ar
Feedback
مصطفى صادق الرافعي

مصطفى صادق الرافعي

الذهاب إلى القناة على Telegram

حُجَّةُ العرب، ومؤيِّدُ الدين، حارِسُ لغةِ القرآن، صدرُ البيان العربي، الأديبُ الإمام، مُعجِزَةُ الأدب. 🇪🇬🔻 🇵🇸 "لا أحلل الاقتباس لأصحاب القنوات"

إظهار المزيد

📈 نظرة تحليلية على قناة تيليجرام مصطفى صادق الرافعي

تُعد قناة مصطفى صادق الرافعي (@rafe3y) في القطاع اللغوي العربية لاعباً نشطاً. يضم المجتمع حالياً 17 891 مشتركاً، محتلاً المرتبة 4 506 في فئة الدين والقيم الروحية والمرتبة 4 021 في منطقة المملكة العربية السعودية.

📊 مؤشرات الجمهور والحراك

منذ تأسيسه في невідомо، حقق المشروع نمواً سريعاً وجمع 17 891 مشتركاً.

بحسب آخر البيانات بتاريخ 27 سبتمبر, 2026، تحافظ القناة على نشاط مستقر. خلال آخر 30 يوماً تغيّر عدد الأعضاء بمقدار 225، وفي آخر 24 ساعة بمقدار 23، مع بقاء الوصول العام مرتفعاً.

  • حالة التحقق: غير موثّقة
  • معدل التفاعل (ER): يبلغ متوسط تفاعل الجمهور 9.34‎%. وخلال أول 24 ساعة من النشر يحصد المحتوى عادةً 3.61‎% من ردود الفعل نسبةً إلى إجمالي المشتركين.
  • وصول المنشورات: يحصل كل منشور على متوسط 1 670 مشاهدة. وخلال اليوم الأول يجمع عادةً 645 مشاهدة.
  • التفاعلات والاستجابة: يتفاعل الجمهور بانتظام؛ متوسط التفاعلات لكل منشور يبلغ 0.
  • الاهتمامات الموضوعية: يركز المحتوى على مواضيع رئيسية مثل قَلِم, كُلءَة, رَجُل, كُلّ, دَائِم.

📝 الوصف وسياسة المحتوى

يصف المؤلف القناة بأنها مساحة للتعبير عن الآراء الذاتية:
“حُجَّةُ العرب، ومؤيِّدُ الدين، حارِسُ لغةِ القرآن، صدرُ البيان العربي، الأديبُ الإمام، مُعجِزَةُ الأدب. 🇪🇬🔻 🇵🇸 "لا أحلل الاقتباس لأصحاب القنوات"”

بفضل وتيرة التحديث المرتفعة (أحدث البيانات بتاريخ 28 سبتمبر, 2026) تحافظ القناة على حداثتها ومستوى وصول مرتفع. وتُظهر التحليلات تفاعلاً نشطاً من الجمهور، ما يجعلها نقطة تأثير مهمة ضمن فئة الدين والقيم الروحية.

17 891
المشتركون
+2324 ساعات
+717 أيام
+22530 أيام
أرشيف المشاركات
اقرءوا وادرُسوا وخُصُّوا لُغتَكم بشطرٍ من عنايتِكم، وتربُّوا لها بتربيتِها في مدارسِكم ومعاهدِكم، واصبروا على مُعاناتِها صبرَ المُحِبِّ على حبيبتِه، فإن ضعفتُم فصبرَ البارِّ على مَن يلزمُه حقّه؛ فإن ضعفتُم عن هذا فصبرَ المُتكلِّفِ المُتجمِّلِ على الأقلّ! [رأي جديد في كتب الأدب القديمة || وحي القلم]

يُخيَّلُ إليَّ دائمًا أني رسولٌ لُغويٌّ بُعِثتُ للدفاعِ عن القُرآنِ ولُغتِه وبيانِه، فأنا أبدًا في موقفِ الجيشِ "تحت السلاح": له ما يُعانيه وما يُكلَّفُه وما يحاولُه ويَفي به، وما يتحاماهُ ويتحفَّظُ فيه، وتاريخُ نصرِه وهزيمتِه في أعمالِه دون سواها؛ وكيف اعترضتَ الجيشَ رأيتَه فنَّ نفسِه، لا فنَّك أنتَ ولا فنَّ سِواك؛ إذ هو لطريقتِه وغايتِه وما يتأدَّى به للحياةِ والتاريخ. [فلسفة القصة ولماذا لا أكتب فيها || وحي القلم]

