en
Feedback
📚الْمَدْرَسَةُ الْعَشْرِيَّةُ لِلرِّوَايَةِوَالدِّرَايَةِ 📚

📚الْمَدْرَسَةُ الْعَشْرِيَّةُ لِلرِّوَايَةِوَالدِّرَايَةِ 📚

Open in Telegram
1 125
Subscribers
No data24 hours
-27 days
-1230 days
Attracting Subscribers
September '26
September '26
+1
in 1 channels
August '26
+6
in 1 channels
Get PRO
July '26
+3
in 0 channels
Get PRO
June '26
+6
in 1 channels
Get PRO
May '26
+6
in 2 channels
Get PRO
April '26
+7
in 2 channels
Get PRO
March '26
+6
in 2 channels
Get PRO
February '26
+9
in 3 channels
Get PRO
January '26
+2
in 2 channels
Get PRO
December '25
+7
in 0 channels
Get PRO
November '25
+6
in 0 channels
Get PRO
October '25
+3
in 0 channels
Get PRO
September '25
+11
in 0 channels
Get PRO
August '25
+4
in 0 channels
Get PRO
July '25
+5
in 0 channels
Get PRO
June '25
+7
in 0 channels
Get PRO
May '25
+13
in 1 channels
Get PRO
April '25
+17
in 1 channels
Get PRO
March '25
+19
in 1 channels
Get PRO
February '25
+24
in 1 channels
Get PRO
January '25
+4
in 1 channels
Get PRO
December '24
+24
in 1 channels
Get PRO
November '24
+13
in 0 channels
Get PRO
October '24
+19
in 1 channels
Get PRO
September '24
+103
in 3 channels
Get PRO
August '24
+27
in 1 channels
Get PRO
July '24
+44
in 1 channels
Get PRO
June '240
in 3 channels
Get PRO
May '240
in 1 channels
Get PRO
April '240
in 1 channels
Get PRO
March '240
in 3 channels
Get PRO
February '240
in 2 channels
Get PRO
January '24
+1
in 0 channels
Get PRO
December '23
+4
in 0 channels
Get PRO
November '23
+7
in 0 channels
Get PRO
October '23
+10
in 0 channels
Get PRO
September '23
+2
in 0 channels
Get PRO
August '23
+8
in 0 channels
Get PRO
July '23
+15
in 0 channels
Get PRO
June '23
+11
in 0 channels
Get PRO
May '23
+90
in 0 channels
Get PRO
April '23
+44
in 0 channels
Get PRO
March '23
+68
in 0 channels
Get PRO
February '23
+62
in 0 channels
Get PRO
January '23
+48
in 0 channels
Get PRO
December '22
+221
in 0 channels
Get PRO
November '22
+15
in 0 channels
Get PRO
October '22
+315
in 0 channels
Get PRO
September '22
+11
in 0 channels
Get PRO
August '22
+10
in 0 channels
Get PRO
July '22
+8
in 0 channels
Get PRO
June '22
+10
in 0 channels
Get PRO
May '22
+14
in 0 channels
Get PRO
April '22
+13
in 0 channels
Get PRO
March '22
+87
in 0 channels
Get PRO
February '22
+163
in 0 channels
Get PRO
January '22
+995
in 0 channels
Date
Subscriber Growth
Mentions
Channels
08 September0
07 September0
06 September0
05 September0
04 September0
03 September+1
02 September0
01 September0
Channel Posts
حين تنطفئ شعلة الأمل.. كيف توقدها من جديد؟ في رحلة الحياة، تمر بنا لحظات نشعر فيها بأن شعلة الأمل قد خبت، بل كادت أن تنطفئ تماما.. ننظر إلى المستقبل فلا نرى منه شيئا، ننظر إلى أنفسنا فلا نجد القوة، ننظر إلى السماء ونشعر بأن الدعاء يخرج من قلب ميت. وهذه اللحظات هي أقسى ما يمر به الإنسان. فالألم الجسدي مؤلم، لكنه يزول.. والفشل مرير، لكنه يمر.. أما فقدان الأمل، فهو أشد إيلاما من كل شيء؛ لأنه يسلبك القدرة على النهوض، والرغبة في الحياة، والإيمان بأن الغد قد يكون أفضل. لكن النبأ العظيم أن الأمل ليس شعاعا ينير من الخارج، بل هو شعلة كامنة في أعماق روحك، قد تخبو لكنها لا تنطفئ أبدا. يقول الله تعالى: "إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" (يوسف: 87). فاليأس من رحمة الله ليس ضعفا، بل هو كفر. والأمل بالله ليس تفاؤلا ساذجا، بل هو عبادة وثقة بربٍ أرحم بنا من أمهاتنا. فإذا شعرت بأن أملَك قد مات، فتذكر أن الله لم يمت، وأن رحمته لم تنقطع، وأن باب التوبة والفرج مفتوح، وأن الليل مهما طال، لابد أن ينتهي. وقفة اليوم (ما الذي يطفئ شعلة الأمل؟): الأمل يخبو حين: · نركز على كل ما هو سيء، وننسى كل ما هو جميل. · نقارن أنفسنا بالآخرين، ونشعر بأننا أقل منهم. · نصدق همس الشيطان بأننا لا نستحق الخير. · ننسى أن الله معنا، وأنه لا يضيع أجر من صبر. · نأسر أنفسنا في قفص الماضي، وننسى أن المستقبل لم يُخلق بعد. لكن الأمل يعود حين: · نتذكر أن الله لا يكلّف نفسا إلا وسعها. · نتيقن أن العسر مقرون باليسر. · نثق بأن كل شيء بقضاء الله، وأن قضاءه لنا خير. · نخطو خطوة صغيرة نحو التغيير، ونثق بأن الله يعيننا. وجدانيا (رسالة إلى من خبا أملهم): أعلم كم هو ثقيل هذا الشعور.. أعلم كم هو مؤلم أن تنظر إلى الحياة فلا ترى فيها طعماً. أعلم كم هو مُرهق أن تحاول وتفشل، ثم تحاول وتفشل، حتى تفقد الرغبة في المحاولة. لكن أريدك أن تعلم يقينا: أنت لست وحدك. فالله معك، وهو الذي يقول: "أَنِّي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ" (طه: 46). وهو الذي وعد: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا" (الطلاق: 2). وهو الذي قال: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (الشرح: 5). فلا تيأس، ولا تقنط، فالأمل هو ما يبقى لك حين لا يبقى شيء آخر. عمليا (كيف توقد شعلة الأمل من جديد؟): 1. تذكر نعمة واحدة في حياتك: ابحث عن نعمة واحدة، مهما كانت صغيرة: عين تبصر، أذن تسمع، قلب ينبض، سقف يؤويك، شخص يحبك. واشكر الله عليها.. فالشكر يفتح أبواب الأمل. 2. غيّر نظرتك للمستقبل: بدلا من أن تنظر إلى المستقبل بخوف، انظر إليه بأمل.. قل: "اللهم إني أسألك خير ما في هذا اليوم، وأعوذ بك من شر ما فيه". 3. تحدث مع شخص تثق به: لا تحمل ألمك وحدك. شاركه مع شخص تثق به، واطلب منه الدعاء. فالمشاركة تخفف الحمل، وتزرع الأمل في قلبك. 4. استغفر الله كثيرا: الاستغفار يمحو الذنوب، ويفتح أبواب الرزق والفرج. قال النبي ﷺ: "مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا" (رواه أحمد). 5. تذكر أن الفرج قريب: تذكر قصة يوسف عليه السلام، وكيف انقلب حزنه فرحا، وسجنه ملكا، وضياعه لقاءً.. فما من شدة إلا ويتبعها فرج. 6. اهدِ نفسك هدية صغيرة: اشتري شيئا تحبه، أو اخرج في نزهة، أو افعل شيئا يسعدك.. فإسعاد النفس يبعث فيها الأمل من جديد. دعاء من خبا أملهم: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُوقِدَ فِي قَلْبِي شَعْلَةَ الْأَمَلِ، وَأَنْ تَمْلَأَهُ بِالثِّقَةِ بِرَحْمَتِكَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ، وَأَسْأَلُكَ الْفَرَجَ وَالصَّبْرَ وَالثَّبَاتَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَرْجُونَ رَحْمَتَكَ، وَيَثِقُونَ بِفَضْلِكَ، وَلا يَيْأَسُونَ مِنْ رَوْحِكَ. خاتمة تحفيزية: الأمل ليس انعكاسا للواقع، بل هو نور يضيء الطريق في ظلمة الواقع. فلا تدع الظروف تحطم أملك، بل اجعل أملك أقوى من أي ظرف. فتذكر أن الله معك، وأنه يسمع دعاءك، ويرى دمعك، ويعلم ما في قلبك. فلا تيأس، فالفرج قريب، والأمل هو ما يبقى لك حين لا يبقى شيء آخر. اللهم اجعل الأمل رفيق دربنا، والنور في ظلماتنا. د. محمود العشري

2
حين يكون كتمان المشاعر أشد إيذاءً من البوح بها في بيوت كثيرة، يتعلم الأفراد منذ الصغر ألا يُظهروا مشاعرهم. الرجل يتعلم أن "الرجال لا يبكون"، فيكبت حزنه. المرأة تتعلم أن "العواطف الزائدة غير لائقة"، فتكبت فرحها. الطفل يتعلم أن "البكاء يزعج الكبار"، فيكبت خوفه. وكأن كتمان المشاعر أصبح فضيلة، والبوح بها عيبا!! لكن هذه هي الكذبة التي تقتل العلاقات. فالمشاعر المكبوته لا تختفي، بل تتحول إلى سموم تتراكم في القلب؛ تتحول إلى انفجارات غاضبة، أو صمت مطبِق، أو اكتئاب خفي، أو أمراض نفسية وجسدية. والبيت الذي لا يتحدث أفراده عن مشاعرهم، هو بيت تسكنه الأرواح المتعَبة. يقول الله تعالى: "وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ" (البقرة: 235). فإذا كان الله يعلم ما في أنفسنا، فلماذا نخفيها عن من نحب؟! إن إخفاء المشاعر عن من يفترض أنهم الأقرب إلينا، هو حرمان لهم من فرصة فهمنا ودعمنا. وقفة اليوم (ماذا يحدث حين نكبت مشاعرنا؟): كتمان المشاعر ليس حلا، بل هو تأجيل للألم.. وحين يؤجَّل الألم، يتحول إلى: · انفجارات غاضبة غير مبررة. · جفاء عاطفي يبعد القلوب. · أمراض نفسية كالاكتئاب والقلق. · شعور دائم بالوحدة، حتى وسط الأهل. · عدم القدرة على بناء علاقات صحية. فالكتمان ليس قوة، بل هو هروب. والقوة الحقيقية هي أن تكون صادقاً مع مشاعرك، وأن تعبر عنها بطريقة صحية. وجدانيا (رسالة إلى من يكتم مشاعره): قد تكون تعلمت أن الكتمان يحميك، لكنه في الحقيقة يؤذيك. قد تكون ظننت أن إظهار مشاعرك يجعلك ضعيفا، لكنه في الحقيقة يجعلك أكثر قرباً من من تحب. فلا تخف من أن تقول: "أنا حزين"، أو "أنا خائف"، أو "أنا بحاجة إليك". فهذه الكلمات ليست ضعفا، بل هي جسور توصل القلوب ببعضها. عمليا (كيف تعبر عن مشاعرك بصدق وأمان؟): 1. اعترف بمشاعرك لنفسك أولا: قبل أن تعبر للآخرين، اعترف لنفسك بما تشعر به. قل: "أنا حزين"، "أنا غاضب"، "أنا خائف".. الاعتراف يحررك. 