en
Feedback
كُناشَةُ الخُوارِزْمِيّ

كُناشَةُ الخُوارِزْمِيّ

Open in Telegram

كُناشة على منهج أهل الحديث، من عبدٍ فقيرٍ يرجو رحمة ربِّه.

Show more
The country is not specifiedThe category is not specified
754
Subscribers
+624 hours
+357 days
+11230 days
Posts Archive
في إبطال دعوى إمكان تعارض العقل مع النقل وأنه يجب تقديم العقل حينئذ قال ابن أبي العز -رحمه الله- في كتابه:
(فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه): أي: سلم لنصوص الكتاب والسنة، ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة، أو بقوله: العقل يشهد بضد ما دل عليه النقل، والعقل أصل النقل، فإذا عارضه قدمنا العقل! وهذا لا يكون قط. لكن إذا جاء ما يوهم مثل ذلك؛ فإن كان النقل صحيحاً فذلك الذي يدعى أنه معقول إنما هو مجهول، ولو حقق النظر لظهر ذلك، وإن كان النقل غير صحيح فلا يصلح للمعارضة، فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبداً. ويُعارَض كلام من يقول ذلك بنظيره، فيقال: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع النقيضين، وتقديم العقل ممتنع؛ لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، ولو أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضاً للنقل؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه. وهذا بين واضح، فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته، وأن خبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون الدلالة باطلة لبطلان النقل؛ لزم أن لا يكون العقل دليلاً صحيحاً، وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال، فضلاً عن أن يقدم، فصار تقديم العقل على النقل قدحاً في العقل.
📚 شرح العقيدة الطحاوية وفي هذا الكلام تحقيقٌ بديع، وبيانٌ لأصلٍ فاسدٍ بَنَى عليه أهلُ الزيغ والضلال مذهبَهم، إذ سلَّموا في أصلهم أنَّ النقل [وهو الكتاب والسنة] قد يُعارض العقلَ الصريح، ثم جعلوا الواجبَ تقديمَ العقل إن تعارضا، وهذا من أبطل الباطل. فإن النقلَ الصحيح لا يُمكن أن يُعارض العقلَ الصريح أبدًا، وإنما يظنّ التعارضَ من قصُر فهمُه، أو فسد عقلُه، أو لم يكن النقل ثابتًا في نفسه. ثم بيَّن رحمه الله أنَّه يلزمهم على أصلهم أن يُقدَّم النقلُ على العقل إذا حصل تعارض كما يزعمون؛ لأنَّ العقلَ هو الذي دلَّ ابتداءً على وجوب تصديق الوحي المنقول وقبول ما جاء به الرسول ﷺ، فلو فُرض بطلانُ النقل للزم من ذلك بطلانُ العقلِ لأنه الذي دلَّ على صدق النقل في المقام الأول. وإذا بطل العقل لم يَعُد صالحًا لأن يُعارِض النقلَ أو يُقدَّم عليه، فيكون القول بتقديم العقل مستلزِمًا لعدم تقديمه على النقل.

