fa
Feedback
بُغْيَةُ الأَرِيبِ

بُغْيَةُ الأَرِيبِ

رفتن به کانال در Telegram
1 550
مشترکین
+624 ساعت
+667 روز
+26230 روز
آرشیو پست ها
إطلاقُ #المسبّبِ وإرادةُ #السّببِ منْ أدقّ أبوابِ #المجازِ، ومِنها قولُ الله ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًا﴾. فالرّزقُ هنا مسبّبٌ، وقد أُطلقَ وأريدَ بهِ المطرُ الّذي هوَ السّببُ، فالمطرُ ينبتُ الزّرعَ الّذي هوَ الرّزقُ. وعكسُ ذلكَ: إطلاقُ السّببِ وإرادةُ المسبّبِ، كقولِهِ تعالى: ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾. فالقصاصُ ليسَ اعتداءً بلْ هوَ جزاءٌ وعقوبةٌ مسبّبةٌ عنِ الاعتداءِ الأوّلِ، فأطلقَ السّببَ وأرادَ المسبّبَ. وفي حديثِ النّبيّ ﷺ عن سرعةِ الدّجّالِ قَالَ ﷺ «كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ»، والمرادُ بالغيثِ هُنا الغيمُ إطلاقًا للسّببِ على المسبّبِ، فالغيمُ هوَ الَّذي يحملُ الماءَ وينزلُ منهُ المطرُ، فهو سببٌ، والغيثُ هوَ المطرُ النّازلُ، فهو مسبّبٌ.

توزيعُ الذِّكرِ بينَ البشرِ خاضعٌ لقسمَةٍ إلهيَّةٍ لا تقاسُ بموازينِ الفضلِ، ومنْ تأمَّلَ التَّاريخَ وجدَ منْ هذا عجبًا. فَفي معجمِ البلدانِ لياقوتَ الحمويِّ: عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ قالَ: (الحظوظُ مقسومَةٌ لا يقدرُ أحدٌ على صرفها ونقلها عنْ أماكنها. ألا ترى سكَّةَ #اصطفانوسَ في #البصرةِ كانَ يقالُ لها سكَّةُ #الصَّحابَةِ، نزلها عشرَةٌ منْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فلمْ تضفْ إلى واحدٍ منهُمْ، وأضيفتْ إلى كاتبٍ نصرانيٍّ منْ أهلِ البحرينِ وتركوا الصَّحابَةَ؟ فهذا الأثرُ يرسِّخُ حقيقَةً بالغَةَ العمقِ؛ فالأرزاقُ والمعايشُ -ومنْ ضمنها الجاهُ والذِّكرُ وشهرَةُ الاسمِ- مقاديرُ خطَّتْ في الأزلِ، لا يملكُ أحدٌ صرفها ولا نقلها عنْ مواضعها الكونيَّةِ، فهؤلاءِ عشرَةٌ منْ أصحابِ النبيِّ ﷺ تطوى أسماؤهُم عنْ تلكَ السِّكّة لتربطَ بكاتبٍ نصرانيٍّ.! و جاءَ الحسمُ القرآنيُّ لذلكَ في قولهِ تعالى: ﴿نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ﴾، فالمعيشَةُ قسمَةٌ مفروغٌ منها، والحديثُ النَّبويُّ يصدِّقُ ذلكَ حيثُ يقولُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ». فخمولُ الذِّكرِ في الدُّنيا ليسَ دليلَ هوانٍ، كما أنَّ الشُّهرَةَ ليستْ مقياسَ قبولٍ

