مُسْكَة | جهاد الخُزاعي
Відкрити в Telegram
شذرُ المعقول ومذرُه... وقلمُ الرصاص وخربشتُه
Показати більшеКраїна не вказанаКатегорія не вказана
1 157
Підписники
-224 години
+77 днів
+8030 днів
Архів дописів
وعليه، فقولنا إنَّ الفرق بين كون الشيء وكنهه اعتباري لا يعني أنَّ أحدهما وهم أو باطل، بل يعني أنَّ التمييز بينهما ناشئ من اعتبار العقل ونحو لحاظه للشيء الواحد، فالخارج واحد، والعقل يلحظه تارة من حيث حضوره وتعينه إجمالًا، وتارة من حيث ما تقوم به حقيقته تفصيلًا، فالاعتبارية هنا وصف للتمييز، لا نفي لحقيقة الشيء.
وخلاصة موقفي -وهو الموقف الصّحيح لو تأمل فيه المخالف- أنَّ الموجود الخارجي واحد، وأنَّ كونه وكنهه ليسا جزأين عينيين متغايرين فيه، فإذا أدركناه من حيث إنَّه هذا المتعيِّن الحاضر لنا على وجه الإجمال، عبرنا عن هويته أو كونه، وإذا حللنا ما به هو هو، عبرنا عن ماهيته أو كنهه، فالهوية هي الحقيقة نفسها من جهة الإجمال، والكنه هو الحقيقة نفسها من جهة التفصيل، والفرق بينهما راجع إلى مراتب الانكشاف في العقل، لا إلى انقسام الشيء في نفسه إلى حقيقتين.
في الفرق بين كون الشيء وهويته.
.
الفرق بين كون الشيء وكنهه ليس فرقًا بين حقيقتين متغايرتين في الخارج، كأن يكون في الشيء أمر يسمى كونه وأمر آخر يسمى كنهه، بل الموجود في نفس الأمر واحد، وإنَّما العقل قد يدرك هذا الواحد على أنحاء مختلفة، فتارة يتعلق به إدراكًا مجملًا، فيلحظه من حيث إنَّه هذا المتعين الحاضر بحذائه، فيقال حينئذ: كونه أو هويته، وتارة ينتقل من هذا الإدراك المجمل إلى تحليل حقيقة الشيء وما به هو هو، فيقال: كنهه أو ماهيته، فالمتعدد على هذا ليس ذات الشيء في الخارج، وإنَّما كيفية انكشافه للعقل.
فإذا رأى الإنسان من بعيد شيئًا يتحرَّك، فقد يدرك أولًا أنَّ هناك شيئًا، من غير أن يعرف ما هو، ثم يقترب منه فيدرك أنَّه حيوان، ثم يتبين له بعد ذلك أنَّه فرس، والشيء الخارجي في جميع هذه المراحل واحد لم يتغير، ولم يكن في أول الأمر مجرَّد شيء ثم صار حيوانًا ثم صار فرسًا بحسب ازدياد العلم به، بل كان فرسًا من أول الأمر، وإنَّما إدراك النَّاظر هو الذي انتقل من الإبهام إلى الوضوح، ومن الإجمال إلى التفصيل، فالذي تغيَّر هو حال العالم لا حال المعلوم.
ومن هنا يكون معنى الهوية أو الكون هنا هو إدراك الذَّات من حيث تعينها على نحو إجمالي، أي: من حيث إنَّها هذه الذات بعينها، من غير تحليل لما تقوم به حقيقتها، فإذا قلت: هذا هو الشيء الذي رأيته بالأمس، فقد عينت هويته، وإن لم تكن قد عرفت كنهه، فإذا سألت بعد ذلك: وما هو هذا الشيء في حقيقته؟ انتقلت إلى مقام الماهية والكنه، وليس في الخارج هوية قائمة في جهة (أستاذ هوية)، وماهية قائمة في جهة أخرى (أستاذ ماهية)، بل الذَّات واحدة، والعقل هو الذي يلاحظها تارة من حيث الإشارة والتعيّن، وتارة من حيث التحليل والتعريف.
ويمكن تقريب هذا المعنى بمثال الشخص، فقد ترى إنسانًا من بعيد فتعلم أنَّ هناك شخصًا معينًا، ثم يتضح لك أنَّه زيد، ثم تعرف بعد ذلك صفاته وأحواله وما يختص به، زيد نفسه لم يزد في الخارج شيئًا بسبب ازدياد معرفتك، وإنَّما الذي ازداد هو مقدار انكشافه لك، وكذلك لو رأيت جرمًا في السماء فعرفت أولًا أنَّه جرم متعين، ثم عرفت بعد البحث نوعه وتركيبه وخصائصه، فإنَّ الشيء واحد في ذاته، والتدرج إنَّما وقع في المعرفة.
ولهذا قيل إنَّ المتغاير هو اللحاظ لا الملحوظ، فالملحوظ واحد، لكن اللحاظ قد يكون إجماليًّا أو تفصيليًّا، وقد يكون إدراكًا بالإشارة، ثم يصير إدراكًا بالتحديد والتحليل، فالذهن لا ينتقل من شيء إلى شيء آخر، بل من مرتبة ناقصة من معرفة الشيء نفسه إلى مرتبة أكمل منها.
