922
Obunachilar
Ma'lumot yo'q24 soatlar
-17 kun
-130 kun
Postlar arxiv
922
Repost from Sinar | سينـــار
المحيط فعل ما تفعله الذاكرة، لكن فعله بصدق، وفي وضح النهار. ولم يكن المحيط إلهًا ولا وحشًا. كان أول كائنٍ في الكون أخذنا على محمل الجد. ولم نحتمل. لم يهاجمهم، ولم يكلّمهم. أعاد إليهم أنفسهم فقط، فجُنّوا؛ لأن الطلب كان كذبة من البداية. نحن لا نبحث عن الآخر، نبحث عن صدى أعلى من صوتنا. وحين يأتينا شيءٌ آخر فعلًا، شيءٌ لا يشبهنا ولا يحتاجنا، نسمّيه مرضًا ونحاول قتله.. ولاحظ ما الذي أعاده المحيط إليهم. لم يُعِد خطاياهم؛ الخطايا رخيصة، تعترف بها أو تشربها فتنتهي. أعاد ما لم يكتمل. الموتى لا يعودون، الجمل التي لم نُكملها هي التي تعود.
-Solaris (1972)
922
ولا شك أن جزءاً من هذا هو هاجس القصيدة التالية،والرغبة في قول شيء جديد، ليس بالضرورة أن أنجحفي ذلك، لكنني أريد ذلك، ولعل هذا الهاجس كان سببأكبر فترة توقف لي عن كتابة الشعر بعد ديواني"جحيم" الذي نُشر في العام 2019، فقد صدر ديوانيالتالي "فوات الأوان" بعد ست سنوات تقريبا، كتبتكثيراً خلال هذه الفترة ولم يعجبني ما كتبت ولم أجرؤعلى نشره، كتبتُ ومزقتً، هجرت الشعر وهجرني، غضبمني وغضبتُ منه، حتى صالحني بديوان شعرت أنهتحقق فيه هاجس القصيدة التالية، بأن ابتعدت خطوة،وربما بضعة سنتميترات فقط، عما كتبته من قبل.
الأمر ليس محاولة للبحث عن جديد بأي ثمن، أو مواكبة"الترند"، أو الرغبة في التطوير الشكلي فقط، لكنه يقينبأن النص إذا لم يُضف شيئاً إلى كاتبه، فالأفضل له أنيحتفظ به ولا ينشره. لا أعني بهذا أن كل محاولة ناجحة،ولا أن كل قصيدة كتبتها احتوت على شيء مختلف عماسبق، لكن من المهم أن تكون هناك رغبة مستعرة في أنيحدث هذا.
وليس الأمر سباقاً مع أحد، بل سباق مع النفس، مع ماكتبته من قبل، الذي حين أنظر إليه بعد أن أنشره، أفكركثيراً وأقول في ندم: كان يمكن أن يكون أفضل، وأُصبّرنفسي ما قاله الشاعر الفرنسي بول فاليري "القصيدة لاتنتهي أبداً، وإنما تُهجر فقط".
وفي ظني أن هذا هو الهاجس الأساسي الذي يدفع أيكتابة إلى التطور. فلولا هذا الهاجس، ما تجرأ شعراءالزجل والموشحات والأناشيد على كسر النمط التقليديللقصيدة القديمة، وما فكر أبو نواس والبحتري وأبوتمام في تطوير قصائدهم، وما فكر شعراء التفعيلة فيالابتعاد خطوة عن القصيدة العمودية، وما قرر شعراءقصيدة النثر أن يقفزوا في الفراغ تلك القفزة الكبيرة،متحملين كل ما وُجه إليهم من اتهامات وهجوم، فداءللقصيدة التالية.
وغني عن الذكر أن التطور في الشعر شرط لبقائه حياً،فالقصيدة التي تكتفي بتكرار نفسها، مهما بلغت منالإتقان، تتحول مع الوقت إلى صدى بلا صوت، ومحاكاةمملة. وحين نعود إلى تاريخ تطور الشعر العربي، نجدأن كل نقلة حقيقية فيه لم تكن كسراً عبثياً للشكل، وإنمااستجابة صادقة لتجربة جديدة تستوجب لغة جديدةتحملها.