‏⁧ #العلمُ⁩ نورٌ ربَّانيٌّ، يقذفهُ اللَّهُ في قلبِ مَنْ يشاءُ مِنْ عبادهِ، وليسَ مجرَّدَ كسبٍ بشريٍّ ينالُ بقوَّةِ الحفظِ أوْ طولِ المدارسةِ أو الخِبرةِ بالكُتُب وبرَامج البحثِ وتطبيقَات الذَّكاء، فالأسبابُ كلُّها قاصرةٌ إنْ لمْ يمدَّها توفيقُ المسبِّبِ، ومَنْ أدركَ هذا السِّرَّ أنزلَ فاقتهُ ببابِ الفتَّاحِ، واستوهبَ الفهمَ ممَّنْ بيدهِ مفاتيحُ الحكمةِ. ‏وهذا الأصلُ العظيمُ أرساهُ ﷻ بجعلهِ العلمَ هبةً محضةً، يومَ قالَ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، ونطقَ بهِ الصَّادقُ المصدوقُ ﷺ في تأكيدِهِ الارتباطَ بينَ الفقهِ والإرادةِ الإلهيَّةِ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». ‏ولعمرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللَّهُ عنهُ تقرِيرٌ يهدمُ وَهْمَ احتكارِ المعرفةِ بالشَّيخوخةِ وتقَادُم العَهد، ويؤسِّسُ لمنهجيَّةٍ دقيقةٍ في تقييمِ المتعلّمِين؛ يقولُ فيه (إنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ عَنْ حَدَاثَةِ السِّنِّ وَلَا قِدَمِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ). ‏فالفتوحُ الرَّبَّانيَّةُ لا ترتهنُ بأسنانِ الطَّلبةِ وحداثةِ أعمارهمْ، بلْ هيَ ودائعُ يضعها الخلَّاقُ العليمُ في الأوعيةِ الزَّكيَّةِ والقلوبِ النَّقيَّةِ، بالغةً ما بلغتْ مِنَ السِّنِّ، فالعلمُ مواهبُ الرَّحمنِ لا مكاسبُ الإنسانِ.

‏مدارُ ⁧ #النّجاةِ⁩ لمَن كَانَت والدتُه علَى قَيْد الحَياةِ ينعقدُ على ثلاثِ خصالٍ، مَنْ أحكمها فقدْ فازَ: ‏١- تليينُ القولِ للأمِّ. ‏٢- وكفايتُها منْ طيّبِ الكسبِ. ‏٣- واعتزالُ كبائرِ الإثمِ. ‏فالبرُّ بالأُمًِ يكتملُ بضميمةِ الإحسانِ القوليِّ المتمثّلِ في لينِ المقالِ، إلى الإحسانِ الفعليِّ ببذلِ النّوالِ، ولا ينفذُ أثرُ هذا البرِّ إلى صحيفةِ العبدِ إلّا بالسّلامةِ منَ الموبقاتِ؛ تحقيقًا لوعدِ اللّهِ ﴿إِن تَجۡتَنِبُوا۟ كَبَاۤىِٕرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَیِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلࣰا كَرِیمࣰا﴾. ‏وهذا ⁧ #الفقهُ⁩ العَمِيقُ صحَّ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ: ذلِكَ أنّهُ قالَ لرجلٍ: (أحيٌّ والداكَ؟) ‏فقالَ: عندي أمّي. ‏قالَ لهُ: (فواللّهِ لوْ ألنتَ لها الكلامَ، وأطعمتها الطّعامَ، لتدخلنَّ الجنّةَ ما اجتنبتَ الكبائرَ). ‏فهَذَا تأصيلٌ يربطُ بينَ خفضِ الجناحِ بالكلمةِ النّديّةِ، والقيامِ بحقِّ الكفايةِ المادّيّةِ، وبينَ شرطِ القبولِ باجتنابِ الكبائرِ، لتكونَ الجنّةُ بحَولِ اللهِ هيَ المآلَ.

