en
Feedback
قناة | الغيث الشامي (الأبحاث)

قناة | الغيث الشامي (الأبحاث)

Open in Telegram

مستودع أبحاث (في المعرفة والعلم والأخلاق والسياسة). القناة الرئيبسية: https://t.me/AboObadaShami

Show more
1 598
Subscribers
+224 hours
+227 days
+3930 days
Posts Archive
النبوات، 2/914. فالشك بين الطرفين وصف لحال علم الإنسان، لا وصف لواقع استكملت فيه أسباب أحد الطرفين. ثم قال: ««ثم من علم بعض تلك الأسباب، علم الواقع؛ فتارة يعلم لأنه أخبر بعلمه... وتارة يعلم من جهة المشيئة؛ لأنه جرت به سنته الشاملة التي لا تتبدل؛ وتارة يعلم من جهة حكمته». النبوات، 2/914. حاصل القسمة الإمكان عند ابن تيمية يمكن فهمه إذن على ثلاث جهات متراكبة: ماهويًا: هل الشيء من حيث نفسه ممتنع، أم أنه لا يحمل في ذاته موجب امتناعه ويقبل الوجود والعدم؟ أنطولوجيًا تعليليًا: ما الذي يصحح إمكانه في الخارج؟ أقدرة في الفاعل، أم قبول في المحل، أم شرط من جهة أحدهما؟ ثم ما الأسباب والمشيئة التي تعين فرده، فيصير الممكن في نفسه واجبًا أو ممتنعًا بغيره؟ إبستمولوجيًا: كيف نعلم ذلك كله؟ هل غاية ما عندنا عدم العلم بالامتناع، أم ثبت الإمكان بوجود أو نظير أو عادة أو دليل؟ ثم هل علمنا مجرد الإمكان، أم قام دليل أخص يوجب الجزم بوقوع الفرد؟.

وهذا يظهر في باب النبوة. فالخارق من حيث جنسه مقدور، حتى قال ابن تيمية للأشاعرة: «ومن أين علمتم أن الرب لا يخرقها مع دعوى النبوة إلا على يد صادق، وأنتم تجوزون على أصلكم كل فعل مقدور، وخلقها على يد الكذاب مقدور؟». النبوات، 1/136. فقيل لهم: لم أوجبتم هذا في هذا الموضع، دون غيره، وأنتم لا توجبون على الله شيئا؟ فقالوا: لأن المعجزة علم الصدق؛ فيمتنع أن يكون لغير صادق4. [فقلنا: المجموع] 5 هو الممتنع؛ وهو خارق العادة، ودعوى النبوة. أو هذان مع السلامة عن المعارض. النبوات، 1/135. ولاحظ قوله: «فالمجموع هو الممتنع». النبوات، 1/135. فالفرق بين ذات الفعل المقدور وبين الفعل مأخوذًا مع وصف زائد يناقض الحكمة أو مدلوله المقصود. فوقوع خارق من حيث هو خارق شيء، وكونه تصديقًا إلهيًا مقصودًا لكاذب مع بقاء كذبه شيء آخر. وكذلك في مسألة الظلم، حيث ذكر القول: «أن الظلم ممكن مقدور، وأنه منزه عنه لا يفعله لعلمه وعدله».» منهاج السنة النبوية، 2/309. فعدم الفعل هنا، على هذا التقرير، ليس عدم قدرة؛ بل يرجع إلى ما قام بالفاعل من صفات زائدة على مجرد القدرة. ولهذا لا تكتمل الجهة الأنطولوجية بذكر الفاعل والقابل فقط، بل ينبغي الانتقال إلى سؤال آخر: ما الذي يجعل فردًا معينًا من الممكنات يقع بالفعل؟ في حق الله يقرر ابن تيمية أن القدرة إذا اقترنت بالمشيئة تعين المراد: «وهو قادر يفعل بمشيئته؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فما شاءه وجب كونه، وما لم يشأ امتنع كونه».» النبوات، 2/911. فالممكن في نفسه، والمقدور من جهة القدرة، يصير عند تعلق المشيئة به واجبًا بغيره. ولهذا قال: ««وما لم يشأ لم يكن... وإن كان الله قادرًا عليه، وهو ممكن في نفسه». درء تعارض العقل والنقل، 9/115. فالقدرة أوسع من دائرة الأفعال الواقعة. وليس كل مقدور مرادًا. ولا يفسر ابن تيمية المشيئة هنا بمعزل عن سائر صفات الفاعل؛ بل يربطها بالعلم والحكمة. قال: «ومن جهة أنه يعلم ما في ذلك الفعل من الحكمة: فيدعوه علمه إلى فعله، أو ما فيه من الفساد، فيدعوه إلى تركه». النبوات، 2/913. وقال: ««إذا كان مريدًا للفعل، وقد علم أن الفعل على هذا الوجه هو الأصلح، امتنع أن يريد الوجه الآخر». ثم قال: «كانت حكمته من لوازم ذاته؛ فيمتنع أن يفعل إلا لحكمة وبحكمة، ويمتنع أن يفعل على خلاف الحكمة». النبوات، 2/925-926. فتكتمل العلة الوجودية على هذا النحو: ماهية لا تستلزم الامتناع، ثم فاعل قادر أو محل قابل، ثم شروط وأسباب يصح بها الحدوث، ثم مشيئة تعين الفرد الواقع، وكل ذلك جار بحسب العلم والحكمة. الإمكان من الجهة المعرفية (الإبستمولوجية) أما هذه الجهة فالسؤال فيها: كيف نعلم أن الشيء ممكن في الخارج؟ وهنا يقع الفرق بين الإمكان الذهني والإمكان الخارجي. قال: ««فالإمكان الذهني: وهو تجويز الشيء، أو عدم العلم بامتناعه، محله الذهن». النبوات، 1/328. وقال: «والإمكان الذهني: قد يراد به عدم العلم بالامتناع، وقد يراد به الشك في الواقع. وكلا النوعين عدم علم». النبوات، 2/911. فالإنسان قد يتصور شيئًا ولا يعلم امتناعه، ولا يلزم من ذلك أن يكون قد علم إمكانه في الخارج. ولهذا قال: «تقدير العقل لهذه الأقسام لا يقتضي وجودها في الخارج ولا إمكان وجودها في الخارج». ثم بيّن الطرق التي يثبت بها الإمكان الخارجي: «إمكان الشيء يعلم بوجوده أو بوجود نظيره أو وجود ما يكون الشيء أولى بالوجود من ذلك الذي علم وجوده، أو بنحو ذلك من الطرق». ثم قال: ««والإمكان الخارجي يثبت بمثل هذه الطرق... ولكن عدم العلم بالامتناع ليس علمًا بالإمكان». منهاج السنة النبوية، 2/215. فالمشاهدة، والنظير، والاستقراء، وقياس الأولى، ومعرفة الأسباب والقوابل: كل ذلك ينقلنا من مجرد التجويز الذهني إلى العلم بشيء عن الإمكان الخارجي. ومن هنا تظهر وظيفة العادة وسنن الله. فمشاهدة أفراد البشر تثبت إمكان تحقق هذا النوع، وتكرر الولادة من البشر يثبت أن هذا جنس ممكن الوقوع في الخارج. لكن معرفة إمكان النوع لا تستلزم الجزم بوقوع الفرد. ولهذا قال: «وأما الجزم بالوقوع وعدمه، فيحتاج إلى دليل».» النبوات، 2/912. فقد نعلم أن المرأة قابلة للحمل، ولا نعلم أنها ستحمل. وقد نعلم أن خالدًا يمكن أن يولد له، ولا نعلم أن زيدًا بعينه سيولد. والعلم بالوقوع مرحلة أخص من العلم بالإمكان. ولهذا عدد ابن تيمية وجوهًا يعلم بها وقوع الشيء: العلم، والمشيئة، والحكمة، والخبر، وما أوجبه الله على نفسه، والكتابة، وغيرها، ثم قال: «فهذه عشرة أوجه تقتضي الجزم بوقوع ما سيكون، وأن ذلك واجب حتم لا بد منه».» ثم قال: «فما في نفس الأمر جواز يستوي فيه الطرفان؛ الوجود والعدم، وإنما هذا في ذهن الإنسان، لعدم علمه بما هو الواقع».