ففي عملِ الأديبِ تخرُجُ الحقيقةُ مُضافًا إليها الفَنُّ، ويَجيءُ التعبيرُ مزيدًا فيه الجمال، وتُتمثَّلُ الطبيعةُ الجامدةُ خارجةً من نفسٍ حَيَّةٍ، ويَظهرُ الكلامُ وفيه رِقَّةُ حياةِ القلب وحرارتُها وشعورُها وانتظامُها ودَقُّها الموسيقي؛ وتلبسُ الشهواتُ الإنسانيةُ شكلَها المُهَذَّبَ لتكونَ بسببٍ مِن تقريرِ المَثَلِ الأعلى، الذي هو السِّرُّ في ثَورةِ الخالدِ من الإنسانِ على الفاني، والذي هو الغايةُ الأخيرةُ من الأدبِ والفنِّ معًا؛ وبهذا يَهَبُ لك الأدبُ تلك القوةَ الغامضةَ التي تتَّسِعُ بك حتى تَشعُرَ بالدنيا وأحداثِها مارَّةً من خلالِ نفسك، وتُحِسُّ الأشياءَ كأنها انتقلتْ إلى ذاتِك من ذَواتِها؛ وذلك سِرُّ الأديبِ العبقري؛ فإنه لا يرى الرأيَ بالاعتقابِ والاجتهادِ كما يراهُ الناس، وإنما يُحِسُّ به؛ فلا يَقَعُ له رأيُه بالفِكر، بل يُلهَمُهُ إلهامًا؛ وليس يؤاتيهِ الإلهامُ إلا مِن كَونِ الأشياءِ تَمُرُّ فيه بمعانيها وتَعبُرُهُ كما تَعبُرُ السُّفُنُ النهر، فيُحِسُّ أثرَها فيه فيُلهَمُ ما يُلهَم، ويَحسَبُهُ الناسُ نافذًا بفِكرِهِ من خلال الكون، على حين أنَّ حقائقَ الكونِ هي النافذةُ من خلالِه. [الأدب والأديب || وحي القلم]

فالغرضُ الأوَّلُ للأدبِ المُبِينِ أن يَخلُقَ للنفسِ دُنيا المعاني المُلائمةِ لتلك النَّزعةِ الثابتةِ فيها إلى المجهولِ وإلى مجازِ الحقيقة، وأن يُلقي الأسرارَ في الأُمورِ المَكشوفةِ بما يُتَخَيَّلُ فيها، ويَرُدَّ القليلَ من الحياةِ كثيرًا وافيًا بما يُضاعِفُ من معانيه، ويَترُكَ الماضي منها ثابتًا قارًّا بما يُخَلِّدُ مِن وصفِه، ويجعلَ المؤلمَ منها لذيذًا خفيفًا بما يبُثُّ فيه من العاطفةِ والمملولَ مُمْتِعًا حُلوًا بما يَكشِفُ فيه من الجمالِ والحكمة؛ ومدارُ ذلك كُلِّهِ على إيتاءِ النفسِ لذَّةَ المجهولِ التي هي في نفسِها لذَّةٌ مجهولةٌ أيضًا؛ فإنَّ هذه النفسَ طُلَعةٌ مُتقلِّبة، لا تبتغي مجهولًا صِرفًا ولا معلومًا صِرفًا، كأنها مُدرِكةٌ بفِطرتِها أن ليس في الكونِ صريحٌ مُطلَقٌ ولا خَفِيٌّ مُطلَقٌ؛ وإنما تبتغي حالةً مُلائمةً بين هذين، يَثورُ فيها قلقٌ أو يسكُنُ منها قلق. [الأدب والأديب || وحي القلم]