2. اختر الوقت والمكان المناسبين: لا تعبر عن مشاعرك في لحظة غضب، أو في مكان غير مناسب. اختر وقتاً هادئا، ومكانا تشعر فيه بالأمان. 3 استخدم عبارات "أنا" بدلا من "أنت": بدلا من أن تقول: "أنت لا تفهمني"، قل: "أنا أشعر بأنني غير مفهوم".. هذه الطريقة تقلل من الشعور بالهجوم، وتفتح باب الحوار. 4 لا تخف من البكاء: البكاء ليس ضعفا، بل هو تطهير للروح.. إذا شعرت بالحاجة للبكاء، فلا تكتمه.. دعه يخرج، واشعر بالراحة بعده. 5 اطلب الدعم ولا تخجل: إذا كنت تمر بضيق، لا تتردد في طلب الدعم من شخص تثق به. قل: "أنا أحتاج إلى من يستمع لي"، أو "أنا أحتاج إلى نصيحتك". 6 تذكر أن التعبير عن المشاعر يُقرّب القلوب: حين تشارك من تحب مشاعرك، فإنك تمنحه فرصة لفهمك، والقرب منك. والمشاركة تخلق عمقا في العلاقة لا تصنعه الهدايا. دعاء الصدق مع المشاعر: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصِّدْقَ فِي مَشَاعِرِي، وَالشَّجَاعَةَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهَا. اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى قَوْلِ الْحَقِّ، وَإِظْهَارِ مَا فِي قَلْبِي بِحِكْمَةٍ وَرِفْقٍ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَبْنُونَ جُسُوراً بِكَلِمَاتِهِمْ، لَا جُدْرَانا. خاتمة تحفيزية: لا تدع المشاعر المكبوتة تصبح جدرانا بينك وبين من تحب. فالصدق مع المشاعر يبني جسورا، والكتمان يبني جدرانا. وأنت بحاجة إلى جسور، لا إلى جدران. فاليوم، اختر أن تكون صادقا. اختر أن تعبر عن ما في قلبك، ولو بكلمة واحدة. وستجد أن من تحب يقترب منك أكثر. وتذكر أن النبي ﷺ كان يعبر عن مشاعره، كان يحزن، ويبكي، ويغضب، ويفرح، ويعبر عن ذلك بصدق، دون أن يفقد هيبته. فكن أنت أيضا صادقا مع مشاعرك. اللهم اجعلنا من الصادقين في مشاعرنا، القريبين إلى قلوب من نحب. د. محمود العشري
28
3
متى يصبح الفراغ رحمة.. والسكون نورا؟ نحن نخاف من الفراغ. نخاف من اللحظات التي لا نعمل فيها شيئا.. نخاف من الهدوء الذي لا تشغله أصوات.. نخاف من الجلوس وحدنا دون مشتتات. فنملأ حياتنا بأي شيء: نشاهد، نتصفح، نتحدث، نعمل، حتى لا نواجه ذلك الفراغ المزعج. لكن هذا الفراغ الذي نهرب منه، قد يكون هو ما نحتاجه حقا. قد يكون هو المساحة التي تسمح لنا بالتنفس، والتفكر، واللقاء بأنفسنا، واللقاء بالله. فالفراغ ليس عدوا، بل هو رحم تنمو فيه البذور. يقول الله تعالى: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" (محمد: 24). فالتدبر يحتاج إلى فراغ، إلى توقف، إلى صمت.. لا يمكن أن تتدبر وأنت مشغول، أو مشتت، أو غارق في الضجيج. فالفراغ الذي تخافه، قد يكون مفتاح قلبك. وقفة اليوم (ماذا يحدث حين نهرب من الفراغ؟): عندما نهرب من الفراغ، فإننا: · نمنع أنفسنا من التفكر والتأمل. · نفقد فرصة الاستماع إلى صوتنا الداخلي. · نبتعد عن الله، لأن ذكره يحتاج إلى سكون. · نزيد من قلقنا، لأن الهروب من الفراغ هو هروب من الذات. · نعيش حياة سطحية، لأننا نملأها بالمشتتات، لا بما ينفع. لكن من يتوقف، ويجلس مع فراغه، قد يجد فيه كنوزا لا تخطر على بال. وجدانيا (رسالة إلى من يخاف من السكون): أعلم كم هو مخيف أن تجلس مع نفسك، دون مشغلات، دون أصوات. قد تشعر بالقلق، وقد تفكر في كل ما هو سلبي، وقد تشعر بأن هناك شيئاً ينقصك. لكن حاول مرة واحدة. اجلس مع نفسك 10 دقائق، دون جوال، دون تلفاز، دون عمل. وانظر ماذا سيحدث. قد تسمع صوتا بداخلك لم تسمعه من قبل. قد تشعر براحة لم تعرفها. قد تجد إجابة لسؤال حيرك. فالسكون ليس عدوا، بل هو صديق لم تعرفه بعد. عمليا (كيف تحول الفراغ من عدو إلى صديق؟): 1. خصص وقتا للصمت اليومي:        اجلس في مكان هادئ، دون أي مشتتات، لمدة 5 إلى 10 دقائق يوميا.. فقط اجلس، وتنفس، وانظر إلى ما يحدث في داخلك. 2 استخدم الفراغ للتفكر:     بدلا من أن تشغل وقت فراغك بالتصفح أو المشاهدة، استغله للتفكر في نعم الله، وفي أهدافك، وفي علاقتك بالله. 3 استمع إلى صوتك الداخلي:     في الفراغ، اسأل نفسك: "ما الذي أشعر به حقا؟ ما الذي أريده؟ ما الذي يخيفني؟".. الإجابات قد تفاجئك. 4 لا تخف من الملل:     الملل ليس عدوا، بل هو إشارة إلى أنك بحاجة إلى التغيير.. استخدمه كدافع للبحث عن ما هو مفيد وجديد. 5 اجعل الفراغ وقتا للدعاء:     في لحظات الفراغ، ارفع يديك، وتحدث مع الله.. هذه اللحظات هي أقرب ما تكون إلى الإخلاص. 6 تذكر أن الفراغ نعمة:     ليس كل الناس يملكون وقتا للفراغ.. فإذا كنت تملكه، فاشكر الله عليه، واستثمره في ما ينفعك. دعاء الاستفادة من الفراغ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ فَرَاغِي عِبَادَةً، وَسُكُونِي رَاحَةً، وَصَمْتِي تَفَكُّرا. اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى اسْتِثْمَارِ أَوْقَاتِ فَرَاغِي فِي مَا يُقَرِّبُنِي إِلَيْكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَنْتَفِعُونَ بِفَرَاغِهِمْ، وَلا يَخَافُونَ مِنْ سُكُونِهِمْ. خاتمة تحفيزية: الفراغ ليس عدوا، بل هو فرصة؛ فرصة للتفكر، فرصة للقاء الذات، فرصة للقاء الله، فرصة للنمو. فلا تخف من السكون، بل اجلس معه، واستمع إليه، وستجد فيه ما لم تجده في صخب الحياة. وتذكر: "أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (الرعد: 28). فالطمأنينة لا تأتي في الضجيج، بل تأتي في السكون والفراغ الذي تملأه بذكر الله. اللهم اجعل فراغنا عامرا بذكرك. د. محمود العشري
28
4
السبت.. يوم خلع الأقنعة نحن نرتدي أقنعة كثيرة في حياتنا. قناع القوي، ونحن ضعفاء. قناع السعيد، ونحن حزانى. قناع المكتفي، ونحن جائعون للحب. قناع المثالي، ونحن نخطئ كغيرنا. قناع الهادئ، ونحن نعصف بنا المشاعر. نرتدي هذه الأقنعة لنرضي الناس، ولنخفي ما نخشى أن يراه الآخرون.. نخشى أن يُرى ضعفنا، أو حاجتنا، أو حزننا، أو خوفنا. لكن ارتداء الأقنعة طوال الوقت مرهق. نحن نتعب من التمثيل، نتعب من التصنع، نتعب من إخفاء ما في قلوبنا. وفي النهاية، نصبح غرباء عن أنفسنا، لا نعرف من نحن حقا، وما نشعر به حقا. والسبت هو يوم لخلع الأقنعة. يوم نكون فيه على حقيقتنا. يوم نعترف فيه بضعفنا، ونبكي إن احتجنا، ونقول "أنا لست بخير" دون خجل، ونطلب المساعدة دون كبرياء.. يوم نكون فيه كما نحن، لا كما يريدنا الآخرون أن نكون. فخلع الأقنعة ليس ضعفا، بل هو شجاعة. شجاعة أن تكون على حقيقتك، شجاعة أن تظهر كما أنت، شجاعة أن تعترف بأنك لست ملاكا، وأن لك احتياجات ومشاعر وأوجاعا. يقول الله تعالى: "يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ" (آل عمران: 106). ففي ذلك اليوم، تسقط الأقنعة كلها، ويظهر الوجه الحقيقي، ويُعرف الصادق من الكاذب، والمخلص من المتصنع. فلا تنتظر ذلك اليوم لتكون صادقا، بل ابدأ اليوم.. اخلع قناعك، وكن على حقيقتك. وقفة اليوم (لماذا نخاف من خلع الأقنعة؟): نخاف من خلع الأقنعة لأننا: · نخاف من أن يُحكم علينا. · نخاف من أن نُرفض إذا ظهرنا على حقيقتنا. · نخاف من أن نظهر ضعفنا أمام الآخرين. · نخاف من أن نكون غير كافين. · اعتدنا على التمثيل، وصار جزءاً من هويتنا. لكن من يعيش بقناع، يعيش حياة مزيفة. ومن يخلع قناعه، يعيش حياة حقيقية، وإن كانت مؤلمة أحيانا، لكنها صادقة. وجدانيا (رسالة إلى من أنهكه التمثيل): كم مرة ابتسمت وقلبك يبكي؟ كم مرة قلت "أنا بخير" وأنت لست كذلك؟ كم مرة تظاهرت بالقوة وأنت منهك؟ كم مرة أخفيت حاجتك لأنك تخفت من الرد؟ توقف.. لا تخف من أن تكون على حقيقتك. فمن يحبك بحقيقتك، يحبك للأبد.. ومن لا يحبك إلا بقناعك، لا يستحق بقاءك. فاليوم، اخلع قناعك، وكن كما أنت. لا تخف من البكاء، ولا من الاعتراف بالضعف، ولا من طلب المساعدة. فهذه هي الطريق إلى السلام الداخلي. عمليا (كيف تخلع أقنعتك في السبت؟): 1. اعترف بما تشعر به: اكتب على ورقة: "أنا أشعر بـ..."، واكتب كل ما في قلبك دون رقابة.. هذا الاعتراف هو أول خطوة لخلع القناع. 