كانَ في العربِ رجلٌ عيَّانٌ، تمرُّ بهِ الإبلُ فيقولُ: لمْ أرَ إبلاً أحسنَ منْ هذهِ، فما تذهبُ إلَّا قريباً حتَّى تموتَ منها طائفةٌ بسببِ عينهِ، فسألتهُ #قريشٌ أنْ يصيبَ النبيَّ ﷺ بالعينِ، فأجابهمْ وقالَ: قدْ كانَ قومُكَ يحسبونَكَ سيِّداً وإخالُ أنَّكَ سيِّـــدٌ معيونٌ فعصمَ اللهُ النبيَّ ﷺ وأنزلَ هذهِ الآيةَ ﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ﴾ وفي هذهِ الحادثةِ حيلةٌ يائسةٌ لجأتْ لهَا #قريشٌ بعدما أعيتهمُ الحججُ وانقطعتْ بهمُ السبلُ في مواجهةِ الوحيِ. فانتدبوا العَيَّان طمعاً في أنْ يُرديَ النبيَّ ﷺ غيلةً بلا سيفٍ ولا رمحٍ، غيرَ لكنَّ حفظَ اللهِ أمنعُ وأجلُّ، فقدْ أحاطتِ العنايةُ الربَّانيَّةُ بنبيِّهِ ﷺ وأبطلتْ مكرَهمْ. والمتأمِّلُ في هذا يدركُ إفلاسَ قريشٍ ولجوءهمْ إلى أحطِّ الأسبابِ وأخسّها، غيرَ أنَّ درعَ الوقايةِ الربّانيِّ أمتنُ، وحصنَ النبوَّةِ أعظمُ.

يظنُّ بعضُ #الفقهاءِ بطلانَ التّكبيرِ المُشتَمِلِ على إبدالِ الهمزةِ واواً هكذا: (اللهُ وَكبرْ)، محتجّينَ على ذلكَ بأنَّ الأذكارَ توقيفيّةٌ. والصّوابُ: صحّةُ هذا الإبدالِ وإجزاؤهُ؛ فمَبْنى اللّفظِ هنا جارٍ على سننِ العربِ في التّسهيلِ والتّخفيفِ، والهمزةُ المفتوحةُ عندَهُم إذا سُبقتْ بضمٍّ؛ جازَ قلبُها واواً، كما نصَّ على ذلكَ أئمّةُ العربيّةِ. وفي قراءةِ الإمامِ حمزةَ الزّيّاتِ رضيَ اللهُ عنهُ شاهدٌ قطعيٌّ، فهو يقفُ على نظائرِ ذلكَ بالواوِ، فيقرأُ ( #حالَ_الوقف) مثلاً: [اللهُ وَعلمْ] و [شهدَ اللهُ وَنّهْ] و [فمنْ يردِ اللهُ وَنْ]. فإذا ساغَ هذا التّخفيفُ في القُرآن، كانَ في أذكارِ الصّلاةِ أوسعَ وأجوزَ. لكنِ الخللُ الّذي ينبغي التّحذيرُ منهُ، وهوَ منتشرٌ للأسفِ: انتقاصُ لفظِ التّكبيرِ بحذفِ حرفِ الرّاءِ في آخرهِ، فهذا يُحيلُ لفظةَ (أكبرْ) الدّالّةَ على التّفضيلِ والغايةِ في التّعظيمِ إلى لفظٍ ممسوخٍ لا معنَى لهُ. وجزمَ غيرُ واحدٍ من #الفقهاءِ بعدمِ صحّةِ هذا التّكبيرِ وبطلانِهِ.

