ch
Feedback
ذو العَقيصَتين

ذو العَقيصَتين

前往频道在 Telegram

حديثُ نفسٍ وشيءٌ من سَمَرٍ قليل. شخصيّة فلا تؤمّل كثيرًا. https://curiouscat.live/

显示更多
1 256
订阅者
+124 小时
+97
+4630
帖子存档
وسؤالُ العبد تعجيلَ الإجابة من ربّه - جلَّ جلالُه - إنَّما هو طلبٌ لتعجيل قضائِه في المسألة.

وإذا سأل العبد عبدًا فإنَّما رجاه أن يقضيَ له قضاءً في مسألتِه، وإذا سألَ العبدُ الربَّ فإنَّما رجَاهُ أن يقضيَ له قضاءً في مسألتِه، وإذا سأل العبد عبدًا رفيعَ القدْر من أهل الدنيا ثمَّ قيلَ له في امتناعِ تلك المسألة، لم يعبَأ بقول القائلين ممَّا يعلمه من فعلِ ذلك العبد الرفيع، وكذلك إذا سألَ العبد الرَّحمنَ ثمَّ قيلَ له في امتناعِ مسألتِه تلك، لم يجُز أن يعبَأ بقول القائلين ممَّا يعلمه من أفعالِ ربّ العالمين، فأعظمُ أفعال العباد شفاعةٌ وتوسُّطٌ أو إعانة، وكلُّها أدنَى من أفعال الربّ من إحياء وخلقٍ وإماتة. وهذا فرقٌ كبير! وللَّه المَثل الأعلى في السماوات والأرض، وإحكامُ هذا في القلب فوزٌ عظيم.

وإذا ابتُلِيَ عبدٌ بسقمٍ فقد دُعِيَ به إلى اسم اللَّه الشَّافي، وإذا ابتُلي بشتات الأمر فقد دُعي به إلى اسم اللَّه الجامع، وإذا ابتُلي بنقصٍ أو قلَّةٍ أو فقرٍ فقد دُعي بها إلى اسم اللَّه الرزَّاق، والكريم، والجَواد. وكلُّ حالٍ للعبد إنَّما هي دعوةٌ إلى اسمٍ جليلٍ من أسماء الرَّبّ، تبارك وتعالى. وإدراك هذا من توفيقه ورحمتِه بعبدِه.

وضَعفُ ثقة المرء بالرَّحمن مردودٌ إلى قلَّة تشرُّب قلبه لثلاثة أمور: هيبةِ المَلِك، وهيبةِ مُلكِه، وهيبةِ قضائِه، - جلَّ جلالُه -، فإذا زادَت هيبة قلبِه من هذه الثلاثة زادَت ثقتُه واعتمادُه على الرَّحمن بالضرورة.

" سَقى الغَيثُ غَيثاً وارَتِ الأَرضُ شَخصَهُ وَإِن لَم يَكُن فيهِ سَحابٌ وَلا قَطرُ وَكَيفَ اِحتِمالي لِلسَحابِ صَنيعَةً بِإِسقائِها قَبراً وَفي لَحدِهِ البَحرُ " اللهم ارحم عبدك سالم، تجاوز عنه، عامله برحمتك، وبما أنت أهله.