قال إمام المحققين ابن القيم في كتابه العظيم إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: "فإن قيل: فما الذى أوقع عباد القبور فى الافتتان بها، مع العلم بأن ساكنيها أموات، لا يملكون لهم ضرا ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً؟ قيل: أوقعهم فى ذلك أمور: •منها: الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك، فقل نصيبهم جداً من ذلك. ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن عندهم من العلم ما يبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا بقدر ما معهم من العلم. •ومنها: أحاديث مكذوبة مختلقة، وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية على رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم تناقض دينه، وما جاء به كحديث: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه" وأمثال هذه الأحاديث التى هى مناقضة لدين الإسلام. وضعها المشركون وراجت على أشباههم من الجهال الضلال. والله بعث رسوله يقتل من حسن ظنه بالأحجار، وجنب أمته الفتنة بكل طريق كما تقدم. •ومنها: حكايات حكيت لهم عن تلك القبور: أن فلانا استغاث بالقبر الفلانى فى شدة فخلص منها. وفلاناً دعاه به فى حاجة فقضيت له. وفلانا نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره. وعند السدنة والمقابرية من ذلك شىء كثير يطول ذكره. وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات. والنفوس مولعة بقضاء حوائجها، وإزالة ضروراتها ويسمع بأن قبر فلان ترياق مجرب. والشيطان له تلطف فى الدعوة فيدعوهم أولا إلى الدعاء، فيدعو العبد عنده بحرقة وانكسار وذلة، فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه، لا لأجل القبر. فإنه لو دعاه كذلك فى الحانة والخمارة والحمام والسوق أجابه، فيظن الجاهل أن للقبر تأثيرا فى إجابة تلك الدعوة والله سبحانه يجيب دعوة المضطر، ولو كان كافراً... والمقصود: أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر، وأنه أرجح منه فى بيته ومسجده وأوقات الأسحار. فإذا تقرر ذلك عنده نقله درجة أخرى، من الدعاء عنده إلى الدعاء به، والإقسام على الله به فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به، والدعاء به أبلغ فى تعظيمه واحترامه، وأنجع فى قضاء حاجته، نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله. ثم ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن يتخذ وثنا يعكف عليه ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبنى عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، والطواف به وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده. ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً وأن ذلك أنفع لهم فى دنياهم وآخرتهم". http://t.me/tahrerat

"فقر المخلوقات إلى الخالق ودلالتها عليه وشهادتها له أمر فطري فطر الله عليه عباده، كما أنه فطرهم على الإقرار به بدون هذه الآيات" " ثم الفطر تعرف الخالق بدون هذه الآيات، فإنها قد فطرت على ذلك، ولو لم تكن تعرفه بدون هذه الآيات لم تعلم أن هذه الآية له، فإن كونها آية له ودلالة عليه: مثل كون الاسم يدل على المسمى فلا بد أن يكون قد تصور المسمى قبل ذلك، وعرف أن هذا اسم له، فكذلك كون هذا دليلا على هذا يقتضي تصور المدلول عليه وتصور أن ذلك الدليل مستلزم له، فلا بد في ذلك أن يعلم أنه مستلزم للمدلول، فلو لم يكن المدلول متصورا لم يعلم أنه دليل عليه،" - شيخ الإسلام ابن تيمية، مجموع الفتاوى (1/ 47 - 48)

