مُسْكَة | جهاد الخُزاعي
Открыть в Telegram
شذرُ المعقول ومذرُه... وقلمُ الرصاص وخربشتُه
БольшеСтрана не указанаКатегория не указана
1 235
Подписчики
-124 часа
+57 дней
+8830 дней
Загружаем данные
Похожие каналы
Нет данных
Возникли проблемы? Пожалуйста, обновите страницу или обратитесь к нашему support-менеджеру .
Облако тегов
Нет данных
Возникли проблемы? Пожалуйста, обновите страницу или обратитесь к нашему support-менеджеру .
Входящие и исходящие упоминания
---
---
---
---
---
---
Привлечение подписчиков
октябрь '26окт. '26
октябрь '26
+90
в 8 каналах
сентябрь '26
+92
в 8 каналах
Get PRO
август '26
+83
в 5 каналах
Get PRO
июль '26
+1 039
в 4 каналах
| Дата | Привлечение подписчиков | Упоминания | Каналы | |
| 17 октября | 0 | |||
| 16 октября | +5 | |||
| 15 октября | 0 | |||
| 14 октября | 0 | |||
| 13 октября | +5 | |||
| 12 октября | 0 | |||
| 11 октября | +1 | |||
| 10 октября | +4 | |||
| 09 октября | +6 | |||
| 08 октября | +8 | |||
| 07 октября | +7 | |||
| 06 октября | +8 | |||
| 05 октября | +41 | |||
| 04 октября | +1 | |||
| 03 октября | 0 | |||
| 02 октября | +3 | |||
| 01 октября | +1 |
Посты канала
جزءٌ من عملٍ سيُنشر قريبًا، إن شاء الله، بعد صدور كتاب "في المناهج" بشهرٍ أو شهرين.
| 2 | برهان الشفاء، ص240، هامش 1302. | 193 |
| 3 | على سبيل المثال: نسخة داماد إبراهيم باشا 822 التي اعتمد عليها الدكتور ذكرت الآتي: | 289 |
| 4 | من طرائف تحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي لكتاب البرهان! 😁
مع أنَّ أغلب المخطوطات التي استعان بها لا يوجد فيها ما أثبته -حسب نظري فيها، فهَبْ أنَّه موجودٌ في إحداها، فعلى أيِّ أساسٍ رجَّح هذه القراءة على ما اتَّفقت عليه سائر المخطوطات؟ ولِمَ لم يُعلِّق على هذا الترجيح بشيء؟ | 290 |
| 5 | في كلام الدواني في نهاية الكلام، وما قرَّره الأحمد نكري في دستور العلماء، ما يلتقي مع جوابي في أصل المسلك، وإن لم يكن مطابقًا له من كل وجه، ولا سيما في تحرير جهة الدور وتعيين الحيثية التي تمنع تمام الحكاية. | 362 |
| 6 | غير أنَّ هذا الجواب لا يقوم على مجرَّد تعريف القضية بأنَّها ما يحتمل الصدق والكذب، ثم نفي كون الجذر الأصم قضيةً لتعذر اتصافه بهما، فإنَّ ذلك لا يعدو أن يكون إعادةً للإشكال بعبارة أخرى، وإنَّما مبناه أنَّ توقف تعيّن جهة المطابقة والمخالفة على الحكم نفسه الذي يطلب تعيين صدقه يمنع تمام الخبر إذا لم توجد جهة مستقلة يرتفع بها الدور، فليس انتفاء الصدق والكذب هو العلة التي نثبت بها انتفاء الخبرية، بل انتفاء تمام الخبرية هو العلة التي نفسِّر بها عدم جريانهما على العبارة، والفرق بين الأمرين أنَّ الأول مصادرة على المطلوب، والثاني تحليل لما يتوقف عليه تحقق القضية.
وأما ما يقال من أنَّ فرض صدق الجذر الأصم يستلزم كذبه، وفرض كذبه يستلزم صدقه، فليس في ذلك إثبات لاجتماع النقيضين في نفس الأمر، وإنَّما فيه بيان فساد إجراء هذين الفرضين عليه مع التسليم بجميع الأحكام المقررة للصدق والكذب، فإنَّ تعذّر الحكم عليه بأحدهما مع المحافظة على هذه الأحكام يدل على امتناع اجتماع الفروض التي أوجبت الإشكال، ولكنَّه لا يعيّن وحده أيَّ الفروض يجب إسقاطه، والذي أختاره هو أنَّ الفرض الفاسد هو التسليم بتمام الخبرية قبل ثبوتها، مع أنَّ تعيّن جهة المطابقة والمخالفة فيها لم يثبت، وهذا الاختيار متوقف على الأصل المتقدم، لا على مجرد حصول التناقض عند فرض الصدق أو الكذب.
فالحاصل أنَّ الجذر الأصم ليس عندي قضيةً خبريةً تامة، وإن كان في صورة القضية، لأنَّ ما يتضمنه من الحكم على نفسه بالكذب لا ينتهي إلى محكيٍّ عنه متعيّن من جهة ما به تتقرر المطابقة والمخالفة، بل يدور تعيّن محكيّه على تعيّن صدق الحكاية وكذبها، ويدور تعيّن صدقها وكذبها على ذلك المحكيّ نفسه، من غير حيثية مستقلة تصحح الحمل ويرتفع بها الدور، فلا حكاية تامة وإن وجدت صورتها في اللفظ والتركيب، وإذا لم تتم الحكاية لم يتحقق الموضوع الذي يعرض له الصدق والكذب، وبذلك ينحل الإلزام من أصله، إذ التناقض لم ينشأ من حقيقة خبرية ثبت لها الصدق والكذب معًا، وإنَّما نشأ من إجرائهما على تركيب لم تثبت له حقيقة الخبر الذي هو موضوعهما.
revospring.net/@ItC0ding/a/117429228708233931 | 378 |
| 7 | ما الجواب الذي ترتضيه على مفارقة الجذر الأصم؟
.
ينبغي أن يُعْلَم قبل ذكر الجواب الذي أرتضيه أنَّ حقيقة القضية الخبرية ليست في كونها تركيبًا لفظيًّا يشتمل على موضوع ومحمول، بل حقيقتها حكاية نسبةٍ عن محكيٍّ عنه، بحيث يمكن اعتبار مطابقتها لما عليه الأمر في نفسه أو مخالفتها له، وليس المراد بالمحكيّ عنه أمرًا موجودًا في الخارج بالضرورة، وإلَّا لزم انتفاء الحكاية في القضايا الكاذبة، وإنَّما المراد ما تتعيّن به النسبة المحكية، ومن ثم فإنَّ الصدق والكذب ليسا وصفين يعرضان لكل تركيب لفظي ذي صورة خبرية، بل يعرضان للحكاية التَّامة التي تقرَّرت لها جهة المطابقة والمخالفة.