ولعل هذا يدفع إلى التساؤل، هل يعني ذلك أن قصيدةالنثر هي المرحلة الأخيرة في تطور القصيدة؟ بالتأكيد لا. قصيدة النثر مجرد خطوة في طريق طويل يقطعهالشعراء، وسينجح أشجعهم في تجاوزها. وليسبالضرورة أن يكون التطور المقبل في الإيقاع أو الشكل،كما حدث في المرحلتين السابقتين، لأن القصيدة التاليةيجب أن تستفيد من معطيات العصر الذي تحكمهالسرعة والتقنية والإيموجي والصورة، وحتى منوحشية اللغة الجديدة.
وكان الشاعر الفرنسي لوي أراغون يرى أن الشعر لايوجد إلا بفضل الخلق الجديد المستمر للغة، عبر تحطيمالنسق اللغوي وتكسير قواعده وتغيير ترتيبه المعتاد. فالشعر، بحسب رأيه، لا "يتطور" أحياناً، بل هو التطورذاته، أي إن السكون نقيض تعريف الشعر، لا مجرد عيبفيه.
ثمة شعراء كثيرون مروا على كل من قرأ الشعر أو كتبه،منذ مراحلنا التعليمية الأولى، زملاؤنا في المدارسالابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعة، بعضهم كانالأعلى صوتاً وحضوراً والأفضل إلقاء، لكنهم اختفوا. اختفى بعضهم بسبب ظروفهم الاجتماعية أو العائلية،واختفى البعض رغم محاولته أن يكملوا لأنه تكلّس عندالنماذج التي كانت سبباً في نجاحه المؤقت، وظل يكتبالقصيدة نفسها طوال حياته. لم يفكر في تطوير أدواته،ولا في قراءة ما لا يشبه ما يكتب، وظل أسيراً لنموذج لايغادره. أصدر بعضهم ديواناً أو ديوانين، واكتفىبعضهم الآخر بالنجاح الذي حققه في أوساط العائلةوالأصدقاء.
لا أعني بهذا أن على كل شاعر أن يفكر في تطوير الشعر،بل أقول إنه يجب أن يفكر في تطوير قصيدته التاليةفقط، وألا يعيد استنساخها وكتابتها مراراً وتكراراً.
ولا ينفصل هذا الهاجس، هاجس محاولة تطوير النص،عن هاجس الخوف من توقف الكتابة، ذلك الهاجس الذيكان يطارد بورخس، كما قال في أحد حواراته، ليس لأنهيظن أن كتاباته جيدة بالضرورة، ولكن لأنه يعرف أنه لايستطيع الاستغناء عن الكتابة، وأنه إن لم يكتب يشعربنوع من تأنيب الضمير.
وانطلاقاً من هاجس بورخيس، يمكنني أن أقول، ليسعلى الكاتب أن ينتظر قصيدته التالية لتكون الأفضل،فربما لا يكتبها. لذا عليه أن يكتب أفضل ما لديه فيقصيدته الحالية.
922
القصيدة التالية.. شهادة - محمد أبو زيد
تطاردني القصيدة التالية مثل ظل يتبعني، لا يفارقني،بينما أقرأ أو أكتب، في صحوي ومنامي، إذا جلستُجلسَِت، وإذا وقفتُ وقفَِت، وإذا سرتُ سارت، وإذا نمتُتمددت إلى جانبي.. أكتب قصيدة جديدة، وأفكر بينماالحروف تجري أمامي على الورقة، كيف ستكونقصيدتي التالية، هل ستكون مختلفة، هل ستكونشبيهة بما أكتبه الآن، أم بما كتبته سابقاُ، وكيف لي أنأتجاوزها؟
ينتقل هذا الهاجس من القصيدة إلى الديوان. أنتهي منالديوان، وأفكر في الديوان المقبل، هل سيكون شبيهاًبهذا الديوان، وهل الديوان الذي انتهيت منه للتو أفضلمن الذي سبقه أم أسوأ؟ كأنني في سباق لا نهائي، لاينتهي ولا يتوقف، ولا أريد أن أخرج منه ـ رغم أنه يؤرقنيطوال الوقت ـ لأني أشعر أنه وقودي لكتابة أفضل مالديّ.