2 كن صادقا مع شخص تثق به: اختر شخصا تشعر بالأمان معه، وقل له: "أريد أن أكون صادقا معك.. أنا لست بخير، وأحتاج إلى من يسمعني". هذه الصراحة تريح القلب. 3 لا تخف من البكاء: البكاء ليس ضعفا، بل هو تطهير للروح. إذا شعرت بالحاجة للبكاء، فلا تكتمه.. دعه يخرج، واشعر بالراحة بعده. 4 توقف عن المقارنة: لا تقارن نفسك بالصور المثالية التي تراها على وسائل التواصل.. هذه الصور ليست حقيقية، بل هي أقنعة أيضا.. ركز على حقيقتك أنت. 5 أسأل نفسك: "من أنا حقاً؟" خذ وقتا للتأمل: ما هي قيمي؟ ما هي مشاعري الحقيقية؟ ما هي احتياجاتي؟ هذا السؤال يوصلك إلى ذاتك الحقيقية. 6 ادعُ الله أن يعينك على الصدق: قل: "اللهم إني أسألك الصدق في القول والعمل، وأعوذ بك من الرياء والتصنع". دعاء خلع الأقنعة: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصِّدْقَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَأَنْ تَجْعَلَنِي مِمَّنْ يَكُونُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِمْ. اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى خَلْعِ أَقْنِعَتِي، وَظُهُورِ حَقِيقَتِي، وَقَبُولِ نَفْسِي كَمَا هِيَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَرْضَوْنَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَلا يَخَافُونَ مِنْ ظُهُورِ حَقِيقَتِهِمْ. خاتمة تحفيزية: لا تخف من أن تكون على حقيقتك. فالحقيقة وحدها هي التي تمنحك السلام، والصدق هو الطريق إلى القرب من الله. فخلع الأقنعة ليس هزيمة، بل هو انتصار. انتصار على الخوف، انتصار على التصنع، انتصار على حياة مزيفة. فاليوم، اخلع قناعك، وكن كما أنت، وثق بأن الله يحب الصادقين. اللهم اجعلنا من الصادقين، واهدنا سواء السبيل. د. محمود العشري
26
5
وفي آخر ساعة يوم الجمعة (ساعة الاستجابة): الحمد لله على كل حال. رب نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم. يُشَاركُكَ المُغتابُ في حسناتهِ ويُعطيكَ أجرَيْ صومهِ وصلاتهِ ويحملُ وِزرا عنكَ ضَنَّ بحملهِ عن النُجبِ من أبنائهِ وبناتهِ وغيرُ شقيٍّ من يُبيتُ عدوَّهُ يعاملُ عنهُ اللَّهُ في غفلاتهِ فلا تعجبوا من جاهلٍ ضرَّ نفسَهُ بإمعانهِ في نفعِ بعضَ عداتهِ وأعجبُ منهُ عاقلٌ باتَ ساخطا على رجل يُهدي لهُ حسناتهِ ويحملُ من أوزارهِ وذنوبهِ ويَهلِكُ في تخليصهِ ونجاتهِ
51
6
sticker.webp
45
7
الجمعة.. يوم العهد نحن نمر بأيامنا كالغرباء، نلهث وراء متاعب الدنيا، نشتكي، نتمنى، نندم.. ثم تأتي الجمعة لتذكرنا بأننا أمة لها عهد، وأن هناك ربا ينتظر أن نقطع له العهد. لكن هل تذكر متى كانت آخر مرة قطعت فيها عهدا؟ عهدا مع الله، أو مع نفسك، أو مع من تحب؟ الجمعة هي يوم العهد. عهد التوبة، عهد التغيير، عهد المحبة، عهد الصدق، عهد الحضور. فالمسلم حين يغتسل ويذهب إلى المسجد، إنما يجدد عهده مع الله.. وحين يستمع إلى الخطبة، إنما يتجدد عهده بالطاعة.. وحين يدعو في ساعة الاستجابة، إنما يعاهد ربه أن يكون عبدا صالحا.. وحين يلتقي بأهله بعد الصلاة، إنما يجدد عهده بالحب والرعاية. فهي يوم لتجديد النوايا، وإعادة ضبط البوصلة، والبدء من جديد. يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا" (التحريم: 8).. والتوبة النصوح هي العهد الصادق الذي لا ينكسر. فلا تدع الجمعة تمر دون أن تقطع عهدا جديدا، وتبدأ صفحة جديدة، وتجدد نيتك لله. وقفة اليوم (ما هو العهد الذي تحتاجه؟): اسأل نفسك اليوم: · ما هو العهد الذي أريد أن أقطعه مع الله؟ · ما هو الوعد الذي أريد أن أقطعه لنفسي؟ · ما هي الخطوة التي سأتخذها اليوم لتكون بداية خير؟ العهد يمكن أن يكون بسيطا: "سأحافظ على صلاة الفجر"، "سأتصل بوالدي كل أسبوع"، "سأترك هذه العادة السيئة"، "سأبدأ في قراءة ورد يومي من القرآن". فالعهود الصغيرة، إذا صدقت فيها، تصنع تغييرات كبيرة. وجدانيا (رسالة إلى من ضاع بين النوايا): ربما تكون قد قطعت عهودا كثيرة، ثم كسرتها. ربما تكون قد وعدت نفسك مراراً، ثم أخلفت الوعد. لكن لا تيأس، ولا تحكم على نفسك بالفشل. فالله يحب العبد الذي يتوب ويعود، والذي يجدد العهد كلما انكسر. والجمعة هي فرصة جديدة، وعهد جديد، وصفحة جديدة. فلا تدع إخفاقات الماضي تمنعك من المحاولة مجددا. عمليا (كيف تقطع عهدا صادقا في الجمعة؟): 1. توقف وافكر: قبل أن تذهب إلى المسجد، خذ دقيقة لتتأمل: ما هو الشيء الذي تريد أن تغيره في حياتك؟ ما هو العهد الذي تريد أن تقطعه اليوم؟ 2. اكتب عهدك: اكتب على ورقة صغيرة: "أنا أعهد الله اليوم بأنني سألتزم بكذا".. ضع هذه الورقة في مكان تراها، لتذكرك بعهدك. 3. ادعُ الله أن يعينك على الوفاء: لا تعتمد على قوتك وحدك، بل اسأل الله العون. قال النبي ﷺ: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" (رواه أبو داود). 4. لا تجعل عهدك كبيرا جدا: اختر عهدا صغيرا قابلا للتحقيق.. العهد الصغير الذي تلتزم به خير من العهد الكبير الذي تفشل فيه. 5. شارك عهدك مع شخص تثق به: أخبر زوجتك، أو صديقك، أو ابنك بعهدك.. هذا يزيد من التزامك، ويساعدك على الثبات. 6. إذا كسرت عهدك، فعد وجدد: لا تيأس إذا أخفقت.. عد إلى الله، وتوب، وجدد العهد. قال النبي ﷺ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ" (رواه الترمذي). دعاء تجديد العهد: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ أَنْ أَكُونَ عَبْداً صَالِحاً، مُخْلِصاً فِي قَوْلِي وَعَمَلِي." "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِي، وَثَبِّتْنِي عَلَى الطَّاعَةِ، وَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْيَوْمَ بِدَايَةَ خَيْرٍ جَدِيدٍ فِي حَيَاتِي. خاتمة تحفيزية: الجمعة هي يوم العهد. فلا تدعها تمر دون أن تقطع عهدا جديدا، وتبدأ صفحة جديدة، وتجدد نيتك لله. فالعهد هو ما يبقى منك بعد الأيام، وهو ما يرفعك عند الله، وهو ما يغير حياتك. فاليوم، اقطع عهدا، وابدأ حياة جديدة. جمعة مباركة، وعاهد الله على الخير. د. محمود العشري
41
8
عندما يكون البيت مليئا بالصمت... كيف تعيد إليه الحياة؟ في كثير من البيوت، يسود صمت ثقيل.. ليس صمت السكينة والهدوء، بل صمت الجفاء والانقطاع. · الزوج يعود من العمل، يجلس أمام التلفاز، ولا ينبس ببنت شفة. · الزوجة منهمكة بهاتفها، ولا ترفع رأسها إلى زوجها. · الأبناء في غرفهم، كلٌّ في عالمه، لا يجمعهم حديث، ولا يربطهم لقاء. · الغرفة مليئة بالبشر، لكن الأرواح غائبة. وهذا الصمت، وإن لم يكن صراخا، فإنه أشد إيلاما من الصراخ؛ لأن الصراخ قد يكون مؤقتا، وقد ينتهي باعتذار أو عناق.. أما الصمت المطبِق، فهو قاتل بطيء للعلاقات. يقتل الحوار، ويجفف المشاعر، ويباعد بين القلوب، ويجعل البيت مجرد فندق يعيش فيه الناس بجوار بعضهم، لا مع بعضهم. والبيت يحتاج إلى حياة، والحياة تحتاج إلى كلمات تقال، ومشاعر تُعبّر، وضحكات تتردد، ولحظات تشترك فيها القلوب. يقول الله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا" (الروم: 21).. فالسكن الحقيقي لا يكون بالأجساد فقط، بل بالقلوب التي تلتقي، والأرواح التي تتعانق. فإذا كان صمتك يطيل الفراق، فلا تنتظر أن يتكلم الآخرون، بل كن أنت الذي يكسره. وقفة اليوم (لماذا يتحول البيت إلى ملهىً للصمت؟): هذا الصمت الثقيل لا يأتي من فراغ، بل له أسباب: · تراكم الخلافات دون حل، فيلجأ كل طرف للصمت كعقاب للآخر. · الإنهاك اليومي من العمل والمسؤوليات، فيصبح الحديث ثقلا لا طاقة له. · قلة مهارات التواصل، فلا يعرف الأفراد كيف يتحدثون، فيلجؤون للصمت. · انشغال كل فرد بشاشته، فيصبح العالم الرقمي أقرب من العالم الحقيقي. · الظن الخاطئ بأن "الحب لا يحتاج كلاما"، فيموت الحب بصمت. لكن الحل هو أن تكسر هذا الصمت، وأن تبادر أنت، وأن تعيد الحياة إلى بيتك. وجدانيا (رسالة إلى من يشعر بالوحدة وسط أهله): أعلم كم هو مؤلم أن تكون بين أهلك، وتشعر بالوحدة.. أن تنظر إليهم، فلا تجد من يستمع لك، ولا من يفهمك، ولا من يشاركك لحظاتك. لكن لا تيأس، ولا تستسلم للصمت. فربما هم أيضا يشعرون بالوحدة، وينتظرون من يبدأ.. فكن أنت المبادر، وكن أنت من يكسِر هذا الصمت، وكن أنت من يعيد الحياة إلى بيتك. فكلمة واحدة صادقة قد تكون بداية لحياة جديدة. عمليا (كيف تعيد الحياة إلى بيتك وتكسر الصمت؟): 1. ابدأ بتحية صادقة: عند دخولك البيت، لا تمر مرور الكرام.. قل: "السلام عليكم، كيف حالكم؟" وانظر في عيونهم.. هذه التحية كفيلة بكسر جزء من الجليد. 2. اسأل أسئلة تفتح القلب: لا تكتفِ بسؤال "كيف كان يومك؟".. اسأل: "ما هو أكثر شيء أسعدك اليوم؟"