عليه، وأعجزني معه أن أصادق من عاداني عداوةً صحيحةً أبدًا). اهـ
قال الغزِّي في حُسن التنبُّه: (ومن ثمَّ كان خلاصُ الشباب من موجباتِ الهوى أمراً عجيباً)، وقال الصنعاني في التنوير: (حبس نفسه عن شهواته في أشدّ أيام دواعيه)، وقال المناوي في الفيض: (لما تجرّع مرارة الصبر وحبس نفسه عن لذّاتها في محبة الله... جُوزي بمحبة الله له، والجزاء من جنس العمل)، ثم قال: (ومن ثمّ كان صبرُ السلطان على ترك الظلم، والفتى على الشهوات، أفضلَ من صبر غيرهما على ذلك).
قال الراغِب الأصفهاني في المفردات:
«الخَطَأ: العدول عن الجهة، وذلك أضرب:
أحدها: أن تريد غير ما تحسن إرادته فتفعله، وهذا هو الخطأ التامّ المأخوذ به الإنسان، يقال: خَطِئَ يَخْطَأُ خِطْأً وخِطْأَةً، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 31]، وقال: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ﴾ [يوسف: 91].
والثاني: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يريد، فيقال: أَخْطَأَ إِخْطَاءً فهو مُخْطِئٌ، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، وهذا المعنيّ بقوله عليه السلام: «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان»، وبقوله: «من اجتهد فأخطأ فله أجر»، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92].
والثّالث: أن يريد ما لا يحسن فعله ويتّفق منه خلافه، فهذا مخطئ في الإرادة ومصيب في الفعل، فهو مذموم بقصده وغير محمود على فعله، وهذا المعنى هو الذي أراده في قوله:
أردتَ مساءتي فاجتررتَ مسرّتي ...
وقد يُحسن الإنسان من حيث لا يدري
وجملة الأمر: أنّ من أراد شيئًا فاتّفق منه غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده يقال: أصاب، وقد يقال لمن فعل فعلًا لا يحسن أو أراد إرادة لا تجمل: إنه أخطأ، ولهذا يقال: أصاب الخطأ، وأخطأ الصّواب، وأصاب الصّواب، وأخطأ الخطأ. وهذه اللّفظة مشتركة كما ترى، متردّدة بين معانٍ يجب لمن يتحرّى الحقائق أن يتأمّلها».
Repost from كشكول الفقيه 🗞
+2
جديد المطبوعات، نسأل الله أن يبارك فيها وينفع بها
١. تقريب عقيدة الإمام الشافعي رحمه الله: من خلال مصنفاته والمرويات عنه بالأسانيد.
٢. نهي علماء الشافعية عن الرقص الصوفي: واشتمل على مقدمة حافلة وأربع رسائل لكل من:
القاضي أبي الطيب الطبري.
وبرهان الدين ابن جماعة.
ومحمد بن أبي بكر الديري القادري.
ومحمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل.
٣. شرح النهي عن التفرق وبيان حقيقته وأسبابه وعلاجه، مجموعٌ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
منشور مؤقت:
إن كان معنا هنا من الأحبة الأكراد أحد، فليتواصل معي -عبر قسم الردود الخاصة في الأسفل-، والحاجة علمية.
الوازع الطبعي لا يستقل بإنشاءِ الأحكامِ والإلزامات، ولكن الشرعَ قد يستغني به عن تشريع زواجر أخرى، وكثيرٌ من زواجر الشريعة إنما شُرعت جبرًا لقصور الوازع الطبعي أو ضعفِه.
وهذا مقصودُ السعدي بقوله في آخر منظومته في القواعِد:
والوازع الشَّرعي عن العصيان كالوازع الطبعي بلا نكرانأي في الزجر والردع، لا في إنشاءِ التحريم، وقد وهم بعض شراحه في ذلك، فحملوا البيتَ على أن الوازع الطبعي يقتضي التحريم بنفسه، وهذا منهم نزوعٌ -بلا قصد- إلى مذهب المعتزلة في إثباتِ مصدرٍ للتحليل والتحريم غير خطاب الشارع، وقد عُلم أن لا حكمَ إلا بخطابِه، نصِّه، وفحواهُ، ومعقولِه.