وإذا كانت القضية حكايةً عن حكاية أخرى، فلا بُدَّ أن ينظر في جهة حكايتها، فإن كانت الحكاية الثانية متعلقةً بصدق الحكاية الأولى، وكان للأولى مضمون متعيّن يمكن اعتبار مطابقته ومخالفته استقلالًا عن الثانية، لم يلزم محذور، فلو قيل: زيد قائم، ثم قيل: هذه القضية صادقة، كانت الثانية حكايةً عن صدق الأولى، وكانت الأولى حكايةً عن نسبة قيام زيد، وهي نسبة يتقرر أمرها من غير توقف على صدق الحكاية الثانية، وإنَّما الإشكال فيما إذا لم يكن للمحكيّ عنه تعيّن إلَّا من جهة الحكاية التي يفترض أنَّها تحكي عنه، بحيث يتوقف تعيّن المحكيّ على تمام الحكاية، ويتوقف تمام الحكاية على تعيّن المحكيّ، من غير حيثية مستقلة يرتفع بها الدور، وعلى هذا ينبغي فهم انتهاء الحكاية إلى محكيٍّ عنه بالذات، فليس المقصود أنَّ كل حكاية عن حكاية تكون حكايةً بالعرض، بل المقصود أنَّ تنتهي جهة تعيّن المحكيّ إلى ما لا يتوقف تعيّنه على صدق الحكاية نفسها أو كذبها.
وهذا بعينه موضع الإشكال في الجذر الأصم، فإنَّ القائل إذا قال، ولم يصدر عنه في ذلك اليوم كلام غيره: كل كلامي في هذا اليوم كاذب، كان كلامه داخلًا في عموم ما حكم عليه بالكذب، ولم يكن متعلق الحكم في هذه الصورة إلَّا الكلام الذي يتضمن ذلك الحكم نفسه، فإذا طلبنا تعيين المحكيّ عنه من حيث جهة صدقه وكذبه، لم نجد إلَّا كذب هذه الحكاية بعينها، وإذا طلبنا تعيين كذبها وجب أن ننظر في مطابقة ما حكت عنه أو مخالفته، وليس ما حكت عنه إلَّا كذبها، فصار تعيّن المحكيّ متوقفًا على تعيّن صدق الحكاية وكذبها، وصار تعيّن صدق الحكاية وكذبها متوقفًا على تعيّن محكيّها، فعادت الحكاية إلى نفسها من غير جهة مستقلة يتقرر بها أمر المطابقة والمخالفة.
وليس المانع هنا مجرَّد اتحاد الحاكي والمحكيّ عنه، فإنَّ الشيء قد يخبر عن نفسه من حيثية مغايرة، ولا يلزم من ذلك محال، فقولنا: هذه الجملة عربية، خبر عن الجملة نفسها، ومع ذلك فهو خبر تام، لأنَّ عربيتها وصف يتقرر لها من جهة ألفاظها وتركيبها، ولا يتوقف ثبوته على صدق الحكم الذي يثبت لها ذلك الوصف، أما في الجذر الأصم فليس المحمول وصفًا يتقرر للعبارة استقلالًا عن الحكم الذي تتضمنه، بل المحمول هو الكذب، وهو وصف لا يتقرر إلَّا باعتبار مخالفة مضمون القضية لما عليه الأمر في نفسه، ولما كان مضمون القضية هو الحكم بكذبها، لم يمكن تعيين جهة المخالفة دون افتراض ما يراد تعيينه، فالحيثية الموجبة للإشكال ليست مطلق رجوع الحكاية إلى النَّفس، وإنَّما هي رجوعها إلى نفسها على وجه يكون به تعيّن صدقها موقوفًا على الحكم بصدقها أو كذبها، من غير وجه آخر يرتفع به الدور.
ولا يكفي الاعتراض بأنَّ هذه العبارة مفهومة، وأنَّ الذهن يدرك مدلول ألفاظها، لأنَّ فهم الألفاظ وإدراك هيئة التركيب شيء، وتمام الخبر شيء آخر، فقد يفهم الذهن الموضوع والمحمول والنسبة المقصودة بينهما، ثم لا تستكمل تلك النسبة شروط الحكاية التي يمكن اعتبار مطابقتها ومخالفتها، كما أنَّ مجرد تأليف الألفاظ على صورة القضية لا يوجب تحقق حقيقتها، فالعبارة في الجذر الأصم مفهومة من حيث أجزاؤها ووجه رجوعها إلى نفسها، لكن هذا لا يثبت أنَّها حكاية تامَّة، فإنَّ المفهوم منها هو عين الرجوع الذي يقع البحث في صلاحيته لتكوين الخبر.
ولا يصح كذلك الاستدلال بامتناع ارتفاع النقيضين على وجوب اتصاف الجذر الأصم بالصدق أو الكذب، لأنَّ هذا الاستدلال إنَّما يتم بعد إحراز أنَّ العبارة قضية خبرية تامة يجري عليها التقابل بين الوصفين، أما أن يستدل بأحكام القضية على ثبوت حقيقتها، فذلك مصادرة على المطلوب، إذ لا يجوز إثبات الموضوع بالحكم الذي لا يثبت إلَّا بعد ثبوت موضوعه، وإذا قيل إنَّ العبارة ليست صادقة، فلا يلزم أنَّها كاذبة، لأنَّ انتفاء الصدق بمعنى عدم تحقق موضوعه غير ثبوت الكذب الذي هو مخالفة الحكاية لما عليه الأمر في نفسه، وليس عدم الاتصاف بالصدق والكذب من جهة انتفاء تمام الخبرية كارتفاعهما عن قضية ثبتت لها حقيقة الخبر. | 319 |
| 8 | قرأت جواب الداماد على معضلة الجذر الأصم، ولم أفهم، فما معنى سنخ الفردية وخصوص الفردية أصلًا التي يبني عليها لحل؟
.
المراد بسنخ الفردية الجهة التي بها يكون الشيء فردًا من طبيعة عامة، وبخصوص الفردية الجهة التي بها يتعين ذلك الفرد دون غيره، فزيد مثلًا إنَّما يكون فردًا من الإنسان من حيث تحققت فيه الطبيعة الإنسانية، لا من حيث اسمه أو لونه أو طوله أو سائر خصوصياته، وإن كانت هذه الخصوصيات مجتمعة فيه في الوجود الخارجي، فكون زيد فردًا من الإنسان اعتبار، وكونه هذا الفرد المتعين اعتبار آخر، وليس اختلاف الاعتبارين موجبًا لتعدد الموجود في الخارج، وإنَّما للعقل أن يلحظ الطبيعة المشتركة من غير أن يدخل في لحاظها ما يخص أفرادها، ومن هنا قرر الميرداماد أنَّ الحكم الوارد على الطبيعة العامة إنَّما يسري إلى أفرادها باعتبار سنخ فرديتها، لا باعتبار خصوصياتها.