#الشّحُّ فِي لسانِ العربِ أبلغُ مِنَ #البخلِ؛ فهُوَ بخلٌ مَشُوبٌ بحرصٍ، ولذَا نزَّهَ اللَّهُ عنهُ المفلحينَ بقولِهِ سُبحانَه ﴿وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾. لكنَّ هذَا الوصفَ ينقلبُ فِي ميزانِ الشّريعةِ إلَى ذروةِ الكمالِ إذا تعلَّقَ برأسِ مالِ العبدِ، فالشّحيحُ بدينِهِ يرى الخَدشَ اليسيرَ فِي توحيدِهِ أشدَّ عليهِ مِنْ زوالِ الدّنيَا، وقَدْ بوَّبَ #البيهقيُّ علَى أحاديثَ بقولِهِ: (بابٌ فِي شُحِّ المرءِ بدينِهِ حتَّى يكونَ القذفُ فِي النّارِ أحبَّ إليهِ مِنَ الكفرِ). ومَا بوَّبَ عليهِ رحمهُ اللَّهُ منبثقٌ مِنْ مشكاةِ النّبوَّةِ، فقدْ جاءَ فِي الصّحيح عَنِ النّبِيِّ ﷺ قولُه « ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ».

قدْ تُواجِه في حَياتِك مَنْ تُوادُّهُ فيجفوكَ أوْ يستثقلُ مرآكَ؛ إمّا لتباينٍ في الطّباعِ، أوْ لاستثَارة غيرِ مُريحَة تثيرها طلّتكَ البهيَّة. والعقلُ والحكمةُ يقضيانِ بتقديرِ حريّتهِ واحترامِ تفاوتِ النّفوسِ، واستحضِر أنّكَ لستَ وحدَكَ في هذا المَوقِف، فقدْ قالَ النّبيُّ ﷺ لوحشيٍّ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي»، ولمّا سئلَ الإمَامُ #القعنبيُّ عنْ قلّةِ مرويًّاتهِ عنْ #شعبةَ، وقيلَ له: ما لكَ لا تروي عن شعبة غير حديث واحد؟ قال: (كَانَ يَسْتَثقِلُنِي، فَلاَ يُحَدِّثُنِي). . وفي الشّعراءِ #العشّاقِ سلوى، فقدْ قالَ بعضُهُمْ: لقدْ بُلِيتْ نفسي بمَنْ لا يجيبُني وذاكَ عذابٌ فوقَ كلِّ عذابِ وقلتُ لَهُ ردَّ الجوابَ فقالَ لي جوابُكَ (لا) فاقطعْ جوابَ جوابي ويقولُ آخرُ: أيا معرضاً عنّي ولمْ أجترمْ ذنبَا سوى أنّني أبدي وأخفي لَهُ الحبَّا لقدْ راضَني حُبِّيكِ حتّى أذلّني وقدْ كنتُ قبلَ الحبِّ ذا مَنْعةٍ صعبَا

تأمّلْ بديعَ #النّظمِ_القرآنيِّ حينَ سمّى الخالقُ وحيَهُ #روحًا، فقالَ ﷻ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾؛ ذلكَ أنَّ آياتهِ تسري في مواتِ النّفوسِ فتحييها، وكما يستحيلُ الغيثُ ربيعًا يمرعُ قفارَ الأرضِ؛ فإنَّ القرآنَ ربيعُ القلوبِ وغيثها. ولمّا كانتِ الحياةُ لا تستقيمُ في ظلماتِ التّيهِ، امتنَّ اللهُ على عبادهِ بنورِ البصيرَةِ، فقرنَ الحياةَ بالضّياءِ، وقالَ ﷻ: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ﴾. فإذا اجتمعَ للمرءِ روحُ الحياةِ ونورُ الهدى، أزهرتْ جنباتُ قلبهِ، وتفتّحتْ بصائرُ فؤادهِ، ومنْ تشرّبَ صدرهُ هذا المعينَ الصّافيَ، استقرّتْ فيهِ سكينَةُ اليقينِ، وتجلّتْ في جوارحهِ، وكلّما تعاهدَ العبدُ هذهِ البذورَ الشّريفَةَ بتدبّرٍ وتعقًّلٍ، امتدّتْ في روحهِ أغصانُ الفلاحِ، وعصمَ منْ جدبِ الغفلَةِ ومواتِ القلوبِ.