وفي هذا إثبات أن القرآن (الذي هو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات) هو كلام الله غير مخلوق، لأن كلام الله ليس منفصلًا عن الله، بل هو قائم بذات الله. فكل ما يقوم بذات الله تعالى من كلامه وأفعاله غير مخلوق، إذ المخلوق هو ما له بداية ومنفصل عن الله تعالى وهو أثر لفعل الخلق الإلهي كالعرش والسماء والأرض والبشر. أما كلام الله وأفعاله كلها غير مخلوقة، فهي ليست منفصلة عنه وليست أثارًا لفعل الخلق الإلهي. وعليه فكل صفات الله تعالى غير مخلوقة لأنها قائمة بذات الله. فصل: الله لم يزل متكلما متى شاء قال ابن أبي زمنين المالكي -رحمه الله- في كتابه:
مِن قَولِ أهلِ السُّنَّةِ: أنَّ القُرآنَ كلامُ اللهِ وتنزيلُه، ليس بخالقٍ ولا مخلوقٍ، منه تبارك وتعالى بدأ، وإليه يعودُ
📚أصول السنة وقال الطحاوي في كتابه:
وإن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر
📚 متن العقيدة الطحاوية وقال ابن بطة -رحمه الله- في كتابه:
قَالَ حَنْبَلٌ: وَسَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ الْفَضْلَ بْنَ دُكَيْنٍ، يَقُولُ: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ مَا يَتَكَلَّمُونَ فِي هَذَا، وَلَا عَرَفْنَا هَذَا إِلَّا مِنْ بَعْدِ سِنِينَ، الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لَا يَئُولُ إِلَى خَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، هَذَا الَّذِي لَمْ نَزَلْ عَلَيْهِ وَلَا نَعْرِفُ غَيْرَهُ»
📚 الإبانة الكبرى وفي هذا بيان وردّ على من زعم أن أهل السنة يشاركون فرقة السالمية في اعتقاد أن الله تعالى لا يتكلم متى شاء، وأن كلامه كله موجود منذ الأزل بحرف وصوت كما يزعم الحنابلة الجدد. فكما يتّضح من النصوص بالأعلى أن القرآن الكريم غير المخلوق بدأ من الله تعالى. فلو كان القرآن أزليًا بحرف وصوت كما يزعم هؤلاء، فكيف يُقال بأنه بدأ من الله؟! هذا تناقض صريح، إذ الأزلي لا يكون له بداية. والأدلة من الكتاب والسنة على أن الله تعالى يتكلم متى شاء جليّة ومتعددة، تفوق ما يمكن حصره في هذا المقام، منها قوله تعالى:
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٠ البقرة﴾
وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم:
(لمَّا خلق اللهُ آدمَ ، ونفخ فيه الرُّوحَ عطس فقال الحمدُ للهِ ، فحمِد اللهَ بإذنِ اللهِ تبارك وتعالَى ، فقال له ربُّك : رحمِك اللهُ يا آدمُ ، وقال له يا آدمُ : اذهبْ إلى أولئك الملائكةِ ، إلى ملأٍ منهم جلوسٍ ، فقل : السَّلامُ عليكم ، فقالوا : وعليك السَّلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه ، ثمَّ رجع إلى ربِّه عزَّ وجلَّ فقال : هذه تحيَّتُك وتحيَّةُ بنيك ، وبنيهم ، فقال اللهُ تبارك وتعالَى له – ويداه مقبوضتان – اخترْ أيَّهما شئتَ ، قال : اخترتُ يمينَ ربِّي ، وكلتا يديْ ربِّي يمينٌ مباركةٌ ، ثمَّ بسطها) إلى آخر الحديث المصدر: جامع الترمذي
وأهل السنة يعتقدون أن الكلام صفة ذاتية فعلية لله سبحانه وتعالى أي أن الله لم يزل ولا يزال يتكلم بما يشاء، بمعنى أنه لا يوجد مرة تكلم فيها الله لأول مرة على الإطلاق، بل كل كلام تكلم الله به بمشيئته يسبقه كلام آخر تكلم الله به بمشيئته وهكذا من الأزل، وكل كلام سيتكلم به الله بمشيئته سيعقبه كلام آخر يتكلم الله به بمشيئته وهكذا إلى الأبد، وهذا المراد بأن كلام الله قديم النوع حادث الآحاد. وقد بين الإمام أحمد -رحمه الله- في كتابه هذا الأمر قائلًا:
بل نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق الكلام
📚 الرد على الجهمية والزنادقة وقال الإمام ابن أبي العز -رحمه الله- في كتابه:
والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله تعالى لا يتناهى، فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ولا يزال كذلك، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} [الكهف:١٠٩]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
📚 شرح العقيدة الطحاوية وخير ما نختم به هذا المقال ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية من رسالة مناقب الإمام أحمد لأبي إسماعيل الهروي عن الإمام ابن خزيمة -رحمه الله- أنه قال:
أن الله متكلم إن شاء تكلم وإن شاء سكت
📚 شرح العقيدة الأصفهانية