وهذا التمييز ناشئ من طبيعة إدراكنا؛ لأنَّ العقل الإنساني لا يحيط عادة بحقائق الأشياء دفعة واحدة، بل ينتقل من المعلوم إلى المجهول، ومن الأعم إلى الأخص، ومن الإجمال إلى التفصيل، ومن القوة إلى الفعل، فقد نعرف وجود ظاهرة قبل أن نعرف حقيقتها، ونعرف جنس الشيء قبل فصله، وندرك أثره قبل علته، ونشير إلى ذاته قبل أن نستطيع تعريفه. ولأنَّ المعرفة عندنا تقع على هذا النحو المتدرج، تنشأ في الذهن مراتب متميزة، ثم قد يتوهم أن هذا التعدد في مراتب العلم يدل على تعدد مماثل في ذات المعلوم، مع أنه لا يلزم ذلك.
ومعنى الانتقال من القوة إلى الفعل أنَّ النَّفس تكون أولًا مستعدة لمعرفة حقيقة الشيء من غير أن تكون تلك المعرفة حاصلة لها بالفعل، ثم تستكمل علمها تدريجًا حتى يحصل ما كان بالقوة بالفعل، فالطبيب مثلًا قد يشاهد اضطرابًا في البدن فيعلم أولًا أن هناك مرضًا، ثم يعرف نوع المرض وسببه وموضعه، المرض الخارجي كان معينًا منذ البداية، وإنَّما معرفة الطبيب به كانت ناقصة ثم تكاملت، فالحركة هنا حركة في الإدراك، لا في حقيقة الشيء.
ومن هذا يتبين أيضًا أنَّ الكنه ليس أمرًا زائدًا على الشيء، بل هو نفس حقيقة الشيء إذا انكشفت للعقل من جهة ما به هو هو، فإذا قيل: عرفت الشيء ولم أعرف كنهه، لم يكن المعنى أنني عرفت شيئًا أول ثم جهلت شيئًا آخر قائمًا إلى جانبه، بل المعنى أنَّ الذات حضرت لي على نحو إجمالي، ولم تنكشف لي بعد حقيقة ما تقوم به تلك الذات على وجه التفصيل.
ولهذا يصح أن نعرف الشيء من وجه قبل أن نعرف كنهه، فقد يسمع الإنسان صوتًا فيعلم أن له مصدرًا، ولا يعرف ما ذلك المصدر، وقد يرى ظاهرة فيعلم أنَّها واقعة، ولا يعرف حقيقتها، وقد يشاهد جسمًا من بعيد فيعلم أنَّ هناك جسمًا معينًا، ثم لا يعرف نوعه إلَّا بعد الفحص، ففي جميع هذه الأمثلة سبق العلم الإجمالي العلم التفصيلي، لكن هذه الأسبقية إنَّما هي في طريق المعرفة، لا في تركيب الشيء نفسه.
ومن هنا يجب الحذر من تحويل التمييز المعرفي إلى تركيب وجودي، فإذا كان العقل يعلم أولًا أنَّ هناك شيئًا، ثم يعرف بعد ذلك ما هو، فلا يصح أن يقال إنَّ الشيء في الخارج مركب من كون حصل أولًا ومن كنه لحق به بعد ذلك، ترتيب معارفنا لا يدل بذاته على ترتيب أجزاء في المعلوم، إذ قد يكون هذا الترتيب ناشئًا من قصور إدراكنا وتدرجه.
Repost from N/a
بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا كتاب تحقيق ما ذكره ابن تيمية في أوّل مقاماته من الرّدّ، في المقام السّالب لعدم علمِنا الحقائقَ دون الحدّ.
Repost from N/a
بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا كتاب تحقيق ما ذكره ابن تيمية في أوّل مقاماته من الرّدّ، في المقام السّالب لعدم علمِنا الحقائقَ دون الحدّ.
غير أنَّ هذا الدفاع لا يرفع كل إشكال عن مذهبه، فإنَّ الموضع الحقيقي للنَّقد أعمق من مجرد اختلاف العبارات، والسؤال الصعب هو: كيف يكون علم الواجب بسيطًا من كل جهة، ثم يكون مع ذلك علمًا تفصيليًّا بأشياء كثيرة متمايزة؟ فإن قيل إنَّ في علمه صورًا متميزة تقابل الموجودات، عاد إشكال الكثرة في ذاته، وإن قيل إنَّه لا يوجد في علمه أي تمايز أصلًا، وقع السؤال عن معنى كونه عالمًا بكل واحد من الموجودات على التعيين، وإن قيل إن علمه بها يكفي فيه كونها صادرة عنه، احتيج إلى بيان كيف تستلزم الفاعلية بذاتها انكشاف المعلول وتميزه عند علته، فهذا هو موضع الإشكال الحقيقي على النظرية، أعني التوفيق بين بساطة العلم الإلهي وبين كثرة المعلومات وتميزها، لا مجرّد تعدد الألفاظ التي استعملها في أبواب مختلفة.