أنواع الإمكان عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يمكن رد استعمالات ابن تيمية للإمكان إلى ثلاث أقسام: • جهة ماهوية تتعلق بحكم الشيء من حيث نفسه؛ • وجهة أنطولوجية تعليلية تبحث فيما به يكون الشيء ممكنًا في الخارج، وما به يقع أو يمتنع؛ • وجهة إبستمولوجية تبحث في الطريق إلى العلم بالإمكان والوقوع. الإمكان من الجهة الماهوية: المقصود بهذه الجهة السؤال عن الشيء من حيث نفسه: هل في مسماه ونفس ماهيته ما يقتضي الامتناع، أم أنه يقبل الوجود والعدم؟ فهذه قسمة الإمكان إلى العام والخاص. قال ابن تيمية: «والمراد بالممكن في هذه المواضع الممكن الإمكان الخاص، وهو الذي يقبل الوجود والعدم فيكون الواجب والممتنع قسيميه. فأما إذا أريد به الممكن الإمكان العام، وهو قسيم الممتنع، فكل موجود فهو ممكن بالإمكان العام».» درء تعارض العقل والنقل، 3/101. فالإمكان العام هو عدم الامتناع، ولذلك يدخل فيه الواجب. وأما الإمكان الخاص فهو قبول الوجود والعدم، فلا يكون الممكن بهذا الاعتبار واجبًا بنفسه ولا ممتنعًا بنفسه. وعلى هذا يحمل قوله: «ممكن في نفسه» و«ممكن باعتبار ذاته». قال: ««وما لم يشأ لم يكن، فإنه يمتنع وجود شيء بدون مشيئة الله تعالى، وإن كان الله قادرًا عليه، وهو ممكن في نفسه، أي يمكن أن يخلقه الله لو شاء الله خلقه».» درء تعارض العقل والنقل، 9/115. فقد يكون الشيء ممكنًا من حيث نفسه، ثم لا يقع لأمر خارج عن مجرد ماهيته. ولهذا قال: «فكما أن ما وجد من الممكنات فهو واجب لغيره لا لنفسه، فما لم يوجد منها، فهو ممتنع لغيره لا لنفسه». درء تعارض العقل والنقل، 9/114. فالحكم الماهوي لا يخبرنا وحده عما يقع في الخارج؛ إذ قد يكون الشيء غير ممتنع من حيث نفسه، ثم تمنعه جهة زائدة. وهنا ينتقل الكلام إلى المستوى الأنطولوجي. الإمكان من الجهة الأنطولوجية التعليلية (الخارجي) السؤال في هذه الجهة ليس: هل في تصور الشيء تناقض؟ وإنما: ما الذي به يكون هذا الحادث ممكنًا في الواقع أصلًا؟ وما الشروط التي يتوقف عليها إمكانه؟ ثم ما الذي به يتعين وقوعه أو عدمه؟ قال في النبوات: ««الإمكان الخارجي المتعلق بالفاعل، أو المحل؛ مثل أن تقول: يمكن القادر أن يفعل، والمحل؛ مثل أن تقول: هذه الأرض يمكن أن تزرع، وهذه المرأة يمكن أن تحبل» ثم قال: «وهذا لا بد له من محل خارجي» النبوات، 1/328. فهذه ليست قضية عن مجرد تصور الذهن، بل عن جهة حقيقية في الموجودات يصح بها وقوع الحادث: قدرة في الفاعل، أو قبول في المحل. فإذا قيل: هذه الأرض يمكن أن تزرع، لم يكن معنى ذلك مجرد أننا لا نرى تناقضًا في تصور الزرع، بل أن الأرض من حيث واقعها قابلة لهذا النمط من الحوادث. وإذا قيل: القادر يمكنه الفعل، كان الإمكان متعلقًا بما قام بالفاعل من القدرة. ويقرر هذا المعنى أيضا في الصفدية: «وسواء كان إمكان الحدوث مشروطًا بشرط من جهة الفاعل أو القابل». الصفدية، 2/173 فإذا كان الشرط من جهة الفاعل كان نحو القدرة والتمكن وما يتعلق بالفعل؛ وإذا كان من جهة القابل كان نحو صلاح المحل لقبول الأثر. فعلى هذا الإمكان يكون التأسيس الواقعي لإمكان وجود ووقوع الشي في الخارج. ولهذا قال في الموضع نفسه من الصفدية: «فثبت أنه لم يزل قادرًا ولم يزل المقدور ممكنًا، فثبت أن إمكان الفعل لا أول له» وفي جهة الفاعل خاصة، يفسر ابن تيمية إمكان الفعل بالقدرة: «فإذا قيل عن الرب: يمكن أن يخلق؛ فمعناه أنه يقدر على ذلك، ويتمكن منه. وهذه صفة قائمة به».» النبوات، 1/328. ولهذا يقول: «والقدرة لا تكون إلا على ممكن، فلزم إمكان فعله فيما لم يزل ولا يزال». درء تعارض العقل والنقل، 9/185. فالقدرة تستلزم أن يكون متعلقها ممكنًا من جهة الفعل؛ ولذلك أنكر أن يقال إن الله كان قادرًا مع كون الفعل ممتنعًا عليه في نفس تلك الحال. لكن مجرد القدرة لا تساوي الوقوع. وهذا فارق أساسي في المستوى الأنطولوجي نفسه. قال: «والإمكان الخارجي: يراد به أن وجوده في الخارج ممكن، لا ممتنع؛ كولادة النساء، ونبات الأرض. وأما الجزم بالوقوع وعدمه، فيحتاج إلى دليل». النبوات، 2/911-912. فالمرأة قد تكون قابلة للحمل ولا يقع الحمل، والأرض قد تكون قابلة للنبات ولا ينبت فيها شيء. فوجود ما يصحح الحادث لا يعني أن شروط تعينه قد اكتملت. إمكان النوع وإمكان الفرد ومن هنا يمكن، على سبيل التحليل، التفريق بين إمكان النوع وإمكان الفرد المعين. فوجود البشر في الخارج يثبت أن تحقق أفراد من هذا النوع ممكن. لكن لا يلزم من ذلك أن كل فرد موصوف بقيود زائدة يكون ممكنًا على الوجه نفسه. فلو كان خالد قد أنجب أولادًا، ثبت من العادة والنظير أن صدور الولد منه داخل في جنس الممكنات الخارجية. لكن لا يلزم من ذلك أن يوجد فرد معين نسميه «زيدًا ابن خالد»؛ إذ قد يعرض مانع خاص، أو لا يتم السبب، أو لا تتعلق المشيئة بوجود هذا الفرد. فإمكان الجنس لا يوجب إمكان كل صورة مقيدة منه مع جميع القيود المفروضة.

sticker.webp0.16 KB

مقدمة_في_فلسفة_اللغة_عند_شيخ_الإسلام_ابن_تيمية_سراج.pdf1.54 MB

مقال متعوب عليه، لايفوتكم : ) الرابط
مقال متعوب عليه، لايفوتكم : ) الرابط

ومن هنا لا تكون إرادة الجماعة مصدرًا أعلى للحق. فالعقد عنده منشئ للالتزام في مجاله، ولهذا يقول: «الأصل في العقود رضا المتعاقدين»، ويقرر أن العقد «يوجب على كل واحد» ما التزمه؛ لكن إرادة المتعاقدين لا تستطيع قلب الظلم عدلًا، ولا المعصية طاعة. ولهذا لا يجعل البيعة تفويضًا مطلقًا للحاكم:
«لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به... فلا يجوزون طاعته في معصية الله».»
منهاج السنة 3/387. وفي المقابل لا يجعل تقصير الحاكم مسقطًا تلقائيًا لكل نظام الطاعة؛ لأن العلاقة السياسية عنده محكومة أيضًا بمآلات الأفعال وبميزان المصالح والمفاسد. ولهذا يوجب على الطرفين حقوقًا متقابلة:
«فعلى كل من الراعي والرعية للآخر حقوق يجب عليه أداؤها».
مجموع الفتاوى 28/180. فالوالي مأمور بالعدل والنصح، والرعية مأمورة بالطاعة والنصح، لكن كليهما داخل نظام معياري سابق عليهما. ويتصل بذلك مركز العدل في النظرية كلها. فابن تيمية لا يجعل انتظام المجتمع متوقفًا فقط على وجود سلطة أو عقد، بل على نوع النظام الذي يحكم هذه العلاقات؛ حتى يقول:
«العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت».
الاستقامة 2/247. ولهذا يمكن تلخيص نظريته في أن الاجتماع أصل طبيعي، والتعاقد تنظيم إرادي للمصالح المشتركة، والقدرة شرط لتحويل الاتفاق إلى نظام فعلي، والبيعة هي الصورة السياسية لهذا العقد، والسلطان لا يتحقق إلا بقبول اجتماعي منتج للقدرة، بينما تبقى مشروعية السلطان وأفعاله محكومة بالعدل والشرع والمصلحة العامة. بهذا المعنى يمكن الحديث عن بناء هظري تيمي في التعاقد الاجتماعي والسياسي، لكنها ليست فردانية ولا تجعل العقد منشئًا للمجتمع من الصفر؛ بل المجتمع سابق، والعقد ينظم علاقاته، والرضا ينشئ الالتزام، والقدرة تنشئ السلطان الفعلي، والعدل يحدد حدوده.