ولو أردتَ أن تُعرِّفَ الأديبَ مَن هو، لما وجدتَ أجمعَ ولا أدقَّ في معناهُ من أن تُسمِّيه الإنسانَ الكونيَّ، وغيره هو الإنسانُ فقط؛ ومن ذلك ما يبلُغُ من عُمقِ تأثُّرِه بجمالِ الأشياءِ ومعانيها، ثمَّ ما يقعُ من اتصالِ الموجوداتِ به بآلامِها وأفراحِها؛ إذ كانت فيه مع خاصيَّةِ الإنسانِ خاصيَّةُ الكونِ الشامل، فالطبيعةُ تُثبِتُ بجمالِ فنِّه البديعِ أنه منها، وتدُلُّ السماءُ بما في صناعتِه من الوحي والأسرارِ أنه كذلك منها، وتُبرهِنُ الحياةُ بفلسفتِه وآرائِه أنه هو أيضًا منها؛ وهذا وذاك وذلك هو الشمولُ الذي لا حدَّ له، والاتساعُ الذي كلُّ آخِرٍ فيه لشيء، أوَّلٌ فيه لشيءٍ. وهو إنسانُ يدُلُّه الجمالُ على نفسِه ليدُلَّ غيرَه عليه، وبذلك زِيدَ على معناهُ معنى، وأُضيفَ إليه في إحساسِه قوةُ إنشاءِ الإحساسِ في غيرِه؛ فأساسُ عملِه دائمًا أن يزيدَ على كلِّ فكرةٍ صورةً لها، ويزيدُ على كلِّ صورةٍ فِكرةً فيها، فهو يُبدِعُ المعاني للأشكالِ الجامدةِ فيُوجِد الحياةَ فيها، ويُبدِع الأشكالَ للمعاني المُجرَّدةِ فيُوجِدها هي في الحياة، فكأنه خُلِقَ ليتلقَّى الحقيقةَ ويُعطيها للناسِ ويزيدهم فيها الشعورَ بجمالِها الفنيّ؛ وبالأُدباءِ والعلماءِ تنمو معاني الحياة، كأنما أَوجدَتهم الحِكمة؛ لتُنقَلَ بهم الدنيا من حالةٍ إلى حالة؛ وكأنَّ هذا الكونَ العظيمَ يمُرُّ في أدمغتِهم ليُحقِّقَ نفسَه. [الأدب والأديب || وحي القلم]

وقد صحَّ عندي أنَّ النفسَ لا تتحقَّقُ من حُريَّتِها ولا تنطلقُ انطلاقتَها الخالدةَ فتُحِسُّ وحدةَ الشعورِ ووحدةَ الكمالِ الأسمَى — إلا في ساعاتٍ وفتراتٍ تَنسلُّ فيها من زمنِها وعَيشِها ونقائضِها واضطرابِها إلى "منطقةِ حيادٍ" خارجةً وراء الزمانِ والمكان؛ فإذا هبطَتها النفسُ فكأنما انتقلت إلى الجنةِ واستروحَت الخُلد؛ وهذه المنطقةُ السِّحريةُ لا تكونُ إلا في أربعةٍ: حبيبٍ فاتنٍ معشوقٍ أُعطيَ قوةَ سِحرِ النفس، فهي تنسى به؛ وصديقٍ محبوبٍ وَفِيٍّ أُوتِيَ قوةَ جذبِ النفس، فهي تَنسى عنده؛ وقِطعةٍ أدبيَّةٍ آخِذة، فهي ساحرةٌ كالحبيبِ أو جاذبةٌ كالصديق؛ ومنظرٍ فنيٍّ رائع، ففيه من كلِّ شيءٍ شيء. وهذه كلُّها تُنسِي المرءَ زمنَه مُدَّةً تطولُ وتقصُر؛ وذلك فيها دليلٌ على أنَّ النفسَ الإنسانيةَ تُصيبُ منها أساليبُ روحيَّةٌ لاتصالِها هُنَيهةً بالروحِ الأزليِّ في لحظاتٍ من الشعورِ كأنها ليست من هذه الدنيا وكأنها من الأزلِيَّة؛ ومن ثَمَّ نستطيعُ أن نُقرِّرَ أنَّ أساسَ الفنِّ على الإطلاقِ هو ثورةُ الخالدِ في الإنسانِ على الفاني فيه؛ وأنَّ تصويرَ هذه الثورةِ في أوهامِها وحقائقِها بمثلِ اختلاجاتِها في الشعورِ والتأثيرِ — هو معنى الأدبِ وأسلوبِه. [الأدب والأديب || وحي القلم]