والشيخ نفسه واعٍ بهذا الإشكال، ففي الإشارات يورده صراحة: إذا كانت المعقولات كثيرة، والواجب يعقل كل شيء، أفلا يلزم أن لا يكون واحدًا حقًّا؟ ثم يجيب بأنَّ الكثرة لازمة متأخرة عن تعقله لذاته، لا داخلة في الذات مقوّمة لها، والطوسي يشرح ذلك بأنَّ الأول يعقل ذاته، وذاته علة للكثرة، فيلزم عن تعقل ذاته تعقل ما يصدر عنها، فتكون كثرة المعقولات معلولة ومتأخرة عن حقيقة الذات، لا أجزاءً تتقوم بها الذات.
ولكنّي لا أرى أنَّ جواب الطوسي كافيًا، لأنَّ المعترض يستطيع أن يقول: سلمنا أنَّ الصور الكثيرة لا تقوّم الذات، ولكن إن كانت صورًا وجودية متمايزة قائمة فيها حقيقةً، فقد حصلت كثرة في الذات وإن لم تكن كثرة الأجزاء المقومة، فالإنسان الواحد مثلًا لا يتقوّم بأعراضه، ومع ذلك يكون محلًّا لأعراض كثيرة، فإذا كان المطلوب بساطة الواجب بحيث لا تقوم به حقائق وجودية زائدة متكثرة، لم يكف أن يقال: إنَّها متأخرة عنه معلولة له، وهذا هو الموضع الذي يحتاج فيه إلى تحرير أدق.
والجواب الأقوى، في تقديري، أن نمنع أصل المقدمة القائلة: كل تعدد في المعلوم يقتضي تعددًا حقيقيًّا في ذات العالم، هذه المقدمة صحيحة في العلم الإنساني إذا تصورناه على هيئة صور متعاقبة منفعلة عن الأشياء، فأنا أعلم زيدًا بصورة، ثم عَمْرًا بصورة أخرى، فتكثر الأحوال في نفسي، ولكن الشيخ ينفي صراحة أن يكون علم الواجب من الأشياء على هذا النحو، لأنَّه لو استفاد علمه منها لصار معلولًا لها من جهة، أو متغيرًا بتغيرها، بل الأصل عنده عكس ذلك تمامًا: الواجب يعلم الأشياء من ذاته، لأنه يعلم ذاته مبدأً لكل الموجودات، ومن علم العلة التامة يعلم معلولاتها وما يترتب عليها، ولهذا يقول في الشفاء: إذا عقل ذاته وعقل أنَّه مبدأ كل موجودٌ، عقل أوائل الموجودات وما يتولد عنها، وعلم الأسباب ومطابقاتها، فعلم ما تتأدى إليه ضرورة؛ ومع ذلك يؤكد أنَّه لا يعزب عنه شيء شخصي.
وهنا ينبغي التمييز بين المبدأ الذاتي للعلم وبين متعلّقات ذلك العلم، المبدأ الذاتي في الواجب واحد: ذاته المعقولة لذاتها من حيث هي مبدأ لنظام الوجود كله، وأما الكثرة فهي في الأشياء التي تنكشف بهذا العلم الواحد، وفي النسب التي تنتهي إليها، لا في مبادئ مستقلة متراكبة داخل الذات، فليس عندنا علمٌ بزيد موجود أول، وعلمٌ بعمرو موجود ثانٍ، وعلمٌ بالشمس موجود ثالث، ثم مجموع هذه العلوم هو علم الله، بل عندنا فعل عقلي بسيط واحد، تنكشف به الذات بما هي علة لنظام متعين، ومن ثم تنكشف جميع مراتب ذلك النظام.
وهذا الفرق حقيقي وجوهري، فإنَّ وحدة الفعل لا توجب وحدة المتعلَّق، قد يقوم أمر واحد بعلاقات كثيرة من غير أن يتكثر في ذاته بحسب عدد أطراف تلك العلاقات، والاختلاف بين علمه بزيد وعلمه بعمرو يمكن أن يكون من ناحية الطرف الذي تنتهي إليه الإضافة العلمية، لا من ناحية وجود حقيقتين مستقلتين في العالم، غير أنَّ العلم لا يصير بهذا مجرد إضافة، لأن وراء الإضافات أساسًا وجوديًّا إيجابيًّا هو تعقل الواجب لذاته تعقلًا تامًا، فالذات والعلم ليسا مجرّد نِسَب فارغة، وإنَّما الفعل العلمي واحد موجب، وتتكثر تعلقاته بتكثر ما يترتب على الذات المعلومة.
ختامًا أقول: ليس عندي مشكلة في نقد كلام الشيخ، وقد نقدته كثيرًا من قبل، ويا أهلًا بكل نقدٍ له ولأرسطو ولمن سواهما، ولكن بعلمٍ وتأنٍّ وروية، رحم الله الشيخ ورحم الفخر.