التعاقد الاجتماعي والسياسي عند ابن تيمية يقدم شيخ ابن تيمية رحمه الله تصورًا متماسكًا للاجتماع الإنساني، ولنشوء الالتزام داخله، ولقيام السلطة السياسية على التعاقد والقدرة معًا. فمنطلقه أن الاجتماع الإنساني سابق على الدولة، بل سابق على العقد بمعناه الإرادي الصريح؛ فالإنسان «مدني بالطبع»، لا يستقل بتحصيل مصالحه، وإنما يحتاج إلى غيره في جلب المنافع ودفع المضار. ولهذا لا يبدأ المجتمع، عنده، بأفراد مكتفين بأنفسهم قرروا في لحظة ما تأسيس جماعة سياسية، بل البشر واقعون أصلًا في علاقات من الاعتماد المتبادل، بعضها طبيعي كالنسب والجوار، وبعضها اختياري ينشأ بالفعل والاتفاق. ومن هنا يعرّف التعاقد من داخل الاجتماع نفسه. يقول:
«فإن بني آدم لا يمكن عيشهم إلا بما يشتركون فيه من جلب منفعتهم ودفع مضرتهم، فاتفاقهم على ذلك هو التعاقد والتحالف».
قاعدة في المحبة، ص 121. فالعقد هنا ليس ابتداءً عقدَ دولة، بل صورة عامة لتنظيم المصلحة المشتركة. ولهذا يذهب أبعد من العقد اللفظي، فيقرر أن الاشتراك نفسه قد يولد التزامًا ولو لم يصرح به أصحابه:
«ولو لم يتعاقدوا بالكلام، فنفس اشتراكهم في أمر يوجب عليهم اجتلاب ما يصلح ذلك الأمر المشترك ودفع ما يضره».»
- قاعدة في المحبة، ص 121؛ وانظر: جامع الرسائل، تحقيق محمد رشاد سالم، 2/307. فأهل البلد الواحد، مثلًا، يشتركون في منافع وأضرار لم يخترعها العقد، لكن هذا الاشتراك يولد مقتضيات من التعاون والدفع المتبادل. ولذلك يقول في عبارة جامعة:
«كل اجتماع في العالم لا بد فيه من التحالف، وهو الاتفاق والتعاقد على ذلك من اثنين فصاعدًا».»
قاعدة في المحبة، ص 120. بهذا المعنى يكون التعاقد عنده تنظيمًا للإرادة المشتركة داخل اجتماع سابق عليه، لا إنشاءً للمجتمع من عدم. غير أن الإرادة وحدها لا تكفي. وهذه نقطة مهمة في نسقه الاجتماعي؛ إذ يقول:
«فظهر أن جميع أمور بني آدم لا بد فيها من تعاون بينهم ودفع ومنع لغيرهم، فلا بد لهم من عقد وقدرة، والعقد أصله الإرادة».
قاعدة في المحبة، ص 122. ثم يضيف:
«والمشتركون لا بد من اتفاقهم في إرادة وفي قدرة».
فالاجتماع المنظم يقوم عنده على عنصرين: إرادة مشتركة تُنشئ الاتفاق، وقدرة مشتركة تجعل مقتضى الاتفاق قابلًا للتحقق. وهذا هو الجسر الذي تنتقل به نظريته العامة في التعاقد إلى نظريته في السلطة السياسية. فالسلطة ليست عنده شيئًا زائدًا على الاجتماع من خارج، بل وظيفة تقتضيها بنيته؛ لأن الناس بعد اجتماعهم يحتاجون إلى من ينظم المصالح المشتركة، ويفصل في التنازع، ويمنع العدوان. ولذلك يقول:
«فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس».
السياسة الشرعية، ص 129. لكن وجود «رأس» لا يعني أن أي شخص يستطيع أن يصير حاكمًا بمجرد الدعوى أو التعيين. وهنا تظهر الصلة المباشرة بين العقد العام والعقد السياسي؛ فابن تيمية يسمي البيعة نفسها عقدًا، ويقول عن البيعة النبوية:
«مثل عقد البيعة التي كانت بينه وبين الأنصار ليلة العقبة»
مجموع الفتاوى 32/167. بل يصرح بأن الناس:
«يعقدون البيعة كما يعقدون عقد البيع والنكاح ونحوها».»
مجموع الفتاوى 35/244. ويتأكد هذا المعنى في البيعة السياسية بعد النبوة؛ فعند حديثه عن بيعة ابن عمر لعبد الملك يقول:
«فأخبره أنه يعاقده على ما أمر الله به من الطاعة له في طاعة الله بحسب قدرته».»
قاعدة في المحبة، ص 128. غير أن العقد السياسي لا يكتمل بمجرد التلفظ بالبيعة؛ فلابد من أن ينتج قدرة وسلطانًا. ولهذا يرفض ابن تيمية التقديرات الكلامية (كتلك الموجودة عند الشيعة) التي تجعل الإمامة منعقدة بمجرد بيعة واحد أو اثنين أو عدد مخصوص، ويقول:
«الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة».
منهاج السنة 1/527. فالاعتبار ليس بالشكل القانوني المجرد، بل بوجود قبول اجتماعي فعال يحقق به الحاكم وظائف الإمامة. ولذلك يقول في استخلاف عمر:
«إنما صار إمامًا لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إمامًا».»
منهاج السنة 1/530. وهذه العبارة تفصل بوضوح بين الترشيح للسلطة وبين تحقق السلطة. فحتى عهد الخليفة السابق لا يجعل المعيَّن إمامًا إن لم تتكون له المبايعة والطاعة التي تحصل بها القدرة العامة. لكن ابن تيمية يميز في الوقت نفسه بين وجود السلطان ومشروعيته. فالقبول الاجتماعي قد ينشئ سلطانًا قائمًا، لكنه لا يجعل كل طريق إلى السلطان ولا كل فعل يصدر عنه مشروعًا؛ إذ يقول:
«وأما نفس الولاية والسلطان فهو عبارة عن القدرة الحاصلة، ثم قد تحصل على وجه يحبه الله ورسوله... وقد تحصل على وجه فيه معصية، كسلطان الظالمين».
فهو يميز بين الواقع السياسي والقيمة المعيارية: السلطة قد توجد حقيقة من حيث القدرة والطاعة، مع بقاء بعض أسبابها أو أفعالها محرمة.

sticker.webp0.16 KB

فكرة مهمة في فلسفة اللغة تساعد في فهم أعمق للقدر المشترك المعنوي. فكرة التشابهات العائلية (Family Resemblances) عند فيتغنشتاين تعني أن بعض المفاهيم لا يجمع أفرادها جوهر مشترك (Common Essence) واحد، بل شبكة من التشابهات المتداخلة. مثاله الأشهر هو كلمة «لعبة»: كرة القدم، الشطرنج، ألعاب الورق، ولعب الأطفال. لو قلنا إن كل لعبة فيها منافسة، خرجت بعض ألعاب الأطفال. ولو قلنا إن كل لعبة لها قواعد، خرجت الألعاب العفوية. ولو قلنا إن غايتها التسلية، خرج اللعب الاحترافي. ولو قلنا إن فيها فائزًا وخاسرًا، خرجت ألعاب كثيرة أخرى (مثل لعبة تقليد الطبيب). إذن لا توجد خاصية واحدة ضرورية تشترك فيها كل الألعاب، ومع ذلك نحن نفهم لماذا نسميها جميعًا «ألعابًا». السبب أن بينها تشابهات متقاطعة: هذه تشبه تلك في القواعد، وتلك تشبه غيرها في المنافسة، وأخرى في التسلية أو المهارة أو الحظ. وهذا يشبه أفراد العائلة: قد لا توجد ملامح واحدة مشتركة بينهم جميعًا، لكنهم يرتبطون بسلسلة من أوجه الشبه. ومن هنا تأتي الفكرة الفلسفية الأوسع: لا ينبغي أن نفترض أن كل كلمة ذات معنى تحتاج إلى تعريف ماهوي صارم؛ فكثيرًا ما نفهم معناها من استعمالها (Use) داخل الممارسة اللغوية. مثلًا كلمة (يد) ترتبط بوظيفة معينة للكائن المتصف بها، وأحيانا شكل معين ضمن نوع معين، أو أوجه شبه شكلي بين نوعين، أو أوجه شبه استعمالية. هذا القدر المشترك يلاحظه العقل بشكل فطري ضمن عدة سياقات تجريبية أثناء تعلمه اللغة، ويستعمله في كل موضع بحسبه، ومن الجدير بالذكر أنه لا ينتزعه من مورد واحد بل من موارد متعددة ومتراكبة مثل فكرة (التشابهات العائلية).