وإنما يُكلَّفُ الأديبُ ذلك لأنه مُستبصِرٌ من خصائصِه التمييزَ وتقدُّمَ النظرِ وتسقُّطَ الإلهام، ولأنَّ الأصلَ في عملِه الفنيِّ ألا يبحثَ في الشيءِ نفسِه، ولكن في البديعِ منه؛ وألا ينظُرَ إلى وجودِه، بل إلى سِرِّه؛ ولا يُعنَى بتركيبِه، بل بالجمالِ في تركيبِه؛ ولأنَّ مادةَ عملِه أحوالُ الناس، وأخلاقُهم، وألوانُ معايشِهم، وأحلامُهم، ومذاهبُ أخيلتِهم وأفكارِهم في معنى الفن، وتفاوُتِ إحساسِهم به، وأسبابُ مغاويهِم ومراشدِهم؛ يُسدِّدُ على كلِّ ذلك رأيَه، ويُجيلُ فيه نظرَه، ويخلطُه في نفسِه، ويُنفِذُه من حواسِّه، كأنما له في السرائرِ القبضُ والبسط، وكأنه وليَ الحُكمَ على الجُزءِ الخفيِّ في الإنسانِ يقومُ على سياستِه وتدبيرِه، ويهديه إلى المثلِ الأعلى، وهل يُخلَقُ العبقريُّ إلا كالبُرهانِ من اللهِ لعبادِه على أنَّ فيهم مَن يقدرُ على الذي هو أكملُ والذي هو أبدع، حتى لا ييأسَ العقلُ الإنسانيُّ ولا ينخذل، فيستمر دائبًا في طلبِ الكمالِ والإبداعِ اللذَينِ لا نهايةَ لهما؟ [الأدب والأديب || وحي القلم]

وفصلُ ما بين العالمِ والأديب، أنَّ العالِمَ فِكرة، ولكنَّ الأديبَ فِكرةٌ وأسلوبُها؛ فالعلماءُ هم أعمالٌ مُتصلةٌ مُتشابهةٌ يُشارُ إليهم جُملةً واحدة، على حين يقالُ في كلِّ أديبٍ عبقريّ: هذا هو، هذا حَدُّه؛ وعِلمُ الأديبِ هو النفسُ الإنسانيةُ بأسرارِها المُتجهةِ إلى الطبيعة، والطبيعةُ بأسرارِها المُتجهةِ إلى النفس؛ ولذلك فموضعُ الأديبِ من الحياِة موضعُ فكرةٍ حدودُها من كلِّ نواحيها الأسرار. وإذا رأى الناسُ هذه الإنسانيّةَ تركيبًا تامًّا قائمًا بحقائقِه وأوصافِه، فالأديبُ العبقريُّ لا يراها إلا أجزاء، كأنما هو يشهدُ خلقَها وتركيبَها، وكأنما أمرَّها في "مَعملِه"، أو كأنَّ اللهَ — سبحانه — دعاهُ ليرى فيها رأيَه … وبذلك يجيءُ النابغُ من أدبِ العباقرةِ وبعضُه كالمُقترحاتِ لتجميلِ الدنيا وتهذيبِ الإنسانية، وبعضُه كالموافقةِ وإقرارِ الحِكمة؛ وأساسُه على كلِّ هذه الأحوالِ النقد، ثمَّ النقد، ولاشيءَ غير النقد؛ كأنَّ القوةَ الأزليَّةَ تقولُ لهذا المُلهَم: أنتَ كلمتي فقُل كلمتك … [الأدب والأديب || وحي القلم]

وأشواقُ النفسِ هي مادَّةُ الأدب؛ فليس يكونُ أدبًا إلا إذا وضعَ المعنى في الحياةِ التي ليس لها معنى، أو كان مُتصِلًا بسِرِّ هذه الحياةِ فيكشف عنه أو يُومِئُ إليه من قريب، أو غيَّرَ للنفسِ هذه الحياةَ تغييرًا يجيءُ طِباقًا لغرضِها وأشواقِها؛ فإنه كما يرحلُ الإنسانُ من جوٍّ إلى جوٍّ غيرِه، ينقلُه الأدبُ من حياتِه التي لا تختلفُ إلى حياةٍ أخرى فيها شعورُها ولذَّتُها وإن لم يكُن لها مكانٌ ولا زمان؛ حياةٍ كمُلَت فيها أشواقُ النفس؛ لأنَّ فيها اللذاتِ والآلامَ بغيرِ ضروراتٍ ولا تكاليف؛ ولَعَمري ما جاءت الجنةُ والنارُ في الأديانِ عبثًا؛ فإنَّ خالقَ النفسِ بما ركَّبَه فيها من العجائب، لا يحكُمُ العقلُ أنه قد أتمَّ خلقَها إلا بخلقِ الجنةِ والنار معها؛ إذ هما الصورتانِ الدائمتانِ المُتكافئتان لأشواقِها الخالدةِ إن هي استقامت مُسدَّدةٌ أو انعكست حائلة. [الأدب والأديب || وحي القلم]