(ولقد كنتُ كثيرَ المال، ذائعَ الصِّيت، واسعَ النفوذ، مسموعَ الكلمة، فدَهَمَنِي يومًا خاطرٌ أنَّ ما عندي يزول عمَّا قليل، فحدَّثَتني نفسي أن أستَبِقَ ذلك بصنيعٍ إنْ يكُ سقوطي بعدَه، كنتُ لا أزالُ مذكورًا به آخرَ الدَّهر، فصنعتُه، فلم يبقَ ذو سلطانٍ، ولا جاهٍ، ولا منسوب إلى الدِّين، ولا شاعر مُفلق، إلَّا وقد حضرَه وأثنَى عليّ، فأعجبتني نفسي، وعَظُمَت عندي، فلم ألبَث غير يسيرٍ فدَبَّ إليّ النقص قليلًا قليلًا من كلِّ صوب، ثمَّ ألبَث إلَّا أقلَّ من ذلك فإذا أنا من الفقراء والمُعوزين، وأدبرَ عنِّي الخلق كلّهم، وتقطَّع النفوذ، ورُفِعَت النِّهمة، واسودَّت الدنيا بعد ابيضاض، ولم يبقَ إلَّا الحَيُّ الَّذي لَا يموت، فأيقنتُ أنَّ كلَّ ذلك لِما كان من التفريط في حقِّه، والتهاون في جنبِه، فأشفَيتُ على الجنون، ثمَّ هُدِيت، فعكَفتُ اللَّيالي والأيام، أذكُرُهُ قائمًا وجالسًا وعلى جنبٍ، وأدعوه وأستغيثُه وأرجوُه، وأستغفِرُهُ ممَّا أجرمتُ واجترحتُ وفرَّطت، حتَّى ردَّ عليّ النِّعمة كرَّةً أخرى، وقد تأدَّبت.) - من كلام رجلٍ من أهل زماننا بلغته الدارجة، (بتصرُّفٍ فيها) .. تأمَّل سهولة القبض والبسط لدى الرَّحمن، سبحانه ما أجلَّه وأعظمه، نسألُه من واسع فضله ورحمته، ونعوذُ به من زوال نعمتِه، وتحوُّل عافيته، وفُجاءة نقمته، وجميع سخَطه.

وإذا قضَى الرَّحمن قضاءً كانَ من عمل القدرِ أحدُ عمَلَين: فعملٌ يكون بإدناءِ موضعِ نزول القضاءِ إلى محلِّ وقوف العبد بشتَّى الدواعي، وعملٌ يكون بصرفِ العبد من محلِّ مكوثه إلى محلِّ نزول القضاء بشتَّى الصوارف، ولو سَلْسَلَ عبدٌ نفسه في السلاسل ثم قضَى الرَّحمن له بالفضل والرَّحمة منه قضاءً بالخير، أو قُضِيَ له بالحكمة والعدل قضاءٌ من السوء والشرّ، فإنَّ القدرَ يبعثُ عليه من صنوف الدواعي ما يحمله على فكِّ سلاسلهِ والقيام منها والخروج إلى محلِّ القضاءِ المعقود، وكذَا لو كان العبد أفطنَ الناس بحِيلةٍ أو أشدَّهم حذرًا من مغبَّة ثمَّ نزل إليه قضاءٌ من الخير أو الشرّ، فإنَّ القدرَ يخرُج عليه بفطنةٍ هي فوق ما عنده من الفطنة، حتَّى يأتي به طوعًا أو كرهًا إلى محلِّ القضاء المقصود. وفي التفكُّر في هذا غنيمتَان: أن يشتدَّ تعلُّق القلب بالدعاء طمعًا في خيرِ القضاء من الرَّحمن، وأن تشتدَّ خشيتُه من الغفلةِ عنه خشيةَ أن ينزلَ قضاءٌ من الشرِّ فلا يُصارعه دعاءٌ من الخير.

وسرُّ أنَّ الصدقات يعقبها الفرجُ الأكيد بعد الشدَّة والضِّيق ؛ أنَّ الصدقة فيها إرضاءٌ للرَّبّ وإطفاءٌ لسخطِه، وأنَّ الإرضاءَ يُوجِبُ إنزالَ البسط وإطفاءَ السخَط يوجبُ رفعَ القبض ؛ وتتبَّع أحوال أهل الصدقات الناجين من المضائق تجد هذا المعنَى بازغًا في أحوالهم. ولذا كان فطنةً بالعبد أن يستحضِرَ لدى صدقاته نيَّةَ إرضاء الرَّحمن، فإنَّ رضاه عنه سريعٌ قريب، لأنَّه غفورٌ شكور.