في بيان أن الله جلّ وعلا لم يزل متكلِّمًا إذا شاء، وأن كلامه قديم النوع حادث الآحاد تُعَدّ مسألة صفة الكلام من المسائل التي وَجدتُ فيها اضطرابًا عند كثيرٍ ممن يشرع في طلب العلم ويتوجَّه إلى باب الصفات. ولعلّ من أبرز أسباب هذا الاضطراب كثرة الأقوال واختلاف المذاهب في مسألة الكلام، لدرجة أن الإمام ابن أبي العِزّ في شرحه للعقيدة الطحاوية ذكر تسعة أقوالٍ مختلفة قِيلت فيها، وكذلك لعدم الفهم الدقيق للمصطلحات المستعملة في المتون العقدية. ولسنا بصدد إظهار جميع الأقوال المذكورة في هذه المسألة والرد عليها، وإنما سنحاول في هذا المقال بيان القول الحق فيها بإذن الله تعالى مع ذكر بعض أقوال المخالفين وبيان فسادها. فصل: حقيقة الكلام ومعناه ومن أحسن ما يستشهد به في هذا، كلامُ الإمام السِّجزي -رحمه الله- في رسالته إذ قال:
«اعلموا - أرشدنا الله وإياكم - أنه لم يكن خلافٌ بين الخلق على اختلاف نِحَلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والأشعري وأقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم، بل أخسُّ حالًا منهم في الباطن، من أن الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا ذا تأليفٍ واتساقٍ، وإن اختلفت به اللغات. وعَبَّر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلَّموا في العقليات، فقالوا: الكلام حروفٌ متَّسقة وأصواتٌ مقطَّعة، وقالت – يعني علماء العربية –: الكلام اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ جاء لمعنى، فالاسم مثل زيد وعمرو، والفعل مثل جاء وذهب، والحرف الذي يجيء لمعنى مثل هل وبل وقد، وما شاكل ذلك. فالإجماع منعقدٌ بين العقلاء على كون الكلام حرفًا وصوتًا».
📚 رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت فحقيقةُ الكلام أنَّه ما كان بحرفٍ وصوتٍ، لا كما يزعم بعضُ المتكلّمين من أن الكلام معنىً قائمٌ بالنفس، وأن الحروفَ والأصواتَ مجرّدُ تعبيرٍ أو حكايةٍ لذلك المعنى القائم بالنفس، وإلّا فيلزمهم بهذا القول أن يقولوا بأنّ الأخرسَ الذي فقد القدرة على النطق متكلّمٌ أيضًا لأن المعاني تقوم بنفسه، وهذا باطلٌ بالضرورة، إذ لا يُسمّى متكلّمًا إلا من تكلّم بحرفٍ وصوتٍ. ومن الأدلة على بطلان قولهم، قوله تعالى في القرآن:
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ (6)
فسمّى الله القرآن الذي هو حروف وكلمات "كلام الله" فصل: الكلام صفة للمتكلم الذي تكلم بالكلام (أي الذي قام بذاته الكلام) وفي بيان ذلك يقول الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله- في كتابه:
والصفات لا تقوم بأنفسها، وإنما تقوم بالموصوف بها، كالألوان والطعوم والأراييح والشم، لا يقوم شيءٌ من ذلك بذاته ونفسه، وإنما يقوم بالموصوف به. فكذلك الكلام صفةٌ من الصفات لا تقوم إلا بالموصوف بها
📚 التبصير في معالم الدين وفي هذا ردٌّ صريح على القائلين بأن الله يخلق كلامه منفصلًا عنه كما تقول المعتزلة، إذ زعموا أن الكلام الذي سمعه موسى خلقه الله في الشجرة. وهذا القول باطل، لأن الكلام إن قام بذات الشجرة كان الكلام كلامَ الشجرة لا كلامَ الله، لأن الصفة تكون صفةً للموصوف الذي قامت به. ويقرر شيخ الإسلام هذا الأصل بوضوح قائًلا في كتابه:
وهنا أربع مسائل، مسألتان عقليتان ومسألتان سمعيتان لغويتان: الأولى: أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها إلى ذلك المحل فكان هو الموصوف بها فالعلم والقدرة والكلام والحركة والسكون إذا قام بمحل كان ذلك المحل هو العالم القادر المتكلم أو المتحرك أو الساكن. الثانية: أن حكمها لا يعود على غير ذلك المحل فلا يكون عالما بعلم يقوم بغيره ولا قادرا بقدرة تقوم بغيره ولا متكلما بكلام يقوم بغيره ولا متحركا بحركة تقوم بغيره وهاتان عقليتان. الثالثة: أنه يشتق لذلك المحل من تلك الصفة اسم إذا كانت تلك الصفة ممّا يشتق لمحلها منها اسم، كما إذا قام العلم أو القدرة أو الكلام أو الحركة بمحل، قيل: عالم أو قادر أو متكلم أو متحرك بخلاف أصناف الروائح التي لا يشتق لمحلها منها اسم. الرابعة: أنه لا يشتق الاسم لمحل لم يقم به تلك الصفة، فلا يقال لمحل لم يقم به العلم أو القدرة أو الإرادة أو الكلام أو الحركة إنه عالم أو قادر أو مريد أو متكلم أو متحرك
📚 شرح العقيدة الأصفهانية فكلام الله لا بد أن يكون قائمًا بالله وإلا لم يكن كلامه. فصل: كلام الله غير مخلوق يقول الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- في كتابه:
وَالْقُرْآن كَلَام الله وَلَيْسَ بمخلوق ولَا يضعف أَن يَقُول لَيْسَ بمخلوق، فَإِن كَلَام الله لَيْسَ ببائن مِنْهُ وَلَيْسَ مِنْهُ شَيْء مخلوق
📚 أصول السنة وقال الإمام البخاري -رحمه الله- في كتابه:
الْقُرْآنُ الْمَتْلُوُّ الْمُبَيَّنُ الْمُثَبَّتُ فِي الْمُصْحَفِ الْمَسْطُورُ الْمَكْتُوبُ الْمُوعَى فِي الْقُلُوبِ فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِخَلْقٍ
📚 خلق أفعال العباد