sticker.webp0.16 KB

25 الأخلاق نشأت داخل حياة، وتتعامل مع حياة، وتنظم علاقات الأحياء، وتزن الأفعال بحسب ما فيها من كمال ونقص، ومصلحة ومفسدة، وعدل وظلم، وحق واستحقاق. فإذا جاء مذهب وجعل أفضل انتصار للأخلاق هو اختفاء موضوع الأخلاق نفسه، فقد آن له أن يراجع المبدأ الذي بدأ منه. فليس السؤال الأخير: كيف نمنع أكبر مقدار ممكن من الألم؟ بل: ما الذي نريد حفظه حين نمنع الألم؟ فإن كان الجواب: الإنسان وحياته وكماله، فهمنا لماذا كانت الرحمة خيرًا. أما إن كان الجواب: لا يهم أن يبقى إنسان، المهم أن يكون الألم صفرًا؛ فقد بقي الحساب، واختفت الأخلاق التي كان الحساب من أجلها.

وإن قيل: لأن هناك من يحبه، صارت العلاقات قيمة. وكلما حاولنا منع القتل، أعدنا إلى ميزان الأخلاق القيم التي أُخرجت عند النظر إلى الطفل الممكن. 16 لنفترض أنني أسافر مع طفلي، وهناك احتمال ثلاثون في المئة أن يمسك به قطاع الطرق ويعذبوه ثم يقتلوه، وأستطيع الآن قتله بطريقة لا تؤلمه. هل أقتله؟ إن كان منع الألم هو القيمة الغالبة، فقد يبدو ذلك معقولًا: حولت احتمال ألم شديد إلى موت بلا ألم. لكننا لا نسمي هذا حماية. لقد ألغيت صاحب الخطر حتى لا يقع عليه الخطر. الحماية من الخطر شيء، وحذف من قد يتعرض له شيء آخر. 17 ولنفترض أن زوجة إنسان نائمة إلى جواره، وأُخبر أن عصابة ستهاجمه وقد تعذبها وتغتصبها ثم تقتلها، ويستطيع قتلها الآن برصاصة واحدة بلا ألم. إن فعل، فقد قلل مقدار الألم المتوقع. لكنه أيضًا ضمن موتًا كان يمكن ألا يقع. قد يقاوم. قد يهرب. قد تصل النجدة. قد يفشل المجرمون. فلماذا يتولى الجريمة بنفسه نيابة عن المجرمين؟ هنا يظهر أن احتمال استمرار الحياة نفسه قيمة أخلاقية عظيمة. 18 وهذا ما نراه في سلوك البشر دائمًا. مريض يقبل علاجًا مؤلمًا لأجل فرصة صغيرة في الشفاء. غريق يتمسك بما حوله رغم ضعف احتمال النجاة. محاصر تحت الأنقاض يحتمل أيامًا من الألم منتظرًا أن يُنقذ. فالإنسان لا يقيم حياته بحسب قاعدة: أقل ألم ممكن. إنه يقبل كثيرًا من الألم لأجل استمرار الحياة نفسها. 19 ومن هنا يظهر خطأ أعمق في جعل الأخلاق أداة لإعادة تصميم الطبيعة حتى توافق معيارًا مجردًا. لا أستطيع منع البركان من أن يحدث، لكن يمكنني إنقاذ الناس من البركان. ولا أستطيع جعل الطبيعة خالية من المرض، لكن يمكنني علاج المريض. ولا أستطيع جعل الحياة بلا مخاطرة، لكن يمكنني حماية الإنسان وتحسين فرصه. هذا هو الشكل المعتاد للممارسة الأخلاقية: هي تعالج الشر داخل الحياة، لا تعالج الحياة بوصفها الشر. 20 والألم ليس القيمة الوحيدة. فالإنسان قد يقبل الألم لأجل العلم، أو العلاج، أو تربية ولده، أو العبادة، أو إنقاذ غيره. وهذا لا يجعل الألم خيرًا في ذاته، بل يعني أنه قد يدخل في مركب خير أوسع. وكذلك الضرر نفسه لا يكون شرًا لمجرد كونه ضررًا: العقوبة ضرر للمجرم، والجراحة ألم للمريض، لكن العدل والعلاج قد يكونان خيرًا. إذن لا يكفي حساب مقدار الألم. ينبغي النظر في الفاعل، والمفعول، والاستحقاق، والسياق، والغاية، والمآل. 21 وهذا هو معنى أن تكون بعض هذه الأخلاق «مثالية» بصورة فاسدة. ليس لأنها تطلب من الإنسان الكمال، بل لأنها تفصل المعيار عن الواقع الذي أعطاه معناه، ثم تعيد المعيار ليحاكم الواقع من الخارج. الألم كان سيئًا لأنه يؤذي الحي. ثم صار الحي نفسه مشكلة لأنه قابل للألم. الرحمة كانت إحسانًا إلى الموجود. ثم صار أقصى الرحمة ألا يوجد الموجود. الرفق بالحيوان كان كمالًا في الإنسان. ثم صار مجرد اشتراك الحيوان معه في الألم كافيًا لإعادة تعريف موقع الإنسان كله في الطبيعة. الحركة واحدة: تجريد قيمة، ثم إطلاقها، ثم نسيان أصلها. 22 وفي التصور الديني توجد طبقة أخرى من التأسيس. فالطبيعة تكشف لنا حاجات الإنسان ومصالحه وكمالاته ونقائصه، والعقل ينتزع منها المعاني، لكن الإلزام النهائي لا يبقى معلقًا في الهواء. فالله خالق الإنسان وطبيعته، والعالم بحقيقة كماله ونقصه، والآمر بما يصلحه والناهي عما يفسده. وهنا يمكن أن تكون الرحمة بالحيوان واجبة أو مندوبة من غير مساواته بالإنسان، ويمكن أن يكون تعذيبه قبيحًا لأن القسوة نقص ولأن الله نهى عنها، من غير أن يلزم من ذلك تحريم أكله. 23 وكذلك الإنجاب. في التصور الإسلامي ليس وجود الإنسان خطأ يحتاج إلى الاعتذار عنه. بل خلق النوع الإنساني داخل حكمة، والتكاثر مطلوب في الجملة، والولد قد يكون بابًا للخير في الدنيا والآخرة. وجود الألم لا يعني فساد أصل الخلق، ولا أن الحياة شر. بل كثير من صور الكمال الإنساني لا تظهر إلا داخل عالم فيه مشقة وإمكان للفقد: لا صبر بلا مشقة، ولا شجاعة بلا خطر، ولا عفو بلا إساءة، ولا نجدة بلا محتاج. وهذا لا يجعل الشر مطلوبًا لذاته، لكنه يمنع من جعل مجرد وجوده حكمًا على الوجود كله. 24 المشكلة إذن ليست في الرحمة، بل في إطلاقها من كل غاية. وليست في كراهية الألم، بل في نسيان لماذا كان الألم مكروهًا أصلًا. نكره الألم لأنه يضر الحي. فإذا صار الحل هو إزالة الحي، فقد قلبنا العلاقة. وليست المشكلة في مراعاة الحيوان، بل في تحويل الإحساس المشترك بالألم إلى مساواة أخلاقية كاملة بلا حجة. وليست المشكلة في الامتناع عن الإنجاب في حالة مخصوصة يغلب فيها البؤس، بل في تحويل ذلك إلى حكم على الحياة نفسها.