يغفلُ بعضُنا عنْ سرٍّ عظيمٍ منْ أسرارِ #الإجابَةِ، وهوَ تقديمُ #الثَّناءِ على اللَّهِ بينَ يديِ #الدُّعاءِ. تأمَّلْ قولَ أميَّةَ واصفاً حالَ المخلوقِ: إذا أثنى عليكَ المرءُ يوماً كفاهُ منْ تعرُّضكَ الثَّناءُ فقدِ التقطَ #سفيانُ بنُ عُيَينَةَ معنَاهُ بلمحَةٍ بارعَةٍ، فقالَ معلِّقاً عليهِ: (هذا مخلوقٌ حينَ نسبَ إلى الكرمِ اكتفى بالثَّناءِ عنِ السُّؤالِ، فكيفَ بالخالقِ). فتعظيمُ اللَّهِ والاعترافُ بفضلهِ هوَ روحُ الطَّلبِ ومطيَّةُ القبولِ. ولذلكَ كانَ إبراهيمُ #النَّخعِيُّ ينقلُ عنْ سلفِ الأمَّةِ قولهمْ: (إذا بدأَ بالثَّناءِ قبلَ الدُّعاءِ استجيبَ، وإلَّا كانَ على الرَّجاءِ). ولنا في مناجاةِ ذي النُّونِ أعظمُ شاهدٍ، فدعوتهُ الَّتي شقَّتْ ظلماتِ البحرِ والحوتِ لمْ تتضمَّنْ طلباً مباشراً، بلْ محضَ توحيدٍ وتنزيهٍ واعترافٍ بالتَّقصيرِ، فكانَ الثَّناءُ عينَ السُّؤالِ. وقدْ صرَّحَ النَّبِيُّ ﷺ بقطعيَّةِ الإجابَةِ لمنْ توسَّلَ بها، حيثُ قالَ ﷺ «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ».

عجَبًا لمَنْ تتعلّقُ نفسهُ بمطلبٍ، فيريقُ لهُ ماءَ وجههِ علَى أعتابِ المخلوقينَ، ويغفلُ تمامًا عنِ الانطراحِ ببابِ مَنْ بيدهِ مفاتيحُ الغيبِ وخزائنُ السّمواتِ والأرضِ! #الحوائجُ كلّها رهينةٌ لأمرِ الله وحدَه، ﴿مَّا یَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةࣲ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا یُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ﴾. وهذَا المعنَى الدّقيقُ تشرّبهُ سفيانُ الثّوريُّ رحمهُ اللَّهُ لمّا أدركَ تلازمَ العبوديّتينِ؛ عبوديّةَ الجسدِ وعبوديّةَ الرّجاءِ، فكانَ يقولُ فِي سجودهِ: (اللّهمَّ كما صنتَ وجهِي عنِ السّجودِ لغيركَ، فصُنْ وجهِي عنِ المسألةِ لغيركَ). أدْركَ سفيانُ أنّ تمريغَ الجبينِ للَّهِ يناسبُهُ شرعاً وفطرةً أنْ لا يُراقَ ماءُ الوجهِ للعبيد العاجزينَ، فإفرادُ الخالقِ بالسّؤالِ هوَ ثمرةُ إفرادهِ بالذّلِّ، ومَنْ صانَ وجههُ عنْ مسألةِ النّاسِ، أعزّهُ اللَّهُ فِي الدّارينِ