، "ما هو الشيء الذي أزعجك اليوم؟".. هذه الأسئلة تفتح باب الحديث الصادق. 3. خصص وقتا للقاء العائلي بلا شاشات: اجعل لكم نصف ساعة يوميا، أو ساعة أسبوعيا، تجلسون فيها معا، دون جوالات أو تلفاز.. تحدثوا، أو العبوا، أو حتى اجلسوا في صمت مريح، لكن دون مشتتات. 4. شارك في الأنشطة اليومية: لا تنتظر أن يُطلب منك المساعدة.. بادر أنت: ساعد في المطبخ، أو في ترتيب البيت، أو في حل واجب ابنك.. المشاركة تخلق قربا، وتفتح قنوات للحديث. 5. عبّر عن مشاعرك بصدق: لا تخف من قول: "أنا بحاجة إليكم"، أو "أنا أحبكم"، أو "أنا متعب، أحتاج إلى حديثكم".. الصدق يكسر الجدران. 6. تذكر أن الحياة في البيت لا تأتي وحدها، بل تصنع: الحياة لا تصنعها الجدران والأثاث، بل تصنعها الكلمات، والابتسامات، واللقاءات، والمشاركة. فاصنعها أنت. دعاء البيت النابض بالحياة: اللَّهُمَّ أَحْيِ بَيْتَنَا بِذِكْرِكَ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَارْزُقْنَا الْحِوَارَ وَالْمَوَدَّةَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَيَتَنَا مَكَانَ لِقَاءٍ، لا مَكَانَ فِرَاقٍ، وَمَسْكَنَ أُنْسٍ، لا مَسْكَنَ جَفَاءٍ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى كَسْرِ الصَّمْتِ، وَإِحْيَاءِ الْحَيَاةِ فِي بُيُوتِنَا. خاتمة تحفيزية: لا تدع الصمت يقتل حياة بيتك. فالبيت الذي لا يتكلم أهله، هو بيت ميت، حتى لو كان مليئا بالأثاث الجميل. فابدأ اليوم.. كسر هذا الصمت: كلمة، سؤال، ابتسامة، لمسة، مشاركة.. كلها مفاتيح تعيد الحياة إلى بيتك. وتذكر أن النبي ﷺ كان أفصح الناس، لكنه كان أيضا يصغي، ويبتسم، ويمازح، ويشارك أهله حياتهم. فكن أنت أيضا صانع الحياة في بيتك. اللهم اجعل بيوتنا عامرة بالحياة، نابضة بالحب. د. محمود العشري
37
9
فضفضة (تصحيح مفاهيم مفهومة!!!) المسألة ليست أن عقل فلان قصر عن فهمك.. المسألة أنه أغلق قلبه دونك. الذي يفهمك على غير ما أردت، كان يستطيع –لو أراد– أن يفهمك كما أردت بالضبط. ليس الأمر لغزا معقدا، ولا هو حاجة إلى ذكاء خارق.. إنه اختيار محض، اختيار أن يراك على غير حقيقتك، اختيار أن يقرأ لك نياتٍ لم تخطر ببالك، ومعانيَ لم تقصدها. ودليل ذلك أنك تراه مع غيرك يتفنن في سعة الفهم، ويقلب الكلام على وجوهه كلها ليختار أحسنها، ويلتمس لهم من الأعذار ما لو عرضته على المنطق نفسه لاستحى منه.. يفسر لهم زلّتهم على أنها حسن نية، ويقرأ تعنتهم على أنه حرص، ويحمل إساءتهم على سوء تقدير. ثم يأتي إليك أنت، فيتبدل كل شيء. تصبح أفعالك "مشبوهة"، وكلماتك "ملتوية"، وصمتك "اتهام"، وحديثك "ادعاء". يُمعن في تفسيرك بسوء، ويبني على أدنى كلمة صرحا من الاتهامات.. يبحث عن زلّة في عبارتك، وعن عثرة في نيتك، وعن هوة في قلبك، وكأنه محقق يسعى لإثبات جرم لم يقع. ولو أراد أن ينصفك، لكفاه أن يحملك على أحسن محاملك.. فقد علمنا نبينا ﷺ: "إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم"، وعلمنا أن نلتمس لأخينا سبعين عذرا.. لكنه أحب أن يراك مذنبا، فلم تُعجزه الأدلة عن إدانتك.. ولن تُعجز أحدا.. هو لم يعثر على ذنبك؛ هو صنع ذنبك من خيوط هواه. وإليك السر الأعمق: الأمر لا يعود إليك أنت، ولا إلى ما قلتَه أو فعلته. الأمر يعود إلى ما يشعر به هو تجاهك.. هناك من يحبك، فيرى حسناتك ولو كانت كالذر، وهناك من لا يحبك، فلا يرى حسناتك ولو كانت كالجبال!! الفهم مرآة للحب، والإنصاف ابن المودة. فما العمل إذا؟ · أولا: لا ترهق نفسك بالتبرير.. من يريد أن يفهمك، يكفيه إشارة.. ومن يريد أن يساء فهمك، لن تنفع معه بحور من الأدلة. · ثانيا: لا تجعل سوء فهمه مقياسا لقيمتك.. قيمتك عند الله، وفي ضميرك، وفي أفعالك الصادقة، لا في نظرة من أغمض عينيه عن النور. · ثالثا: تأكد أن هذه سمة من يُظلم قلبه.. فهو يظلمك أخلاقيا، بإسقاط أحقاده وأوجاعه عليك، لتكون أنت كبش الفداء لتوتراته الداخلية. ونصيحة أخيرة عميقة: إذا فعلها بك مرة، فقد يكون سوء تقدير. وإذا فعلها بك مرارا، فهو اختيار متعمَّد. وإذا فعلها معك ومع غيرك في نفس الوقت، فاعلم أن المشكلة ليست في رسائلك، بل في مستقبِلها. سلم نفسك لربك، واعلم أن الله عدل لا يظلم مثقال ذرة.. من ظلمك في الفهم، سينصفك الله بالوضوح يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ودع عنك محاولة إقناع من أصر على ألا يقتنع، فليس كل من يسمع يسمع، وليس كل من يرى يبصر، ولا يضيع الله أجر من أحسن عملا. خاتمة للتأمل: الحكمة لا تُلقى في آذانٍ لا تشتهيها، والصدق لا يُهدى لقلوبٍ لا تستوعبه.. امنح نفسك سلامها، وامضِ في طريقك، فربما كان إساءة فهمهم لك، هو أكبر دليل على أنك على صواب، وأنهم لم يعتادوا على رؤية الحق بهذه الصورة النقية. د. محمود العشري
38
10
عندما يتحول ندمك إلى إدمان.. كيف تتحرر؟ نحن نخطئ، نندم، نتعلم.. هذه هي دورة الحياة الطبيعية.. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يتوقف الندم عند حد التعلم، بل يتحول إلى حالة دائمة من الحسرة والتثبيط. فالندم الطبيعي يدفعك للتغيير، بينما الندم المزمن يدفعك للإحباط. الندم الطبيعي يقول: "لقد أخطأت، سأتوب، وسأتعلم، وسأتجاوز". الندم المزمن يقول: "لقد أخطأت، سأظل أعاقب نفسي إلى الأبد، أنا لا أستحق المغفرة، ولن أتغير". والندم المزمن هو إدمان خطير، يسرق منك الحاضر، ويقتل فيك الأمل، ويجعلك أسيرا لماضٍ لن يتغير. يقول الله تعالى: "إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ" (النساء: 17).. فالتوبة النصوح هي التي تعقبها حياة جديدة، أما الندم الذي لا يؤدي إلى توبة، فهو مجرد عذاب نفسي بلا فائدة. فإذا كنت لا تزال تعاقب نفسك على خطأ ارتكبته قبل سنوات، فأنت لم تبذل جهدا في التوبة، بل في الجلد الذاتي. وقفة اليوم (علامات الندم المزمن): كيف تعرف أن ندمك أصبح إدمانا؟ · إذا كنت لا تزال تفكر في نفس الخطأ مرارا، دون أن تتخذ خطوة عملية للتغيير. · إذا شعرت أن هذا الخطأ عرّفك كشخص، وكأنه هويتك التي لا تتغير. · إذا رفضت أن تسامح نفسك، مع أن الله قد غفر لك. · إذا عطلك هذا الندم عن التقدم في حياتك. · إذا كنت تشعر بأنك لا تستحق السعادة بسبب خطأ الماضي. فإذا كنت تعاني من هذه الأعراض، فاعلم أن ندمك لم يعد تائبا، بل أصبح طاغيا. وجدانيا (رسالة إلى من أنهكه الندم): ربما تظن أنك بالعيش في الندم تكفر عن خطئك، أو ترضي الله، أو تعاقب نفسك عما فعلت. لكن الله لم يطلب منك أن تعذب نفسك، بل طلب منك أن تتوب، وأن تندم، ثم أن تمضي قدماً. فالتوبة ليست جلدا للذات، بل هي تحرر من الذنب، وعودة إلى الله، واستعداد لحياة جديدة. فلا تدع الندم يسرق منك عمرا لا يمكنك استعادته. عمليا (كيف تتحرر من إدمان الندم): 1. فرّق بين الندم الصحي والندم المزمن: اسأل نفسك: هل هذا الندم يدفعني للتغيير أم يشلني؟ إذا كان يشلك، فهو سم يجب التخلص منه. 2. تب إلى الله بصدق، ثم اترك الأمر له: إذا تبت بصدق، فأترك ما مضى لله. قال الله: "وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (النور: 31). فالتوبة تجلب الفلاح، لا العذاب النفسي. 3. تذكر أن الله يغفر لك، فلماذا لا تغفر لنفسك؟ قال النبي ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي" (رواه الترمذي).. فإذا غفر الله لك، فأنت أولى بأن تغفر لنفسك. 4. استخرج الدرس، وتجاوز: كل خطأ يحمل درساً. استخرجه، وتعلمه، وامضِ قدما.. ولا تسمح للخطأ أن يصبح هويتك. 5. لا تنتظر أن تكون مثاليا لتسامح نفسك: الكمال لله وحده.. وأنت إنسان تتعلم وتتطور. سامح نفسك على ما كان، وعد نفسك بأن تكون أفضل في المستقبل. 6. اشغل نفسك بالحاضر والمستقبل: الندم المزمن يعيش في الماضي. أخرج نفسك منه، وركز على ما تستطيع فعله اليوم لتحسين حياتك، وما يمكنك التخطيط له في المستقبل. دعاء التحرر من الندم: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ تَوْبَةً نَصُوحا، وَعَزْما عَلَى الرُّشْدِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي مَا مَضَى، وَتُعِينَني عَلَى مَا بَقِيَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ نَدَمِي خَيْرا لِي، لا شَرا عَلَيَّ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ. خاتمة تحفيزية: الندم جسر يعبر بك إلى التوبة، لكن لا تبقى عليه. لا تجعل الندم مسكنا لك، بل اجعله محطة عبور. تندم، تتوب، تتعلم، ثم تمضي قدما. فالله يغفر، والرحمة واسعة، والعمر يمضي، ولا أحد ينتظر أن تكون مثاليا. فاغفر لنفسك، وتجاوز عن ماضيك، وعش حياتك الجديدة. اللهم إني أعوذ بك من الندم الذي يقتل، وأسألك التوبة التي تحيي. د. محمود العشري