ومعضلة الجذر الأصم -كما تعلم- أن يقول القائل: كل كلامي في هذه الساعة كاذب، مع افتراض أنَّه لم يتكلم في تلك الساعة بغير هذه القضية، فإن كانت صادقة لزم أن تكون كاذبة، لأنَّها نفسها فرد من أفراد كلامه المحكوم عليه بالكذب، وإن كانت كاذبة لزم أن تكون صادقة، لأنَّ كذب الحكم بأنَّ جميع كلامه كاذب، مع انحصار كلامه في هذه القضية، يستلزم انتفاء الكذب عنها، فيلزم من صدقها كذبها، ومن كذبها صدقها، مع أنَّ الصدق والكذب لا يجتمعان في نسبة حكمية واحدة من جهة واحدة.
والقضية المذكورة إنَّما تدخل تحت موضوعها، وهو الكلام الصادر من المتكلم في تلك الساعة، من حيث إنَّها فرد من أفراد الكلام، لا من حيث إنَّها هذه القضية المخصوصة التي حُمِل فيها الكذب على جميع كلامه، فإنَّ كونها فردًا من الكلام لا يتوقف على خصوص محمولها، إذ لو حمل المتكلم على كلامه محمولًا آخر، مع بقاء العبارة كلامًا صادرًا منه في الوقت نفسه، لم تخرج بذلك عن كونها فردًا من كلامه، فكون القضية كلامًا أمر، وكونها قضية مخصوصة محمولها الكذب أمر آخر، والأول هو المعتبر في اندراجها تحت الموضوع، والثاني من الخصوصيات التي تتعين بها تلك القضية دون غيرها.
وليس المراد بعزل النظر عن خصوص المحمول حذفه من القضية حتى تصير مجرد موضوع لا يقبل الصدق والكذب، وإنَّما المراد أنَّ دخول القضية تحت طبيعة الكلام يصح اعتباره من غير أن نجعل خصوص المحمول معيارًا لهذا الدخول، فالقضية واحدة بمجموع أجزائها، ولكن العقل يلحظها تارة من حيث إنَّها كلام صادر في ساعة معينة، وتارة من حيث إنَّها حكم مخصوص ينسب الكذب إلى جميع كلام المتكلم، والاعتبار الذي به تدخل تحت عنوان الكلام غير الاعتبار الذي به تتشخص بمحمول الكذب، وإن كان الاعتباران متعلقين بشيء واحد.
وعلى هذا يقرر الميرداماد أنَّ سريان الحكم بالكذب من عنوان الكلام إلى القضية إنَّما يكون باعتبار سنخ فرديتها للكلام، وأما استلزام صدق القضية لكذبها وكذبها لصدقها فإنَّما ينشأ من خصوص المحمول الذي تتعين به، فجهة سريان الحكم غير جهة نشوء الاستلزام المتقابل، ومن ثم يرى أنَّ تقرير المعضلة قد جمع بين اعتبارين مختلفين، ثم رتب على اجتماعهما لزوم التناقض، فليس مراده إنكار دخول القضية تحت موضوعها، وإنَّما منع الانتقال من هذا الدخول إلى التناقض من غير مراعاة اختلاف الجهة التي بها تكون فردًا من الكلام والجهة التي بها تتعين بمحمولها.
revospring.net/@ItC0ding/a/117413058619594479 | 511 |
| 9 | فالحاصل أنَّ في المسألة ثلاث جهات ينبغي الفصل بينها: جعل اللفظ بحذاء المعنى، والاعتبار العقلي للمعاني، وجعل نفس الماهية ومقوماتها، فأما الأول فثابت بالاصطلاح والتواطؤ، وأما الثاني فثابت من حيث إنَّ العقل يعتبر المعاني بحسب الجنسية والفصلية والنوعية ونحوها، غير أنَّ لهذه الاعتبارات منشأ في الأشياء، وأما الثالث فباطل في الحدود الحقيقية، لأنَّ ماهيات الأشياء لا تحصل بمجرد إرادة الحاد، ولا تتبدل بتبديل الألفاظ والاعتبارات.
وعليه فإنَّ قولنا الحدود جعلية صحيح إن أريد به أنَّ ألفاظها موضوعة باختيار البشر، وأنَّ في ترتيبها واعتبار أجزائها فعلًا للذهن، وباطل إن أريد به أنَّ مقومات الماهيات وعللها تصير كذلك بسبب وضعنا واختيارنا، فالحد الحقيقي ليس جعليًّا من جهة الماهية التي يكشف عنها، وإن كان جعليًّا من جهة الألفاظ التي جعلت علامات عليها، ولنا أن نختار بأي لفظ ندل على الطبيعة إجمالًا، وبأي ألفاظ ندل عليها تفصيلًا، وليس لنا، إذا أردنا الحد الحقيقي، أن نختار ما تكون عليه تلك الطبيعة، فالوضع يتعلق بالدال ولا ينشئ المدلول، والذهن يكشف الماهية ويفصلها في التصور، ولا يجعلها ما هي عليه. | 464 |
| 10 | وبهذا يتضح معنى القول إنَّ الحد والمحدود شيء واحد، فلا يراد أنَّ الأصوات المؤلفة من قولنا حيوان ناطق هي عين الإنسان الموجود في الخارج، وإنما المراد أنَّ الماهية التي يدل عليها الحد ليست شيئًا آخر غير ماهية المحدود، فالاختلاف بين اللفظ والمحدود اختلاف الدال والمدلول، وأما المحدود مأخوذًا من حيث ماهيته والمعنى الذي يكشف عنه حده فهما واحد من جهة الحقيقة، ولذلك فالذي يعلم الإنسان باسمه ثم يطلب حده لا يطلب حقيقة ثانية وراءه، وإنما يطلب المعرفة المتميزة بما كان يعرفه معرفة مجملة، ويمكن من أجل ذلك أن نعرف أشياء كثيرة بأسمائها مع جهلنا بحدودها، إذ لا يلزم من المعرفة المجملة بالمحدود أن نستنتج حده بالضرورة، فمعرفة الاسم قد توجه البحث إلى الماهية، ولكنها لا تكفي وحدها لتحصيل المعرفة المفصلة بها.