حين أتذكر قصيدتي الأولى التي كتبتها قبل قرابة أربعةعقود، أفكر أنها كانت الأسهل والأسلس، لأنني لم أكن قدأكتب قبلها شيئاً أقارنها به، فصار كلامها العاديالبسيط شعراً في نظري. كانت مجرد خربشات طفل،يحاول تقليد النصوص التي يقرأها في المجلات القديمةوكتب المدرسة مستعيراً شكلها وربما كلماتها، كل ما كانيسعى إليه أن تكون هناك قافية متشابهة، وإحساساً ما.
تطورت هذه القصيدة في النصوص التالية، وخلقتلنفسها تحديها الخاص بأن أصبح لها قافية حقيقيةبحروف روي واضحة، ثم تطورت إلى قافية ووزنحقيقيين، جربتُ معها بحور الشعر الستة عشر، ثمتوقفتُ وأنا أشعر أنني أريد أن مساحة أكثر حرية،فذهبت إلى قصيدة التفعيلة التي تتحرر من القافية.
حين انتقلت، بعد ذلك بسنوات، من قريتي في أقاصيالصعيد إلى القاهرة للدراسة الجامعية، كتبتُ القصيدةالعامية، بلهجة صعيدية قحة، لأحافظ على لهجتي منالذوبان في لهجة المدينة، اكتمل لديّ ديوان أسميته"مزيكا حزايني شويه"، وتقدمت به إلى إحدى سلاسلالنشر في هيئة قصور الثقافة، والتي وافق مسؤولوهاعلى نشره، في الوقت الذي كنت أتخبط فيه داخل المدينةالتي تلتهمني، وتلتهم أيامي وذكرياتي وأحلامي،وجدتني مدفوعاً لأن أكتب شيئاً يوازي هذا التوحش،شيئاً يشبه صراخي في وجه بناياتها وغضبهاوضجيجها، فكتبت قصيدة النثر، أنهيت ديواني الأول"ثقب في الهواء بطول قامتي"، واستبدلت به ديوانالعامية الذي سحبته من النشر، لأنني لم أعد أشعر أنهيعبر عني، بعد أن فقدتُ لغتي.
لم يكن هذا هو الديوان الوحيد الذي لم أنشره رغمجاهزيته للنشر، ثمة ديوانان آخران، أولهما "ربما أموتهذا المساء"، ويضم مزيجاً من قصائد التفعيلةوالقصيدة العمودية، وتجاربي الأولى في قصيدة النثر،قدمته إلى سلسلة "إشراقات أدبية" في الهيئة العامةللكتاب، مرفقاً بدراسة تحليلية للديوان كتبتها الناقدةالكبيرة الأستاذة فريدة النقاش، وحصل على إجازةالنشر لكنني سحبته قبل الطباعة، وقررت أن أكتفيبالنثر.
أما الديوان الثاني، فهو ديوان من قصيدة تفعيليةواحدة طويلة اسمه "يبدو أنني قد مت فعلا" لم أنشره،لأنني شعرت أنني تجاوزت التجربة كلها، رغم أنه فازبجائزة سعاد الصباح في الشعر في العام 2003.
لم يكن هذا الانتقال من كتابة نوع شعري إلى آخر، منالعمودي إلى التفعيلة ثم إلى النثر، يعني تقليلاً منشعرية أي نوع منها، بل كان انحيازاً فقط لطريقةأحببتها في الكتابة، ورأيت أنها تعبر عني في مرحلة ما،فقد كتبت الأنواع الثلاثة بالمشاعر والطاقة الشعوريةنفسها، وتركت في كل منها جزءا من روحي.
وقد أردت تأكيد هذه الفكرة بعد ذلك بثمانية سنوات، حينأصدرت ديواني الخامس "مدهامتان" عام 2011 عن دار"شرقيات"، والذي ضم قصائد تفعيلية وعمودية ونثر،وكأنني أردت أن أقول إن القصيدة ـ أياً كان نوعها ـ هيوجهة نظر جمالية، وإن كل هذه الأشكال مراحل فيالشعر يمكنها أن تتجاور، وإن جميعها تعبر عن كاتبهاورؤيته.
الآن، حين أرجع إلى ديواني الأول، المكتوب قبل خمسةوعشرين عاماً، "ثقب في الهواء بطول قامتي"، والذيصدر عن هيئة قصور الثقافة، أتذكر حالة كل قصيدة فيه،لكنني أشعر بأن الشاعر الذي كتبها صار بعيداً عني،كأنه شخص آخر. وهذا يشبه حالتي حين أفكر الآن فينفسي عندما كنت أصغر سناً، في قناعاتي وآرائيوأفكاري. هي أنا، وتعبر عني، لكنني صرت الآن بعيداًعنها.