35
11
حين يختبرك الله.. إنما يريد أن يسمع صوتك نظن أحيانا أن الابتلاء عقاب، أو غضب، أو هجر من الله.. لكن الحقيقة أن الابتلاء قد يكون دعوة للقرب. تأمل قصة أيوب عليه السلام.. لم يبتلِه الله لأنه يكرهه، بل لأنه يحبه.. أراد أن يسمع صوته وهو يدعو، أراد أن يرى صبره وهو يحتسب، أراد أن يرفع درجاته وهو يصبر. فالابتلاء ليس علامة بعد، بل هو علامة قرب. ليس دليلا على الغضب، بل هو دليل على الحب. يقول النبي ﷺ: "إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ" (رواه الترمذي). فإذا كنت في بلاء، فاعلم أن الله يحبك. يريد أن يسمع صوتك، يريد أن يراك تلجأ إليه، يريد أن يرفع درجاتك، يريد أن يمحو ذنوبك. فلا تيأس، ولا تقنط، ولا تظن أن الله ناسيا لك.. بل هو قريب منك، يسمع أنينك، ويرى دمعك، وينتظر دعاءك. وقفة اليوم (ما هي حكمة الابتلاء؟): الابتلاء له حكم عظيمة: · تذكير بالضعف: يذكرك بأنك عبد ضعيف، وأن القوة الحقيقية لله وحده. · تطهير من الذنوب: يكفر عن خطاياك، ويطهر روحك. قال النبي ﷺ: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ" (متفق عليه). · رفع الدرجات: يرفعك درجات لم تكن لتصل إليها بدون هذا البلاء. · تقوية الإيمان: يجعلك أكثر تعلقا بالله، وأقل تعلقا بالدنيا. · تعليم الصبر: يعلمك الصبر، ويجعلك قدوة للآخرين. فلا تنظر إلى البلاء كشر، بل انظر إليه كخير في ثياب ابتلاء. وجدانيا (رسالة إلى من اشتد بلاؤه): أعلم كم هو ثقيل هذا البلاء.. أعلم كم تؤلمك هذه الأيام.. أعلم كم تشعر بالوحدة، وكأن لا أحد يفهم ما تمر به. لكن تذكر: الله معك.. وهو الذي ابتلاك، وهو الذي سيفرجها. فلا تيأس، ولا تقنط، ولا تظن أن الله ناسيا لك. بل هو قريب منك، يسمع أنينك، ويرى دمعك، وينتظر دعاءك. فارفع يديك، وقل: "يا رب، أنا هنا، بين يديك، اسمعني، وأعني، وفرج عني". عملياً (كيف تتعامل مع الابتلاء): 1. استقبله بالصبر والاحتساب: لا تجزع، ولا تتذمر، بل قل: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها". 2. ابحث عن حكمته: اسأل نفسك: "ما الذي يريد الله أن يعلمنيه من هذا البلاء؟".. قد يكون دعوة للتوبة، أو تذكيرا بنعمة، أو تنبيها على خطأ. 3. أكثر من الاستغفار والدعاء: الاستغفار يفتح أبواب الفرج، والدعاء يغير الأقدار. قال النبي ﷺ: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" (رواه الترمذي). 4. لا تحمل البلاء وحدك: شاركه مع من تثق به، واطلب الدعاء منهم. فالمشاركة تخفف الحمل، والدعاء يفتح أبواب السماء. 5. تذكر أن البلاء مؤقت: لا شيء يدوم، والبلاء سيمر، والفرج قريب.. قال الله: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (الشرح: 5-6). 6. تأكد أن الله يسمعك: قال الله: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ" (البقرة: 186). فهو قريب منك، يسمعك، ويعلم ما في نفسك. دعاء المبتلى: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصَّبْرَ عَلَى الْبَلَاءِ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَالثِّقَةَ بِالْفَرَجِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ بَلَائِي خَيْراً لِي، وَأَنْ تُعِينَني عَلَى الصَّبْرِ، وَأَنْ تَفْرُجَ كَرْبِي. خاتمة تحفيزية: الابتلاء ليس نهاية الطريق، بل هو بداية طريق جديد. طريق إلى الله، طريق إلى الصبر، طريق إلى النضج، طريق إلى الجنة. فلا تخف من البلاء، بل استقبله بالصبر، والاحتساب، والدعاء، والثقة بالله. وتذكر أن الله معك، وأنه يحبك، وأنه يريد لك الخير، وأن الفرج قريب. اللهم إنا نسألك الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، والثقة بالفرج. د. محمود العشري
34
12
فن رؤية الخير في أبنائنا.. حتى في أخطائهم نحن نحب أبناءنا بلا شك.. لكن هل نُظهر لهم هذا الحب بالشكل الذي يحتاجونه؟ هل نركز في عيونهم على ما يفعلونه بشكل صحيح، أم على أخطائهم وهفواتهم؟ كثير من الآباء يقعون في فخ التركيز على السلبيات؛ يلاحظون الدرجات المنخفضة، والتصرفات المزعجة، والأخطاء المتكررة، والكسل أحيانا، وينسون أن يلاحظوا الإيجابيات، والجهود الصغيرة، والمحاولات الفاشلة لكن الصادقة. فيكبر الطفل وهو يشعر بأنه "غير كافٍ" في عيون والديه. يكبر وهو يعتقد أن حب أبويه مشروط بأن يكون مثاليا، وأن أي خطأ يُفقده هذا الحب. فيصبح خائفا من التجربة، مترددا في اتخاذ القرارات، قلقا من الفشل. لكن التربية الحكيمة هي التي ترى الخير في أبنائها، حتى في أخطائهم. فالخطأ ليس نهاية العالم، بل هو فرصة للتعلم والنمو. والفشل ليس وصمة عار، بل هو خطوة على طريق النجاح. والطفل الذي يخطئ، ليس طفلا سيئا، بل هو طفل يتعلم كيف تكون الحياة. يقول الله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الأنبياء: 107). فالنبي ﷺ كان رحمة، وكان يرى الخير في الناس، ويدعو لهم، ويشجعهم، ويرفع من معنوياتهم. فكن أنت أيضا رحمة لأبنائك، وابحث عن الخير فيهم، حتى في لحظات ضعفهم. وقفة اليوم (ماذا يحدث حين نركز على السلبيات؟): عندما نركز على أخطاء أبنائنا، فإننا: · نزرع في قلوبهم الشعور بالفشل. · نجعلهم يخافون من التجربة. · نحرمهم من الثقة بأنفسهم. · نجعلهم يشعرون بأن حبنا مشروط. · نفقد فرصة تعليمهم كيفية التعامل مع الفشل. لكن عندما نركز على الخير، فإننا: · نبني ثقتهم بأنفسهم. · نشجعهم على المحاولة مجددا. · نعلمهم أن الفشل جزء من النجاح. · نمنحهم الشعور بالأمان والحب غير المشروط. وجدانيا (رسالة إلى أب أو أم يائسين من أبنائهم): قد تكون متعَبا من تكرار أخطاء ابنك، وقد تكون فقدت الأمل في تغييره. لكن تذكر: ابنك ليس سيئا، بل هو إنسان يتعلم، ويحاول، ويسقط، وينهض. ابحث عن الخير فيه. ابحث عن صفة إيجابية واحدة، ولو صغيرة، وركز عليها، وامدحه عليها. قد تكون هذه الصفة هي المفتاح الذي يفتح قلبه للتغيير. فالنبي ﷺ كان يبحث عن الخير في الناس، وكان يدعو لهم، ويشجعهم، ويرفع من معنوياتهم.. فكن أنت أيضا مثل نبيك. عمليا (كيف ترى الخير في أبنائك حتى في أخطائهم؟): 1. امدح جهودهم، وليس نتائجهم فقط:        لا تنتظر أن يحققوا نجاحا كبيرا لتشيد بهم.. امدح جهدهم، ومحاولاتهم، وإصرارهم، حتى لو لم تصل إلى النتيجة المطلوبة. 2. ابحث عن الصفة الإيجابية في كل خطأ:        إذا أخطأ ابنك، اسأل نفسك: "ما هي الصفة الإيجابية التي ظهرت في هذا الخطأ؟". مثلا: إذا كان شجاعا في تجربة شيء جديد، فامدح شجاعته، وعلمه كيف يتعلم من الخطأ. 3. لا تخلط بين الخطأ والشخص:        لا تقل: "أنت سيء"، بل قل: "هذا التصرف كان خاطئا، لكن أنت شخص جيد، ويمكنك أن تتعلم من هذا الخطأ". 4. خصص وقتا للحديث عن الإيجابيات:        بدلا من أن تخصص وقتك لتوبيخه على أخطائه، خصص وقتا لتذكيره بإيجابياته.. قل له: "أنا أحب فيك كذا وكذا، وأنا فخور بك لأنك كذا". 5. دعهم يسمعونك تمدحهم أمام الآخرين:        لا تمدحهم في الخفاء فقط، بل امدحهم أمام الآخرين.. هذا يعزز ثقتهم بأنفسهم، ويجعلهم يشعرون بأنك فخور بهم. 6. ادعُ لهم بأن يهديهم الله:        الدعاء لأبنائك هو أقوى سلاح لديك. قال النبي ﷺ: "دَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ كَدَعْوَةِ النَّبِيِّ لِأُمَّتِهِ" (رواه الطبراني). فادعُ لهم بالهداية والصلاح، وثق بأن الله سيستجيب. دعاء رؤية الخير في الأبناء: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَرَوْنَ الْخَيْرَ فِي أَبْنَائِهِمْ، وَيَشْجَعُونَهُمْ عَلَى الصَّوَابِ. اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى تَرْبِيَتِهِمْ بِالرِّفْقِ وَالْحِكْمَةِ، وَاجْعَلْنِي قُدْوَةً حَسَنَةً لَهُمْ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَبْنَائِي مِنَ الصَّالِحِينَ، وَارْزُقْنِي رُؤْيَةَ الْخَيْرِ فِيهِمْ. خاتمة تحفيزية: أبناؤك ليسوا مثاليين، ولن يكونوا. لكنهم يحاولون، ويكبرون، ويتعلمون. وهم بحاجة إلى من يرى الخير فيهم، حتى في لحظات ضعفهم. فكن أنت هذا الشخص. كن من يرى الجمال في قلوبهم، والإصرار في محاولاتهم، والصدق في نواياهم. وتذكر: من يبحث عن الخير، يجده. ومن يزرع الثقة، يحصد النجاح. اللهم اجعلنا من المبصرين الخير في أبنائنا، ومن المشجعين لهم على الطاعات. د. محمود العشري
37
13