وهذا يكشف خطأ تصور الحد كأنَّه صناعة يركب فيها العقل معاني مستقلة ثم يجعل المركب ماهية للشيء، فإنَّ أجزاء الحد، كالجنس والفصل، وإن تعددت في القول، لا تؤخذ فيه من حيث هي كثرة متفرقة، بل من حيث اجتماعها في تقويم طبيعة واحدة، فالحيوان والناطق في حد الإنسان ليسا شيئين ألصقهما العقل أحدهما بالآخر حتى أنشأ منهما الإنسان، وإنما هما تفصيل لما هو واحد في المحدود، ولهذا لا يجري بينهما استنتاج من قبيل: هو حيوان، إذن هو ناطق، لأنَّ الحيوانية وحدها لا تستلزم النطق، وإنما يجتمع الجنس والفصل في الحد للدلالة على ماهية واحدة، فالحد ليس قياسًا مؤلفًا من قضايا يؤدي بعضها إلى بعض، بل تصور مفصل تستقر به النفس على معرفة ما هو الشيء.
وعلى هذا ينبغي الاحتراز في قولنا إنَّ العقل جعل هذا جنسًا وهذا فصلًا، فإن أريد أنَّ العقل يعتبر المعنى من حيث الاشتراك فيأخذه جنسًا، ومن حيث التمييز فيأخذه فصلًا، فهذا صحيح من جهة النظر والاعتبار، أما إن أريد أنَّه يجعل ما ليس داخلًا في الماهية داخلًا فيها، أو يجعل ما ليس مقومًا مقومًا بمجرد الاختيار، فباطل، وهنا يجب التفريق بين المعاني الأولى وما يعرض لها من الاعتبارات المنطقية، فالإنسان والحيوان لا يصيران موجودين لأنَّ العقل فكر فيهما، وأما أخذ الحيوان من حيث هو جنس، والإنسان من حيث هو نوع، فاعتبار يعرض للمعاني عند ملاحظة نسب بعضها إلى بعض، فالجنسية والنوعية والفصلية من هذه الجهة أمور ذهنية، غير أنَّ الذهن لا يوقعها كيف اتفق، بل لا بد لها من منشأ في المعاني المعتبرة، لأنَّ الاعتبار العقلي لا ينشئ المقومات، وإنما يميزها بحسب ما هي عليه.
ومن هنا يتبين أنَّ الحد ليس المنهج الذي نكتشف به الماهية، بل غاية ذلك المنهج وثمرته، فقد يحتاج الذهن إلى التحليل والبرهان والفحص حتى يهتدي إلى الحد المجهول، ولكن لا ينبغي أن يختلط طريق اكتشاف الحد بالحد نفسه، فإنَّ البرهان حركة للفهم من معلوم إلى مجهول، وأما الحد بعد تحصيله فسكون إلى تصور الماهية بلا انتقال استدلالي، وكوننا نستخرج الحد بعمل ذهني لا يستلزم أنَّنا ننشئ الماهية بذلك العمل، كما أنَّ إقامة البرهان من فعل المبرهن، ولكن العلة التي يكشفها البرهان ليست موجودة لأنَّه اختارها، فقد يكون طريق الوصول إلى الحقيقة من فعلنا، مع أنَّ الحقيقة نفسها ليست من فعلنا.
ويتأكد ذلك في حدود الأعراض التي لها علل، فإنَّ الحد التام فيها لا يحصل بمجرد جمع أوصاف نختارها، بل يتم بذكر العلة التي بها يكون العرض في موضوعه، فالخسوف لا يحد تامًّا بمجرد قولنا انعدام ضوء القمر، بل يتم الحد بذكر علته، وهي توسط الأرض، ولهذا يكون الحد التام للعرض والبرهان واحدًا من جهة المعاني التي يتألفان منها، وإن اختلفا من جهة الصورة وترتيب الحدود، فما كان حدًّا أوسط في البرهان يدخل في الحد التام جزءًا متممًا له، وليس توسط الأرض علة للخسوف لأنَّ الحاد جعله كذلك، بل لما كان هو السبب الذي به يحصل الخسوف وجب أن يدخل في العلم التام به، فإن وضعنا مكانه أمرًا أجنبيًّا لم نحصل حدًّا آخر مساويًا للأول، وإنما نكون قد أخطأنا في الحد، وهذا يبين أنَّ مضمونه العلمي تابع لعلل الأشياء، لا لاختيار الحاد.
وعلى هذا ينبغي فهم الحد الاسمي أيضًا، فإنَّ وضع اللفظ بحذاء معنى مخصوص لا يثبت أنَّ مدلوله موجود في الخارج، ولا أنَّ ما تصورناه هو الماهية التامة للشيء، فقد نفهم ما يراد باسم الخسوف قبل أن نعلم هل وقع الخسوف، وقد نعرف معنى الاسم مع جهلنا بعلة مدلوله، فالوضع يعين ما نريد باللفظ، ولا يثبت وجود المدلول أو الإحاطة بمقوماته وعلله، ومن ثم كان الجعل أوسع مجالًا في شرح الاسم منه في الحد الحقيقي، لأنَّ واضع الاصطلاح يستطيع تعيين المعنى الذي يريد الدلالة عليه، أما إذا انتقل السؤال من مراد المتكلم بالاسم إلى حقيقة الشيء الذي يدل عليه، خرجنا من مجال الوضع المحض إلى البحث عن الواقع. | 412 |
| 11 | هل الحدود أمور جعلية وضعية تابعة لإرادة الإنسان؟
.
لا يحسن أن يجاب عن هذا السؤال بإطلاق، لأنَّ الحد يمكن أن ينظر إليه من جهات مختلفة، فقد يراد به الألفاظ التي نعبّر بها عن الماهية، وقد يراد به المعاني التي تدل عليها تلك الألفاظ، أو ترتيب تلك المعاني من جنس وفصل، أو نفس الماهية التي يكشف عنها الحد، والجعل ثابت في بعض هذه الجهات دون بعض، ومن عدم التمييز بينها ينشأ الاضطراب في المسألة.
فإذا أريد بالحد الحقيقي ما يدل على ماهية الشيء ويكشف عما هو عليه في ذاته، لم يكن جعليًّا بمعنى أنَّ الحاد يضع للشيء ماهيته أو ينشئ مقوماته بإرادته، فالحد ليس معنى مخترعًا يلحقه الذهن بالمحدود، بل هو المحدود نفسه مأخوذًا على جهة المعرفة المتميزة المفصلة، بعد أن كان مأخوذًا على جهة المعرفة المجملة، وبيان ذلك أنَّ الشيء الواحد يمكن أن يعرف أولًا معرفة مجملة، كما نعرف الإنسان باسمه من غير أن تتميز عندنا أجزاؤه الذاتية، ثم يعرف معرفة متميزة بإدراك ما تتقوم به حقيقته، فنقول: حيوان ناطق، وليس الإنسان في الحال الثانية شيئًا غير الإنسان في الحال الأولى، ولا الماهية شيئًا زائدًا في الواقع على الشيء الذي هي ماهيته، وإنَّما الاختلاف في جهة المعرفة، فالاسم يدل على الشيء مأخوذًا بإجمال، والحد يدل عليه مأخوذًا بتمييز.