وحدةُ الحقيقة المطلقة، تفرِض:
- استحالة التعارُض بين الوحي والحقائق الواقعية.
- واستحالة التعارض بين الوحي والعقل.
- واستحالة إغلاق باب النظر والبحث في طبيعة الخلق.
وسبب الاستحالة في الأخيرة: محدودية الإدراك البشري بالنظر إلى سعة سنن الله في خلقِه، يقول الفاروقي بعد تقرير ما سبق في المبادئ الأساسية: (ومن هذا المنطلق فإن أقوى حُكمٍ يبقى دائماً مؤقتاً، ويظلُّ صالحاً حتى تظهر أدلة جديدة تشكك فيه، أو تُفنِّده أو تؤكد صحتَه، ولهذا فإن أعلى حكمة وأوثق قرارٍ يتوصلُ إليه العقلُ المسلم يجب أن يعقبه هذا التأكيد، وهو قولهم: (والله أعلم)…).
Repost from N/a
(وإنما يُوجَّهُ كلامُ كلِّ متكلمٍ إلى المعروفِ في الناسِ من مخارجِه دونَ المجهولِ من معانيه) #فوائد_الطبري
الإخلال بالنقل من الأمور التي لا تُخطئها عينُ الناظِر في العلم -بشكلٍ عام-، وهو درجةٌ من الخطأ يتنبه لها المختصُّ غالباً، وهناك درجةٌ أعمقُ منها هي الكشفُ عن مصدر الخللِ وأثرِه في البيئة العلمية المتصلة بالمصدر، ولم يكن يكشِف مخدرات هذه الدرجة سابقاً سِوى النزرِ من حذاق المحققين، ولكن مع سهولة الأدوات البحثية في هذا العصرِ يمكن للباحثين تتبع خيوط الخللِ، وكشف مصدرِه وأثرِه، ولا ينبغي لطالب علمٍ أو باحثٍ إهمالُ هذا الأمر في طريقِه؛ لأن فيه تربيةً على التحقيق والتثبُّت والنقد.
ومن الأمثلة اللطيفةِ على التتابع على الخطأ عند المعاصرين: نِسبةُ القول بجواز بعضِ صُور جمعية الموظفين (الهكبة) إلى أبي زرعة الرازي -رحمه الله- (٢٦٤هـ).
ولعل أقدم من وهِم في هذه النسبةِ، ونسب هذا القول إليه الشيخ البحاثة عبد الله بن عبد العزيز الجبرين -رحمه الله- في بحثٍ له منشور في مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٤٣، عام ١٤١٥هـ بعنوان: (جمعية الموظفين وأحكامها في الفقه الإسلامي)، ونصه: (وقد أفتى بهذا القول من المتقدمين الإمام الحافظ الفقيه أبو زرعة الرازي الشافعي).
ثم تدحرج هذا الخلل في النسبة إلى العلماء والباحثين، فأكده المشيقح في دروسه في المعاملات المالية المعاصرة، وأضاف إلى وصفه (وهو من أئمة المحدثين!)، وأثبته شيخنا الخثلان في كتابه (فقه المعاملات المالية)، ولم يصرحا بالنقل عن الجبرين أو غيره، ولكن صرح بالنقل عنه مصطفى البكري في (التعاون: مشروعيته وضوابطه)، والغريب أنه نقل عن القليوبي الاسم الصحيح، ولكنه مع ذلك ثبت على الخلل.