أقول: هذا الاعتراض منتزعٌ من كتاب المباحث المشرقية للفخر الرازي [المباحث المشرقية، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، ج1، يبدأ من ص324] وليس في هذا الاعتراض كلمة واحدة صحيحة، ودعوى اضطرابه في حقيقة العلم، على الصورة التي قررها الخونجي [ومن قبله الرازي]، لا تخلو من مبالغة؛ لأنَّ العبارات المذكورة لا يلزم أن تكون أربعة تعريفات متناقضة لحقيقة واحدة، بل يمكن رد أكثرها إلى جهات مختلفة من نظرية واحدة، ومأخذ الاعتراض في الجملة هو أنَّه جمع بين الكلام على شرط التعقل، والكلام على كيفية حصول المعلوم للعالم، والكلام على التصنيف المقولي للعلم، والكلام على نحو تحقق العلم في الواجب، ثم عامل الجميع معاملة أجوبة متعارضة عن سؤال واحد.
فأما قول الشيخ بالتجرّد، فلا ينبغي حمله على أنَّ حقيقة العلم عنده هي مجرد عدم المادة، حتى يلزم أن يكون العلم أمرًا عدميًّا، غاية ما يدل عليه كلامه أنَّ التجرّد شرط في المعقولية العقلية؛ لأنَّ الصورة ما دامت متقوّمة بالمادة ولواحقها لا تكون معقولة بالفعل، غير أنَّ مجرد التجرّد لا يكفي في حصول العلم، بل لا بُدَّ من نحو حضور للمعقول عند العاقل أو حصول له.
ولهذا يفرّق الشيخ في كلامه على العقل والعاقل والمعقول بين كون الشيء مجرّدًا في نفسه، وبين كون ماهيته المجرّدة حاضرة للعاقل، فإذا عقل الموجود المجرّد ذاته لم يحتج إلى صورة أخرى زائدة على ذاته، لأنَّ ذاته حاضرة لذاتها، ومن هنا أمكن عنده أن يكون الشيء الواحد عقلًا وعاقلًا ومعقولًا من غير لزوم كثرة في الذات، فالتجرّد إذن ليس تمام حقيقة العلم، بل هو من شروط إمكان التعقل، ولذلك لا يصح الانتقال من كونه أمرًا سلبيًّا إلى القول بأنَّ العلم نفسه أمر عدمي.
وأما قوله إنَّ العلم عبارة عن الصور المرتسمة، فلا يناقض قوله إنَّ العلم كيفية؛ لأنَّ الجهتين مختلفتان، فحين يقال إنَّ المعلوم يحصل في النّفس بصورته العقلية، فالحديث عن حقيقة ما يحصل للنّفس عند إدراك شيء خارج عنها، وأما حين يقال إنَّ هذا العلم من مقولة الكيف، فالحديث عن نحو وجود ذلك الحاصل من حيث قيامه بالنّفس، فلا تناقض بين أن يكون الشيء صورة معقولة من حيث مضمونه وماهيته، وأن يكون كيفية نفسانية من حيث وجوده في العالم، بل القولان متكاملان: الصورة المعقولة هي الحاصل، والكيفية بيان لمقولته من حيث قيامه بالنّفس.
ويؤكد هذا أنَّ الشيخ لا يجعل العلم نفس الإضافة إلى المعلوم، بل يميّز بين الهيئة القائمة بالعالم وبين الإضافة التي تعرض بسبب تعلقها بالمعلوم، فالعلم في نفسه هيئة أو كيفية تحصل للعالم، ثم يكون العالم بسببها مضافًا إلى معلوم مخصوص، وعلى هذا يفهم قوله إنَّ العلم من مقولة الكيف بالذات ومن مقولة المضاف بالعرض، أي إنَّ وجوده في النَّفس وجودٌ كيفي، وأما نسبة العالم إلى المعلوم فهي إضافة لازمة لذلك العلم وليست هي عين حقيقته، ومن ثم لا يصح أن يجعل هذا مذهبًا رابعًا مناقضًا لمذهب الصور المرتسمة، بل هو تحليلٌ آخر للحقيقة نفسها باعتبار مقولي مختلف.
وأشكل ما في الاعتراض هو نسبة القول إلى بأنَّ العلم مجرَّد إضافة عند كلامه على العقل البسيط وعلم الواجب، فإنَّ مراده هناك ليس أنَّ العلم نسبة محضة عارية عن أي حقيقة إيجابية، وإنَّما يريد أنَّ علم الواجب لا يكون بحصول صور كثيرة متكثرة فيه كما يحصل العلم للنّفس الإنسانية؛ لأنَّ ذلك يوجب كثرة في ذاته وقبولًا لما يطرأ عليها، ولذلك يجعل علم الواجب بالأشياء تابعًا لتعقّله لذاته من حيث هي مبدأ لنظام الموجودات، فتكون الموجودات معلومة له من جهة أسبابها وانتظام صدورها عنه، فالعلم هنا علمٌ سببي بسيط، لا علم انفعالي يحصل للعالم فيه صورة بعد صورة، وكون الصور والتفاصيل تفيض عنه لا يستلزم أن تكون حقيقة علمه مجرد إضافة إلى تلك الصور؛ لأنَّ صدور المعلوم عن المبدأ العالم شيء، وكون العلم نفسه نسبة محضة شيء آخر يحتاج إلى برهان مستقل.