بسم الله الرحمن الرحيم 🌿 في شهر المولد النبوي الشريف… أضع بين أيديكم ثمرةَ رحلةٍ عزيزة على قلبي 🌿 الحمد لله الذي أكرمنا برسوله ﷺ، وجعل سيرته نورًا، وسنته هديًا، وكلامه رحمةً تهدي القلوب والعقول. منذ أن بدأتُ العمل على كتاب «مع رسول الله، رحلة إلى الإيمان والأخلاق»، لم أكن أريد أن أضع بين يدي أبنائنا مائة حديثٍ يحفظونها ثم ينسونها… كنت أحلم بشيء آخر. كنت أتمنى أن يجلس الطفل مع حديث رسول الله ﷺ، لا ليحفظه فقط، بل ليحبه، ويفهمه، ويسأل نفسه: ماذا يريد مني رسول الله ﷺ؟ وكيف يمكن لهذا الحديث أن يغيّرني؟ ومن هنا بدأت الرحلة… 📖 مائة حديث من أحاديث النبي ﷺ، لكنها في الحقيقة أكثر من مائة درس، ومائة موقف، ومائة فرصة لبناء إنسان جديد. حرصت في هذا العمل أن ينتقل الحديث من الكتاب إلى القلب، ومن القلب إلى السلوك، ومن السلوك إلى الشخصية. ولذلك لم أكتفِ بالشرح والفائدة والتطبيق وتحدي الأسبوع، وإنما أضفت مساحات تربوية ونفسية ووجدانية يعيش فيها الطفل مع الحديث، منها: 🌱 ماذا كان سيفعل رسول الله ﷺ؟ حتى تصبح السنة حاضرة في قراراته ومواقفه اليومية. 🌱 موقف من حياتي حتى يرى الطفل الحديث في بيته ومدرسته ومع أصدقائه، لا في صفحات الكتاب فقط. 🌱 مهمتي السرية 🤫 ليتعلم أن أجمل الأعمال ما كان بينه وبين الله، لا ينتظر عليه تصفيقًا ولا مدحًا. 🌱 لا أريد أن أكون هكذا ليتعلم أن التربية ليست معرفة الصواب فقط، وإنما اكتشاف الخطأ والشجاعة في إصلاحه. 🌱 مواقف نبوية منتقاة حتى تقترب السيرة من قلبه، وتتحول القدوة من فكرة إلى صورة حية. 🌱 أهداف تربوية لكل عشرة أحاديث حتى تكون كل مرحلة مقصودة في بنائها، لا مجموعة أحاديث متفرقة. 🌱 أثر الحديث في البيت، ورسالة إلى أبي وأمي لأنني أؤمن أن الطفل لا يتربى بالكتاب وحده، وإنما بالبيت الذي يحتضن ما تعلمه. 🌱 خُلُق الشهر حتى تتحول كل عشرة أحاديث إلى خُلُق نعيشه، لا معلومات نعرفها. 🌱 ميزان الرحلة كل عشرين حديثًا ليتوقف الطفل بين حين وآخر، وينظر إلى نفسه: ماذا تغير فيَّ؟ 🌱 ثم في نهاية الرحلة: خريطة شخصية الطفل وعهدي بعد المائة… حتى لا تكون المائة حديث خاتمة الرحلة، بل بداية حياة مع سنة رسول الله ﷺ. وقد حرصت كذلك أن يكون الكتاب صالحًا لأن يُقرأ مع الطفل في البيت، وفي حلقات القرآن، والمدارس، والبرامج التربوية، وأن يتحول إلى رحلة ممتدة طوال العام، لا إلى كتاب يُقرأ سريعًا ثم يوضع على الرف. ولعل أجمل ما في هذه الرحلة كلها أنني أتممتها في شهر المولد النبوي الشريف. وكأن القلب يقول: يا رسول الله ﷺ… لم نستطع أن نلقاك، ولكننا نستطيع أن نُعرِّف أبناءنا بك. لم نجلس في مجلسك، ولكننا نستطيع أن نجعل كلماتك تجلس في قلوبهم. لم نرَ ابتسامتك، ولكننا نستطيع أن نعلّمهم رحمتك. ولم نعش في زمانك، ولكننا نستطيع أن نربي جيلاً يحبك ويتبع هديك. «مع رسول الله، رحلة إلى الإيمان والأخلاق»، ليس مجرد كتابٍ أعتز بأنني أنجزته.. إنه مشروعٌ وضعت فيه شيئًا من قلبي، ووقتٍ طويل من البحث والكتابة والمراجعة والتأمل، وأردت أن يكون لبنةً في بناء جيلٍ يعرف نبيه ﷺ، ويحبه، ويقتدي به، ويترجم سنته إلى أخلاقٍ وسلوكٍ وحياة. وأنا اليوم، وأنا أرى هذا العمل بين يدي، أشعر بسعادةٍ لا أستطيع وصفها بالكلمات… سعادةُ من ظل يحلم بشيء، ثم رأى حلمه كتابًا. والأجمل من أن يُطبع الكتاب أن يُفتح في بيت، ويجلس أبٌ مع ابنه حول حديث، وتبكي أمٌّ فرحًا وهي ترى أثر السنة في خُلُق ولدها، ويقول طفل ذات يوم: «يا أبي… لقد قرأت حديثًا اليوم، وأريد أن أعمل به». هناك فقط أشعر أن التعب كله كان يستحق. اللهم اجعل هذا الكتاب خالصًا لوجهك الكريم، وانفع به أبناءنا وبناتنا، واجعله سببًا في أن يعرفوا نبيك ﷺ فيحبوه، ويحبوه فيتبعوه، ويتبعوه فيكونوا من أهل سنته. وأسأل الله أن يكتب لي به أجر كل حديثٍ حُفظ، وكل خُلُقٍ حَسُن، وكل دمعةٍ خشعت، وكل قلبٍ اقترب من رسول الله ﷺ. «مع رسول الله، رحلة إلى الإيمان والأخلاق»، مائة حديث، لكنني أرجو أن تكون مائة خطوة نحو إنسانٍ أجمل، وقلبٍ أنقى، وحياةٍ أقرب إلى الله ورسوله ﷺ. 🌿 في شهر المولد… وُلد الكتاب، وأرجو أن يولد معه في قلوب أبنائنا حبٌّ جديد لرسول الله ﷺ. د. محمود العشري
166
14
No text...
133
15
متى تخاف من السعادة.. وكيف تطمئن إليها؟ قد يبدو السؤال غريبا، لكن الكثير منا يخاف من السعادة. نخاف أن نفرح كثيرا؛ لأن الفرح قد يتبعه حزن. نخاف أن نضحك من القلب؛ لأن الضحك قد يتحول إلى بكاء. نخاف أن نستمتع بلحظة؛ لأننا لا نثق بأنها ستدوم. نخاف أن نحب بعمق؛ لأننا نخاف من الخسارة. نخاف أن ننجح؛ لأننا نظن أن الفشل يتربص بنا. فنعيش حياتنا في حالة ترقب دائم، نخاف من السعادة، ونتهرب من الفرح، وكأننا نستعد لضربة قادمة. لكن الله لم يخلقنا لنعيش في خوف دائم. بل خلقنا لنعيش في طمأنينة، ونرضى بقضائه، ونشكره على نعمه، ونفرح بما أعطانا. الفرح بنعمة الله مشروع، بل هو عبادة. والسعادة ليست عدوا، بل هي هبة من الله، يجب أن نشكره عليها، ونستمتع بها، ولا نخاف منها. فلا تخف من السعادة، فهي ليست خيانة للحزن، بل هي جزء من حياة متوازنة. وقفة اليوم (لماذا نخاف من السعادة؟): نخاف من السعادة لأننا: · ربطناها بالخسارة، وكأن كل فرح لابد أن يتبعه ألم. · نشعر بالذنب حين نكون سعداء، وكأننا لا نستحق ذلك. · نظن أن السعادة تعني الغفلة عن هموم الآخرين. · نخاف من أن نحلم، لأن الحلم قد ينكسر. · تعودنا على الحزن، وصار جزءا من هويتنا. لكن السعادة ليست هروبا من الواقع، بل هي قبول لنعمة الله، وشكر له عليها، واستعداد لمواجهة الحياة بقوة. وجدانيا (رسالة إلى من يخاف من الفرح): لا تخف من أن تكون سعيدا. فالسعادة نعمة من الله، وهو يحب أن يرى عبده سعيداً بقضائه، راضيا بعطائه، مستبشرا برحمته. فالسعادة لا تنفي الحزن، لكنها تمنحك القوة لمواجهته. والفرح لا يمنع الألم، لكنه يجعلك أكثر قدرة على تحمله. فلا تحرم نفسك من السعادة، فهي حق لك، وهي هبة من الله، وهي طريق إلى شكره. عمليا (كيف تطمئن إلى السعادة وتستقبلها بقلب مفتوح؟): 1. أعد تعريف السعادة في حياتك: السعادة ليست غياب المشاكل، بل هي القدرة على التعامل معها.. ليست كمالا، بل هي رضا وقناعة وشكر. 2. اشكر الله على لحظات الفرح: عندما تشعر بالسعادة، قف لحظة وقل: "الحمد لله على هذه النعمة". الشكر يثبت النعمة، ويطمئن قلبك بأنها هبة من الله. 3. لا تنتظر الكمال لتكون سعيدا: السعادة ليست في الوصول إلى القمة، بل في الاستمتاع بالرحلة.. لا تؤجل سعادتك حتى تتحقق كل أحلامك، بل عشها الآن. 4. تقبل أن السعادة مؤقتة، وهذا طبيعي: السعادة ليست حالة دائمة، بل هي لحظات تتخللها لحظات حزن، وهذا هو توازن الحياة.. تقبل هذا، ولا تخف من زوالها. 5. لا تشعر بالذنب لأنك سعيد: لا تقل: "كيف أكون سعيدا وهناك من يعاني؟".. فسعادتك لا تنتقص من معاناتهم، بل قد تكون سبباً في مساعدتهم، فالسعيد يعطي أكثر. 6. ثق بأن الله لا يمنحك السعادة ليعذبك: الله لا يعطي ثم يأخذ ليؤلمك، بل يعطي ليشكر، ويأخذ ليختبر، وكل ذلك خير لك.. قال النبي ﷺ: "عَجَباً لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ" (رواه مسلم). دعاء الطمأنينة إلى السعادة: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ سَعَادَةً تَغْمُرُ قَلْبِي، وَطُمَأْنِينَةً تَسْكُنُ رُوحِي. اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى شُكْرِ نِعَمِكَ، وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَأَنْ لا أَخَافَ مِنْ فَرَحٍ أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَفْرَحُونَ بِفَضْلِكَ، وَيَرْضَوْنَ بِقَضَائِكَ، وَيَشْكُرُونَكَ فِي كُلِّ حَالٍ. خاتمة تحفيزية: السعادة ليست عدوا، بل هي هبة من الله. فلا تخف منها، ولا تتهرب منها، ولا تشعر بالذنب لأنك سعيد. فالسعادة هي قوتك، وهي طريقك إلى شكر الله، وهي ما يجعلك قادراً على العطاء. فاستقبل الساعة بقلب مفتوح، واشكر الله عليها، وثق بأنه لا يعطيك إلا خيرا. اللهم اجعلنا من الشاكرين في السراء، الصابرين في الضراء. د. محمود العشري
45
16