{ إنَّما أمرُهُ إذا أرَادَ شيئًا أنْ يقولَ لَهُ .. كُن فيَكُون } والرَّحمن يقبضُ الأمرَ العظيمَ بالأمر الهيِّن اليسير، ويبسطُ الأمر الجليلَ بالأمرِ اليسير الهيِّن، وإذا بسطَ الرَّحمن بسْطَهُ على أحدٍ بَسَطَهُ إن شاءَ جملةً واحدةً أو مُنَجَّمًا متصاعدًا، وكذا الأمر إذا قبضَ بَسْطَهُ من أحدٍ قبَضَهُ جملةً واحدةً أو قبضَه منجَّمًا متصاعدًا، وكلُّ ذلك بحدثٍ هيِّنٍ يسير ؛ ولذا قبض جلَّ جلالُه نعمةَ الرفعة والمُلك من "البرامكة" بأبياتٍ من الشعر أُلقِيَت إلى الرشيد فيما حكاه جحظةُ البرمكيّ، وبسطَ - جلَّ وعزَّ - نعمة المُلكِ والرفعة ليوسف عليه السَّلام بعبارة الرؤيا للملك بنصِّ القرآن ؛ وإنَّ بسطَ نعمةٍ كبرى كهذه وقبضَ نعمةٍ كبرى كتلك، لا ينبغي أن يقعَ مثلهما بأمرٍ يسيرٍ كـ "أبياتٍ من شعرٍ" أو "تأويلٍ لمنامٍ" إلَّا أن تكون النعمتان (المُلكُ والرفعةُ) عندَ الرَّحمن أهونَ الأشياء، وهذا إذا تفكَّرت فيه علمتَ مقدارَ سوءِ توقيرِنا للَّه العظيم. وكلَّما اقتنعَ القلبُ بيُسرِ البسط والقبض عندَ الرَّحمن ازدادَ تعظيمًا لمطالبِه إذ أنَّ أعظمَها عندَه أدنَى من عظمة المُلك والحكم، وإذا كانَ قبضُ المُلك وبسطُه بهذا اليُسر على ربّ العالمين، فكلُّ مطلبٍ دونهما أَوْلَى وأَوْلَى. فسُبحانَ من بيَدِه ملكوتُ كُلِّ شيءٍ وإليهِ تُرجَعُون.

(مَن انقطعَ رجاؤه عن الخَلق، ولم يبقَ له في مُهِمِّهِ أَحَدٌ سوى الخالق ؛ كفاه اللَّهُ ذلك المُهِمَّ.)
فخر الدين الرازي

واستشعارُ الحاجة الماسَّة للَّه - عزَّ وجلَّ - عُدَّةٌ بالغة، وإعدادُها في الفؤاد أنفعُ من كلِّ عدَّةٍ وعتاد، ولذا لمَّا احتاجَ يوسف - عليه السلام - لملك مصر لبثَ في سجنه بضع سنين، ولمَّا اكتفَى باحتياجِ قلبه إلى الرَّحمن جاءَ ملكُ مصر إليه محتاجًا، وليس من العادة أن يحتاج ملكٌ إلى أسير، لكنَّه ملك الملوك - جلَّ جلالُه - إذا اكتفَى به عبدٌ دون غيره، أحوَج إليه من لا يحتاج عادةً.

قال رسول اللَّه ﷺ: ( إنَّ اللَّهَ لَيَرضَى مِنَ العبدِ أن يأكُلَ الأَكْلَةَ فيَحمَدَهُ عليها ويشرَبَ الشَّربَةَ فيَحمَدَهُ عليها. )