#الخوفُ الجبلّيُّ لا يناقضُ #التّوكّلِ، ولا يقدحُ في التّوحيدِ، والكمالُ الإنسانيُّ ليسَ في انسلاخِ المرءِ منْ طبعهِ، بلْ في انقيادِ الطّبعِ لمرادِ الله. وبشريّةُ الأنبياءِ هيَ مناطُ الابتلاءِ فتأمَّل آية ﴿وَلَهُمۡ عَلَیَّ ذَنۢبࣱ فَأَخَافُ أَن یَقۡتُلُونِ﴾ فهي تكشفُ لكَ عنْ تجرّدٍ تامٍّ منْ دعاوى الاستغناءِ الموهومِ، وتؤكّدُ أنّ الأنبياءَ أكملُ النّاسِ عقلاً ويقِينًا، وأنّهُم مع ذلكَ لا يكابرونَ الفطرةَ، ولا يغترّونَ بالكرامةِ عنْ تعاطي الأسبابِ. فكَليمُ اللهِ موسى ﷺ يعلمُ يقيناً أنّ اللهَ تعالَى هوَ المتصرّفُ الأوحدُ، ولكنّهُ ﷺ يدركُ أيضاً أنَّ سننَ اللهِ في خلقهِ مقتضِيَةٌ أحيانًا تسليطَ بعضِ العبادِ على بعضٍ. فلمّا خافَ ﷺ سارَ في دربِ الأسبابِ متوكّلاً، ففرّ ببدنهِ منْ بطشهمْ، ولجأَ قلبهُ بالمناجاةِ إلى ربّهِ، والعُقلاءُ لا يختَلفُون في أنَّ النّقصَ الحقيقيَّ هوَ تبلّدُ الحسِّ إزاءَ المهالكِ، لأنّهُ مكابرةٌ محضةٌ.

ليستِ #المحبّةُ قَاصرَةً علَى مَا يعلنه الناسُ، بل تَتَجلَّى فيمَا يتركُونهُ منْ أثرٍ في قلبِ من يحبّون. لاحِظْ عائشةَ رضي الله عنه وهي تستعيدُ جانبًا من حياتها مع النبيِّ ﷺ، لا تروِي لنَا فيه موقفًا عظيمًا، وإنما تحفظُ مشهدًا عابِرًا، فتقُول: «كنتُ أشربُ منَ القدَحِ وأنا حائضٌ فأناولُهُ النَّبيَّ ﷺ فيضعُ فاهُ على موضعِ فيَّ فيشربُ منه، وأتعرَّقُ منَ العَرْقِ وأنا حائضٌ فأناولُهُ النَّبيَّ ﷺ فيضعُ فاهُ على موضعِ فيَّ». والسرُّ كلُّه كامنٌ في قولها: «موضعِ فيَّ»، فلم يكن المقصودُ مجردَ الشربِ من الإناء، لكنه ﷺ قصد الموضعَ الذي سبقتْه إليه، لتتحوّلَ حركةٌ يسيرةٌ إلى معنىً كبيرٍ؛ وهو معنى القربِ الذي لا تغيّره الأحوالُ العارضة، والإكرامِ الذي لا يحتاجُ إلى تصريح. وهكذا تبقى أجملُ معاني #العشرةِ تلك التي لا تُحدِثُ ضجيجًا، لكنها تتركُ في الروحِ أثرًا لا يزول؛ أثرًا يجعلُ #اللحظةَ_العابرةَ ذكرى باقية، ويجعلُ المودّةَ حقيقةً تُرى في الأفعالِ قبل أن تُسمع في الكلمات.