ومن هنا يظهر أنَّ ماهية الإنسان ليست حيوانًا ناطقًا لأنَّ الذهن جعلها كذلك، وإنما صح هذا الحد لأنَّه يكشف عما تتقوم به حقيقته، ولو كانت الماهيات تحصل بجعل الحاد، لأمكنه أن يجعل الإنسان حيوانًا غير ناطق، أو أن يدخل البياض في حقيقته، أو يخرج الحيوانية منها، وحينئذ يبطل الفرق بين الحد الصحيح والفاسد، إذ لا تبقى وراء اختيار الحاد حقيقة يقاس بها قوله، ولكن لما كان الحد قد يصيب وقد يخطئ، دل ذلك على أنَّ له معيارًا غير تابع لإرادتنا، وهو حقيقة المحدود نفسه.
غير أنَّ هاهنا جهة يصح فيها إطلاق الجعل، وهي أنَّ الطبيعة المحدودة لا تقتضي لفظًا مخصوصًا بعينه يدل عليها، فالطبيعة الإنسانية لا تقتضي أن تكون الأصوات التي تدل عليها إجمالًا هي الحروف التي تألف منها لفظ الإنسان، ولا أن تكون الأصوات التي تدل عليها تفصيلًا هي الألفاظ التي تألف منها قولنا حيوان ناطق، فلو اصطلح قوم على أسماء أخرى للطبيعة الإنسانية ولما يؤخذ في حدها من جنس وفصل، لم يتغير من حقيقتها ولا من حدها بحسب المعنى شيء، ومن ثم كانت دلالة لفظ الإنسان عليها إجمالًا، ودلالة قول حيوان ناطق عليها تفصيلًا، من حيث هذه الألفاظ المخصوصة، دلالة وضعية حصلت بالاختيار والتواطؤ، لا باقتضاء الطبائع نفسها.
وينبغي هنا التمييز بين العبارة الحدية والمعنى الحدي، فإنَّ كون الأولى وضعية لا يستلزم أن يكون الثاني وضعيًّا، فقولنا حيوان ناطق يمكن النظر إليه من حيث إنَّه أصوات وحروف مخصوصة، ومن حيث إنَّه يدل على معنيين داخلين في حقيقة الإنسان، فأما الجهة الأولى فتابعة للوضع والاصطلاح، وأما الثانية فليست كذلك، لأنَّنا وإن كنا نستطيع تغيير الألفاظ الدالة على الحيوانية والنطق، فلا نستطيع، مع إرادة الحد الحقيقي، أن نستبدل بهما معنيين أجنبيين عن الماهية، فالاختيار لنا في الدال، وليس لنا الاختيار في المدلول إذا أردنا إصابة الحقيقة، وإلا لزم أن يكون دخول الذاتي في الحد وخروج العرضي منه تابعين للاصطلاح، وهو باطل.
وعلى هذا لا تعارض بين القول إنَّ الأسماء والعبارات الحدية موضوعة بالاختيار، والقول إنَّ الحدود الحقيقية ليست جعلية، لأنَّ الأول متعلق بالدلالة اللفظية، والثاني متعلق بالمعنى الماهوي، فالمواضعة اللغوية تجيب عن السؤال: بأي لفظ ندل على هذا المعنى؟ وأما الحد الحقيقي فيجيب عن السؤال: ما حقيقة هذا الشيء؟ ولذلك أمكن أن تتعدد اللغات مع اتحاد الحقائق، وأن تختلف العبارات الحدية في أصواتها مع اتحاد ما تؤديه من معنى، وليس الفرق بين الاسم والحد أنَّ أحدهما جعلي والآخر طبيعي، بل إنَّ كليهما موضوع من جهة اللفظ، وإنما يختلفان في كيفية الدلالة، إذ يدل الاسم على الطبيعة مجملة، ويدل الحد عليها مفصلة.
ولا ينبغي من هذه الجهة أن يقال إنَّ الألفاظ طبيعية بمعنى أنَّ طبائع الأشياء أوجبت أصواتها المخصوصة، فإنَّ الصوت من حيث صدوره عن آلة التصويت له جهة طبيعية، وأما تقطيعه على وجه مخصوص وجعله دالًّا على معنى دون آخر، فذلك تابع للوضع، وبعد حصول الوضع تصير الألفاظ آلات للدلالة على التصورات، فيفهم السامع المعنى عند سماع اللفظ الذي اصطلح عليه أهل اللسان، من غير أن تكون هذه الدلالة منشئة للمدلول، ولهذا يجب التفريق بين علاقة اللفظ بالمعنى، وعلاقة أجزاء الماهية بعضها ببعض، فالأولى وضعية، وأما الثانية، متى كانت ماهوية حقيقية، فليست تابعة للوضع. | 411 |
| 12 | التعليم الحقّ لا يصنع أتباعًا، بل يصنع عقولًا، والأستاذ المحسن لا يخشى اليوم الذي يستغني فيه تلميذه عنه، بل يعدّه تمام صنعته؛ لأنَّ غاية التعليم أن ينتقل المتعلم من السؤال إلى النّظر، ومن التلقي إلى التحقيق، ومن الاتباع إلى المشاركة، حتى يبلغ -إن أعانه استعداده واجتهاده- منزلةً لا يكون فيها ظلًّا لأحد. | 2 231 |
| 13 | هل يجوز أن يكون الحد الأوسط في القياس جزءًا من الموضوع أو المحمول، أم لا بد أن يكون حدًّا* تامًّا؟
.
المراد بكون الحدّ الأوسط موضوعًا أو محمولًا إنَّما هو كونه كذلك بحسب التحليل المنطقي للقضية، لا بحسب الصورة النحوية الظاهرة للعبارة، فالموضوع والمحمول في صناعة القياس ليسا بالضرورة هما المبتدأ والخبر في صناعة النحو، إذ قد يقع اللفظ الدال على أحد حدود القياس داخل جار ومجرور، أو إضافة، أو تركيب مركب، مع أنَّ تحليل القضية وإرجاعها إلى صورتها الحملية يكشف عن كونه حدًّا تامًّا فيها.
