ru
Feedback
محيي الدين ابن عربي

محيي الدين ابن عربي

Открыть в Telegram
1 501
Подписчики
+124 часа
+17 дней
-630 день
Архив постов
ترى صحيفة «نيويورك تايمز» أن هناك طريقة بسيطة يمكن من خلالها تلخيص حرب ترامب، أي الأرقام: 63، 12، 1.10، 18، و759. هذه هي أولى مؤشرات معارضة الرأي العام للحرب. فبحسب أحدث استطلاع رأي أجرته مؤسسة إيبسوس، يؤيدها 31 في المئة فقط، بينما يعارضها 63 في المئة، وهي أرقام تذكر بأحلك أيام حرب فيتنام. أما الرقم الثاني، فيعكس عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز يوميا، بمتوسط 12 سفينة تقريبا، مقارنةً بـ 130 سفينة قبل الحرب. ويعكس الرقم الثالث متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة، والذي يبلغ حوالي 4.09 دولار للغالون، أي بزيادة قدرها 1.10 دولار عما كان عليه عند بدء القتال. والرقم الرابع يشير إلى عدد القتلى من العسكريين الأمريكيين في الحرب، والبالغ 18 قتيلا حتى الآن. والخامس هو العدد التقديري لطائرات باتريوت الاعتراضية المتبقية في الترسانة الأمريكية، والذي انخفض من 2,330 إلى 759 طائرة قبل شهر، وفقا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.

أميركا التي بُنيت على سرقتين: الأرض والإنسان علي محمود هاشم السبت 29 آب 2026

الاستعمار لا يحتاج دائماً إلى إبادة شعب دفعة واحدة. يمكنه أن يعمل ببطء، عبر الحرب والقانون والسوق والسجلّ السكاني والمدرسة والأسرة البديلة. يمكنه أن يأخذ الأرض اليوم، والطفل غداً، والاسم بعد غد، ثم يأتي التاريخ بعد قرن ليقول إن هؤلاء لم يكونوا موجودين أصلاً.

ذات يوم سأل أحد الصحفيين، الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان: "أنتَ تنتقد حكومات الاتحاد السوفيتي والصين وكوبا، فلماذا لا تنتقد ابن العاهرة ديكتاتور تشيلي علم تشيلي أوغستو بينوشيت؟"..!!.. فردَّ ريغان: "صحيح أن بينوشيت ابن عاهرة، ولكنه ابن العاهرة خاصتنا"..!!.

photo content

رسم فان جوخ هذه اللوحة في الأشهر الأخيرة من حياته، بينما كان يعيش في مصحة عقلية. إنها صورة لرجل في الحضيض تماماً، ومع ذلك، بطريقة ما، واحدة من أكثر الإجابات تحدياً للمعاناة الإنسانية التي رسمها على الإطلاق… تُدعى «عند بوابة الأبدية»، رسمها فينسنت عام 1890. يجلس رجل عجوز بجانب نار، مرتدياً ثوباً أزرق بالياً، قبضتاه مضغوطتان بقوة على وجهه، وجسده كله منطوٍ على نفسه من شدة الحزن. لا يوجد مشهد أو قصة حوله، فقط شخص نفدت قوته، تُرك وحيداً مع شيء أثقل من أن يحمله. كان فان جوخ يعرف هذا الرجل من الداخل. كان في مصحة سان ريمي عندما رسمها، منهكاً بمرضه، وكان قد عرف هذا الوضع بالضبط بنفسه. لم يكن ينظر إلى المعاناة من مسافة آمنة: كان يرسم شيئاً نجا منه… لكن انظر إلى العنوان الذي اختاره: ليس «اليأس» أو «النهاية»، بل «عند بوابة الأبدية». قبل سنوات، عندما رسم هذه الشخصية لأول مرة، كتب فان جوخ في رسالة أنه في رجل عجوز محطم كهذا، في أدنى حالاته، كان هناك دليل على «شيء في الأعالي»، شيء نبيل وأبدي لا يستطيع حتى أعمق حزن أن يصل إليه أو يدمره. كان يقدم ادعاءً: أن الرجل المسحوق بالحزن ليس رجلاً متروكاً، وأن الشخص المنحني في الظلام يجلس، دون أن يعلم، على عتبة الأبدية ذاتها. تصيبني هذه اللوحة في كل مرة أنظر إليها لأنها لا تحاول أبداً تخفيف الحزن أو التظاهر بأنه غير موجود. الرجل في الحضيض حقاً، وفان جوخ، الذي سيموت خلال أشهر، لا يصرف نظره عن ذلك للحظة. ومع ذلك يصر، ضد كل ذلك، أن شيئاً في هذا الرجل لا يمكن كسره. أن الحزن ليس الفصل الأخير. وأن حتى هنا، في أدنى نقطة يمكن أن تصل إليها حياة، الأبدية ليست بعيدة بل قريبة، عند البوابة مباشرة. إنه أمر مذهل أن ترسم هذا بينما حياتك أنت تتفكك: رجل لديه كل الأسباب لليأس، ينظر مباشرة إلى الألم ويعلن أنه لن ينتصر…