• في أنَّ القبض والبسط هيِّنان على الرَّحمن، وأنَّ سهولتهما باعثٌ على شدَّة الخشية منه، وقوَّة الطمعِ في فضلِه: ومِن الاغترار أن لا يتوقَّع العبدُ ذهابَ نعمةٍ عنده ممَّا يراه من متانةِ أسبابِها وبنيانِها، ومن القُنوطِ أن لا يتوقَّع أن تؤولَ إليه ممَّا يجده من ضعفِ أسبابِها أو انعدامِها ؛ وذلك لأنَّ اللَّه - جلَّ جلالُه - إذا أرادَ قبضَ نعمةٍ من عبدٍ لم يكُن أكثر من أن يُسلِّطَ عليها حدثًا يسيرًا يبدأ انقباضُها عنه مِنه، وإذا أرادَ بسطَ نعمةٍ على عبدٍ لم يكُن أكثر من أن يسلِّطَ عليه حدثًا هيِّنًا يبدأُ انبساطُها مِنه عنده، ولو ابتعثتَ شواهدَ ذلك لرأيتَ عجبًا عجيبًا من قُدرة اللَّه تعالى على أملاكِه وتصريفِها كيف يشاء ؛ وإنَّ أمرًا يكون انقباضُه من عبدٍ برغم ظاهرِ ثباتِه لديه، ويكون انبساطُه عند عبدٍ برغم ظاهرِ غيابِ أسبابِه عنده، مرهونًا بحدثٍ هيِّنٍ عارضٍ، لهو أمرٌ يُخشَى ويُفزَعُ من فقدانِه مهما بدَا راسخَ الأصول، ويُرجَى ويُطمَعُ في نوالِه من الرَّحمن مهما بدَا ميِّت الطبيعة. وقلِّب نظرك في أحوال القبض والبسط بين العباد تُهدَى إلى حقيقة كونها مسألةً لا يقع مثلُها بظواهر الجهود والأسباب الأرضيِّة، وإنَّما يقع لأمرٍ سماويٍ محضٍ جرَى في السَّماء، ممَّا يجعل جهةَ قلب العبد عند الدعاء إلى الرَّحمن وحدَه دونَ اعتبارٍ لما في الأرض من وفرةِ سببٍ أو عدمِها.

(سمعتُ بشر بن الحارث وسُئِل: ما كان بدءُ أمرِك ؟! لأن اسمك بين الناس كأنَّه اسمُ نبيّ ؟. قال: هذا من فضل اللَّه، وما أقولُ لكم ؟ كنتُ رجلًا عيَّارًا صاحب عصبيّة، فجزتُ يومُا فإذا أنا بقرطاسٍ في الطريق فرفعتُه فإذَا فيهِ: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ } فمسحتُهُ وجعلتُه في جَيبِي، وكانَ عندي درهمان، ما كنتُ أملك غيرهما، فذهبتُ إلى العطَّارين فاشتريتُ بهما غاليةً * ومسحتُه في القرطاس. فنمتُ تلك اللَّيلة فرأيتُ في المنامِ كأنَّ قائلًا يقول: يا بِشر بن الحارث! رَفَعْتَ اسمَنَا عنِ الطريقِ وطيَّبتَه، لأُطَيِّبَنَّ اسمكَ في الدُنيا والآخِرة! .. ثم كانَ ما كان.) قولُه: (اشتريتُ غاليةً) أي: اشترى مِسْكًا.

{ إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَريبٌ منَ المُحسِنِين } ومن صُوَر تصريفِ الرَّحمن للأقدار: فجأةُ السائلين والمحتاجين والتائهين، وأصنافٌ لا تُحصَى من المنقطعين، وفجأةُ انطراح الأشياء من الجمادات والكائنات، وفجأةُ اعتراضِها العبدَ وتعرُّضِها له وإلحاحِها عليه ؛ فإنَّ أكثرَ ذلك يكون مبعوثًا من الرَّحمن لعبدِه يمتحنه به للتربية والعطاء، وكثيرًا ما يقع مثلُ ذلك للمكروب فيغفلُ عن مثلِه ومعاملتِه ؛ فإذا لاحَ شيءٌ من ذلك فانتهِزه انتهازَ الغريق، فإنَّه يكون معقودًا بناصيته خيرٌ من نجاةٍ من كربٍ عظيم، أو عطاءٌ عظيمٌ من الرَّحمن. وشواهد ذلك عدد الرَّمل والحصَى ؛ فقد عَرَضَ "كلبٌ" يَلهثُ لامرأةٍ من بني إسرائيل فامتُحِنَت فيه فسقَته، فجُعِلَ إحسانُها عِلَّةً لغُفران ذنبِها، وبرزَت لموسى فتاتان تذودان فامتُحِنَ فيهما فسقَى لهما، فَجُعِلَ إحسانُه علَّةً لإيوائِه ورزقِه وتأمينه. وأسقطَت شجرةٌ غصنًا له شوكٌ على طريق المسلمين، فامتُحِنَ في إماطتِه كثيرٌ من العابرين، فما أماطه إلَّا رجلٌ عابرٌ فتقلَّب بسبب ذلك في الجنَّة، ووُجِدَت ورقةٌ فوق أرضٍ فيها لفظُ الجلالة فمرَّ بها "بِشر الحافي" فرفَعَهَا وطيَّبَهَا فرفَعَ الرَّحمنُ ذِكرَهُ بالمثل وطيَّبَه. وأكثرُ ما تنشَأُ هذه التصاريف المُفاجِئة في ثلاثة أحوال: بعد دعاءٍ وإلحاح صادق، أو بعد نيَّةٍ صالحةٍ معقودةٍ في القلب، أو تنشأُ من دون هذين من رحمةٍ خالصةٍ وجَبَتْ للعبد من الرَّحمن، والناسُ في هذه التصاريف بين مُخفقٍ أو مُفلِح. فالفطنةُ لتلك التصاريف واجبة، والحرصُ على الإحسان فيها من التوفيق. نسأل اللَّهَ تعالى الفطنة والفهمَ والتوفيق لنا ولكم.