[في وجه كون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين من غير المؤمنين] قال ابن القيم رحمه الله: «وأصح القولين في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا ‌رَحْمَةً ‌لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء: 107]، أنه على عمومه، وفيه على هذا التقدير وجهان: أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته صلى الله عليه وسلم، أما أتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له، فالذين عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادةٌ لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرًا بذلك العهد من المحاربين له. وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره؛ وأما الأُمَم النَّائية عنه فإن الله سبحانه وتعالى رفع برسالته صلى الله عليه وسلم العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النَّفع برسالته صلى الله عليه وسلم. الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمةً لهم، لكن لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء لهذا المرض، فإذا لم يستعمله المريض لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض.»
-جلاء الأفهام.
#تفسير

في بيان أن العمل من الإيمان وأنه لا يصح إيمان العبد إذا ترك العمل قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي -رحمه الله- في كتابه:
وَالشَّهِيدُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مِنَ الْإِيمَانِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تُوُفُّوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فسُئل رسولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. فَأَيُّ شاهدٍ يُلتمس عَلَى أَنَّ الصلاةَ مِنَ الْإِيمَانِ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ؟
📚 كتاب الإيمان وقَالَ الإمام أَبُو عِيسَى الترمذي -رحمه الله- في كتابه:
سَمِعْتُ أَبَا مُصْعَبٍ الْمَدَنِيَّ يَقُولُ مَنْ قَالَ الإِيمَانُ قَوْلٌ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ
📚 جامع الترمذي ولَا خِلافَ بين أهلِ السُّنَّةِ أنَّ الإيمانَ اعتِقادٌ وقَولٌ وعَمَلٌ، وأنَّ من لم يأتِ بهذه الثَّلاثةِ فَقَد خَرج عن ملّة الإسلام. ولذلك يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي -رحمه الله في كتابه-:
ونقل حرب الكرماني عن إسحاق بن راهويه قال: "غلت المرجئة حتى صار من قولهم: إن قوما يقولون: (من ترك الصلوات المكتوبات وصوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره، يرجى أمره إلى الله بعد، إذ هو مقر)، فهؤلاء الذين لا شك فيهم - يعني في أنهم مرجئة." وظاهر هذا: أنه يكفر بترك هذه الفرائض
📚 فتح الباري لابن رجب

لا تغتر بأعمالك الصالحة قال ابن القيم رحمه الله:
تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته، لما فيه من صولة الطاعة، وتزكية النفس وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذنب، وأن أخاك هو الذي باء به. ولعل كسرته بذنبه، وما أحدث له من الذلة والخضوع، والإزراء على نفسه، والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب أنفع له وخير له من صولة طاعتك، وتكثرك بها، والاعتداد بها، والمنة على الله وخلقه بها. فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله ! وما أقرب هذا المُدلَّ من مَقْت الله! فذنبٌ تَذِلُّ به لديه أحبُّ إليه من طاعة تُدِلُّ بها عليه وأنين المذنبين أحبُّ إليه من زَجَل المسبحين المدلين! ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر.
📚 مدارج السالكين ط دار عطاءات العلم ١/٢٧٢. #تزكية