المجتمعات الفارغة معرفياً وعلمياً كمجتمعاتنا العربية، والتي تم سحقها واستلابها وحرمانها من أبسط حقوقها وحاجاتها، يمكن أن تتفش
المجتمعات الفارغة معرفياً وعلمياً كمجتمعاتنا العربية، والتي تم سحقها واستلابها وحرمانها من أبسط حقوقها وحاجاتها، يمكن أن تتفشى وتنتشر فيها كل الأمراض والعلل والخطايا الكبرى والصغرى، وكل ما هو بعيد كل البعد عن العقلانية والحكمة والمسؤولية والوعي الفعال..

يُقدّم نور الدين في كتابه قراءة نقدية حادة للموقف التركي الرسمي. ففي نظر الكاتب، كشفت معركة «طوفان الأقصى» عن حجم التناقضات البنيوية في السياسة التركية، فهي الدولة التي ترتبط بتحالفات استراتيجية مع حلف «الناتو»، ولا تزال تحتفظ بخيوط علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية مع كيان الاحتلال. وفي الوقت نفسه، تقف أمام رأي عام تركي واسع وعميق التعاطف مع القضية الفلسطينية. هذا «الشد العكسي» بين متطلبات الارتهان للغرب وبين ضغوط الشارع، وضع أنقرة في مأزق أخلاقي وسياسي لم تنجح في الخروج منه بأقل الأضرار. ويتميّز العمل بكونه مرجعاً توثيقياً، إذ يضجّ بالوثائق والترجمات الحصرية من وسائل الإعلام التركية، مما يتيح للقارئ العربي الوصول إلى «المطبخ السياسي» التركي وفهم كيف تُصاغ المواقف بعيداً عن الشعارات. من جانبٍ آخر، يرى نور الدين أن معركة «الطوفان» كانت الحدث الأهم منذ عام 1948، ليس فقط لنجاح المقاومة في اختراق الحصون، بل لأنها أثبتت أن تحرير فلسطين ممكن إذا ما توحدت القوى الحية في الأمة.