أجد في ذلك الديوان كثيراً من الأفكار التي ما زالتتراودني، وكثيراً من الأفكار التي أعيد التعبير عنهاشعراً، لكن بطريقة أخرى ورؤية مختلفة. ولعل أبرز مثالعلى هذه الفكرة ما فعله والت ويتمان، الذي ظل يراجعديوانه "أوراق العشب" بلا توقف قرابة أربعين عاماً. فصدرت منه تسع طبعات مختلفة تقريباً، أعادت كلواحدة منها صياغة النص السابق. وتحول الكتاب منعمل يضم اثنتي عشرة قصيدة بلا عناوين في طبعتهالأولى، إلى مجلد ضخم يضم قرابة أربعمئة قصيدة فيطبعته الأخيرة. وكان ويتمان ينظر إلى كل طبعة منهباعتبارها كتاباً مستقلاً.
922
ما يُفلِت من العالم هو الشعر. الشعر ليس جنسًا أدبيًا، إنّه التجربة الروحية للحياة، الكثافة الأعلى للدقة، وهذا الحدس المُبهر بأن الحياة الأكثر هشاشة هي حياة بلا نهاية.
كريستيان بوبان
ترجمة: أصالة لمع
922
قد لا أوصي بالعناوين السابقة وأكتفي بتوصية لأعمال إبراهيم ناجي الكاملة. ربما أسهب في الحديث عن آخر قراءاتي الجميلة؛ "المسرّات والأوجاع" للعراقي العظيم فؤاد التكرلي. قضيت فيها أسبوعين لا أغادر بغداد. أفتش عن بطلها توفيق لأعانقه طويلًا ثم أضربه بالهراوة أو بالمقلاة كما تفعل دومًا بطلات إيزابيل الليندي. كنت فيما مضى أحب هذه التشيلية، والآن ما عدت أطيق الجلوس والاستماع لثرثرتها. أتذكر كم أحببت كتابها "باولا"، وهذه ليست توصية. نصف توصية يمكن. قرأتها قديمًا، وقد صرت أشك بكل ما قرأته قبل زمن طويل. أحسب أن الكلاسيكيات الكبرى لا تحتاج إلى توصية. إذا لم يقرأوا "الحرب والسلم" بعد فليتوقفوا عن قراءة توصياتي وليدركوا ما فاتهم، فإن لم يفعلوا فلن أوصي بأي كتاب.
-عبدالله ناصر
922
مضت أكثر من مئة سنة على آخر مرة ركضت فيها حتى كادت تنخلع مفاصلي وتتفكك. لم يكن ركضًا بريئًا، بل كان فرارًا إثر سرقة فاشلة لمتجر الحي المجاور. كان يومًا أسود حين قررنا أن نُعِد بأنفسنا وليمة ليلية يمكننا أن نتمتع بها في بيوتنا، لكنه توق المراهقة إلى الاستقلال والتمرد وارتكاب الحماقات. وزعنا قائمة المشتريات أو المسروقات على عجل وكان من نصيبي الخبز ومربى الفراولة، وقد اخترتها عن عمد إذ كيف يمكن إخفاء طبق البيض في الجيب الصغير. حتى هوديني لا يستطيع أن يفعلها. أما الخبز الدائري فيسهل إخفاؤه تحت الفانيلة البيضاء دون حاجة لإعادة ترتيب القفص الصدري لكنني عندما ذهبت إلى رف المربى لم أجد سوى الحجم العائلي الكبير. لو فتحت جمجمتي فوضعت المربى مكان الدماغ لانكشفت فورًا إذ لن أتذكر بعدها أين سنلتقي لتناول الوليمة. وهكذا دسسته في جيبي فأضاء الثوب ورحت أكتمه براحة يدي. كانت العملية فاشلة لأن المراهق الثالث -لا حاجة لذكر الأسماء- قد قرر أن يخطف طبق البيض ويجري في الشارع. ظن أنه لو ركض بأقصى سرعته وحالفه الحظ لاستطاع أن يمرق من الباب فلا يلمحه البائع الذي يجلس هناك تحديدًا. ما إن خرج حتى طارده البائع صارخًا: "حرامي.. حرامي.." فإذا سيارة الشرطة التي صادف أنها تتجول في الشارع تتوقف ويخرج منها الشرطي لمطاردة اللصوص. ما احتمال حدوث هذه الصدفة؟ وهكذا فررت فرارًا لم ير الناس مثله حتى توقفت في حيّ بعيد. وبعد خمس دقائق قُبِض علينا فافتدانا الجار الكريم ودفع للبائع ضعف الثمن. استحلفته ألا يخبر أبي خوفًا من أن يذبحني لا بسبب السرقة، بل بسبب مربى الفراولة الذي لم أستسغ طعمه طوال حياتي.