ومثار الغلط: اشتباه أبي زرعة الرازي بأبي زرعة ولي الدين العراقي (٩٢٦هـ)، والثاني هو الذي نسب القول بالجواز له القليوبي في حاشيتِه، ولا يوجد عند من ذُكر مصدر لهذا القول غير القليوبي، فتعين تصحُّف الاسم على الجبرين إلى الرازي.
وقد صحح الجبرين هذه النسبة في طبعات بحثه اللاحقة (١٤١٩هـ)، فقال: (وقد أفتى بهذا القول من المتقدمين الإمام الحافظ الفقيه أبو زرعة الرازي الشافعي)، ونسَب مصدر القول إلى فصل القرض من حاشية القليوبي.
ولا يخفى قلةُ أثر الغلط في هذه النسبة على الحكم -وإن لم تكن كل نسبة كذلك-، وإنما المقصود من التنبيه عليه أمران:
- التثبت والدقة في البحث، والحرص على المراجعة المستمرة؛ نظراً لما يُحدثه من الأثر المتجاوز للباحث وكتابِه، وربما ترتبت على بعض الأخطاء آثار علمية أو عملية أكبر.
- أن أثر هذا الخلل إذا كان في المعاصرين المتمكنين من آلة البحث بهذا الانتشار، فلأن يحدُث مثله عند المتقدمين أظهر ولا شك، وهذا موطنُ بحثٍ صالحٍ لرسالة فقهية في الدكتوراه، على غرار البحث العُجاب للدكتور محمد طارق الفوزان في (الإخلال بالنقل وأثره في مسائل أصول الفقه)، وقراءةُ مقدمة هذا الكتاب ضرورية لتقويم الذهنية البحثية.
Repost from قناة •| أحمد السويلم |•
التعالي بالمعلومات ✨
أخي طالب العلم الشابّ :
أن يفتح الله عليك في علم مّا حتى تتفوق فيه على بعض شيوخك.. أو تزيد عليهم في محفوظاتك، أو مقروءاتك، أو مطالعاتك.. هذا لا يسوغ لك التعالي عليهم بمعلوماتك، ولمزهم بقصور الفهم أو ضعف التحصيل، أو قلّة الاطلاع، وما أشبه ذلك! هب أنك حصّلت ما لم يتهيأ لهم تحصيله، فكان ماذا ؟
شيوخك الذين انتفعت بهم -ولو قليلًا- لهم فضل عليك، مهما تميزتَ في العلم، ومهما نلت من تقدير الناس وحفاوتهم، وربّ درسٍ حضرته في مبادئ أمرك، أو كلمة سمعتها من فِيْ أحدهم، فُتح لك بهما بابٌ من العلم، ما كان في حسبانك وتقديرك.. أفبعد أن صلُب عودك بأخذك عنهم تتعالى عليهم !؟
نعم .. ولا على غير شيوخك، فالتكبر على الناس بالعلم والتعالي والتعاظم بعيد كل البعد عن سيما المخلصين، الراغبين بعلمهم الله والدار الآخرة .
رأيت طالبًا -كان في أول سنة في الجامعة-، إذا ذكر بعض الشيوخ، يقول: أخونا فلان وأخونا فلان! هكذا (أخونا) ! ولا يحفظ لهم قدرًا ولا لقبًا، وهؤلاء الشيوخ في سن والده، وربما كانوا يعلمون الناس وهو بعدُ طفل يلعب مع الصبيان!
ألا فما أقبح الكِبْر والتعاظم في العالم، فكيف إذا صدر عن جاهل غِرّ !
﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
https://t.me/AhmadNalSwailem
فيما يتعلق بدارسة التفسير ومستوياته الدراسية .
في تقديري أرشح لكل مرحلة تفسيرين لصياغة منهجية أكاديمية متكاملة لبناء ملكة التفسير وصناعة مفسر محقق.
▪️للمبتدئ تفسيران:
- «تفسير الجلالين»
- «التسهيل» لابن جزي(ت:741)
الهدف: فهم البنية المعجمية للمفردة القرآنية ومعناها الإجمالي العام.