photo content

فبعد مراقبة أفعال إدارة ترامب، بدأ حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها التجاريون يعبّرون عن مخاوف بشأن الفصل بين السلطات، وسيادة القانون، وتنامي الفساد في الولايات المتحدة. وعلى مدى قرون، كانت كل عملة دولية واحتياطية رئيسية - ليس الدولار فحسب، بل الجنيه الإسترليني البريطاني في القرن التاسع عشر والغولدن الهولندي في القرن الثامن عشر- عملة لديمقراطية أو جمهورية. لكن مع سعي الرئيس ترامب إلى إقالة أعضاء في الاحتياطي الفيدرالي يرفضون تنفيذ رغباته، وإلغاء عقود لمشروعات طاقة الرياح التي لا يحبذها، واستهداف خصومه السياسيين بالملاحقة القضائية، بدأ الأجانب يتساءلون عما إذا كان هذا لا يزال ينطبق على أمريكا. والأمر لا يتوقف عند ذلك. فكل عملة دولية رئيسية كانت مدعومة أيضًا بمؤسسة مالية قوية محصّنة من التدخلات السياسية. إن التهديدات المتواصلة من إدارة ترامب ضد محافظة الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، إلى جانب تاريخ ترامب في مهاجمة البنك المركزي، أثارت قلق المستثمرين ودفعتهم إلى التساؤل عما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيحتفظ بالاستقلالية اللازمة ليكون وصيًا موثوقًا على قيمة الدولار. وإذا فشل الاحتياطي الفيدرالي في ذلك، فقد يفقد الدولار جزءًا من قيمته، الأمر الذي سيقوّض بصورة أكبر دوره العالمي. التحالفات الأمريكية والدولار ثم هناك شكوك بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بتحالفاتها الدولية، مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو معاهدة الدفاع المشترك التي تربط الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وتاريخيًا، كانت الدول تحتفظ بعملات شركائها في التحالفات وتستخدمها وتدعمها. فالحلفاء عملاء أيضًا. إن شراء الديون الأمريكية يمثل نوعًا من إظهار حسن النية والتقدير للشركاء، كما فهم الملك فيصل عام 1974. وفي ستينيات القرن الماضي، عندما بدأ الرابط الثابت بين الدولار والذهب يتعرض للضغوط، كانت البنوك المركزية وحكومتا ألمانيا الغربية واليابان هما اللتان احتفظتا بالدولار ودعمتاه، بالنظر إلى أن الولايات المتحدة كانت تنشر قواتها على الأرض في البلدين وتوفر لهما مظلتها النووية. وفي الآونة الأخيرة، احتفظ البنكان المركزيان في اليابان، بنحو 1.12 تريليون دولار، وكوريا الجنوبية، بنحو 135 مليار دولار، بحصة من احتياطياتهما بالدولار أكبر مما كان يمكن توقعه بالنظر إلى حجم علاقاتهما التجارية والمالية مع الولايات المتحدة. ولا شك في أنهما يعيدان الآن التفكير في هذا الاعتماد. والأمر نفسه ينطبق على مسؤولين أوروبيين مثل رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، التي شددت على حاجة أوروبا إلى أن تصبح أكثر اعتمادًا على نفسها ماليًا ونقديًا، وهي عبارة تعني عمليًا تقليل الاعتماد على الدولار والولايات المتحدة. أوروبا والصين تتحركان لا يزال أنصار الدولار يحاولون إثبات أنه لا بديل عن الدولار. لكن أوروبا والصين تعملان بأقصى سرعة ممكنة لمعالجة هذا النقص. فأوروبا تمضي قدمًا في مشروع اتحاد أسواق رأس المال، الهادف إلى إنشاء سوق مركزية لرأس المال في الأوراق المالية المقوّمة باليورو، من أجل تقليل العوائق والسماح بتدفق الأموال بحرية أكبر. أما الصين، فتعمل على توسيع نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود القائم على الرنمينبي، بهدف منافسة البنوك الأمريكية الكبرى والدولار. إنهما تتصرفان كما لو أنه لا يوجد وقت لإضاعته. وبناءً على المعطيات الحالية، فهما على حق. * الصورة أيضا منشورة مع المقال.