قال ابن أبي العز الحنفي - رحمه الله -:
وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة، وإنما يتلقاه من قول فلان؟! وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول، ولا ينظر فيها، ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، المنقول إلينا عن الثقات النقلة، الذين تخيرهم النقاد، فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده، بل نقلوا نظمه ومعناه، ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصبيان، بل يتعلمونه بمعانيه، ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه، ومن يتكلم برأيه وما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب والسنة فهو مأثوم وإن أصاب، ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ، لكن إن أصاب يضاعف أجره
📚 كتاب شرح العقيدة الطحاوية وفي هذا النصّ فائدة جليلة ينبغي لطالب العلم أن يتأملها حقَّ التأمل ويعيها تمام الوعي؛ فإن التكلُّم في دين الله لا يُتصوَّر على وجهٍ صحيح إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة مقتفيًا آثار السلف وطريقتهم. فمن سلك هذا السبيل، واجتهد مستفرغًا وُسْعَه في طلب الحق، متبعًا للدليل، ناظرًا في كلام الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، ثم أخطأ بعد ذلك دون قصد، فإنه يُعذر ولا يُبدَّع، وخطؤه مغفور إن شاء الله تعالى، بل يكون مأجورًا على اجتهاده. وأما من ألقى الكتاب والسنة وأصول السلف خلف ظهره، وأخذ يتكلم في دين الله برأيه وهواه، أو اعتمد في تقرير العقائد على أصولٍ ليست من الدين في شيء، كأصول المتكلمين والفلاسفة، فمثل هذا قد زاغ عن المنهج القويم، وخالف سبيل الذين أُمرنا باتباعهم والاقتداء بهم ولو أصاب الحق أحيانًا. وفي هذا أيضًا رد على الجهلة الذين يُسوُّون مثلًا بين خطأ الإمام ابن خزيمة – رحمه الله – في حديث الصورة، وبين من أنكر علو الله وصفاته مستندًا إلى أصولٍ كلاميةٍ فاسدة؛ فهذا خلطٌ بيّن بين زلّةِ مجتهدٍ من أئمة السنّة عُرف بتعظيم السنة واتباعها، وبين انحرافِ من خالف أصول السلف وردّ النصوص بعقله. ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- هذا الأصل قائلًا:
ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين ‌من ‌جهة ‌الرسول ﷺ وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه
📚 درء تعارض العقل والنقل