حين يراك الله في أضعف لحظاتك.. ماذا يحدث؟ نمر بلحظات نشعر فيها بأننا على حافة الانهيار.. لحظات نكون فيها في أضعف حالاتنا: ننهار، نبكي، نشعر بالعجز، نتمنى لو نختفي، أو نستطيع النوم ولا نستيقظ. في هذه اللحظات، نظن أننا وحدنا.. نظن أن لا أحد يرانا، ولا أحد يسمعنا.. نظن أن العالم قد تخلى عنا. لكن الحقيقة أن هناك من يراك في أضعف لحظاتك. هناك من لا تغفل عينه عنك. هناك من يسمع أنينك قبل أن تُخرجه إلى خارجك. هناك من يعلم ما في نفسك قبل أن تعلمه أنت. يقول الله في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني" (رواه مسلم). فهو معك في لحظات ضعفك، وهو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو الذي لا يخذلك حين تخذلك الدنيا. ففي أضعف لحظاتك، أنت أقرب ما تكون إلى الله. وقفة اليوم (لماذا تكون أقرب إلى الله في ضعفك؟): عندما تكون قويا، قد تنسى أنك بحاجة إلى الله.. قد تظن أنك تستطيع فعل كل شيء بنفسك.. لكن في ضعفك، تسقط الأقنعة، وتنكشف الحقيقة: أنت عبد ضعيف، محتاج إلى ربه في كل لحظة. في ضعفك، تصبح صلاتك أكثر صدقا. في ضعفك، تصبح دموعك أكثر نقاءً. في ضعفك، يصبح دعاؤك أكثر إخلاصا. في ضعفك، تصبح قريبا من الله كما لم تكن من قبل. وجدانيا (رسالة إلى من يشعر بأنه في أضعف حالاته): إذا كنت الآن في أضعف حالاتك، فاعلم أن هذه لحظتك الذهبية مع الله. لحظة لا يراها أحد، لكن الله يراك. لحظة لا يسمعها أحد، لكن الله يسمعك. لحظة لا يفهمها أحد، لكن الله يفهمك. فلا تخف من ضعفك.. فهو ليس نهاية الطريق، بل هو بداية القرب من الله. فضعفك هو بابك إلى الله.. فلا تغلقه، بل افتحه على مصراعيه. عمليا (كيف تستثمر لحظات ضعفك لتقترب من الله؟): 1. لا تخف من البكاء: البكاء في لحظات الضعف ليس ضعفا، بل هو تطهير للروح. ابكِ بصدق، واشعر بأن الله يرى دموعك، ويقبلها. 2. تحدث مع الله بصدق: في لحظات ضعفك، تحدث مع الله كما تتحدث مع أقرب الناس إليك.. قل له: "يا رب، أنا ضعيف، أنا خائف، أنا بحاجة إليك". 3. ادعُ بإلحاح: قال النبي ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ" (رواه الطبراني). فألحَّ في الدعاء، وكرر، واسأل، فالله يحب أن يسمع صوتك. 4. تذكر أن الضعف مؤقت: لا تدع لحظة الضعف تحكم عليك بأنك ضعيف للأبد.. فالضعف حالة، وليس هوية. وسيمر بإذن الله. 5. اكتب ما تشعر به: اكتب كل ما في قلبك، كل خوف، كل ألم، كل حاجة. هذه الكتابة تخرج الألم، وتقربك من نفسك، ومن الله. 6. ثق بأن الله معك: تذكر أن الله معك في أضعف لحظاتك.. قال الله: "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (البقرة: 153). فأنت لست وحدك، بل هو معك، يعينك، ويسندك، ويرفعك. دعاء لحظات الضعف: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ ضَعْفِي قُوَّةً، وَجُرْحِي شِفَاءً، وَحُزْنِي فَرَحا. خاتمة تحفيزية: لا تخف من أن تكون ضعيفا.. فضعفك هو بابك إلى الله. ففي أضعف لحظاتك، أنت أقرب ما تكون إلى الله. فلا تهرب من هذه اللحظات، بل استثمرها. ابكِ، ادعُ، تضرع، واسأل. فالله يسمعك، ويراك، ويعلم ما في نفسك. وتذكر: أنت لست وحدك أبدا.. الله معك، وهو الذي لا يخذلك، ولا يتركك، ولا ينساك. اللهم اجعل ضعفنا قوة، وجراحنا شفاء، وحزننا فرحا. د. محمود العشري
55
17
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وشرفنا بأن جعلنا من أمته، وأكرمنا بحبه وشرف متابعته. والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين، وهدى للمتقين، وسراجا منيرا. أما بعد، فها هي أحلى ذكرى تعود؛ ذكرى ميلاد من تغير به الكون، واهتز له العرش، واستنارت به الأرض بعد ظلماتها. ميلاد من كان يتيما، فأصبح قدوةً للأيتام. ميلاد من لم يتعلم القراءة، فأتى بكتاب يبهر العقول. ميلاد من كان راعيا للأغنام، فصار راعيا للقلوب. ميلاد من بكى على أمته، ودعا لها، وخاف عليها أكثر مما تخاف على نفسه. نبينا محمد ﷺ لم يولد في قصر، بل وُلد في عام الفيل، وفي شعب بني هاشم، في مكة المكرمة، تلك البقعة التي اختارها الله لتكون مهدا لخاتم الأنبياء. ولد يتيما، فآواه الله. فقيرا، فأغناه الله. غريبا، فنصره الله. مكروبا، فشرح صدره. وكان ربه يُدربه على الصبر، ويربيه على الرحمة، ويهيئه لحمل أثقل أمانة: "إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا". وفي ليلة مولده، اهتزت الآفاق، وكُشف الغطاء عن عالَمٍ جديد.. فلا عجب أن قالوا: "يوم مولده كان ميلاد الخير".. ولا عجب أن قال ﷺ عن نفسه: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي". انه النبي الذي: · علَّمنا كيف نحب، فحبنا له عبادة. · علَّمنا كيف نعفو، فكان عفوه عن أعدائه أسطورة. · علَّمنا كيف نعطي، فكانت يده كالغيث حيثما حل نفع. · علَّمنا كيف نموت، فكان موته أعظم دروس الحياة. نحبك يا رسول الله، لا لأنك جميل الوجه فقط، ولا لأنك بليغ اللسان فقط، ولكن لأنك بعثت إلينا، وأحببتنا قبل أن نعرفك، ودعوت لنا قبل أن نؤمن بك، وبكيت علينا قبل أن نموت، وقلت في حجة الوداع: "هل بلغت؟". فنحن نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم في ليلة مولد النبي الكريم -على قول جمهور أهل السير-، اشملنا برحمتك، وارزقنا حبه وطاعته وشفاعته، وأحينا على سنته، وارزقنا شرف الدعوة إلى ما دعا. اللهم اجعلنا من أنصاره، وأعوانه، وأتباعه، ومن الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم إنا نسألك حبه، وحب من يحبه، وحب كل عمل يقربنا إلى حبه. ﷺ كل عام وأنتم في ضوء سيرته، وفي ظل سنته، وفي رحاب محبته. محبكم/ د. محمود العشري
42
18
متى يكف الآباء عن جعل أطفالهم حكاما في خلافاتهم؟ في كثير من البيوت، عندما يشتعل الخلاف بين الزوجين، يتحول الأطفال إلى أدوات في المعركة. الأم تطلب من ابنها أن يتجسس على أبيه. الأب يطلب من ابنته أن تختار جانبه. أحد الطرفين يسأل الابن: "من تحب أكثر؟ أنا أم أبوك؟". والآخر يقول: "انظر كيف يعاملني والدك، أليس ظالما؟". وفي هذه اللحظات، يُنسى أن الطفل ليس قاضيا، ولا حكما، ولا وسيطا، الطفل هو ضحية هذا الصراع!! فالطفل الذي يُطلب منه أن يختار بين والديه، يُطلب منه أن يمزق قلبه إلى نصفين؛ لأنه يحب كليهما، ولا يستطيع أن يختار أحدهما دون أن يخسر الآخر. وهذا الاختيار المستحيل، يترك في نفس الطفل جراحا لا تلتئم. يقول الله تعالى: "وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا" (الإسراء: 24). فالوالدان هما مصدر الرحمة والحنان، وليس مصدر الصراع والانقسام. فلا تجعل أطفالك حكاما في خلافاتك، ولا تطلب منهم أن يختاروا بينك وبين شريك حياتك.. فأنت بذلك تغرس فيهم الألم، وتُفقدهم الأمان، وتجعلهم يعيشون في صراع دائم مع أنفسهم. وقفة اليوم (ماذا يفعل الأطفال عندما يصبحون حكاما؟): عندما يُجبر الطفل على الاختيار بين والديه، يحدث له: · تمزق داخلي: لأنه يحب كليهما، ويشعر بالذنب تجاه من لا يختاره. · فقدان الأمان: لأن البيت الذي كان ملجأه، أصبح ساحة حرب. · شعور بالمسؤولية الزائدة: قد يظن أنه مسؤول عن إسعاد والديه، وهذا عبء ثقيل. · مشاكل نفسية مستقبلية: قد يكبر وهو يعاني من صعوبة في الثقة، أو في بناء علاقات صحية. فالطفل ليس حكما، بل هو ضحية حين يُجبر على أن يكون حكما. وجدانيا (رسالة إلى أب أو أم يطلبان من طفلهما الاختيار): أعلم أن الخلاف بينكما مرير.. أعلم أنكما تعانيان، وتشعران بالظلم، وتريدان من يؤيدكما. لكن طفلكما ليس طرفا في الخلاف.. هو ابن لكما معا. هو قطعة من قلبيكما معا. فلا تطلبوا منه أن يمزق قلبه ليختار بينكما. دعوه يحبكما معا، دون أن يشعر بالذنب، دون أن يخاف من فقدان أحدهما، دون أن يكبر وهو يحمل جراحا لم يتسبب فيها. عمليا (كيف تحمي أطفالك من أن يكونوا حكاما في خلافاتك؟): 1. لا تتحدث بسوء عن شريكك أمام أطفالك: مهما كان الخلاف، لا تذكر مساوئ شريك حياتك أمام أطفالك.. فالطفل يحب كلا والديه، والحديث السيء عن أحدهما يجرحه هو، لا الطرف الآخر. 2. لا تطلب من طفلك أن يتجسس على الآخر: لا تطلب منه أن ينقل أخبارا، أو يراقب تصرفات الطرف الآخر.. هذا يضعه في موقف لا يُحسد عليه، ويجعله يشعر بالخيانة تجاه من يحب. 3. لا تسأل طفلك: "من تحب أكثر؟" هذا السؤال ظلم للطفل، لأنه يحبكما معا، ولا يستطيع الاختيار.. والأهم أنه لا يجب أن يختار. 4. طمئن طفلك بأن الخلاف ليس بسببه: أخبره أن الخلاف بينكما لا علاقة له به، وأنه ليس مسؤولا عن إصلاحه. هذه الكلمة تريحه وتزيل عنه عبئا ثقيلا. 5. اختلفا بعيدا عن أعينهم: حاولا أن تختلفا في مكان لا يراكما فيه أطفالكما.. فالصراخ والكلمات الجارحة تؤثر فيهم حتى لو لم يفهموا التفاصيل. 6. أظهرا أمامهم المصالحة: إذا حدث خلاف ورآه الأطفال، فأظهروا لهم المصالحة.. دعوهم يرون أن الخلاف ينتهي، وأن الحب يعود، ليتعلموا أن الصراع جزء من العلاقات، لكنه ليس نهاية العالم. دعاء حفظ الأطفال من صراعات الآباء: اللَّهُمَّ احْفَظْ أَبْنَاءَنَا مِنْ صِرَاعَاتِنَا، وَلا تَجْعَلْهُمْ ضَحَايَا خِلَافَاتِنَا. اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَارْزُقْنَا الْحِكْمَةَ فِي خِلَافَاتِنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا آبَاءً وَأُمَّهَاتٍ رُحَمَاءَ، وَلا تَجْعَلْنَا سَبَبا فِي جِرَاحِ أَبْنَائِنَا. خاتمة تحفيزية: لا تجعل طفلك حكَما في خلافاتك، فهو ليس قاضيا، بل هو ضحية حين تُجبره على الاختيار. فالبيت الذي يختار فيه الطفل بين أبويه، هو بيت ينهار.. والطفل الذي يُطلب منه أن يختار، هو طفل يفقد جزءا من نفسه. فليكن بيتك ملجأً لأطفالك، لا ساحة حرب.. وليكن خلافك بعيدا عنهم، وحلك أمامهم. وتذكر أن النبي ﷺ كان يحسن العشرة مع أزواجه، ويتعامل بالحسنى، وكان بيته ملجأً للراحة، لا ساحة للصراع. اللهم اجعل بيوتنا مساكن سكينة، لا مسارح خصام. د. محمود العشري