"الملك دونالد يُطيح بالدولار عن عرشه".. ننقل هنا الترجمة الكاملة للمقال الذي نشر اليوم لمن يعنيه التفصيل، والفكرة لمن يكفيه العنوان. الدولار هو عنصر القوة الأهم بيد أمريكا، بل سيفها الأقوى، وهو الذي يتيح لها فرصة العربدة هنا وهناك عبر العقوبات. ولأن استعماره كان نتاج ميزان قوىً دوليّ لم يَعد قائما، فإن المنطق يقول إن عليه أن يتنحّى عن "عرشه". هنا الترجمة الكاملة للمقال المنشور اليوم في "نيويوك تايمز"، بقلم باري آيشنغرين، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا: الدولار هو عملة العالم، وليس عملة أمريكا فحسب. فهو وحدة الحساب التي تُسعَّر وتُسوّى بها معظم المعاملات العابرة للحدود في العالم. ونحو 89% من معاملات الصرف الأجنبي العالمية تتم بالدولار. كما أن ما يقرب من 60% من احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية، من بكين إلى زيورخ، محفوظة في صورة ودائع مصرفية وأوراق مالية للخزانة الأمريكية مقوّمة بالدولار. وبعبارة أخرى، فإن الدولار هو اللغة المشتركة للأسواق المالية الدولية. لكن هذا الوضع قائم في الوقت الراهن فقط. السؤال البالغة قيمته40 تريليون دولار هو: هل سيستمر هذا الوضع المريح؟ لقد أعادت الاضطرابات الأخيرة في سوق سندات الخزانة الأمريكية طرح مسألة ما إذا كانت الأوراق المالية المقوّمة بالدولار، والتي اعتُبرت طويلًا محصّنة تقريبًا من المخاطر ومقاومة للتدخلات الحكومية، فضلًا عن كونها آمنة وسائلة، لا تزال فعلًا تتمتع بدرجة الأمان والسيولة التي اعتادت البنوك المركزية والمستثمرون من القطاع الخاص توقعها. والمشكلة هنا ليست ناجمة عن عوامل السوق، وإنما عن تهديدات إدارة ترامب للمؤسسات السياسية والمالية، داخل الولايات المتحدة وخارجها على حد سواء. الشكوك بشأن قدرة الدولار على الاستمرار ليست جديدة تمامًا. فمنذ نصف قرن بالضبط، أي في عام 1976، أعلن الاقتصادي النقدي البارز وأستاذ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، تشارلز كيندلبرغر، أن الدولار «انتهى» كعملة دولية. كان كيندلبرغر يرد على قرار الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1971 التخلي من جانب واحد عن معيار الذهب، أي الرابط الثابت بين الدولار والذهب. وقد أدى ذلك إلى إغلاق ما كان يُعرف بـ"نافذة الذهب" التابعة للاحتياطي الفيدرالي، والتي كانت تتيح للحكومات والبنوك المركزية الأجنبية استبدال ما لديها من دولارات بالذهب بسعر ثابت يبلغ 35 دولارًا للأونصة. وأفضى ذلك في نهاية المطاف إلى نهاية نظام بريتون وودز، وهو النظام الذي أُقيم بعد الحرب العالمية الثانية وقام على أسعار صرف مرنة مرتبطة بالدولار. لكن، على نطاق أوسع، كان مراقبون مثل كيندلبرغر يشعرون بالقلق من الضغوط التي مارسها نيكسون على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي آرثر بيرنز لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة، بهدف مساعدة الرئيس في مسعاه لإعادة انتخابه. كما أثار قلقهم تسارع التضخم في الولايات المتحدة وفضيحة ووترغيت، التي ألحقت ضررًا بصورة الإدارة الأمريكية والولايات المتحدة في نظر العالم. كان البروفيسور كيندلبرغر مخطئًا، بطبيعة الحال. فهيمنة الدولار نجت من تلك الأزمة، واستمرت يومًا آخر، أو بعبارة أدق، خمسين عامًا أخرى وما زالت مستمرة. لماذا نجا الدولار آنذاك؟ التفسير يبدو واضحًا الآن، بالنظر إلى الماضي. فقد تمكنت المؤسسات السياسية الأمريكية من مواجهة تحدي ووترغيت. واجه نيكسون خطر العزل الوشيك واضطر إلى الاستقالة. أما خلفه الديمقراطي، جيمي كارتر، فعين رئيسًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي شخصية شديدة الاستقلالية ومعادية للتضخم، هو بول فولكر. وتجاهل كارتر تحذير مستشاره بيرت لانسمن أن هذه الخطوة قد تهدد فرصه في إعادة انتخابه. وبالفعل، رفع فولكر أسعار الفائدة إلى مستويات بلغت 20%، وخسر كارتر، بدوره، انتخابات إعادة انتخابه. لكن بحلول منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كان التضخم الذي تجاوز 10% قد أصبح من الماضي، وحلت قوة الدولار محل الضعف المزمن الذي كان يعاني منه. وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة تستخدم نفوذها الجيوسياسي وتحالفاتها لتشجيع الدول الأخرى على إجراء معاملاتها التجارية بالدولار. ففي عام 1974، وبعد الصدمة النفطية الأولى التي أحدثتها منظمة أوبك، سافر وزير الخزانة الأمريكي ويليام سايمون إلى السعودية بهدف الحصول على موافقة الملك فيصل على استثمار عائدات المملكة من صادرات النفط بالدولار، مقابل استمرار حصولها على الأسلحة والدعم العسكري الأمريكي. وفي عام 1977، وعد خليفة سايمون، دبليو. مايكل بلومنثال، بمساعدة السعودية على الحصول على حقوق تصويت أكبر في صندوق النقد الدولي، مقابل التزامها بتسعير النفط بالدولار. وكما أقر كيندلبرغر في نهاية المطاف، لم يكن هناك بديل للدولار. فلم تكن هناك عملة أخرى قادرة على أداء دور الوسيط في المعاملات العابرة للحدود على هذا النطاق الهائل. ربما أصبح هناك بديل الآن لكن الآن، وأخيرًا، هناك سبب يدعو إلى الاعتقاد بوجود بديل.