وعلى ذلك يمكن جمع عبارات الشيخ في أصل واحد، وهو أنَّ التعقل نحوٌ من حضور المعقول للعاقل أو حصوله له على وجه مجرَّد عن المادة، فإن كان المعقول هو ذات العاقل المجرّدة، لم يحتج العاقل إلى صورة أخرى زائدة حتى يعقل ذاته، وإن كان المعلوم شيئًا غير النّفس الإنسانية، حصلت صورته العقلية في النّفس، وكان هذا الحاصل كيفية من حيث قيامه بها، ولزمته إضافة إلى المعلوم من حيث تعلقه به، وإن كان العالم هو الواجب الأول، امتنع أن يكون علمه ناشئًا عن صور متعددة واردة عليه، فجعل علمه بالأشياء علمًا بسيطًا سببيًا ناشئًا من تعقله لذاته ولنظام ما يصدر عنها، وعلى هذا تكون التجرد والصورة والكيفية والإضافة جهات مختلفة من النظرية، لا أربعة مذاهب متضادة في حقيقة العلم.
Repost from ربائد: المنطق، والحكمة، وعلم الكلام
وقد اضطرب رأي الرئيس ابن سينا في حقيقة العلم؛
فتارةً يجعله عدميًّا، وذلك عندما يبيّن أن كون الباري تعالى عقلًا وعاقلًا ومعقولًا لا يقتضي كثرةً في ذاته؛ فهناك يفسّر العلم بالتجرّد عن المادة، وهو عدمي.
وتارةً يجعله عبارةً عن الصور المرتسمة.
وتارةً يجعله مجرد إضافة، وذلك عندما يبيّن أن العقل البسيط الذي لواجب الوجود ليست عقليته لأجل حصول صور كثيرة فيه، بل لأجل فيضانها عنه؛ حتى يكون العقل البسيط كالمبدأ الخلّاق للصور المفصّلة في النفس.
وتارةً يجعله كيفيةً ذات إضافة، وذلك عندما يبيّن أن العلم من مقولة الكيف بالذات، ومن مقولة المضاف بالعرض.
ــــــــــــــــــــ
شرح معالم أصول الدين | الخونجي
أنت خلطتَ بين ثلاث دعاوى مختلفة: وجود مفكرين نقدوا أرسطو، وتخلّي الغرب عن الأرسطية، وكون هذا التخلي سببًا في النهضة العلمية.
إثبات الأولى لا يثبت الثانية، والثانية لا تثبت الثالثة، فبيكون وديكارت وغيرهما انتقدوا جوانب من المنطق والفلسفة الأرسطيين، لكن الأرسطية بقيت قوية في الجامعات الأوروبية إلى زمن الثورة العلمية نفسها، بل ازدهرت شروح أرسطو في عصر الثورة العلمية.
Repost from المنهج العلمي الواقعي | علي آل شُبَّر
[خاطرة: أنت أنت وليست أفكارك أنت]
من الطبيعي أن تعتري الرجل الباحث عن الحقيقة الشكوك؛ فإذا لم يجعل أفكاره ونظرياته جزءً من هويته، لم يجد بأسًا في أن يتراجع خطوة إلى الوراء، فيعيد النظر في المسألة التي عرض له الشك فيها، أو في المبدأ الذي داخله الشك في صحته. فإذا انتهى به النظر إلى تغيير رأيه، لم يخسر شيئًا؛ لأن ذاته شيء، وأفكاره شيء آخر.
أما من يجعل أفكاره جزءً من هويته، فإنه يبذل غاية وسعه في دفع الشك عنها؛ لأنه يخشى أن يشك فيها أصلًا، فإذا تسلّل إليها الشك، دفعه ولو بالباطل، ذبًّا عن هويته التي غدت تلك الأفكار جزءًا منها.
Repost from N/a
بسم الله الرحمن الرّحيم، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله الكريم، أستغفر الله العظيم من ذنبي، وأوغل في طلب الكريم مطمعي، الله المستعان في كلّ حولٍ وشأن.
رايك بالاورغانون الجديد اذا قرأته وهل ترى تخلي الغرب عن (اورغانون) ارسطو سبب في نهضتهم الفكرية خصوصا ان كبار مفكري اوربا في عصر النهضة مثل ديكارت الذي قال عنه منطق عقيم
.
الدعوى بأنَّ الغرب نهض لأنه تخلّى عن أورغانون أرسطو دعوى لا يثبتها التاريخ، بل إنَّ المنطق الأرسطي ظل حاضرًا في الجامعات الأوروبية زمن الثورة العلمية نفسها، وتكوّن في بيئته عدد من كبار العلماء، فلو كان مجرَّد حضور المنطق الأرسطي مانعًا من النهضة، لما أمكن تفسير نشوء العلم الحديث في مؤسسات كان هذا المنطق لا يزال جزءًا من مناهجها.
revospring.net/@ItC0ding/a/117175487890091978
كيف يكون في جهة ثم لا يكون جسمًا ولا في مكان؟
.