وهذه النفسُ البشريَّةُ الآتيةُ من المجهولِ في أوَّلِ حياتِها، والراجعةُ إليه آخِرَ حياتِها، والمُسدَّدةِ في طريقِه مُدَّةَ حياتِها، لا يُمكِنُ أن يتقرَّرَ في خيالِها أنَّ الشيءَ الموجودَ قد انتهى بوجوه، ولا ترضى طبيعتُها بما ينتهي؛ فهي لا تتعاطى الموجودَ فيما بينها وبين خيالِها على أنه قد فُرِغَ منه فما يُبدَأ، وتَمَّ فما يُزاد، وخَلدَ فلا يَتحوَّل؛ بل لا تزالُ تضربُ ظنَّها وتُصرِّفُ وَهمَها في كلِّ ما تراهُ أو يتلجلجُ في خاطرِها، فلا تبرحُ تتلمَّحُ في كلِّ وجودٍ غيبًا، وتكشفُ من الغامضِ وتزيدُ في غُموضِه، وتجري دأبًا على مجاريها الخياليةِ التي تُوثِقُ صِلتَها بالمجهول؛ فمن ثمَّ لا بُدَّ في أمرِها مع الموجودِ مما لا وجودَ له، تتعلَّقُ به وتسكُنُ إليه؛ وعلى ذلك لا بُدَّ في كلِّ شيءٍ — مع المعاني التي له في الحقِّ — من المعاني التي له في الخيال؛ وها هنا موضعُ الأدبِ والبيانِ في طبيعةِ النفسِ الإنسانية، فكلاهما طبيعيُّ فيها كما ترى. [الأدب والأديب || وحي القلم]

كان الأصلُ في الأدبِ البيانَ والأسلوبَ في جميعِ لُغاتِ الفِكرِ الإنسانيّ، لأنه كذلك في طبيعةِ النفسِ الإنسانية. [الأدب والأديب || وحي القلم]

فالأديبُ يُشرِفُ على هذه الدنيا من بصيرتِه فإذا وقائعُ الحياةِ في حَذوٍ واحدٍ من النزاعِ والتناقُض، وإذا هي دائبةٌ في مَحقِ الشخصيةِ الإنسانية، تاركةٌ كلَّ حيٍّ من الناسِ كأنه شخصٌ قائمٌ من عملِه وحوادثِه وأسبابِ عيشِه؛ فإذا تلجلجَ ذلك في نفسِ الأديبِ اتجهت هذه النفسُ العاليةُ إلى أن تحفظَ للدنيا حقائقَ الضميرِ والإنسانيةِ والإيمانِ والفضيلة، وقامت حارسةً على ما ضيَّعَ الناس، وسُخِّرَت في ذلك تسخيرًا لا تملكُ معه أن تأبى منه، ولا يستوي لها أن تُغمِضَ فيه؛ ونُقلَت الإنسانيةُ كلُّها ووُضِعَت على مجازِ طريقِها أين توجَّهت، فتأكَّدَ الأمرُ فيها، ووُصِلَ بها، وعلمت أنها من خالصةِ الله، وأنَّ رسالتَها للعالمِ هي تقريرُ الحُبِّ للمُتعادين، وبسطُ الرحمةِ للمُتنازعين، وأن تجمعَ الكلَّ على الجمالِ وهو لا يُختلَفُ في لذَّتِه وتصلُ بينهم بالحقيقةِ وهي لا تتفرَّقُ في موعظتِها، وتُشعِرُهم الحكمةَ وهي لا تتنازعُ في مناحيها؛ فالأدبُ من هذه الناحيةِ يُشبِهُ الدين؛ كلاهُما يُعينُ الإنسانيةَ على الاستمرارِ في عملِها، وكلاهُما قريبٌ من قريب؛ غيرَ أنَّ الدينَ يعرِضُ للحالاتِ النفسيَّةِ ليأمُرَ وينهى، والأدبُ يعرضُ لها ليجمعَ ويُقابِل؛ والدينُ يُوجِّهُ الإنسانَ إلى ربِّه، والأدبُ يُوجِّهُه إلى نفسِه؛ وذلك وحيُ اللهِ إلى المَلَكِ إلى نبيٍّ مُختار، وهذا وحيُ اللهِ إلى البصيرةِ إلى إنسانٍ مُختار. [الأدب والأديب || وحي القلم]