الشاهدة على جرائم الغزاة؛ الشهيدة بحرب إبادتهم؛ الإستشهادية في مقاومتهم، حتى وإن أزالوها عن خارطتهم، فتلك إبادة ورقية، تجعلهم وقراهم مجرد أرقام، خمسون، ستون سبعون قرية وبلدة، ربع مليون مهجَّر منها وعنها، مئة ألف وحدة سكنية، كذا مليار دولار لإعادة الإعمار، وإنقاذها من الإندثار، وإذا اندثر النسيج العمراني والاجتماعي فقد نعيد إلى المكان أهله، وإلى الأهل مكانهم، ولكن كيف نعيد زمانهم؟ في وطن يفتشون فيه عن مكانهم، ويفقدون هويتهم المكانية والزمانية، في وطنٍ مبتور الجنوب، ليس لدى سلطته عاطفة المكان ولا هواجس الزمان، ولا يدري معظمه ما “وجع المكان” عندما يكون هو البيئة المادية التي تتنفس إعادة استيلاد الأمكنة، وترميم الأزمنة، واستعادة الذاكرة المكانية ولملمة بقايا شتاتها من براثن أولاد الشتات، ليعود من يعود، ولكن إلى ماذا يعود؟ ومتى يعود؟ ولسان حاله واحد: “يروح كل شي المهم تبقى الأرض”. *** “يا صاحب الأرض ثبّت جذوركَ  في التراب فأنت باقٍ ها هنا الأرض أرضكَ يا فتى هذه البلاد بلادنا هم جهلةٌ لا يعلمون بأن وطنك خالدٌ فأصمد ورابط واحتسب إنا وراءك كلّنا”. Continue reading at جبل عامل بين نكبتين.. إزالة المكان وإبادة الزمان | 180Post