وإذا شكَّ امرؤٌ بعقلِه في أنَّ إنفاقَ المال والصدقات يعودُ على المال بالنماء والبركة والزِّيادة، فإنَّه يلزمه الشكُّ بذات عقلِه أنَّ عظمًا أبيض صلبًا وقلبًا أحمر غضًّا قد خَرَجَا من ماءٍ مَهين، وكذلك كلُّ أعضائه وكامل بدنه ؛ إلَّا أنَّه لا يشكُّ في طريقة خلقه مع كونها أمرًا مستحيلَ التصوُّر في العقول، لكنَّه يشكُّ في النماء والبركة والزِّيادة في مال المُنفقِين، مع كونِ النماء والزيادة أهون من عظمة الخلق والتكوين كلِّه. فسبحانَ اللَّه العظيم.

{وأمَّا مَن أعطَى واتَّقى * وصدَّق بالحُسنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لليُسرَى * وأمَّا مَن بَخِلَ واستَغنَى * وكذَّب بالحُسنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ للعُسرَى }

والشيطان في حال السَّعة يؤمِّنُ الإنسان من مكرِ اللَّه، وفي حال الضِّيق يقنِّطهُ من فَضلِ اللَّه، ومتى فَقِهَ المرء معاني (القابض والباسط) وسهولةَ القبض والبسطِ على الرَّحمن، كانَ في حال السَّعة غير آمنٍ من المكر فهو يُحسنُ العمل، وكان في حال الضِّيق غير قانطٍ من الرَّحمن فهو يستشرفُ فضلَه.

وإذا وكَّل العبدُ الرَّحمنَ في شأنه من بعد طول اعتمادٍ على الخلق وتعويلٍ على قضائِهم، فإنَّه يجد أوَّل التوكيل وحشةً في الصدر، وفراغًا في القلب، وضيقًا لا يكاد يوسِّعه شيء، وذاك فراغٌ خلَّفه تزحزُح الخلائق عن منافذ قلبه وروحه، وهو عينُ معنى قول ابن القيِّم رحمه اللَّه في كلمته السائرة: (ففي القلب شعثٌ، لا يلمُّه إلَّا الإقبال على اللَّه. وفيه وحشةٌ لا يزيلها إلَّا الأُنسُ به في خلوتِه. وفيه حزنٌ لا يُذهبه إلَّا السرور بمعرفته وصدق معاملته. وفيه قلقٌ لا يسكِّنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه. وفيه نيرانُ حسراتٍ لا يُطفئها إلا الرِّضا بأمرِه ونهيِه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائِه. وفيه طلبٌ شديدٌ، لا يقفُ دون أن يكون هُوَ وحدَه مطلوبه. وفيه فاقةٌ لا يسُدّها إلَّا محبَّته، والإنابة إليه، ودوام ذِكره، وصدق الإخلاص له. ولو أُعطِيَ الدنيا وما فيها لم تُسدَّ تلك الفاقة منه أبدًا.) والناسُ في توكيل الرَّحمن نوعان، فنوعٌ يوكِّله من غير أن يكُفَّ قلبه عن التطلُّع إلى الخلق خشيةً من تلك الوحشة. ونوعٌ يوكِّل ربَّه ويقطعُ قلبه عن التطلُّع إلى الخلائق أجمعين، ويداوي وحشته بأُنسِ الذِّكرَ حتَّى يمتلئ القلب وينشط.