إنها تحفظ الثقة، وتمنع العدوان، وتنظم الحقوق، وتحفظ الأسرة، وتجعل التعاون ممكنًا. الأخلاق اجتماعية بطبعها من هذه الجهة؛ لا بمعنى أن المجتمع يخلق الحقيقة اعتباطًا، بل بمعنى أن الممارسة الأخلاقية تعمل داخل فضاء العلاقات البشرية، وتملك وظيفة واقعية سببية في استمرار الحياة الاجتماعية وازدهارها. 8 ولهذا لا نستطيع أخذ لفظ «ينبغي» ثم إلحاقه بأي تصور فلسفي، ثم مطالبة الناس بأن يعاملوه بالقوة الأخلاقية نفسها. حين يقال: «ينبغي ألا تقتل جارك»، نفهم محل الحكم ووظيفته. لكن حين يقال: «ينبغي ألا تنجب لأن الحياة تحتوي الألم»، أو «ينبغي أن تقتل طفلك الآن إن كان ذلك يجنب احتمال عذابه لاحقًا»، أو «ينبغي ألا تأكل حيوانًا لمجرد أنه يشعر بالألم»، يحق لنا أن نسأل: من أين جاءت هذه الـ«ينبغي» بقوتها الأخلاقية؟ لا يكفي أن توجد في القضية مفسدة اسمها الألم. ينبغي أن يُبيَّن لماذا تحولت هذه المصلحة الجزئية إلى قاعدة لها سلطان على بقية الحياة. 9 الممارسة الأخلاقية التاريخية ليست معصومة، وقد تخطئ المجتمعات، وقد يكون الإصلاح الأخلاقي صوابًا. لكن الممارسة المستقرة تمنحنا نقطة بداية وعبء إثبات. فالعدل، والوفاء، وعدم الاعتداء، ورعاية الذرية، وحفظ الثقة ليست اختراعات فلسفية حديثة غريبة عن الحياة الاجتماعية. أما أن يقال إن التكاثر نفسه شر، أو أن استمرار الحياة ينبغي التضحية به أمام مبدأ منع الألم، فهذه مراجعة جذرية تحتاج تبريرًا يوازي حجمها. لا يجوز للفيلسوف أن يستعير قوة الإلزام من اللغة الأخلاقية المعتادة ثم يقطعها عن صورة الحياة التي منحتها معناها العملي. 10 الحيوان يتألم. هذه حقيقة. لكن من «الحيوان يتألم» لا تنتج مباشرة «لا يجوز للإنسان أكله». بين الجملتين مقدمة أخلاقية ينبغي إثباتها. فحرمة قتل الإنسان نفسها لا تقوم على الألم وحده؛ وإلا كان قتل الإنسان بلا ألم مباحًا. لكن قتل الإنسان بغير حق يتضمن اعتداءً على إرادته، وقطعًا لمستقبله، وهدمًا لنظام الحقوق، وإفسادًا للاجتماع، ونقصًا في الفاعل. إذن الحكم الأخلاقي الكامل لا يستخرج من خصلة الإحساس بالألم وحدها. 11 وهذا لا يعني أن الحيوان لا اعتبار له. تعذيبه عبثًا قد يكون قسوة ونقصًا، وقد يفسد الفاعل، وقد يكون الرفق به كمالًا، وفي التصور الديني الإسلامي قد يكون الإحسان إليه مأمورًا به والتعذيب منهيًا عنه. لكن كل هذا لا يساوي أن الحيوان والإنسان في مرتبة أخلاقية واحدة، ولا أن الذبح للأكل يساوي التعذيب العبثي، ولا أن مجرد وجود الألم يجعل كل قتل للحيوان ظلمًا. فالقول بأن الحيوان يشعر بالألم يعطينا سببًا للنظر، لكنه لا يعطينا النظرية الأخلاقية كاملة. 12 ويظهر الإشكال نفسه بصورة أوضح في اللا إنجابية. يقال: إن لم أنجب الطفل فلن يتألم. صحيح. لكنه أيضًا لن يلتذ، ولن يحب، ولن يتعلم، ولن ينجح، ولن تكون له علاقة أو مشروع أو مستقبل. فيقال: غياب هذه الأشياء ليس خسارة لأنه لا يوجد أحد يشعر بالحرمان منها. لكن الميت أيضًا لا يشعر بحرمانه من لذاته المستقبلية. فإذا كان غياب اللذة قبل الولادة ليس سيئًا لأن لا ذات هناك تشعر بفقدها، فلماذا يصبح غياب اللذة بعد الموت سيئًا مع أن الميت أيضًا لا يشعر بفقدها؟ 13 فإن قيل: الموت سيئ لأن الإنسان حُرم من مستقبل كان سيحصل عليه، وإن لم يشعر بعد موته بهذا الحرمان، قيل: إذن لا يشترط الشعور بالحرمان حتى يكون فقد الخير ضررًا. وحينئذ يعود السؤال: لماذا تدخل آلام الطفل الممكنة في الحساب قبل وجوده، ولا تدخل خيرات حياته الممكنة بالاعتبار نفسه؟ إذا قلت: لا أنجبه لأن ألمه المستقبلي مهم، فقد عاملت مستقبل غير الموجود كشيء ذي وزن أخلاقي. فلماذا يصبح مستقبله السعيد بلا وزن؟ الألم الممكن لا يصبح كامل الاعتبار، والخير الممكن صفرًا، إلا بحجة إضافية. 14 والعدم نفسه ليس راحة. لا يوجد فيه شخص مرتاح. ولا يوجد فيه شخص يقول: لقد نجوت من الحياة. يمكن أن نقول في حالة مخصوصة: لو لم يكن أمامنا إلا حياة من ألم محض مستمر لا خير فيها أصلًا، فعدم إيجادها أهون. لكن هذا يعني: لا نوجد شرًا محضًا. ولا يعني أن العدم خير بذاته، ولا أن كل حياة تحتوي ألمًا أدنى من العدم. 15 ويقال: عدم الإنجاب غير القتل. بالطبع. لكن اختلاف صورة الفعل لا يجيب عن السؤال المعياري. السؤال ليس: هل الولادة والقتل شيء واحد؟ بل: إذا كان العدم خيرًا للشخص لأن الحياة تحتوي ألمًا، فلماذا يصبح استمرار الحياة خيرًا له بمجرد أن بدأ وجوده؟ إن قيل: لأنه أصبح يريد الاستمرار، صارت الإرادة قيمة. وإن قيل: لأن له مشاريع، صارت المشاريع قيمة. وإن قيل: لأن له مستقبلًا سيُحرم منه، صار المستقبل قيمة.