-المرحلة الثالثة تجريف الركام في عين المكان من حيّز إلى حيّز، ومن ثَمّ تقليب التراب رأساً على عقب بما يوجد سطحاً جديداً كلياً، وهو ما تحدث عنه جوزف شومبيتر(1883-1950) في نظرية “التدمير الخلاق” التي “تدمّر الهيكل القديم بلا توقف، وتخلق هيكلًا جديدًا بلا توقف” لضرب الواقع الحضري، وبتوحش غير مسبوق في تاريخ الإبادات الجماعية، أتت على ما تبقّى منها، فاستشهدت كلها في مجزرة واحدة، “مجزرة البيوت” التي تشكل الضيعة، واستشهدت الضيعة وأخواتٌ لها في “مجازر الضيع”، ومنها من لا تزال كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة، تقاوم الغارات أو تستشهد ومنها من تنتظر من يحرّر وما بدّلت تبديلا. -القرية لغةً هي “كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ للإقامة والجمع”. -الضيعة في لغة العرب هي “الأرض المشتملة على غلة ونتاج”. -البلدة اصطلاحاً “تجمع سكاني بشري أكبر من القرية وأصغر من المدينة”. هذه الركائز الثلاث هي المكوّن الديموغرافي في جبل عامل، وفي الثلاث جماعة جمعتهم الجغرافيا والتاريخ، وصهرتهم الافراح والأتراح؛ نبتوا “كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة”، تعاهدوا بلا تعاهد، على العيش معاً، والموت معاً، في عين المكان، فمن فوّض غيرهم أمر التفاوض عليها باسمهم؟ هم سابقاً المالكون والقاطنون، وهم لاحقاً المهجّرون الهائمون على وجوههم في أربع جهات الوطن، مسكونون بهاجس العودة قبل الموت، وأبناؤهم هم الملتحمون المجبولون بأديمها، وبعضهم لا تزال أشلاؤه في طرقاتها وبيوتاتها، فيها رفات الأهل، وأجداث الأجداد، وأجداد الأجداد؛ فيها ما ليس في غيرها من حيوات؛ فيها حجارتها الصخرية التي نحتها الجدود من صخورها، وجعلوها صالحة لبناء بيوتها، ونقلوها على الجمال لثقلها، كي يوصلوها الى مستقرها، لتكون كما هم، حيث يجب أن تكون، وتلك عملة نادرة، بل مستحيلة في زماننا، وقد جاء “مارشال ماكلوهان”(1911-1980) بعدهم في الأربعينيات ليقول بنظرية “كل وسيلة هي امتداد للانسان”، والقرى ليست محض وسيلة للحياة، بل هي امتداد للأنسنة المفقودة عند مستبيحها، كما الحجارة التي هي روح زمان يُباد، كما الأشجار المعمّرة منذ مئات السنين، التي حفرت جرافات الإبادة خنادق حولها كي تستطيع اقتلاعها، لتُنقل مقيّدة كالأسرى، وتُزرع في تراب فلسطين، كما يُنقل الدم من جسمٍ إلى آخر، وكذا المكتبات والمخطوطات، المساجد والحسينيات، المقامات الدينية والمعتقدات، بُرَك الماء المستديرة والطرقات، الأدراج القديمة والساحات، الأواني العتيقة والأغراض، المتاع وعدة الفلاح، أشكال البيوت، قرميدها القديم. إقرأ على موقع 180  مفاوضات فيينا.. إحياء إتفاق ميت أو إعلان وفاة؟ وما بين البيت والقرية، وشائج قربى وروابط جينية، تجمعهم مروحة عصبيات، أسرية، عائلية، اجتماعية، مجتمعية، أرضية، نفس الهواء، نفس الماء، “ولا يألف الإنسان إلا نظيره/ وكل امرئ يصبو إلى ما يشاكله” حتى الأسواق يتقاسمونها مداورة كل أسبوعٍ سوقٌ في واحدةٍ منها، لكل قرية يوم لسوقها، والكلّ يأتي من الكلّ إلى الكلّ، يبيع ويشتري، يقايض ويبادل، وينافس، عندما لا تكون المنافسة على بقعة جغرافية، ينافسهم فيها الغزاة على البنية التحتية الإدراكية، وفق تدمير ممنهج للمنازل (DOMICIDE)، لكن استهداف النسيج العمراني هنا يرقى إلى الإبادة الحضرية (URBICIDE) ولهذا قد ينزح السكان، لكن قراهم وإن أُبيدت، لا تبارح المكان، لأن بقاءها أقوى من الذين استباحوها، وهي مهما طال الزمان، زمن الإبادة، لا تغيّر إسمها، ولا تبدّل جلدها، وهم لا يريدون فقط “أرض بلا شعب” لا يملكونها. هم يريدون أرضاً لا يملكون في مخيالهم مشاعر نحوها، لا يقيمون في توراتهم علاقة معها، لا ينسجون في تلمودهم روابط مع تاريخها، لا سردية لهم مع تفاصيلها وهويتها. هم كعمال قطاف شجرة الزيتون، لا يعرفون كم مشكلة يعمل صاحبها معهم إذا ما ضربوها بالعصا مهما صغرت، أو كسروا غصناً مهما صغر. لا يدركون كم خصومة نشأت بين أهل الأرض والأقارب وجيرانها على حدودها، حتى على مترٍ هنا وأقلّ منه هناك، لا يعلمون أنها من الحريم، من المحرمات، لا يفهمون أن الأرض ترادف العرض، لا يسألون: “كمّ من شهيدٍ قدّموا أرواحهم من أجل تحقيق اليقين/ يا صاحب الأرض اعتصم فالأرض عرض المتقين”. فالانسان يقاوم كفرد، والضيع تقاوم كجماعة، والمقاوم كالبيت، قد يمسي جريحاً، قد يفقد بعضاً منه، قد يتشظى أشلاء، قد يستشهد، قد يُدفن، كله أو بعضه، وقد يبقى مفقود الأثر، لكن الضيعة تقاوم بكل ما فيها، وتضحّي بكلّها لتبقى، وهي وإن استشهدت كلها تبقى هي الأثر، كل الناس لها مأتم واحد، تشييع واحد، دفن واحد، قبر واحد، إلا هي، كأهلها في تغريباتهم، لها ولهم أكثر من مأتم وتشييع وأكثر من دفنٍ ومثوى. هي الشاهدة، الشهيدة، الاستشهادية.