اشتهرَ الشّاعرُ الأندلسيُّ عاصمُ بنُ زيدٍ العبّاديُّ ، المكنّى بأبي المخشّيِّ ، بسلاطةِ لسانِهِ وكثرةِ هجائِهِ. وقدْ جرّتْ عليهِ حماقتُهُ وجرأتُهُ محنةً قاسيةً؛ إذْ عرّضَ في إحدى قصائدِهِ بعيبٍ خلقيٍّ في عينِ الأميرِ هشامِ بنِ عبدِ الرّحمنِ الدّاخلِ، فأمرَ بسملِ عينيهِ وقطعِ لسانِهِ . ومنْ عجائبِ هذهِ الواقِعةِ أنّ لسانَ الشّاعرِ نبتَ مجدّداً بعدَ عامٍ كاملٍ، فعادَ ينشدُ الشّعرَ ولكنْ بتلعثمٍ طاهِرٍ، فصارَ يستعينُ بصبيٍّ درَّبهُ وعلَّمه ليروي عنهُ شعرَه. وقدْ أحدثتْ هذهِ الواقعةُ تحوّلاً #فقهيّاً عندَ الإمامِ مالكٍ - رضيَ اللّـهُ عنهُ - فبعدَ أنْ كانَ يفتي بالقصاصِ الفوريِّ ممّنْ يقطعُ لسانُهُ عمداً، تراجعَ وأفتى بوجوبِ الانتظَارِ سنةً كاملةً، اعتباراً بقصّةِ أبي المخشّيِّ الّتي قَالَ للنَّاس إنَّها ثبتتْ عندهُ، وبَنى عليهَا موقِفَه الفقهيَّ الجَديد.

منْ نفائسِ #المجرَّباتِ في أبوابِ التَّحصيلِ العلميِّ وأدعيَةِ #الفتحِ في الفقه ما رواهُ شعبَةُ عنْ زبيدٍ الياميِّ أنَّهُ قالَ: [إذا أردتَ أنْ تكونَ أحفظَ النَّاسِ وأنْ يفتحَ اللَّهُ لكَ فقلْ: يا منْ بيدِهِ مقاليدُ الخيرِ كلِّهَا، وإليهِ يرجعُ الأمرُ كلُّهُ، يا فتَّاحُ يا عليمُ افتحْ لي فتحًا قريبًا]. قالَ #شُعبَةُ: [وعلَّمني أيضًا قبلَ القراءَةِ: اللَّهمَّ افتحْ عليَّ حكمتَكَ، وانشرْ عليَّ رحمتَكَ، يا ذا الجلالِ والإكرامِ]. وبعدهَا: [بسمِ اللَّهِ والحمدُ للَّهِ ولا إلهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أكبرُ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ]، فكرَّرتُهَا ففُتحَ لي. وفي هذا تذكيرٌ بأنَّ الفتحَ والعلمَ والفهمَ مواهبُ ربَّانيَّةٌ يُؤتيها اللَّهُ منْ شاءَ منْ عبادِهِ، فمَن أحسنَ قرعَ بابِ مولاهُ بالدُّعاءِ، وأخذَ بأسبابِ التَّحصيلِ، رُجيَ لهُ أنْ يُفتَحَ عليهِ منْ خزائنِ العلمِ ما لا يبلغهُ بكدِّهِ وحدَهُ.

يكنْ خروجُ #الصَّحابَةِ رضوانُ اللَّهِ عليهمْ منَ المدينَةِ النَّبويَّةِ بعدَ وفاةِ النَّبيِّ ﷺ مجرَّدَ انتشارٍ عسكريٍّ لفتحِ البلدانِ. بلْ كانَ فتحًا علميًّا أسَّسَ لنهضَةٍ معرفيَّةٍ غيرِ مسبوقَةٍ في الأمصارِ، وهذا الانتقالُ المنهجيُّ حوَّلَ #الأمصَارَ إلى جَامعَاتٍ معرفِيَّة، قَالَ #ابنُ_سِيرِينَ: (قدمتُ #الكوفةَ قبل #الجماجم فرأيتُ فيها ٤٠٠٠ يطلبون الحديث). . ولمْ يكنْ فُشُوُّ العِلمِ في #الكوفةِ أمرًا عَرَضيًّا، بلْ كانَ ثمرةً مُباشرةً لاستيطانِ الصَّحابَةِ رضوانُ اللَّهِ عليهمْ فيها، وقدْ كشفَ سبَبَهُ #إبراهيمُ_النَّخَعِيُّ رحمهُ اللَّهُ بقولهِ: (هبطَ #الكوفةَ ٣٠٠ منْ أصحابِ الشَّجرةِ، و٧٠ منْ أهلِ بدرٍ)، فكانَ هؤلاءِ النُّخبةُ منْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ مَشاعِلَ هدايةٍ وعِلمٍ، أورثوا الأمَّةَ ميراثَ النُّبوَّةِ، وأقاموا في المِصرِ مدرسةً علميَّةً أثمرتْ أجيالًا منَ العلماءِ والرُّواةِ. وصنعَ الصَّحابَةُ أمثالُ #ابنِ_مسعودٍ طبقَةً كَانوا همُ القناطرَ الَّتي عبرَ عليها العلمُ إلى الآلافِ المؤلَّفَةِ، فالضَّبطُ والنَّقدُ والرِّحلَةُ سلوكيَّاتٌ معرفيَّةٌ تشرَّبها هذَا الجيلُ منْ أنفاسِ الصَّحابَةِ في مجالسهمْ.