48
19
كيف تتصالح مع ما لا يمكن تغييره، وتتقدم رغم الألم؟ هناك أشياء في الحياة لا يمكن تغييرها. أشياء مضت، ولم تعد في يدك. قرارات اتخذتها، ولم يكن لديك خيار آخر. ظروف مررت بها، ولم تكن بيدك. أشخاص خسرتهم، ولم تستطع الاحتفاظ بهم. أحلام انكسرت، ولم تستطع إصلاحها. جراح قديمة، لا تزال تنزف كلما تذكرتها. ونحن نقضي حياتنا في محاولة تغيير ما لا يمكن تغييره!! نعيد النظر في الماضي، نتمنى لو حدث غير ما حدث، نغضب من أنفسنا، نلوم الآخرين، نرفض الواقع كما هو. لكن الحياة لا تتغير بإرادتنا، بل بقضاء الله. فالتصالح مع الواقع ليس استسلاما، بل هو قوة. ليس هزيمة، بل هو نضج. ليس نسيانا، بل هو قبول بأن هناك أمورا ليست في يدنا، وأن التسليم لله فيها هو الطريق إلى السلام الداخلي. يقول الله تعالى: "مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا" (الحديد: 22). فكل شيء بقضاء الله، وكل شيء بحكمته، وكل شيء لخيرتك، حتى وإن لم ترَ الخير فيه الآن. فالتصالح مع ما لا يمكن تغييره، هو مفتاح السلام الداخلي. وقفة اليوم (لماذا يصعب علينا التصالح؟): التصالح صعب لأننا: · نتمسك بفكرة أننا نستطيع التحكم في كل شيء. · نظن أن رفض الواقع سيغيره. · نخاف من الاعتراف بأننا لسنا أقوياء كما نتصور. · نعتقد أن التصالح يعني التخلي عن الحق أو النسيان. · نربط قيمتنا بقدرتنا على تغيير الأمور. لكن التصالح ليس تخليا عن الحق، بل هو تخلي عن العذاب النفسي. التصالح هو أن تقول: "لقد حدث ما حدث، وأنا لا أستطيع تغييره، لكن يمكنني تغيير نظرتي إليه، وموقفي منه، وطريقة تعاملي مع آثاره". وجدانيا (رسالة إلى من لا يستطيع التصالح): أعلم كم هو صعب أن تتصالح مع شيء لا يمكن تغييره. أعلم كم تؤلمك تلك الذكريات، وتلك الخيبات، وتلك الجراح. لكن تذكر: أنت لست وحدك في هذا. فكل إنسان له أشياء لا يستطيع تغييرها. وكل إنسان له جراحه، وخيباته، وأحلامه المكسورة. والفرق بين من يعيش في سلام ومن يعيش في عذاب: هو قدرته على التصالح مع ما لا يمكن تغييره. عمليا (كيف تتصالح مع ما لا يمكن تغييره؟): 1. اعترف بما تشعر به:        لا تنكر ألمك، ولا تتظاهر بأنك بخير.. قل: "هذا يؤلمني، وهذا صعب، وأنا لست بخير". الاعتراف هو الخطوة الأولى للتصالح. 2. افصل بين ما تستطيع تغييره وما لا تستطيع:        ارسم دائرة لما تستطيع تغييره، ودائرة لما لا تستطيع. ركز جهدك على ما تستطيع، ودع ما لا تستطيع لله. 3. ثق بحكمة الله:        تذكر أن الله يعلم ما لا تعلم، وأنه يختار لك الخير، حتى لو لم ترَه الآن.. قال تعالى: "وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ" (البقرة: 216). 4. توقف عن إعادة تشغيل الألم:        لا تعد التفكير في الماضي مرارا، فهذا لا يغيره، بل يزيد ألمك.. حاول أن توجه أفكارك إلى الحاضر والمستقبل. 5. مارس الامتنان:        بدلا من التركيز على ما فقدت، انظر إلى ما تبقى لديك.. هناك دائما نعم لم تفقدها، وهناك خير لا يزال موجودا. 6. ادعُ الله أن يمنحك القبول:        قل: "اللهم إني راضٍ بقضائك، ومستسلم لأمرك، وأسألك أن تمنحني القبول والرضا".. فالدعاء يفتح باب القلوب التي أغلقتها الأوجاع. دعاء التصالح مع الماضي: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَبُولَ بِمَا مَضَى، وَالرِّضَا بِمَا قُدِّرَ، وَالثِّقَةَ بِمَا سَيَأْتِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَرْضَوْنَ بِقَضَائِكَ، وَيُسَلِّمُونَ لِأَمْرِكَ، وَيُؤْمِنُونَ بِحِكْمَتِكَ. اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى تَجَاوُزِ مَا فَاتَ، وَالِاسْتِفَادَةِ مِنَ الْحَاضِرِ، وَالثِّقَةِ بِالْمُسْتَقْبَلِ. خاتمة تحفيزية: لا تدع ما لا يمكن تغييره يمنعك من عيش حياتك. فالماضي قد مضى، ولن يعود.. والألم قد حدث، ولن يمحى.. لكن يمكنك أن تتعلم منه، وتنمو معه، وتتجاوزه. فالتصالح ليس نسيانا، بل هو تحرر. تحرر من عذاب الماضي، ومن قيود الألم، ومن أوهام السيطرة. واليوم، ابدأ رحلة التصالح مع ما لا يمكن تغييره، وثق بأن الله معك، وأنه يريد لك الخير، وأن الفرج قريب. اللهم اجعلنا من الراضين بقضائك، المتصالحين مع ماضينا، الواثقين في مستقبلنا. د. محمود العشري
47
20
السبت.. يوم الانتصارات الصامتة في حياتنا، نركض خلف الإنجازات الكبيرة: النجاح في العمل، تحقيق الأهداف، الحصول على الشهادات، بناء المشاريع.. وننسى أن الحياة تتكون من انتصارات صغيرة، لا يحتفل بها أحد، لكنها هي الأساس الذي تبنى عليه الإنجازات الكبيرة. السبت هو يوم الاحتفاء بهذه الانتصارات الصامتة. انتصاراتك الصامتة هي: · أن تستيقظ باكرا بعد ليلة شاقة. · أن تتحكم في غضبك في موقف صعب. · أن تخالف رغبتك في الكسل وتنهض لتأدية واجب. · أن تسامح من ظلمك، وأنت لا تزال تتألم. · أن تبكي في سجودك، وأنت لا تجد من يسمعك. · أن تبتسم في وجه من تحب، رغم أن قلبك مثقل بالهموم. · أن تقرأ آية واحدة من القرآن بتدبر، في يوم غفلت فيه عن الذكر. · أن تستغفر عن ذنب أتعبك، وتتوب عنه بصدق. هذه الانتصارات الصامتة، وإن لم يرها أحد، فهي عند الله عظيمة. يقول الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا" (النساء: 40). فكل انتصار صامت، كل لحظة صبر، كل كلمة طيبة في وجه قاسٍ، كل دمعة حبستها، كل غضب كظمته، كل دعاء رفعته في ظلمة الليل.. كلها مسجلة عند الله، لا تضيع، ولا تنسى. فلا تنتظر التصفيق من أحد، فأنت تكافأ عند الله. وقفة اليوم (لماذا نغفل عن انتصاراتنا الصامتة؟): نحن نغفل عنها لأننا: · ننظر دائما إلى ما لم نفعله، لا إلى ما فعلناه. · نقارن أنفسنا بالآخرين، وننسى أن كل إنسان له معركته الخاصة. · نظن أن الإنجازات الكبيرة فقط هي التي تستحق الاحتفال. · ننسى أن الله يرى أصغر الأعمال وأخفاها. لكن الحكيم هو من يتوقف، ويرى ما حققه، ويشكر الله عليه، ويستعد لما هو قادم. وجدانيا (رسالة إلى من يشعر بأنه لم يفعل شيئاً): ربما تنظر إلى أسبوعك، فتراه فارغا، وتشعر بأنك لم تفعل شيئا يستحق الذكر. لكن توقف لحظة. تذكر تلك اللحظات التي صبرت فيها، التي تغاضيت فيها عن إساءة، التي استغفرت فيها بصدق، التي دعوت فيها لغيرك، التي ابتسمت فيها رغم ألمك. هذه هي انتصاراتك الصامتة، وهي عند الله أعظم من الجبال. عمليا (كيف تحتفل بانتصاراتك الصامتة في السبت؟): 1. اكتب قائمة انتصاراتك الصامتة: خذ ورقة، واكتب 5 أشياء فعلتها هذا الأسبوع، لا يعرفها أحد، لكنها تثلج صدرك.. قد تكون بسيطة جدا، لكنها مهمة. 2. اشكر الله عليها: اشكر الله على كل انتصار صامت حققته. قل: "الحمد لله الذي أعانني على هذا".. الشكر يزيد النعم. 3. كافئ نفسك: لا تنتظر أن يكافئك أحد. كافئ نفسك على صبرك، على جهادك، على تماسكك.. اشترِ شيئا تحبه، أو خذ قسطا من الراحة. 4. شارك انتصاراتك مع من تثق به: لا بأس أن تشارك شخصاً تثق به بعض انتصاراتك الصامتة.. مشاركتها تعزز شعورك بالإنجاز، وقد تشجعه هو أيضا على رؤية انتصاراته. 5. تذكر أن الله يراك: تذكر أن الله يرى كل شيء، وأنه لا يضيع أجر من أحسن عملا.. هذا التذكر يمنحك شعورا بالسكينة والطمأنينة. 6. خطط لانتصارات جديدة: استخدم يوم السبت للتخطيط لانتصارات صامتة جديدة في الأسبوع القادم.. اختر هدفا صغيرا تريد تحقيقه، واعزم على تحقيقه. دعاء الانتصارات الصامتة: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ انْتِصَارَاتِي الصَّامِتَةَ عِنْدَكَ عَظِيمَةً، وَأَنْ تُثِيبَنِي عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُعِينَنِي عَلَى الصَّبْرِ، وَالْكِتْمَانِ، وَالْإِخْلَاصِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَعْمَلُونَ الْخَيْرَ فِي السِّرِّ، فَيُجَازَوْنَ بِهِ فِي الْعَلَنِ. خاتمة تحفيزية: لا تنتظر التصفيق من الناس، فثناء الله أغلى. لا تنتظر أن يرى الناس انتصاراتك، فالله يراك، ويعلم ما في قلبك. فاليوم، احتفل بانتصاراتك الصامتة، واشكر الله عليها، واستعد لما هو قادم. وتذكر أن الله يقول: "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (البقرة: 153).. فأنت لست وحدك، فالله معك في كل انتصار صامت تحققه. اللهم اجعل انتصاراتنا الصامتة شفاعة لنا يوم القيامة. د. محمود العشري
39