وهذا التفسيران يثريان عقل المبتدئ ويبنيان ثروته اللغوية بطريقة مثمرة.
▪️وللمتوسط تفسيران:
- «مدار التنزيل» للنسفي(ت:710)
- «زاد المسير» لابن الجوزي(ت:597)
والهدف: توسعة الدلالة المعجمية، واستيعاب مصفوفات أقوال السلف في التفسير.
وهذا التفسيران يسهمان في تطوير البنية اللغوية وفهم امتداد المعنى التفسيري عند المتقدمين.
▪️وللمتقدم تفسيران:
- «أنوار التنزيل» للبيضاوي(ت:685)
- «المحرر الوجيز» لابن عطية(ت:541)
الهدف: الوصول إلى بناء ملكة التحرير لمصفوفات أقوال السلف ونقدها علميا، ورياضة العقل على فك العبارات الوجيزة المشحونة بالقواعد الأصولية والحجاج العلمي، وصولاً إلى استنباط أسرار النظم القرآني والموازنة بين وجوه الاستدلال.
والله الموفق.
د. الخضر اليافعي.
هل فروضُ الكفايات مندوباتٌ على الأعيان؟
للبحثِ في فرض الكفاية جهتان: جهةُ تعلّقِ الخطاب الكفائي بالجملة، وجهة حكمه في آحاد المكلفين، وفي كليهما إشكالاتٌ مبسوطةٌ في المطولاتِ، ولكن أنثُر هنا بعض ما تحرَّر لي في تعلُّق فرضِ الكفايةِ بالفردِ، فأقول:
الفردُ -والمقصود به هنا المكلفُ- بالنسبة لكيفية تعلق فرض الكفاية به له حالان، ويكون النظر لكل حالةٍ من ثلاث جهات: حكم الابتداء، ووصف الأداء، ولزوم الاستمرار.
(الأولى) أن يعلمَ أو يظُنَّ عدمَ قيام غيرهِ بفرض الكفايةِ، فللقول فيه ثلاث جهاتٍ:
- جهة حكم الفعل ابتداءً: يتعيَّن عليه فِعل فرض الكفاية.
- جهة وصف الفعل بعد الوقوع: يقعُ فِعله فرضاً، ويثاب ثوابَ الفرض.
- جهة الحكم بعد الشروع: يجب عليه الاستمرار بعدَ الشُّروعِ فيه، هذا إن لم يشرع معه فيه غيره ممن تتحقق به الكفاية، وإلا عادت المسألة للخلاف في وجوب فرض الكفاية بالشروع، وسأشير إليه فيما يأتي.
تنبيه: إنما فرقت هنا وما يأتي بين العلم والظن إشارةً إلى خلافٍ أصولي في مناطِ فرض الكفاية.
(الثانية) أن يعلمَ أو يظُنَّ أن غيره -ممن تتحقق به الكفايةُ- سيقومُ به، أو يُشارك من تحصل بهم الكفاية قبل تمام المقصود، أو يأتي بالفعل بعد حصول الكفاية وتمام المقصود.
وللقول فيه ثلاث جهاتٍ أيضاً:
- جهة حكم الفعل ابتداءً: مندوبٌ، فإن غلب على ظنه أن من يقوم به سيحققه من غير حاجة إليه وتركَه لذلك.. لم يكُن عليه حرج، بل ولا يتعين عليه الدخول إن لم يقوموا بأدائه بعدُ، وهنا افترق خطاب المجموع عن خطابِ الفرد.
- جهة وصف الفعل بعد الوقوع: إن فعله وقع له فرضاً، وأثيب ثواب الفرض، فيكون الشروع فيه مندوبًا في حقه، ويقع منه فرضاً، إلا أنَّ بعض الأصوليين ذهَب إلى أنَّ فعلَه إن كان بعد سقوط الفرض بفعلٍ قبلَه وقع فعله الثاني نفلاً لا فرضاً، وهناك أيضاً صور تُستثنى من كون اللاحِق يقع فرضاً منها: غسل الميت، فإن غير الأول لا يقع فعله فرضًا.