والآن كبرت وما عدت أفِرّ إلا من الحوارات الصحفية والمشاركات الإذاعية والتلفزيونية والأمسيات الأدبية. ما إن يفاتحني أحدهم في الحديث وطلب الحوار -ولو طلب مالًا لكان أهون على نفسي- حتى أركض وأفر بعيدًا إلى بيتنا الأول القديم الذي ما عاد موجودًا إلا في أحلامي. عاتبني العزيز د. لؤي عباس يومًا في لطف ومودة إذ للمثقف أيضًا واجباته التي لا يجدر التنصل منها. أعتذر دومًا من أي التزام صحفي، ويعرف أصدقائي ذلك. قد أقبل نزولًا عند مزاج طيب، أو بدافع الحياء -سأكتب يومًا عن رجل عاش حياة كاملة بسبب الحياء ومات بسببه- وقد أوافق لأنني أرغب حقًا في قول بعض الأشياء وسرعان ما أندم. وهكذا طلبت إحدى الصديقات صورة لمكتبتي وقائمة قصيرة من التوصيات. مداخلة بسيطة لا تتجاوز ٣٠٠ كلمة وشكرتني ثم مضت قبل أن أعتذر وأبدي تحفظي من فكرة التوصيات وعبثها. أما المكتبة فما عادت موجودة إلا في الكراتين لانتقالي إلى مدينة جديدة. عندي صورة قديمة للمكتبة. سأضعها كما نضع صورنا الشخصية القديمة، دون أن ندرك أنها ما عادت تشبهنا. التُقِطت الصورة في اليوم الذي بدأتْ فيه الكتب بالخروج من الفضاء الخاص (غرفتي) إلى الفضاء العام (الصالة)، وقد لاقت الفكرة -كما أتذكر- استحسانًا من العائلة. ولما كانت الكتب تزيد والمكتبة ثابتة أضفت خفيةً بعض الرفوف، ثم اقترحتُ ذات يوم أن تبدأ المكتبة من مدخل البيت فتمضي إلى المجالس ثم تلتف في الممرات وصولًا إلى الصالات. ما حاجتنا إلى صور الشواطئ، والبحر لا يبعد عن بيتنا أكثر من نصف ساعة؟ ولماذا نزيِّن الجدران بلوحات الفن التجريدي؟ ما معنى الفن التجريدي أصلًا؟ وماذا تفعل ساعة الحائط هنا؟ أما زال هناك من يحتاج لمعرفة الوقت؟ حتى التلفاز.. وقبل أن أواصل الحديث وقف أفراد البيت وقفة واحدة وقالوا بوضوح، بل بصوتٍ عالٍ ونبرة لا تخلو من التهديد: "لا". وهكذا انحسرت المكتبة وتراجعت إلى غرفتي، وتكومت الكتب في الكراتين، ورُحِّلت الكراتين إلى القبو، وأُغلِق القبو، وابتلع أبي المفتاح ثم فتح فمه لأتأكد بنفسي فأفقد الأمل إلى الأبد.