وإذا قِيلَ: الأدب، فاعلَمْ أنه لا بُدَّ معه من البيان؛ لأنَّ النفسَ تَخلَقُ فتُصوِّرُ فتُحسِنُ الصورةَ؛ وإنما يكونُ تمامُ التركيبِ في مَعرضِهِ وجمالِ صورتِهِ ودِقَّةِ لَمحاتِه؛ بل ينزلُ البيانُ من المعنى الذي يَلبسُهُ منزلةَ النُّضجِ من الثمرةِ الحُلوةِ إذا كانت الثمرةُ وحدها قبل النُّضجِ شيئًا مُسَمًّى أو متميزًا بنفسِه، فلن تكونَ بغيرِ النُّضجِ شيئًا تامًّا ولا صحيحًا، وما بُدٌّ من أن تستوفي كمالَ عُمرِها الأخضرِ الذي هو بيانُها وبلاغتُها. [الأدب والأديب || وحي القلم]

غيرَ أنَّ الدينَ يعرِضُ للحالاتِ النفسيَّةِ ليأمُرَ وينهى، والأدبُ يعرضُ لها ليجمعَ ويُقابِل؛ والدينُ يُوجِّهُ الإنسانَ إلى ربِّه، والأدبُ يُوجِّهُه إلى نفسِه؛ وذلك وحيُ اللهِ إلى المَلَكِ إلى نبيٍّ مُختار، وهذا وحيُ اللهِ إلى البصيرةِ إلى إنسانٍ مُختار. [الأدب والأديب || وحي القلم]

وترى الجمالَ حيثُ أصبتَه شيئًا واحدًا لا يكبُرُ ولا يصغُر، ولكنَّ الحِسَّ به يكبُرُ في أُناسٍ ويصغُرُ في أُناس؛ وها هنا يتألَّهُ الأدب؛ فهو خالقُ الجمالِ في الذِّهن، والمُمكِّنُ للأسبابِ المُعينةِ على إدراكِه وتبيُّنِ صفاتِه ومعانيه، وهو الذي يُقدِّرُ لهذا العالمِ قيمتَه الإنسانيَّةَ بإضافةِ الصورِ الفكريَّةِ والجميلةِ إليه، ومُحاولتِه إظهارَ النظامَ المجهولَ في متناقضاتِ النفسِ البشرية، والارتفاعِ بهذه النفسِ عن الواقعِ المُنحَطِّ المُجتمعِ من غشاوةِ الفطرةِ وصَولةِ الغريزةِ وغرارةِ الطبعِ الحيوانيّ. [الأدب والأديب || وحي القلم]