شذرات في نقد الأخلاق غير الطبيعية (اللا إنجابية - النباتية - إلخ..) المقصود بالأخلاق غير الطبيعية هنا ليس أن كل ما يقع في الطبيعة حسن، ولا أن مجرد كون الفعل طبيعيًا يجعله أخلاقيًا. فالطبيعة من حيث هي طبيعة صامتة أخلاقيًا؛ الأسد لا يرتكب جريمة حين يفترس الغزال، والبركان لا يظلم من يهلكهم، والمرض لا يكون شريرًا حين يقتل صاحبه. والمقصود نوع آخر من الخلل: أن تُنتزع قيمة جزئية من داخل الحياة الإنسانية، كمنع الألم أو عدم الإضرار، ثم تُفصل عن السياق الذي اكتسبت فيه معناها، وتُجعل قاعدة مجردة تحاكم الحياة والطبيعة نفسيهما من خارجهما. ومن صور ذلك بعض صيغ النفعية السلبية، واللا إنجابية، وبعض الحجج الأخلاقية الكلية في النباتية. والنفعية السلبية، بإيجاز، مذهب يجعل تقليل الألم والمعاناة أولوية على زيادة اللذة والخير، وقد تنتهي بعض صوره المتطرفة إلى تفضيل عدم الوجود نفسه إذا كان هو الطريق الأضمن لمنع الألم. 1 الألم شر. هذه جملة مفهومة. لكنها لا تقول بعد إن كل ما يقلل الألم خير. فقد يكون أقل الطرق ألمًا لمريض أن نقتله، وأقل الطرق ألمًا لطفل مهدد بالخطر أن نقتله قبل أن يصل إليه الخطر، وأقل الطرق ألمًا للبشر ألا يوجد منهم أحد أصلًا. إذن بين قولنا: «الألم شر»، وقولنا: «ينبغي تقليل الألم مهما كان الثمن»، مسافة أخلاقية كاملة. 2 حين يقول الإنسان: «أريد زوال ألمي»، فهو لا يريد عادة زوال ذاته. يريد أن يزول الصداع ويبقى هو، وأن يشفى المرض ويبقى هو، وأن تنتهي المحنة وتظل حياته مفتوحة لما بعدها. فثمة فرق بين عدم الألم وعدم المتألم. وليس الثاني مجرد صورة أكمل من الأول. لو كان الجوع يؤلم إنسانًا، كان إطعامه حلًا، وقتله أيضًا يزيل الجوع إلى الأبد. ومع ذلك لا نسمي قتله علاجًا. لماذا؟ لأن المقصود لم يكن إزالة الجوع من الكون، بل إصلاح حال الجائع. 3 الألم قيمة سلبية بالنسبة إلى حياة. ولا تصير الحياة قيمة سلبية لأنها الشرط الذي يمكن أن يوجد فيه الألم. وهنا يظهر قلب غريب للعلاقة في بعض صور النفعية السلبية: نبدأ من الإنسان، فنلاحظ أنه ينفر من الألم، ثم نجرد «منع الألم» من الإنسان، ثم نجعله مبدأ مستقلًا، ثم نستعمله لإلغاء الإنسان الذي منه أخذ المبدأ معناه. كأن يقال: منع النزيف خير، إذن أفضل جسد هو الجسد الذي لا يسري فيه دم. لقد حُفظ المتغير، وأُلغي النظام الذي كان ذلك المتغير خادمًا له. 4 الأخلاق لا توجد أولًا في فراغ ثم تبحث عن كائن تطبق عليه. بل نجد أولًا كائنًا حيًا اجتماعيًا عاقلًا: يريد البقاء، وينفر من الألم، ويتعلق بذريته، ويحتاج إلى غيره، ويخاف العدوان، وينتفع بالتعاون. ثم تمر هذه الدوافع بعقل يستطيع التذكر والمقارنة والتجريد والتعميم. فيتحول: «لا أريد أن تقتلني» إلى معنى لحرمة العدوان، و«لا أريد أن يُؤخذ حقي» إلى معنى للعدل، و«أتعلق بولدي» إلى معنى للأبوة والمسؤولية، والنفور من القسوة إلى معنى للرحمة. فالأخلاق ليست الغريزة الحيوانية الخام، لكنها ليست مستقلة عن شكل الحياة الذي انبثقت فيه أيضًا. هي بناء معياري انبثاقي داخل كائن حي عاقل. 5 ولهذا يستطيع الإنسان أن يفعل ما يبدو مخالفًا لغريزة البقاء المباشرة. قد يموت الأب لينقذ أطفاله. لكن هذا لا يعني أن الأخلاق انقلبت على الحياة؛ لقد خسر حياة لينقذ حياة. ثم إن الإنسان لا يسأل فقط: كيف أنجو؟ بل يسأل: أي إنسان أكون إن نجوت بهذه الصورة؟ وهنا يظهر مفهوم الكمال والنقص. قد يكون أن أنقذ نفسي وأترك أطفالي يموتون نقصًا، وأن أضحي لإنقاذهم كمالًا. فالوعي الإنساني يتجاوز الدافع الحيواني الأقرب، لكنه يفعل ذلك داخل صورة أوسع للحياة الإنسانية، لا بإلغاء الحياة نفسها. 6 إذا قيل: الإنسان ينفر من الألم، ولذلك يجب تقليل الألم، قيل: والإنسان يحب الحياة، ويتعلق بمستقبله، ويرغب في الإنجاب، ويطلب اللذة، ويتعلق بذريته. فلماذا يكون النفور من الألم دليلًا على حقيقة أخلاقية كونية، بينما يكون حب الحياة مجرد انحياز بيولوجي؟ ولماذا تكون الرغبة في الإنجاب مجرد غريزة لا قيمة لها، بينما تصبح الرغبة في عدم التألم مصدرًا لمبدأ أخلاقي ملزم؟ إن كانت الغريزة لا تؤسس الأخلاق، فلا تؤسسها غريزة النفور من الألم أيضًا. وإن كانت تكشف عن مصالح حقيقية للكائن، فإن حب الحياة واللذة والعلاقات والذرية تكشف عن مصالح حقيقية أيضًا. فلا يجوز انتقاء قيمة واحدة من الطبيعة ثم استعمالها لإدانة بقية الطبيعة. 7 وقولنا: «ينبغي عليك» ليس أخلاقيًا لمجرد أن الجملة تحتوي كلمة «ينبغي». فاللغة الأخلاقية تكتسب معناها داخل استعمال. حين نقول: لا تقتل، لا تسرق، أوف بعهدك، أطعم ولدك، أنقذ من تستطيع إنقاذه؛ نحن نعرف كيف تعمل هذه القواعد داخل حياة بشرية.

25 الأخلاق نشأت داخل حياة، وتتعامل مع حياة، وتنظم علاقات الأحياء، وتزن الأفعال بحسب ما فيها من كمال ونقص، ومصلحة ومفسدة، وعدل وظلم، وحق واستحقاق. فإذا جاء مذهب وجعل أفضل انتصار للأخلاق هو اختفاء موضوع الأخلاق نفسه، فقد آن له أن يراجع المبدأ الذي بدأ منه. فليس السؤال الأخير: كيف نمنع أكبر مقدار ممكن من الألم؟ بل: ما الذي نريد حفظه حين نمنع الألم؟ فإن كان الجواب: الإنسان وحياته وكماله، فهمنا لماذا كانت الرحمة خيرًا. أما إن كان الجواب: لا يهم أن يبقى إنسان، المهم أن يكون الألم صفرًا؛ فقد بقي الحساب، واختفت الأخلاق التي كان الحساب من أجلها.