علاقة "التأويل الكلامي" المتعسف (الأشعري) بنفي صفة الحكمة عن الله سبحانه! يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "المتكلم الذي تكلم بكلام له ظاهر وله باطن يخالف الظاهر يمتنع أن يريد به إفهام المخاطبين خلاف الظاهر بلا دليل فإذا ثبت أنه لا دليل يعلم به ما يخالف الظاهر وهذا بشرط أن يكون المتكلم مقصوده البيان والإفهام وهو حكيم فأما إن كان مقصوده التدليس والتلبيس أو كان جاهلاً فلا يمتنع أن يخاطب الناس بما يفهمون منه خلاف مقصوده أو أن يدلهم بغير دليل لكن هذا متفق على انتفائه في حق الله ورسوله الوجه الثامن إذا ثبت أن ما تسمونه معقولاً يمتنع أن يفصل بينهم النزاع أو يبين لهم الحق من الباطل من هذه التأويلات والله سبحانه قد أقام الحجة على عباده وبين أنه ما كان ليضلهم حتى يبين لهم ما يتقون" - بيان تلبيس الجهمية، السادس. ينقل الإمام ابن القيم رحمه الله تعليق الرازي على هذا الدليل في إبطال التأويل المتعسف: "ثم قال: فإن قيل: إن الله سبحانه لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره بشيء، فلو كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك شيء وجب عليه سبحانه أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل، وإلا كان ذلك تلبيسا من الله تعالى وأنه غير جائز، قلنا: هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح، وأنه يجب على الله سبحانه شيء، ونحن لا نقول بذلك؟" - الصواعق المرسلة فمعنى كلام الرازي، نحن لا نثبت أن الله منزه عن فعل ما تسمونه قبيح، فهو لا يقبح في حقه فعل أي شيء أصلَا، فلا يتنزه أصلًا عن أن يلبّس على الخلق، تعالى الله عن قوله علوّا كبيرًا. يعلق ابن القيم على كلام الرازي المنقول آنفًا: "فليتدبر المؤمن هذا الكلام وليرد أوله على آخره وآخره على أوله ليتبين له ما ذكرنا عنهم من العزل التام للقرآن والسنة عن أن يستفاد منهما علم أو يقين في باب معرفة الله وما يجب له وما يمتنع عليه وأنه لا يجوز أن يحتج بكلام الله ورسوله في شيء من هذه المسائل وأن الله تعالى يجوز عليه التلبيس والتدليس على الخلق وتوريطهم في طرق الضلال وتعريضهم لاعتقاد الباطل والمحال وأن العباد مقصرون غاية التقصير إذا حملوا كلام الله ورسوله على حقيقته وقطعوا بمضمون ما أخبر به حيث لم يشكوا في ذلك إذ قد يكون في العقل ما يعارضه ويناقضه فإن غاية ما يمكن أن يحتج بكلام الله ورسوله عليه من الجزئيات ما كان مثل الإخبار بأن على قلة جبل قاف غرابا صنعته كيت وكيت أو على مسألة الإجماع وخبر الواحد وأن مقدمات أدلة القرآن والسنة غير معلومة ولا متيقنة الصحة ومقدمات أدلة أرسطو صاحب المنطق والفارابي وابن سينا وإخوانهم قطعية معلومة الصحة" للتوسع: راجع: الأشاعرة والادعاء الكاذب للتنزيه

في التفرقة بين الإرادة الشرعية الدينية والإرادة الكونية قال ابن ابي العز الحنفي -رحمه الله-:
وإذا قيل: إن الله أمر العباد بما يصلحهم، لم يلزم من ذلك أن يعينهم على [ما] أمرهم به، لا سيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحدا على ما به يصير فاعلا. وإذا عللت أفعاله بالحكمة، فهي ثابتة في نفس الأمر، وإن كنا نحن لا نعلمها. فلا يلزم إذا كان نفس الآمر له حكمة في الأمر أن يكون في الإعانة على فعل المأمور به حكمة، بل قد تكون الحكمة تقتضي أن لا يعينه على ذلك، فإنه إذا أمكن في المخلوق أن يكون مقتضى الحكمة والمصلحة أن يأمر لمصلحة المأمور، وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر أن لا يعينه على ذلك، فإمكان ذلك في حق الرب أولى وأحرى. والمقصود: أنه يمكن في حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمر ولا يعينه عليه، فالخالق أولى بإمكان ذلك في حقه مع حكمته، فمن أمره وأعانه على فعل المأمور كان ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره إنشاء وخلقاً ومحبة، فكان مرادا بجهة الخلق ومرادا بجهة الأمر، ومن لم يعنه على فعل المأمور كان ذلك المأمور قد تعلق به أمره ولم يتعلق به خلقه، لعدم الحكمة المقتضية لتعلق الخلق به، ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده. وخلق أحد الضدين ينافي خلق الضد الآخر، فإن خلق المرض الذي يحصل به ذل العبد لربه ودعاؤه وتوبته وتكفير خطاياه ويرق به قلبه ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان، يضاد خلق الصحة التي لا تحصل معها هذه المصالح، ولذلك [كان] خلق ظلم الظالم الذي يحصل به للمظلوم من جنس ما يحصل بالمرض - يضاد خلق عدله الذي لا يحصل به هذه المصالح، وإن كانت مصلحته هو في أن يعدل.
📚 كتاب شرح العقيدة الطحاوية - ط المكتب الإسلامي التاسعة قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فَالْإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ الدِّينِيَّةُ هِيَ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا، وَالْكَوْنِيَّةُ هِيَ الْمَشِيئَةُ الشَّامِلَةُ لِجَمِيعِ الْحَوَادِثِ
📚 منهاج السنة وعليه، فالإرادة الكونية لابد من وقوعها؛ فالله إذا شاء أن يحصل شيئًا حصل ولا بد، كإحياء أحد أو إماتته، أو هداية انسان أو إضلاله أو غير ذلك أما الإرادة الشرعية ـ كإرادته الإيمان من كل أحد ـ فلا يلزم وقوعها ، فقد تقع وقد لا تقع ، ولو كان لابد من وقوعها لأصبح الناس كلهم مسلمين.

قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- في كتابه:
وَالْقُرْآن كَلَام الله وَلَيْسَ بمخلوق ولَا يضعف أَن يَقُول لَيْسَ بمخلوق، فَإِن كَلَام الله لَيْسَ ببائن مِنْهُ وَلَيْسَ مِنْهُ شَيْء مخلوق، وَإِيَّاك ومناظرة من أخذل فِيهِ وَمن قَالَ بِاللَّفْظِ وَغَيره وَمن وقف فِيهِ فَقَالَ لَا أَدْرِي مَخْلُوق أَو لَيْسَ بمخلوق، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام الله فَهَذَا صَاحب بِدعَة مثل من قَالَ هُوَ (مَخْلُوق). وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام الله لَيْسَ بمخلوق
📚 أصول السنة وفي هذا النص مسألة دقيقة تحل إشكالية موجودة عند كثيرين، وهي التفرقة بين الحادث المخلوق والحادث غير المخلوق. فمن المعلوم في مذهب أهل الحديث أن الحادث أعم من المخلوق بمعنى: كل مخلوق حادث وليس كل حادث مخلوق. وقد بيّن الإمام رحمه الله في النص بالأعلى أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ثم استدل بعدها على ذلك بأن كلام الله ليس ببائن منه أي ليس منفصلًا عن الله، وهذا فارق هام لمن تدبّر. وبناءً على هذا يمكن التفرقة بينهما كالآتي: الحادث المخلوق: ما له بداية، وبائن من الله تعالى، وهو أثر لفعل الخلق الإلهي، كالعرش، والسماوات، والملائكة، والإنس، والجنّ. الحادث غير المخلوق: ما له بداية، وقام بذات الله غير بائنِِ منه كآحاد الكلام والأفعال الإختيارية. فالأول منفصل عن الله وهو أثر لفعل الخلق الإلهي والثاني قائم بذات الله وليس أثرًا لفعل الخلق الإلهي

الاسلام دين واقعي، لم يأتي بالمثاليات، ولم يعد المؤمنين به بمدينة فاضلة على الارض، وانما وعد ان الالتزام بتعاليمه ستحقق أفضل ما يمكن أن تحققه قدرات الانسان القاصرة، "أفضل ما يمكن" وليس "أفضل ما يكون" بإطلاق! وتحقق هذا يعتمد على الشروط والموانع الواقعية الموضوعية. فالمسلمون مأمورون بالعمل وتطبيق مبادئ الإسلام في إطار الممكن والمتاح على أرض الواقع، لا في نطاق الاحتمالات الذهنية أو النظريات المجردة. فالله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وقد تصل الممانعة الواقعية إلى درجة تعيق فيها تطبيق بعض جوانب الدين بشكل كامل، حتى يصبح كما ورد في الحديث الصحيح: «خير مال الرجل المسلم الغنم، يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن.» (صحيح البخاري). وفي هذا الاصل زلت أقدام الكثير من المنتسبين للإسلام، فخلطوا الإمكان العقلي بالإمكان الخارجي الواقعي، ونظروا الى الامور بمثالية فجة كالاخوان والخوارج وغيرهم، وحاولوا تطبيق تصور للخلافة لم يكن موجودا واقعيا من قبل، وانما هو في مخيالهم فقط !

كلامُ الله خيرُ ما نفتَتِح به الكُناشة