فإذا أردتَ الأدبَ الذي يُقرِّرُ الأسلوبَ شرطًا فيه، ويأتي بقوةِ اللغةِ صورةً لقوةِ الطباع، وبعظمةِ الأداءِ صورةً لعظمةِ الأخلاق، وبرِقَّةِ البيانِ صورةً لرِقَّةِ النفس، وبدِقَّتِه المُتناهيةِ في العُمقِ صورةً لدِقَّةِ النظرِ إلى الحياة؛ ويُريكَ أنَّ الكلامَ أُمَّةً من الألفاظِ عاملةً في حياةِ أُمَّةٍ من الناس، ضابطةً لها المقاييسَ التاريخية، مُحكِمةً لها الأوضاعَ الإنسانية، مُشترِطةً فيها المثلَ الأعلى، حاملةً لها النورَ الإلهيَّ على الأرض … وإذا أردتَ الأدبَ الذي يُنشِئُ الأُمَّةَ إنشاءً ساميًا، ويدفعُها إلى المعالي دفعًا، ويرُدّها عن سفاسفِ الحياة، ويُوجِّهها بدِقَّةِ الإبرةِ المغناطيسيةِ إلى الآفاقِ الواسعة، ويُسدِّدها في أغراضِها التاريخيةِ العاليةِ تسديدَ القُنبلةِ خرجت من مدفعِها الضخمِ المُحرِّرِ المُحكَم، ويملأُ سرائرَها يقينًا ونفوسَها حزمًا وأبصارَها نظرًا وعُقولَها حِكمة، يَنفُذُ بها من مظاهرِ الكونِ إلى أسرارِ الألوهيَّة … إذا أردتَ الأدبَ على كلِّ هذه الوجوهِ من الاعتبارِ — وجدتَ القرآنَ الحكيمَ قد وضعَ الأصلَ الحيَّ في ذلك كلِّه، وأعجبُ ما فيه أنه جعلَ هذا الأصلَ مُقدَّسًا، وفرضَ هذا التقديسَ عقيدة، واعتبرَ هذه العقيدةَ ثابتةً لن تتغيَّر؛ ومع ذلك كلِّه لم يتنبَّه له الأدباءُ ولم يحذوا بالأدبِ حَذوَه، وحسبوهُ دينًا فقط، وذهبوا بأدبهم إلى العبثِ والمُجونِ والنفاق؛ كأنه ليس منهم إلا بقايا تاريخٌ مُحتضرٌ بالعِلَلِ القاتلة، ذاهبٌ إلى الفناءِ الحتم! [الأدب والأديب || وحي القلم]

والقُرآنُ بأُسلوبِه ومعانيهِ وأغراضِه لا يُستخرَجُ منه للأدبِ إلا تعريفٌ واحدٌ هو هذا: إنَّ الأدبَ هو السموُّ بضميرِ الأُمَّة. ولا يُستخرَجُ منه للأديبِ إلا تعريفٌ واحدٌ هو هذا: إنَّ الأديبَ هو مَن كان لأُمَّتِه وللُغتِها في مواهبِ قلمِه لقبٌ من ألقابِ التاريخ. [الأدب والأديب || وحي القلم]

والعقلُ البيانيُّ — كما قُلنا في غيرِ هذه الكلمةِ — هو ثروةُ اللغة، وبه وبأمثالِه تعاملَ التاريخ، وهو الذي يُحقِّقُ فيها فنَّ ألفاظِها وصُورِها؛ فهو بذلك امتدادُها الزمنيُّ وانتقالُها التاريخيُّ وتَخلُّقُها مع أهلِها إنسانيةً بعد إنسانيةٍ في زمنٍ بعد زمن، ولا تجديدَ ولا تطوُّرَ إلا في هذا التخلُّقِ متى جاء من أهلِه والجديرين به؛ وهو العقلُ المخلوقُ للتفسيرِ والتوليدِ وتلقِّي الوحي وأدائهِ واعتصارِ المعنى من كلِّ مادة، وإدارةِ الأسلوبِ على كلِّ ما يتصلُ به من المعاني والآراء، فيَنقلها من خِلقَتِها وصِيَغِها العاليةِ إلى خلقِ إنسانٍ بعينِه، هو هذا العبقريِّ الذي رُزِقَ البيان. [أمير الشعراء في العصر القديم || وحي القلم]

إذ نَعتقِدُ أنَّ أكثرَ ما جاء في القُرآنِ الكريمِ كان جديدًا في اللغة، لم يُوضَعْ من قبلِهِ ذلك الوضعُ ولم يجرِ في استعمالِ العربِ كما أجراه، فهو يَصُبُّ اللغةَ صَبًّا في أوضاعِهِ لأهلِها لا في أوضاعِ أهلِها؛ وبذلك يُحَقِّقُ من نحو ألفٍ وأربعمائةِ سنةٍ ما لا نَظُنُّ فلسفةَ الفَنِّ قد بلغتْ إليه في هذا العصر؛ إذ حقيقةُ الفَنِّ على ما نرى أن تكونَ الأشياءُ كأنها ناقصةٌ في ذاتِ أنفُسِها ليس في تركيبِها إلا القُوَّةُ التي بُنِيَتْ عليها، فإذا تَناولَها الصَّنَعُ الحاذِقُ المُلهَمُ أضاف إليها من تعبيرِهِ ما يُشعِرُكَ أنه خَلقَ فيها الجمالَ العقلي، فكأنها كانت في الخِلْقةِ ناقصةٌ حتى أتمَّها. [أمير الشعراء في العصر القديم || وحي القلم]