يظل القارئ سعيدًا حتى يدرك أن المكتبة صارت أكبر من البيت، أو أن البيت بات أصغر من المكتبة. الحل الأول شراء منزل أكبر، والحل الثاني هو تكديسها في الكراتين، أما التخلص منها أو إهداؤها فليس من الحلول المطروحة. أتذكر هنا كتابًا بديعًا لمانغويل بعنوان “Packing My Library” وقد تحول إلى العربية بقدرة قادر إلى "ذاكرة القراءة". يرثي الأرجنتيني اضطرار مكتبته إلى الارتحال مرةً أخرى. حسنًا هذه توصية. سأوصي بقراءة هذا الكتاب الذي ما كنت لأتذكره لو لم أقل شيئًا عن كراتين الكتب. أعلم يقينًا أن التوصيات رهن ذاكرة نسّاية وذائقة متغيرة وليس بالضرورة أن تكون أجمل ما قرأنا. لو أنشدتُ أطلال ناجي: "آه يا قبلة أقدامي.. إذا شكتِ الأقدام أشواكَ الطريق" لأوصيت برواية "الطريق" لميغيل ديليبيس، وهي رواية أعاود قراءتها مرةً كل سنة تقريبًا. لو أنشدت هذا البيت من قصيدة أخرى "والقلبُ إن يُخلِص يهُن دمُهُ" لأوصيت بشيطنات الطفلة الخبيثة ليوسا، لأنها تلخص مأساة البطل ريكاردو. ألا يجب أن أوصي بروايته العبقرية "المدينة والكلاب"؟ قرأتها في العام الماضي فكانت من أجمل ما قرأت في حياتي.
922
يقول أبوك: "كن رجلًا" مذ كنتَ في السادسة أو ربما قبل ذلك لكن لا تتذكر. يقولها في المستوصف حين يرفع كُمّ قميصِك ريثما يأتي الطبيب بالإبرة. يقولها صباح اليوم الأول في المدرسة وأنت تغالب دموع عينيك. يقولها قبل أن تخرج لتلعب مع أقرانك. يقولها حين يشتكي أحد الجيران لأنك ضربت ابنه، وحين تشتكي لأن أحدهم ضربك. يقولها قبل قدوم الضيوف من أجل مأدبة كبيرة. يقولها كلما لاح منك بعض التردد أو الخوف أو الخجل. والحق أنك لا ترغب في شيء أكثر من ذلك. تريد أن تكون رجلًا وهكذا تمضي إلى حتفك.
أما أمك فمنذ ولادتك ما كفت تسأل: "متى ستكبر؟". تقولها اشتياقًا ولا تنتظر الجواب. كبرتَ قليلا وصرت تحبو فتسكب الحليب، وتدرج فتسقط الأكواب. تسحرك مقابس الكهرباء، وحواف الأشياء، وطعم العملات المعدنية. "متى ستكبر؟" باتت أمك تعرف ميولك نحو الغلاية فترفعها بعيدًا وتقفل المطبخ. كلما غبتَ عن ناظريها ركضت تبحث عنكَ ساعات وساعات حتى تجدك نائمًا فوق الخزانة أو غارقًا في البانيو. "متى ستكبر؟" تقولها بحنان، وتحملك إلى حضنها. تقولها ولا تدري أنت هل تعنيها حقًا؟ شيء ما يخبرك أنْ لو كان الأمر بيدها لما سمحت لك أن تكبر أبدًا. تقولها أمك عندما تتجاهل صديقتها التي تستميت في ملاطفتك، أو تحرن في السوق عند متجر الألعاب.
ظللت حتى الأربعين - وقد ماتت أمك- تسمعها تردد "متى ستكبر؟" ومات أبوك وظل طيفه يلاحقك. كن رجلًا ولا تخسر وظيفتك. كن رجلًا إذا خسرتها. حدث أن فقدت حبيبتك في الوقت نفسه وكنت رجلًا. والآن تتساءل ضاحكًا هل ستسمعه يقولها وأنت تحتضر.
-عبدالله ناصر
922
أردنا ذلك أم لا
لدينا ثلاث خيارات فقط:
الأمس، الحاضر والغد.
وهي ليست حتى ثلاثا،
لأنه كما يقول الفيلسوف،
الأمس هو أمس
ولا ينتمي إلينا إلا في الذكرى:
الوردة التي تساقطت أوراقها
لا يمكن أن نخرج منها بتلة أخرى.
الأوراق التي يمكن أن نلعبها
هي فقط اثنتان:
الحاضر والغد.
وهي ليست حتى اثنتين،
لأنه من الحقائق المثبتة
أن الحاضر لا وجود له
إلا بقدر ما يتحول إلى ماض
وقد مرَّ فعلا...
كما هي الحال مع الشباب.
باختصار،
لم يتبق لنا سوى الغد:
أنا أرفع كأسي
لذلك اليوم الذي لا يأتي أبدا،
ولكنه يبقى الشيء الوحيد.
(نيكانور بارا)