وإن قيل: لأن هناك من يحبه، صارت العلاقات قيمة. وكلما حاولنا منع القتل، أعدنا إلى ميزان الأخلاق القيم التي أُخرجت عند النظر إلى الطفل الممكن. 16 لنفترض أنني أسافر مع طفلي، وهناك احتمال ثلاثون في المئة أن يمسك به قطاع الطرق ويعذبوه ثم يقتلوه، وأستطيع الآن قتله بطريقة لا تؤلمه. هل أقتله؟ إن كان منع الألم هو القيمة الغالبة، فقد يبدو ذلك معقولًا: حولت احتمال ألم شديد إلى موت بلا ألم. لكننا لا نسمي هذا حماية. لقد ألغيت صاحب الخطر حتى لا يقع عليه الخطر. الحماية من الخطر شيء، وحذف من قد يتعرض له شيء آخر. 17 ولنفترض أن زوجتي نائمة إلى جواري، وأُخبرت أن عصابة ستهاجمنا وقد تعذبها وتغتصبها ثم تقتلها، وأستطيع قتلها الآن برصاصة واحدة بلا ألم. إن فعلت، فقد قللت مقدار الألم المتوقع. لكنني أيضًا ضمنت موتًا كان يمكن ألا يقع. قد نقاوم. قد نهرب. قد تصل النجدة. قد يفشل المجرمون. فلماذا أتولى الجريمة بنفسي نيابة عن المجرمين؟ هنا يظهر أن احتمال استمرار الحياة نفسه قيمة أخلاقية عظيمة. 18 وهذا ما نراه في سلوك البشر دائمًا. مريض يقبل علاجًا مؤلمًا لأجل فرصة صغيرة في الشفاء. غريق يتمسك بما حوله رغم ضعف احتمال النجاة. محاصر تحت الأنقاض يحتمل أيامًا من الألم منتظرًا أن يُنقذ. فالإنسان لا يقيم حياته بحسب قاعدة: أقل ألم ممكن. إنه يقبل كثيرًا من الألم لأجل استمرار الحياة نفسها. 19 ومن هنا يظهر خطأ أعمق في جعل الأخلاق أداة لإعادة تصميم الطبيعة حتى توافق معيارًا مجردًا. لا أستطيع منع البركان من أن يحدث، لكن يمكنني إنقاذ الناس من البركان. ولا أستطيع جعل الطبيعة خالية من المرض، لكن يمكنني علاج المريض. ولا أستطيع جعل الحياة بلا مخاطرة، لكن يمكنني حماية الإنسان وتحسين فرصه. هذا هو الشكل المعتاد للممارسة الأخلاقية: هي تعالج الشر داخل الحياة، لا تعالج الحياة بوصفها الشر. 20 والألم ليس القيمة الوحيدة. فالإنسان قد يقبل الألم لأجل العلم، أو العلاج، أو تربية ولده، أو العبادة، أو إنقاذ غيره. وهذا لا يجعل الألم خيرًا في ذاته، بل يعني أنه قد يدخل في مركب خير أوسع. وكذلك الضرر نفسه لا يكون شرًا لمجرد كونه ضررًا: العقوبة ضرر للمجرم، والجراحة ألم للمريض، لكن العدل والعلاج قد يكونان خيرًا. إذن لا يكفي حساب مقدار الألم. ينبغي النظر في الفاعل، والمفعول، والاستحقاق، والسياق، والغاية، والمآل. 21 وهذا هو معنى أن تكون بعض هذه الأخلاق «مثالية» بصورة فاسدة. ليس لأنها تطلب من الإنسان الكمال، بل لأنها تفصل المعيار عن الواقع الذي أعطاه معناه، ثم تعيد المعيار ليحاكم الواقع من الخارج. الألم كان سيئًا لأنه يؤذي الحي. ثم صار الحي نفسه مشكلة لأنه قابل للألم. الرحمة كانت إحسانًا إلى الموجود. ثم صار أقصى الرحمة ألا يوجد الموجود. الرفق بالحيوان كان كمالًا في الإنسان. ثم صار مجرد اشتراك الحيوان معه في الألم كافيًا لإعادة تعريف موقع الإنسان كله في الطبيعة. الحركة واحدة: تجريد قيمة، ثم إطلاقها، ثم نسيان أصلها. 22 وفي التصور الديني توجد طبقة أخرى من التأسيس. فالطبيعة تكشف لنا حاجات الإنسان ومصالحه وكمالاته ونقائصه، والعقل ينتزع منها المعاني، لكن الإلزام النهائي لا يبقى معلقًا في الهواء. فالله خالق الإنسان وطبيعته، والعالم بحقيقة كماله ونقصه، والآمر بما يصلحه والناهي عما يفسده. وهنا يمكن أن تكون الرحمة بالحيوان واجبة أو مندوبة من غير مساواته بالإنسان، ويمكن أن يكون تعذيبه قبيحًا لأن القسوة نقص ولأن الله نهى عنها، من غير أن يلزم من ذلك تحريم أكله. 23 وكذلك الإنجاب. في التصور الإسلامي ليس وجود الإنسان خطأ يحتاج إلى الاعتذار عنه. بل خلق النوع الإنساني داخل حكمة، والتكاثر مطلوب في الجملة، والولد قد يكون بابًا للخير في الدنيا والآخرة. وجود الألم لا يعني فساد أصل الخلق، ولا أن الحياة شر. بل كثير من صور الكمال الإنساني لا تظهر إلا داخل عالم فيه مشقة وإمكان للفقد: لا صبر بلا مشقة، ولا شجاعة بلا خطر، ولا عفو بلا إساءة، ولا نجدة بلا محتاج. وهذا لا يجعل الشر مطلوبًا لذاته، لكنه يمنع من جعل مجرد وجوده حكمًا على الوجود كله. 24 المشكلة إذن ليست في الرحمة، بل في إطلاقها من كل غاية. وليست في كراهية الألم، بل في نسيان لماذا كان الألم مكروهًا أصلًا. نكره الألم لأنه يضر الحي. فإذا صار الحل هو إزالة الحي، فقد قلبنا العلاقة. وليست المشكلة في مراعاة الحيوان، بل في تحويل الإحساس المشترك بالألم إلى مساواة أخلاقية كاملة بلا حجة. وليست المشكلة في الامتناع عن الإنجاب في حالة مخصوصة يغلب فيها البؤس، بل في تحويل ذلك إلى حكم على الحياة نفسها.

إنها تحفظ الثقة، وتمنع العدوان، وتنظم الحقوق، وتحفظ الأسرة، وتجعل التعاون ممكنًا. الأخلاق اجتماعية بطبعها من هذه الجهة؛ لا بمعنى أن المجتمع يخلق الحقيقة اعتباطًا، بل بمعنى أن الممارسة الأخلاقية تعمل داخل فضاء العلاقات البشرية، وتملك وظيفة واقعية سببية في استمرار الحياة الاجتماعية وازدهارها. 8 ولهذا لا نستطيع أخذ لفظ «ينبغي» ثم إلحاقه بأي تصور فلسفي، ثم مطالبة الناس بأن يعاملوه بالقوة الأخلاقية نفسها. حين يقال: «ينبغي ألا تقتل جارك»، نفهم محل الحكم ووظيفته. لكن حين يقال: «ينبغي ألا تنجب لأن الحياة تحتوي الألم»، أو «ينبغي أن تقتل طفلك الآن إن كان ذلك يجنب احتمال عذابه لاحقًا»، أو «ينبغي ألا تأكل حيوانًا لمجرد أنه يشعر بالألم»، يحق لنا أن نسأل: من أين جاءت هذه الـ«ينبغي» بقوتها الأخلاقية؟ لا يكفي أن توجد في القضية مفسدة اسمها الألم. ينبغي أن يُبيَّن لماذا تحولت هذه المصلحة الجزئية إلى قاعدة لها سلطان على بقية الحياة. 9 الممارسة الأخلاقية التاريخية ليست معصومة، وقد تخطئ المجتمعات، وقد يكون الإصلاح الأخلاقي صوابًا. لكن الممارسة المستقرة تمنحنا نقطة بداية وعبء إثبات. فالعدل، والوفاء، وعدم الاعتداء، ورعاية الذرية، وحفظ الثقة ليست اختراعات فلسفية حديثة غريبة عن الحياة الاجتماعية. أما أن يقال إن التكاثر نفسه شر، أو أن استمرار الحياة ينبغي التضحية به أمام مبدأ منع الألم، فهذه مراجعة جذرية تحتاج تبريرًا يوازي حجمها. لا يجوز للفيلسوف أن يستعير قوة الإلزام من اللغة الأخلاقية المعتادة ثم يقطعها عن صورة الحياة التي منحتها معناها العملي. 10 الحيوان يتألم. هذه حقيقة. لكن من «الحيوان يتألم» لا تنتج مباشرة «لا يجوز للإنسان أكله». بين الجملتين مقدمة أخلاقية ينبغي إثباتها. فحرمة قتل الإنسان نفسها لا تقوم على الألم وحده؛ وإلا كان قتل الإنسان بلا ألم مباحًا. لكن قتل الإنسان يتضمن اعتداءً على إرادته، وقطعًا لمستقبله، وهدمًا لنظام الحقوق، وإفسادًا للاجتماع، ونقصًا في الفاعل. إذن الحكم الأخلاقي الكامل لا يستخرج من خصلة الإحساس بالألم وحدها. 11 وهذا لا يعني أن الحيوان لا اعتبار له. تعذيبه عبثًا قد يكون قسوة ونقصًا، وقد يفسد الفاعل، وقد يكون الرفق به كمالًا، وفي التصور الديني قد يكون الإحسان إليه مأمورًا به والتعذيب منهيًا عنه. لكن كل هذا لا يساوي أن الحيوان والإنسان في مرتبة أخلاقية واحدة، ولا أن الذبح للأكل يساوي التعذيب العبثي، ولا أن مجرد وجود الألم يجعل كل قتل للحيوان ظلمًا. فالقول بأن الحيوان يشعر بالألم يعطينا سببًا للنظر، لكنه لا يعطينا النظرية الأخلاقية كاملة. 12 ويظهر الإشكال نفسه بصورة أوضح في اللا إنجابية. يقال: إن لم أنجب الطفل فلن يتألم. صحيح. لكنه أيضًا لن يلتذ، ولن يحب، ولن يتعلم، ولن ينجح، ولن تكون له علاقة أو مشروع أو مستقبل. فيقال: غياب هذه الأشياء ليس خسارة لأنه لا يوجد أحد يشعر بالحرمان منها. لكن الميت أيضًا لا يشعر بحرمانه من لذاته المستقبلية. فإذا كان غياب اللذة قبل الولادة ليس سيئًا لأن لا ذات هناك تشعر بفقدها، فلماذا يصبح غياب اللذة بعد الموت سيئًا مع أن الميت أيضًا لا يشعر بفقدها؟ 13 فإن قيل: الموت سيئ لأن الإنسان حُرم من مستقبل كان سيحصل عليه، وإن لم يشعر بعد موته بهذا الحرمان، قيل: إذن لا يشترط الشعور بالحرمان حتى يكون فقد الخير ضررًا. وحينئذ يعود السؤال: لماذا تدخل آلام الطفل الممكنة في الحساب قبل وجوده، ولا تدخل خيرات حياته الممكنة بالاعتبار نفسه؟ إذا قلت: لا أنجبه لأن ألمه المستقبلي مهم، فقد عاملت مستقبل غير الموجود كشيء ذي وزن أخلاقي. فلماذا يصبح مستقبله السعيد بلا وزن؟ الألم الممكن لا يصبح كامل الاعتبار، والخير الممكن صفرًا، إلا بحجة إضافية. 14 والعدم نفسه ليس راحة. لا يوجد فيه شخص مرتاح. ولا يوجد فيه شخص يقول: لقد نجوت من الحياة. يمكن أن نقول في حالة مخصوصة: لو لم يكن أمامنا إلا حياة من ألم محض مستمر لا خير فيها أصلًا، فعدم إيجادها أهون. لكن هذا يعني: لا نوجد شرًا محضًا. ولا يعني أن العدم خير بذاته، ولا أن كل حياة تحتوي ألمًا أدنى من العدم. 15 ويقال: عدم الإنجاب غير القتل. بالطبع. لكن اختلاف صورة الفعل لا يجيب عن السؤال المعياري. السؤال ليس: هل الولادة والقتل شيء واحد؟ بل: إذا كان العدم خيرًا للشخص لأن الحياة تحتوي ألمًا، فلماذا يصبح استمرار الحياة خيرًا له بمجرد أن بدأ وجوده؟ إن قيل: لأنه أصبح يريد الاستمرار، صارت الإرادة قيمة. وإن قيل: لأن له مشاريع، صارت المشاريع قيمة. وإن قيل: لأن له مستقبلًا سيُحرم منه، صار المستقبل قيمة.