والقياس الحملي إنَّما ينتظم من ثلاثة حدود: الأصغر، والأكبر، والأوسط، ويكون الأوسط هو الواسطة التي يتصل بها أحد الطرفين بالآخر، ولهذا يكون له في كل واحدة من المقدمتين موقع معين من الحمل، فيكون موضوعًا أو محمولًا بحسب الشكل، وليس المراد بذلك أنَّ مجرد كلمة واقعة في أثناء الموضوع أو المحمول يجوز اتخاذها حدًّا أوسط لمجرد تكررها في المقدمتين، فإنَّ التكرر اللفظي غير كاف في تكوين القياس.
فإذا قيل مثلًا: خالد ساكن في بيت، وكل بيت بناء، لم يكن التحقيق أنَّ لفظ بيت جزء من المحمول في القضية الأولى ثم صار مع ذلك حدًّا أوسط ناقصًا، بل ينبغي كشف الصورة الحملية التي تضمنتها العبارة، ومعنى القضية الأولى أنَّ بعض ما يسكن فيه خالد بيت، فيقال: بعض ما يسكن فيه خالد بيت، وكل بيت بناء، فبعض ما يسكن فيه خالد بناء، وحينئذ يكون بيت تمام المحمول في الصغرى، وتمام الموضوع في الكبرى، فيظهر الحد الأوسط حدًّا تامًّا بحسب التحليل القياسي، وإن كان لفظه في العبارة الأولى واقعًا في ضمن قولنا في بيت.
وكذلك إذا قيل: هذا الخاتم مصنوع من ذهب، وكل ذهب معدن، صح الانتقال إلى أنَّ هذا الخاتم مصنوع من معدن، ولكن ليس لأنَّ لفظ ذهب جزء من المحمول ثم جرى استبدال معدن به استبدالًا لفظيًّا، بل لأنَّ العبارة الأولى تنحل إلى أنَّ بعض ما صُنِع منه هذا الخاتم ذهب، ثم يقال: كل ذهب معدن، فينتج أنَّ بعض ما صُنِع منه هذا الخاتم معدن، فالأوسط عند إظهار صورة القياس هو ذهب، وقد صار تمام المحمول في الصغرى وتمام الموضوع في الكبرى.
وعلى هذا ينبغي فهم القول بأنَّ الأوسط قد يظهر في العبارة جزءًا من موضوع أو محمول، فإن كان المقصود أنَّه جزء بحسب ظاهر النَّظم النحوي، مع إمكان استخراجه حدًّا تامًّا عند تحليل القضية، فلا محذور في ذلك، وأما إن كان المقصود أنَّه يبقى بعد تمام التحليل المنطقي مجرَّد جزء من حد آخر، ثم يكون مع ذلك هو الأوسط القياسي، فليس هذا من القياس الحملي، لأنَّ الأوسط فيه أحد الحدود الثلاثة التي تنحل إليها المقدمتان.
ويتضح ذلك إذا لوحظ أنَّ مجرد تكرر جزء من العبارة لا يكفي لصحة الانتقال، فلو قيل: خالد يعرف كل طبيب، وكل طبيب إنسان، لم يلزم أنَّ خالدًا يعرف كل إنسان، فلفظ طبيب قد تكرر، ويمكن من جهة ظاهر اللفظ أن يستبدل به لفظ إنسان، ومع ذلك لا تلزم النتيجة، فتبين أنَّ صناعة القياس لا تقوم على حذف اللفظ المتكرر ووضع الأكبر مكانه، وإنَّما تقوم على العلاقات الحملية بين الحدود وعلى كيفية دخول كل حد في القضية.
ومن هنا يكون الفرق بين الجزء النحوي والحد المنطقي ضروريًّا، فقد يكون اللفظ -كما قلنا- جزءًا من الخبر عند النحوي، كوقوعه في جار ومجرور أو مضاف إليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون جزءًا من المحمول عند المنطقي، فإنَّ المنطقي ينظر أولًا إلى المعنى الذي أثبت لشيء أو نفي عنه، ثم يحلل القضية إلى الحدود التي يقوم بها ذلك الحمل.
ولهذا لا يصح تفسير قولهم إنَّ الأوسط في المقدمتين يكون موضوعًا أو محمولًا بأنَّ المراد أنَّه قد يكون تمام الموضوع أو بعضه، وتمام المحمول أو بعضه، على سبيل التسوية بين الأمرين، بل المراد أنَّ الأوسط بعد استخراج الصورة القياسية يكون هو الموضوع أو المحمول نفسه من حيث كونه حدًّا منطقيًّا، وأما ظهوره في العبارة الأصلية ضمن تركيب أطول فلا يقدح في ذلك، لأنَّ المدار على الصورة العقلية للقضية بعد التحليل، لا على ترتيب الألفاظ في الكلام.
فالحاصل أنَّ الحد الأوسط لا يكون في القياس الحملي مجرد جزء من الموضوع أو المحمول بعد تمام التحليل، وإنَّما قد يبدو كذلك في العبارة قبل تحليلها، فإذا رُدّت القضية إلى صورتها الحملية انكشف الأوسط حدًّا تامًّا، وتعين موقعه موضوعًا أو محمولًا، وبهذا يحفظ الفرق بين البناء النحوي للكلام والبناء المنطقي للقياس.
*: ولا أعني -كما هو ظاهر- بالحد هنا الحد في قبال الرسم. | 564 |
| 14 | في_المناهج_الفهرس_ التفصيلي.pdf | 1 665 |
| 15 | الفهرس التفصيلي لكتاب في المناهج: | 1 548 |
| 16 | تفسيرًا مخصوصًا لكيفية نسبة الجسمية والامتداد إلى المادة والصور النوعية، لا أصلًا يلزم من سقوطه سقوط القول بالمادة والصورة نفسه.
ومن ثم ينبغي إعادة بناء البحث من أصوله، فنبدأ بالموجود الطبيعي المحسوس، ونميز فيه بين التغير العرضي والتغير الجوهري، ومن تحليل التغير الجوهري يُبحث عن المبدأ القابل للصور المتعاقبة، ومن حقيقة النوع وما به يكون الموجود بالفعل هذا الموجود النوعي يُبحث عن مبدئه الصوري، ثم يُبحث في المقدار والامتداد والانقسام والاتصال من جهة الكم والمتصل، أما جعل النتيجة المتحصلة في بحث المتصل برهانًا على وجود صورة جوهرية عامة حالّة في الهيولى، فيحتاج إلى مقدمات زائدة لا يتضمنها إبطال الجزء الذي لا يتجزأ.