جبل عامل بين نكبتين.. إزالة المكان وإبادة الزمان غالب سرحان29/08/2026 نكبات كثيرة مرت على جبل عامل أحدثها ثلاث: نكبة الإحتلال العثماني، نكبة الإستعمار الفرنسي في القرن الماضي، ونكبة الغزو الإسرائيلي الحالي وما يرتكبه في قراه وبلداته على مرحلتين: الأولى عقب اتفاق وقف إطلاق النار لتطبيق القرار الدولي 1701 في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والثانية منذ اتفاق إسلام آباد في 17 نيسان/أبريل الماضي حتى الآن، وبين هذه وتلك، بون شاسع، فلا العثماني بلغ مبلغ الإسرائيلي، ولا الفرنسي، في إبادة المكان والزمان في آن. منذ لعنات النكبات، العثمانية والفرنسية ومعها البريطانية، وجد جبل عامل نفسه أمام لعنة النكبة الفلسطينية، التي تضاهيه إبادةً، بفعل الاسرائيلي في التصاق حدودي أو “الإقتران الهيكلي” (Structural Coupling) الذي حاذى أهل الجنوب محاذاة إسرائيلية برّية، جوّية، بحرية، وهو ما أقامهم أمام خيارات ثنائية ثلاثة: قتل أو تهجير- مواجهة ومقاومة – أو خضوع واستسلام. والحال أن الجنوبي إختار الجمع بين الأول والثاني منجاةً من الثالث؛ تحمّل القتل، وعانى التهجير والتدمير، وتولى زمام المواجهة والمقاومة، بما ملكت يداه، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، عقداً إثر عقد، مع المقاومة الفلسطينية، فاليسارية، فالوطنية، فالإسلامية، ديدنه خلالها خليط القتل والتدمير والتهجير، والصمود والمواجهة والمقاومة، لكنه لم يتعرض للإبادة المكانية، ولا للإبادة الزمانية، كما هو حال قراه الممحية عن المكان والزمان، بالعشرات، ومنازله المزالة عنها بعشرات الآلاف، والمرتكب يفاخر أنه يدمر ويجرف ويزيل “قرى عمرها مئات السنين” كزيتونها، مثلما يفاخر بأنه “الجيش الأكثر أخلاقية” وتلك أولى علامات هزيمته و”كل هزيمة تبدأ بانهيار أخلاقي” كما يؤكد المفكر الإسلامي علي عزت بيغوفيتش(1925-2003). من عادات الحروب أن تستهدف الجيوشُ الجيوشَ المقابلة لها، وجرت عادة الجيوش أن تقتل وتدمّر، ونادراً ما تحولت إلى مبيد بشري، كما هو حال المبيد الإسرائيلي، وقد تكون الإبادة لبيت، لبيوت، لأسرة، لأُسَر، لحيّ، لأحياء،، لكن أن يتفرغ المبيد بعد احتلال الأرض إلى تفريغ سطحها، ويتفضى بعد تهجير سكانها إلى قتل كل ما هو حي وغير حيّ عليها، وتقليب وخلط عاليها بأسفلها، فذاك ما لا يُفهم إلا في إطار الإنتقال من “عقيدة الركام” إلى عقيدة “الإبادة الوجودية”، بما تعنيه من استبدال شعب بآخر، وتبديل عمران باستيطان، وطمس ذاكرة حضارية، لصالح ذاكرة بلا حضارة، وكيّ للوعي الجمعي، لأجل جماعة بلا وعي، ومحو تراث لمن لا تراث له، وبما يطمس الماضي بوأد الحاضر، إعداماً استباقياً للمستقبل، وقد قرر موريس هالبفاكس(1877-1945) في كتاب “الذاكرة الجمعية” أن “الماضي لا يُستعاد كما هو، بل يعاد تشييده انطلاقًا من أطر الحاضر”. لذا نحن أمام مزيل للماضي بما لا يعاد تشييده، وتستحيل استعادته، فهو يبيد بما يتخطى ذريعة الأمني المُعلَن، ويتجاوز العقاب الجماعي للسكان على كل شيء، خياراتهم، انتخاباتهم، نوابهم، بلدياتهم.. إلى كل ما هو نمطي في حياتهم، أجدادهم، ذكرياتهم، عاداتهم، تقاليدهم، علاقاتهم، روابطهم، بما يفككها تفكيكاً أبدياً حدّ الإندثار، هو يريد أن يكوي الفكرة، ليس فقط فكرة المقاومة، ولا فكرة العودة إلى أرضهم، بل حتى فكرة أن لهم أرض، لينمو جيل الحاضر بلا أرض، بلا ذاكرة، مقطوع الجذور، مبتور الماضي، ليستحيل جذوراً بلا تراب، يفنيها اليباس، ويصبح التراب البدون جذور أرضاً بورا. وإذا كانت نظرية العمران عند إبن خلدون تقوم في مقدمته على سؤال محوري واحد هو: كيف نُعمِّر الأرض؟ فإن المبيد الإسرائيلي مخلوق لسؤال واحد: كيف نُخرّب الأرض، ولهذا لم يكن إنتقاماً فقط، إقدامه على تلزيم المنطقة لشركات مقاولات خاصة، شركات تخريب، مختصة بالإبادة، استجلبها من دولته العميقة بالتوحش، لكل قرية جرافاتها وكساراتها وآلياتها للهدم وللجرف وللطحن تنفّذ الكارثة على مراحل: -المرحلة الأولى جرف البيوت الباقيات، الناجيات من الغارات، بعد إباحتها لهم بما فيها من ممتلكات، وفق “مقطوعية” على كل بيت، مبلغاً رخيصاً مثلهم، قيل أنه الف دولار على كل بيت. -المرحلة الثانية إدخال كسّارات إلى كل قرية أو بلدة، تقوم بتكسير المدَمَّر، واستخراج الحديد منه؛ حديد الأسقف، والجدران الخرسانية وغيرها..