- جهة الشروعِ في الفعل: اختلف الفقهاء فيه، والأقرب عدم الوجوب بالشُّروع، إلا ما استثني من الجهاد، وصلاة الجنازةِ، والحج، والعُمرة.
والحال الثانية هي محل الإشكال في المسألة، وهذا التفصيل مخرجٌ جيدٌ لها، ويتأتى على قول من يرى من الأصوليين أن وجوب فرض الكفاية على بعضٍ مُبهَم، أو على الجميعِ من حيث إنَّه جميع، وليُنظَر هل يمكن تخريجُه على القول بأنه واجبٌ على كلِّ واحِد؟
فحكم مباشرة الفرد لفرض الكفاية قد يتعين عليه، وقد لا يتعين، وقد يندب إليه بعد حصول الكفاية بغيره إذا بقي في فعله مصلحة مشروعة، وهو الأكثر.
ويدلُّ على أن حكم فعل الفردِ المعين هنا الندبُ نصوصٌ متفرقة من كلام الأصوليين والفقهاء، منهم:
• ابنُ دقيق العيد في شرح الإلمام، قال: (ونحن إذا قلنا: إنه -يعني فرض الكفاية- يستحب في حق من حصلت له الكفاية بغيره أردنا به يستحب الشروع والابتداء، ولم نرد به أنه يقع مستحبًا في حقه إذا شرع فيه مع غيره)، وهو نص صريح في التفريق بين استحباب الابتداء ووصف الأداء.
• والشاطبي في الموافقات، فقد قال: (وفروض الكفايات مندوبات على الأعيان)، ويظهر أن كلامه واردٌ على حكم الفعلِ ابتداءً لا على وصفِه بعد الوقوع، وقد علمتَ أن حكم الابتداء ليس الندبَ دائمًا.
والحاصِل: أنَّ فرض الكفاية باعتبار الفرد قد يكون واجبَ الابتداء إذا لم تحصل الكفاية بغيره، وقد يكون مندوبَ الابتداء إذا حصلت أو غلب على الظن حصولها بغيره؛ ولا يلزم من كون الشروع مندوبًا أن يقع الفعل نفلًا، بل قد يقع فرضًا؛ لأن استحباب الشروع حكمٌ متعلق بعين الفاعل قبل الدخول، والفرضية وصفٌ للفعل بعد وقوعه.
محمد برى علي
5 ربيع الآخر 1448هـ
يُشبِه عكسَ هذه المسألةِ من وجهً ما نُقل في الأصول عن المعتزلة من استحالة النهي عن الواحِد بالنَّوعِ المأمورِ به، كالسجود للصنم، قالوا: الساجِد للصنم عاصٍ بقصد تعظِيم الصَّنم، لا بنفس السجود، فهنا رتبوا التأثيم على القصد، دون ذات الفعل، ولا يخفى أن هذا ليس عكساً مباشراً، ووجه المقابلة: أن القصد في مسألةِ المقالِ صالحٌ مع خطأ الفعل، فكان محلًّا للثواب، والقصدَ في مسألة المعتزلةِ فاسدٌ مع كون صورة الفعل من جنس المأمور به، فكان محلًّا للإثم.
(وللناس حالاتٌ تكون أخبارهم فيها أصحَّ، وأحرى أن يحضرها التقوى منها في أخرى، ونيَّات ذوي النيات فيها أصح، وفكرهم فيها أدوم، وغفلتهم أقل، وتلك= عند خوف الموت بالمرض والسفر، وعند ذِكره، وغير تلك الحالات من الحالات المُنبهة عن الغفلة)
الإمام الشافعي في الرسالة.