فإذا أراد مثبت الصورة الجسمية أن يقيم دعواه على التحقيق، لم يكفه أن يثبت أنَّ الجسم ليس مؤلفًا من أجزاء لا تتجزأ، بل عليه أن يثبت أنَّ الامتداد ليس مجرد كم تابع للجسم، وأنَّ في الجسم مبدأ جوهريًّا عامًا به يكون جسمًا، وأنَّ هذا المبدأ متميز من الصور النوعية ومن الكم المتصل، وأنَّ الاشتراك في الجسمية لا يكفي في تفسيره الاشتراك الجنسي في الحد، وأنَّ هذا المبدأ باق مع تعاقب الصور النوعية، ثم أنَّه صورة حقيقةً، وأنَّ محلَّه الهيولى الأولى، وما لم تقم الحجة على هذه المراتب، بقي إثبات اتصال المقدار غير كاف لإثبات الصورة الجسمية.
فالذي يظهر في نهاية البحث أنَّ الاعتراض مصيب في نفي بداهة الصورة الجسمية بالمعنى المصطلح، ومصيب كذلك في أنَّ إبطال الجزء الذي لا يتجزأ لا يغني عن البرهان عليها، وتنبيه القندهاري إلى أنَّ تسميتها صورة تستدعي البحث في حلولها في الهيولى تنبيه وجيه، كما أنَّ تنبيه السنبلي إلى أنَّ المسألة لا ينبغي أن تُصوَّر على أنَّها مجرد نزاع في وجود موضوع يقبل التغير تنبيه نافع، غير أنَّ السؤال الأسبق من ذلك كله هو: هل ثبت أصلًا وجود صورة جسمية عامة متميزة من المادة والصورة النوعية والكم المتصل؟
فإن ثبت هذا الأصل، أمكن بعد ذلك البحث في جوهرية هذه الصورة ونسبتها إلى الهيولى، وأما قبل ثبوته فلا يكفي أن يقال: إنَّ الجسم متصل، فله صورة جسمية، لأنَّ الذي يثبته برهان إبطال الجزء هو اتصال المقدار، ولا يلزم من اتصال المقدار وجود مبدأ جوهري يسمى الاتصال، ولا من ثبوت مبدأ جوهري كونه صورة، ولا من كونه صورة حلولُه في الهيولى، وهذه مراتب ينبغي فصل بعضها من بعض حتى لا يُجعل بعض المطلوب مقدمةً لإثبات بعضه الآخر.
والحاصل أنَّ إبطال الجزء الذي لا يتجزأ يثبت ما يتصل ببنية المقدار المتصل، ولا يثبت بمجرده أنَّ الاتصال جوهر أو صورة جوهرية، ولا أنَّه متميز من الصورة النوعية، ولا أنَّه حالّ في الهيولى، كما أنَّ التمييز بين المادة من جهة القوة والقابلية، والصورة من جهة الفعل والتحقق، والكم المتصل من جهة المقدار، لا يوجب في نفسه إثبات صورة جسمية عامة تتوسط بين المادة والصور النوعية، فإثبات هذه الصورة، إن أريد القول بها، يحتاج إلى برهان يخصها، ولا يكفي فيه البرهان على اتصال المقدار. | 394 |
| 17 | ورابعة للنطق.
وبهذا يظهر أنَّ دعوى بداهة الصورة الجسمية تحتاج إلى تفصيل، فالحس يشهد بوجود جسم ذي سطح وشكل وامتداد، والعقل يحكم بوجود شيء ممتد بين حدوده، إلَّا أنَّ غاية ذلك إثبات موجود ذي مقدار، لا إثبات أنَّ الامتداد نفسه جوهر، فضلًا عن أن يثبت أنَّه صورة جوهرية قائمة بمادة، فإدراك الامتداد والمقدار والشكل شيء، والحكم بأنَّ ذلك الامتداد جوهر أو عرض، أو بأنَّه صورة، أو بأنَّه حالّ في الهيولى، شيء آخر زائد عليه.
ومن ثم فإنَّ التفريق بين حالتين: حالةٍ قبل إبطال الجزء الذي لا يتجزأ، وحالةٍ بعد إبطاله، لا يحل أصل المسألة، نعم، قد يقال إنَّ التحقيق في حقيقة الاتصال لا يتم قبل إبطال القول بتركيب المتصل من غير المنقسمات، لكن الذي يثبت بعد ذلك إنما هو اتصال المقدار، وأما كون هذا الاتصال جوهريًّا فليس نتيجة لذلك البرهان، فلا يصح القول إنَّ إبطال الجزء يغني عن برهان مستقل على الصورة الجسمية، إلَّا إذا ثبت من جهة أخرى أنَّ اتصال الجسم هو بعينه صورته الجسمية، وهذا هو موضع النزاع نفسه.
وأما كلام السنبلي ففيه تنبيه قوي من جهة، ويحتاج إلى تقييد من جهة أخرى، فقوله إنَّ النزاع لا يرجع إلى مجرد وجود شيء يقبل التغير له وجه، لأنَّ أصل التغير يقتضي موضوعًا على نحو ما، غير أنَّ الانتقال من هذا القدر إلى القول بأنَّ الهيولى الأولى متفق عليها يحتاج إلى التمييز بين مطلق الموضوع القابل للتغير وبين الهيولى الأولى بالمعنى الدقيق.
فإن أريد بالهيولى مطلق ما يقع عليه التغير، كان أصل وجود موضوع للتغير ظاهرًا في الجملة، لأنَّ التغير يفترض شيئًا يتغير من حال إلى حال، وأما إن أريد بالهيولى المبدأ الأول الذي يكون بالقوة للصور الجوهرية المتعاقبة، ولا يكون في ذاته واحدًا من تلك المتعينات بالفعل، فهذا لا يحصل من مجرد ملاحظة التغير، بل يحتاج إلى تحليل مخصوص للتغير الجوهري.
وهذا الفرق ضروري، لأنَّ التغير العرضي لا يستلزم في إثباته الهيولى الأولى، فقد يسود الجسم بعد بياض، أو يتشكل بعد شكل، أو ينتقل من مكان إلى مكان، مع بقاء جوهره بالفعل، فيكون الموضوع في هذه التغيرات هو الجوهر القائم نفسه، وأما إذا فسد نوع وحدث نوع آخر، فهنا يطلب مبدأ قابل ليس هو الصورة الأولى ولا الصورة الثانية، بل يكون بالقوة لهما، ومن هذا الوجه تنشأ الحجة على المادة الأولى، لا من مجرد كون الأشياء قابلة للتغير بإطلاق.
ولهذا لا تكفي الأمثلة الممتدة من البذر إلى النبات، ومن الغذاء إلى أجزاء الحيوان، ومن طور إلى طور، لإثبات وجود شيء محسوس واحد باق بالفعل تحت جميع تلك التحولات، فبعض هذه التغيرات تغذٍّ، وبعضها استحالة، وبعضها كون وفساد، وما يدخل في المركب قد يبقى بعضه ويزول بعضه، والمقصود بالهيولى الأولى ليس إثبات جسم دقيق ثابت وراء جميع الصور، بل إثبات مبدأ بالقوة تتعاقب عليه الصور الجوهرية.