الجواب:
في الاصطلاح، المكان ليس فضاءً ثلاثيَّ الأبعاد قائمًا بنفسه كما قد يتبادر إلينا اليوم، بل هو -على التحقيق- الحدّ أو السطح الباطن من الجسم الحاوي المماسّ للجسم المحوي، فالماء في الإناء له مكان؛ لأنَّ سطح الإناء يحيط به، والهواء المحيط بالإنسان مكان للإنسان بهذا الاعتبار، ولهذا يقول ابن رشد في النص [146] الذي نقله الأخ التميمي ما معناه: إنَّ كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسم.
أما الجهة فأعم من المكان، والجهات الست (فوق وتحت ويمين وشمال وأمام وخلف) تُنْتَزع أولًا من نهايات الجسم وأسطحه، ولهذا يقول إنَّ الجهات هي سطوح الجسم نفسه أو سطوح جسم آخر محيط به.
ثم إنَّ الفلك الأقصى لا يحيط به جسم آخر، فسطحه الخارجي نهاية العالم الجسماني، لكنَّه لا يمكن أن يكون مكانًا بالمعنى الذي شرحناه؛ لأنَّه لو كان مكانًا لكان سطح جسمٍ آخر حاوٍ له، ثم لاحتاج ذلك الجسم إلى جسم يحويه، وهكذا إلى غير نهاية، وهذا عين البرهان الذي يذكره ابن رشد في [147].
فإذن عندنا: سطح الفلك الأقصى، وهو جهةٌ ونهايةٌ للعالم الجسماني، لكنَّه ليس مكانًا؛ لأنَّ الجسم لو كان هناك لاحتاج إلى مكان، أي إلى جسم حاوٍ آخر. وهذا ممتنع بعد أن ثبت أن الفلك الأقصى هو نهاية عالم الأجسام، فأيُّ موجودٍ لاجسمانيٍّ لا يحتاج أصلًا إلى السطح الحاوي الذي يحتاجه الجسم.
لكن يبقى سؤال لائح: إذا لم يكن ثمة مكان وراء الفلك، فما معنى "في تلك الجهة" أصلًا؟
هنا يجب تجنب فهم كلمة "في" على معنى الظرفية المكانية، فابن رشد لا يريد أن يقول: إنَّ الله يوجد داخل حيّز فوق الفلك؛ لأنَّ هذا يعيد المكان الذي أنكره، بل يريد شيئًا أقرب إلى أنَّ نسبة الموجود المفارق إلى العالم الجسماني هي نسبة العلو، وإن غاية جهة العلو الجسماني هي سطح الفلك الأقصى، وليس وراء هذا السطح امتدادٌ جسماني يكون الله حالًّا فيه.
فالجهة هنا نسبة إلى العالم وليست ظرفًا يحل فيه الموجود المفارق، وهذه نقطة شديدة الأهمية، فهناك فرقٌ بين قولك: لزيد موضع في جهة الفوق، وبين قولك: زيد منسوب إلى جهة العلو الأول يقتضي حيّزًا يشغله زيد، أما الثاني فلا يلزم منه ذلك إذا كان المراد بالجهة طرف النظام الجسماني الذي تنتهي إليه النسبة.
ولهذا فقول ابن رشد في [١٤٩]: "ذلك الموضع ليس هو مكانًا ولا يحويه زمان" يكشف عن استعمال غير اصطلاحي لكلمة الموضع، فهو لا يريد المكان بالمعنى الطبيعي، وإلَّا ناقض نفسه في الجملة ذاتها، بل المراد الجهة أو المرتبة التي ينتهي إليها العالم الجسماني من ناحية العلو.
فإن قال قائل: أليس هذا مجرد تلاعب لفظي؟
لا، ليس تلاعبًا لفظيًّا، ولكن فيه دقة يجب إظهارها، فعند أرسطو لا يوجد فراغ وراء العالم؛ لأنَّ الفراغ نفسه نوع من الامتداد القابل لشغل الجسم، وهذا منتفٍ، لذلك، عبارة "خارج العالم" لا تعني: العالم هنا، ثم عدة أمتار من الفراغ، ثم الله؛ فهذا التصور مرفوض من أصله، بل العالم الجسماني ينتهي عند الفلك الأقصى، وما ليس جسمًا لا يحتاج إلى أن يكون بعد تلك النهاية بمسافة.
بمعنى آخر: العالم الجسماني له نهاية، ونهاية جهة العلو هي الفلك الأقصى، ولا مكانَ جسمانيًّا وراءها، والموجود المفارق لا يحتاج إلى مكان؛ لذلك لا يمتنع أن يوصف بالعلو أو بأنَّه في جهة السماء من حيث النسبة إلى العالم، من غير أن يكون جسمًا حالًّا في حيّز.
لكن هذا يقود إلى تمييز آخر حاصله: إن جعلنا الجهة نفسها حيّزًا ممتدًا قابلًا للإشارة إليه بأجزاء ومسافات، فلا يمكن عندئذ الحفاظ على قول ابن رشد بأنه ليس في مكان؛ لأنَّك إن قلت: الله في نقطة معينة من امتداد فوق الفلك، فقد أثبتَّ له مكانًا بالفعل ولو سميته جهة.