‏⁧ #جبرُ_الخواطرِ⁩ فِي هديِ النُّبُوَّةِ عجيبٌ شَأنُه، فقد كانَ ﷺ حريصاً على ألَّا ينكسرَ قلبُ مسلمٍ في حياتِهِ، يتفقَّدُ غائبَهمْ، ويواسي حزينَهمْ، ويضمِّدُ جراحَ الفقدِ بما آتاهُ اللَّهُ منْ رحمةٍ ولينٍ وحسنِ مواساةٍ. ‏قَالَ لهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَخِي مَاتَ، وَلَمْ تُصَلِّ عَلَيْهِ)، ‏قَالَ ﷺ: (فَأَيْنَ قَبْرُهُ؟)، ‏فَأَخْبَرَهُ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ الْأَنْصَارِيِّ.! ‏. ‏للهِ درُّ هذا النَّبيِّ الكريمِ ﷺ لا يمنحُ المكلومَ وقتاً فحسبُ، بلْ يهبُهُ اهتماماً يغسلُ أدرانَ الحزنِ، ففي سؤالِهِ ﷺ: (فأينَ قبرُهُ؟)، ما يشعرُ الأنصاريَّ بأنَّ فقدَ أخيهِ محلُّ عنايةٍ واهتمامٍ. ‏عَلى أَشرَفِ الرُسل الكِرام أَولي القَدرِ ‏ صَلاةٌ وَتَسليمٌ يُصَانانِ عَن حَصرِ

تجتمعُ النّصوصُ الواردةُ في بَابِ بَولِ الرَّجُل واقِفًا على هَدْيٍ محكمٍ لا تعارضَ فيهِ؛ فالغالبُ منْ فعلِ النّبيِّ ﷺ أنّهُ كانَ يقضي حاجتَهُ قاعداً، ولأجل ولأجلِ ذلكَ أنكرتْ عائشةُ رضيَ اللّـهُ عنها ما خالفَ علمَها منْ عادَتِه ﷺ، فقالتْ: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا». غيرَ أنّ بعضَ الصّحابةِ ممّنْ صحبوهُ في أسفارِهِ شهدوا أحوالاً أخرى لمْ تكنْ تقعُ غالباً في بيوتِ النّبيِّ ﷺ، فنقلَ حذيفةُ رضيَ اللّـهُ عنهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا». فدلَّ ذلكَ على أنّ القعودَ هوَ هديُهُ الأغلبُ ﷺ، وأنّ البولَ قائماً جائزٌ عندَ الحاجةِ أوْ عندَ وجودِ ما يقتضيهِ، منْ غيرِ أنْ يكونَ ذلكَ هوَ عادتَهُ المستمرّةَ ﷺ. واستنبطَ العلماءُ منْ هذا الحديثِ جوازَ البولِ قائماً مقيِّدينَ جوازَ ذلكَ بسرطًيْن: ١- إذا أُمنَ التّنجّسُ من الرّذَاذِ المتطايِر. ٢- وحُفظتِ العورةُ من الانكشَاف.