في الأخلاق غير الطبيعية (حين تخرج الأخلاق عن مضمارها) المقصود بالأخلاق غير الطبيعية هنا ليس أن كل ما يقع في الطبيعة حسن، ولا أن مجرد كون الفعل طبيعيًا يجعله أخلاقيًا. فالطبيعة من حيث هي طبيعة صامتة أخلاقيًا؛ الأسد لا يرتكب جريمة حين يفترس الغزال، والبركان لا يظلم من يهلكهم، والمرض لا يكون شريرًا حين يقتل صاحبه. والمقصود نوع آخر من الخلل: أن تُنتزع قيمة جزئية من داخل الحياة الإنسانية، كمنع الألم أو عدم الإضرار، ثم تُفصل عن السياق الذي اكتسبت فيه معناها، وتُجعل قاعدة مجردة تحاكم الحياة والطبيعة نفسيهما من خارجهما. ومن صور ذلك بعض صيغ النفعية السلبية، واللا إنجابية، وبعض الحجج الأخلاقية الكلية في النباتية. والنفعية السلبية، بإيجاز، مذهب يجعل تقليل الألم والمعاناة أولوية على زيادة اللذة والخير، وقد تنتهي بعض صوره المتطرفة إلى تفضيل عدم الوجود نفسه إذا كان هو الطريق الأضمن لمنع الألم. 1 الألم شر. هذه جملة مفهومة. لكنها لا تقول بعد إن كل ما يقلل الألم خير. فقد يكون أقل الطرق ألمًا لمريض أن نقتله، وأقل الطرق ألمًا لطفل مهدد بالخطر أن نقتله قبل أن يصل إليه الخطر، وأقل الطرق ألمًا للبشر ألا يوجد منهم أحد أصلًا. إذن بين قولنا: «الألم شر»، وقولنا: «ينبغي تقليل الألم مهما كان الثمن»، مسافة أخلاقية كاملة. 2 حين يقول الإنسان: «أريد زوال ألمي»، فهو لا يريد عادة زوال ذاته. يريد أن يزول الصداع ويبقى هو، وأن يشفى المرض ويبقى هو، وأن تنتهي المحنة وتظل حياته مفتوحة لما بعدها. فثمة فرق بين عدم الألم وعدم المتألم. وليس الثاني مجرد صورة أكمل من الأول. لو كان الجوع يؤلم إنسانًا، كان إطعامه حلًا، وقتله أيضًا يزيل الجوع إلى الأبد. ومع ذلك لا نسمي قتله علاجًا. لماذا؟ لأن المقصود لم يكن إزالة الجوع من الكون، بل إصلاح حال الجائع. 3 الألم قيمة سلبية بالنسبة إلى حياة. ولا تصير الحياة قيمة سلبية لأنها الشرط الذي يمكن أن يوجد فيه الألم. وهنا يظهر قلب غريب للعلاقة في بعض صور النفعية السلبية: نبدأ من الإنسان، فنلاحظ أنه ينفر من الألم، ثم نجرد «منع الألم» من الإنسان، ثم نجعله مبدأ مستقلًا، ثم نستعمله لإلغاء الإنسان الذي منه أخذ المبدأ معناه. كأن يقال: منع النزيف خير، إذن أفضل جسد هو الجسد الذي لا يسري فيه دم. لقد حُفظ المتغير، وأُلغي النظام الذي كان ذلك المتغير خادمًا له. 4 الأخلاق لا توجد أولًا في فراغ ثم تبحث عن كائن تطبق عليه. بل نجد أولًا كائنًا حيًا اجتماعيًا عاقلًا: يريد البقاء، وينفر من الألم، ويتعلق بذريته، ويحتاج إلى غيره، ويخاف العدوان، وينتفع بالتعاون. ثم تمر هذه الدوافع بعقل يستطيع التذكر والمقارنة والتجريد والتعميم. فيتحول: «لا أريد أن تقتلني» إلى معنى لحرمة العدوان، و«لا أريد أن يُؤخذ حقي» إلى معنى للعدل، و«أتعلق بولدي» إلى معنى للأبوة والمسؤولية، والنفور من القسوة إلى معنى للرحمة. فالأخلاق ليست الغريزة الخام، لكنها ليست مستقلة عن شكل الحياة الذي انبثقت فيه أيضًا. هي بناء معياري انبثاقي داخل كائن حي عاقل. 5 ولهذا يستطيع الإنسان أن يفعل ما يبدو مخالفًا لغريزة البقاء المباشرة. قد يموت الأب لينقذ أطفاله. لكن هذا لا يعني أن الأخلاق انقلبت على الحياة؛ لقد خسر حياة لينقذ حياة. ثم إن الإنسان لا يسأل فقط: كيف أنجو؟ بل يسأل: أي إنسان أكون إن نجوت بهذه الصورة؟ وهنا يظهر مفهوم الكمال والنقص. قد يكون أن أنقذ نفسي وأترك أطفالي يموتون نقصًا، وأن أضحي لإنقاذهم كمالًا. فالوعي الإنساني يتجاوز الدافع الحيواني الأقرب، لكنه يفعل ذلك داخل صورة أوسع للحياة الإنسانية، لا بإلغاء الحياة نفسها. 6 إذا قيل: الإنسان ينفر من الألم، ولذلك يجب تقليل الألم، قيل: والإنسان يحب الحياة، ويتعلق بمستقبله، ويرغب في الإنجاب، ويطلب اللذة، ويتعلق بذريته. فلماذا يكون النفور من الألم دليلًا على حقيقة أخلاقية كونية، بينما يكون حب الحياة مجرد انحياز بيولوجي؟ ولماذا تكون الرغبة في الإنجاب مجرد غريزة لا قيمة لها، بينما تصبح الرغبة في عدم التألم مصدرًا لمبدأ أخلاقي ملزم؟ إن كانت الغريزة لا تؤسس الأخلاق، فلا تؤسسها غريزة النفور من الألم أيضًا. وإن كانت تكشف عن مصالح حقيقية للكائن، فإن حب الحياة واللذة والعلاقات والذرية تكشف عن مصالح حقيقية أيضًا. فلا يجوز انتقاء قيمة واحدة من الطبيعة ثم استعمالها لإدانة بقية الطبيعة. 7 وقولنا: «ينبغي عليك» ليس أخلاقيًا لمجرد أن الجملة تحتوي كلمة «ينبغي». فاللغة الأخلاقية تكتسب معناها داخل استعمال. حين نقول: لا تقتل، لا تسرق، أوف بعهدك، أطعم ولدك، أنقذ من تستطيع إنقاذه؛ نحن نعرف كيف تعمل هذه القواعد داخل حياة بشرية.

sticker.webp0.16 KB