ولهذا لا يستقيم مذهبه إلَّا إذا كان معنى الجهة هنا: الجهة الإضافية والنسبية إلى العالم، لا جهةً امتداديةً محيطةً بالله، وبعبارة أخرى:
الموضوع الذي تنتهي إليه الإشارة غير الموضوع الذي تحل فيه الذات المشار إليها، والأدق عندي أن يقال: الله عند ابن رشد ليس متجهِّهًا [أو متحيِّزًا] بمعنى أن ذاته مقيدة بالجهة، وإنَّما العالم هو الذي له جهات، ونسبة الله إلى العالم من جهة العلو هي التي يعبَّر عنها بأنه في الجهة، وهذا الفرق هو الذي يمنع عنده الانتقال من إثبات الجهة إلى إثبات الجسمية.
+2
كون الله في السماء عند أرسطو أمرٌ مشهور بين المشائين، وهذا من غير أن يلزم من هذا أن يكون الله في مكان، وهذا أمر يتبيّن بيسر عند مراجعة تعريف المكان عند المشائين، وقد أحسن ابن رشد بيان هذا في الكشف عن مناهج الأدلة، وذكر اتفاق الحكمة والشريعة على أن الله في السماء (في جهة) خلافًا للمتكلمين.
ويتبيّن من هذا أيضًا أن وفق مباني المشائين لا حاجة علمية إلى افتراض عوالم أخرى وراء هذا العالم المحسوس كعالم المُثل؛ لأن موضع جميع العقول المجردة (الجواهر الروحانية) خارج النفس هو في السماء (محيط الفلك الأقصى)، هناك حيث لا يلزم أن يكون العقل المجرد في مكان، ومن ثمّ جسمًا.
والأمر الطريف أنَّ سمبليقيوس نفسه يورد تقريبًا نفس التعليل الذي أورده زاباريلا: إنَّ أرسطو تناول هذه المسألة لأنَّ الفيثاغوريين كانوا يجعلون المبدأ في الوسط، وأنه نقل الأولوية إلى فلك الثوابت لأنَّ الحركة فيه أول وأسرع.
في آخر المقالة الثامنة من السماع الطبيعي*، يقول أرسطو، بعد إثبات المحرّك الأول غير المتحرك، ما معناه:
لا بد أن يكون [مبدأ الحركة] إما في الوسط وإما في المحيط؛ لأنَّ هذين مبدآ الكرة، والأشياء الأقرب إلى المحرّك أسرع حركة، وحركة المحيط هي الأسرع، فالمحرّك إذن هناك.
لكن ما معنى "المحرّك في المحيط"؟
لا يصح أن نفهم أرسطو كأنَّه يقول:
إن الإله جسمٌ جالسٌ على سطح الفلك الأقصى، بل هذا ممتنعٌ على أصول أرسطو نفسه؛ لأنَّه بعد هذه الأسطر بقليل يبرهن أنَّ المحرّك الأول:
لا جزء له،
ولا مقدار له،
وغير منقسم.
أي إنَّه ليس جسمًا أصلًا، وهذا في نفس الفصل من السماع الطبيعي.
ولهذا تنبّه الشراح القدماء والوسيطيون إلى الإشكال: كيف تقول عن شيء مفارق لا مقدار له إنه "في المحيط"؟
والجواب المشهور عندهم أنَّ "في" هنا ليست كونًا في المكان بالذات، وإنما نسبةٌ إلى موضع ظهور فعله الأول في المتحرّك.
توما الأكويني مثلًا يصرّح بأنَّ المحرّك الأول لا يختص بجزء من الجسم بذاته، وإنما يقال إنه في ذلك الجزء بحسب سببيته في الحركة، أي من حيث تبدأ منه الحركة في المتحرّك.
وهذا قريب جدًّا من تفسير ابن رشد أيضًا: فالمحرّك المفارق ليس في مكان حقيقة، وإنَّما ينسب إلى المحيط من جهة أنَّ أثر تحريكه الأول يظهر هناك، وقد فُسِّرت "القرب" عنده أيضًا قربًا في الرتبة والعلية لا مجرد مسافة مكانية.
فالأدق أن نقول:
المحرّك الأول عند أرسطو ليس حالًّا في المحيط، وإنَّما المحيط هو أول موضع في العالم الجسماني يتلقى فعله التحريكي، وهذا فرقٌ جوهريٌّ.
والحجة عنده ليست مجرد أن المحيط أشرف، بل لها بناء طبيعي حركي:
[1] للحركة الدائرية مبدآن هندسيان بارزان: المركز والمحيط.
[2] والجزء الأقرب إلى مبدأ التحريك ينبغي أن يكون أشد حركة أو أسرعها.
[3] في دوران الفلك كله، تكون الأجزاء الأبعد عن المركز أسرع حركة من حيث المسافة المقطوعة في الزمن نفسه.
يقول توما وحاصل كلامه: إنَّ الأجرام الأعلى تقطع محيطات أعظم في الزمن نفسه، فهي أسرع بالحركة اليومية الكلية، ولذلك استدل أرسطو على أن مبدأ الحركة ليس في المركز بل في المحيط.
.
*أرسطو، كتاب السماع الطبيعي، المقالة الثامنة، وبحسب ترقيم بيكر: 267b6–9.
في آخر المقالة الثامنة من السماع الطبيعي*، يقول أرسطو، بعد إثبات المحرّك الأول غير المتحرك، ما معناه:
لا بد أن يكون [مبدأ الحركة] إما في الوسط وإما في المحيط؛ لأنَّ هذين مبدآ الكرة، والأشياء الأقرب إلى المحرّك أسرع حركة، وحركة المحيط هي الأسرع، فالمحرّك إذن هناك.
لكن ما معنى "المحرّك في المحيط"؟
لا يصح أن نفهم أرسطو كأنَّه يقول:
إن الإله جسمٌ جالس على سطح الفلك الأقصى.
بل هذا ممتنع على أصول أرسطو نفسه؛ لأنَّه بعد هذه الأسطر بقليل يبرهن أنَّ المحرّك الأول:
لا جزء له،
ولا مقدار له،
وغير منقسم.
أي إنَّه ليس جسمًا أصلًا، وهذا في نفس الفصل من السماع الطبيعي.
ولهذا تنبّه الشراح القدماء والوسيطون إلى الإشكال: كيف تقول عن شيء مفارق لا مقدار له إنه "في المحيط"؟
والجواب المشهور عندهم أنَّ "في" هنا ليست كونًا في المكان بالذات، وإنما نسبةٌ إلى موضع ظهور فعله الأول في المتحرّك.
توما الأكويني مثلًا يصرّح بأنَّ المحرّك الأول لا يختص بجزء من الجسم بذاته، وإنما يقال إنه في ذلك الجزء بحسب سببيته في الحركة، أي من حيث تبدأ منه الحركة في المتحرّك.
وهذا قريب جدًّا من تفسير ابن رشد أيضًا: فالمحرّك المفارق ليس في مكان حقيقة، وإنَّما ينسب إلى المحيط من جهة أنَّ أثر تحريكه الأول يظهر هناك، وقد فُسِّرت "القرب" عنده أيضًا قربًا في الرتبة والعلية لا مجرد مسافة مكانية.
فالأدق أن نقول:
المحرّك الأول عند أرسطو ليس حالًّا في المحيط، وإنَّما المحيط هو أول موضع في العالم الجسماني يتلقى فعله التحريكي، وهذا فرقٌ جوهريٌّ.
والحجة عنده ليست مجرد أن المحيط أشرف، بل لها بناء طبيعي حركي:
للحركة الدائرية مبدآن هندسيان بارزان: المركز والمحيط.
والجزء الأقرب إلى مبدأ التحريك ينبغي أن يكون أشد حركة أو أسرعها.
المقدمة الثالثة في دوران الفلك كله، تكون الأجزاء الأبعد عن المركز أسرع حركة من حيث المسافة المقطوعة في الزمن نفسه.
يقول توما ما معناه: إنَّ الأجرام الأعلى تقطع محيطات أعظم في الزمن نفسه، فهي أسرع بالحركة اليومية الكلية، ولذلك استدل أرسطو على أن مبدأ الحركة ليس في المركز بل في المحيط.
.
*أرسطو، كتاب السماع الطبيعي، المقالة الثامنة، وبحسب ترقيم بيكر: 267b6–9.
"وينبغي أن يُعتقد أن أرسطو إنما سيق إلى قول هذه الأمور [أن الله في محيط الفلك الأقصى] بسبب رأي الفيثاغوريين الذين كانوا يضعون الله في المركز؛ فإنه وإن لم يكن هو في الحقيقة في موضعٍ على وجه التخصيص، إلا أنه إن وجب أن يُجعل له موضع خاص، فالأولى أن يكون الدائرة —أي المحيط— لا المركز؛ إذ يجب أن يُقال إن المحرّك مستقرّ حيث تكون الحركة، وهناك على أخصّ الوجوه حيث تكون الحركة العظمى."
جاكوبو زاباريلا | شرح السماع الطبيعي
"وقد وضع قومٌ بالفعل جوهرًا مفارقًا زائدًا، متميّزًا عن العقول السماوية وعن الله، يتولّى تدبير العالم الكائن الفاسد، ويكون العقل الفعّال للناس أجمعين.
وهذا هو رأي ابن سينا، الذي ذهب إلى أن العقل الفعّال هو واهب الصور، وهو آخر العقول المفارقة، متميّز عن تلك المحرّكة للأجرام السماوية، وأن النفوس الإنسانية كلها إنما تستفيد فعلها العقلي من هذا العقل الفعّال الواحد.
غير أن هذا الرأي لا أصل له عند أرسطو؛ فإن أرسطو لا يُسلّم بعقلٍ ما وراء تلك العقول التي تحرّك السماوات، وواهبُ الصور المفارق الذي وضعه ابن سينا إنما هو من مخترعات العرب، مأخوذٌ من مصادر أفلاطونية محدثة بدلًا من المذهب المشّائي؛ فهذا الرأي إذن متروكٌ لكونه أجنبيًّا عن أرسطو."
جاكوبو زاباريلا | كتاب العقل الفعّال من الأمور الطبيعية