ومن هنا يكون في قول السنبلي إنَّ أصل الخلاف في الصورة جهة من الصواب، إذا أريد أنَّ النزاع لا يدور حول مجرد التسليم بموضوع للتغير، بل حول حقيقة جسمية ذلك الموضوع وما الذي به يكون الجسم جسمًا، أما إذا أريد أنَّ الهيولى الأولى ثابتة باتفاق، وأنَّ الخلاف منحصر بعد ذلك في الصورة، فليس ذلك بدقيق، لأنَّ من يجعل الجسم الممتد نفسه هو الموضوع الأول، ومن يثبت وراءه هيولى أولى، مختلفان في حقيقة المادة كما هما مختلفان في تفسير الصورة، فالسؤال في الحقيقة متوجه إلى المبدأين معًا: ما الذي يكون بالقوة؟ وما الذي يخرجه إلى الفعل؟ وما نسبة المقدار والامتداد إلى كل واحد منهما؟
وهنا ينبغي ضبط مسألة الاتصال والانفصال أيضًا، فقد يقال إنَّهما من عوارض الجسم مع بقاء الجسم بعينه، ويقابل ذلك بمن يجعل الاتصال أمرًا جوهريًّا مقومًا للجسم، غير أنَّ هذه المقابلة لا تستقيم على إطلاقها، لأنَّ الاتصال المقداري من أحوال الكم، والجسم قد يقبل الانفصال من جهة المقدار من غير أن يلزم من مجرد ذلك فساد صورته النوعية، فإذا قُطعت قطعة من جسم متجانس، لم يكن نفس انقطاع الاتصال السابق دليلًا على أنَّ ذلك الاتصال كان صورة جوهرية ثم فسدت، فلا بد لمن يثبت الصورة الجسمية من التمييز بين الاتصال المقداري وبين ما يدعيه من مبدأ جوهري تقوم به الجسمية، ثم إقامة البرهان على الثاني خاصة.
فإن قيل إنَّ الاتصال الثابت بإبطال الجزء ليس اتصالًا مقداريًّا عرضيًّا، بل اتصال جوهري، لم يكن في مجرد هذه التسمية حجة، بل عاد السؤال نفسه: لم لا يكون الجسم جوهرًا له كم متصل، بدل أن يكون جوهرًا مركبًا من هيولى وصورة أخرى تسمى الصورة الجسمية؟ وهذه، فيما أرى، هي عقدة المسألة.
وعند التأمل لا يظهر أنَّ القول بصورة جسمية عامة متميزة من الصور النوعية لازم لمطلق القول بالمادة والصورة، إذ يمكن إبقاء التمييز بين المبدأ القابل من جهة القوة، والمبدأ الصوري الذي به يتحقق النوع بالفعل، من غير أن يثبت بينهما مبدأ صوري آخر عام يسمى الصورة الجسمية، وعلى هذا تكون مسألة الصورة الجسمية | 312 |
| 18 | الذي يظهر لي أنَّ الكلام المذكور قد أصاب موضعًا مهمًّا من الإشكال في بعض التقارير المتأخرة، ولا سيما في التنبيه إلى أنَّ مجرد إبطال الجزء الذي لا يتجزأ لا يكفي بنفسه لإثبات جميع ما يراد بالصورة الجسمية، غير أنَّ المسألة تحتاج إلى تحرير أسبق من ذلك، لأنَّ البحث هنا يشتمل على دعاوى متغايرة كثيرًا ما ينتقل من بعضها إلى بعض من غير إقامة البرهان على كل واحدة منها على حدة، وهي: ثبوت الجسم الممتد، وثبوت اتصال المقدار، وكون هذا الاتصال جوهريًّا، وكونه صورة جسمية، وتميز هذه الصورة من الصورة النوعية، ثم كونها حالّة في الهيولى، وهذه مراتب مختلفة، فلا يجوز جعل ثبوت أولها كافيًا في إثبات آخرها.
وأصل الإشكال أنَّ لفظ الجسم يستعمل على أنحاء مختلفة، فقد يراد به الجسم الطبيعي، أعني الجوهر المحسوس القابل للحركة والسكون، وقد يراد به الجسم التعليمي، أعني الكم المتصل القابل للأبعاد الثلاثة، وقد يؤخذ الجسم من جهة وقوعه جنسًا في الحد، وهذه المعاني، وإن ارتبط بعضها ببعض، ليست معنى واحدًا، فالجسم التعليمي، من حيث هو ذو طول وعرض وعمق، من قبيل الكم المتصل، وأما الجسم الطبيعي، من حيث هو جوهر قائم بالفعل، فالبحث في مبادئ قوامه من المادة والصورة بحث آخر، ومن ثم لا يلزم من كون الموجود ذا أبعاد ثلاثة أن يكون نفس امتداده جوهرًا، فضلًا عن أن يكون جزءًا جوهريًّا من ماهيته.
وعلى هذا ينبغي تحرير أثر إبطال الجزء الذي لا يتجزأ، فإنَّ غاية ما يثبت بذلك أنَّ المقدار المتصل لا يتركب من أجزاء غير منقسمة بالفعل من شأن اجتماعها أن يؤلف الامتداد، وأنَّ المتصل قابل للانقسام من حيث هو متصل، وهذه نتيجة تتعلق بطبيعة المقدار والاتصال، أما أن يكون هذا الاتصال نفسه جوهرًا، أو جزءًا جوهريًّا من قوام الجسم الطبيعي، أو أن يكون هو الصورة الجسمية، فكل ذلك دعاوى زائدة على نتيجة البرهان.
ومن هنا يظهر موضع النظر في قول من قرر أنَّ الجسم، لما بطل تركبه من أجزاء لا تتجزأ وثبت كونه ذا أبعاد ثلاثة، ثبت أنَّه جوهر متصل في ذاته، ثم جعل هذا الاتصال هو الصورة الجسمية، فإنَّ قولنا "جوهر متصل" يحتمل معنيين مختلفين: أحدهما أنَّه جوهر له مقدار متصل، وهذا لا يقتضي أكثر من كون الجوهر الجسماني متصفًا بالامتداد، والآخر أنَّ الاتصال نفسه داخل في قوام الجوهر من حيث هو جوهر، وهذا هو عين ما يحتاج إلى البرهان، فبين قولنا "جوهر له اتصال"، وقولنا "اتصاله جوهري" فرق لا يجوز إغفاله، بل هو أحد أصول النزاع.
ثم إنَّ الانتقال من الاتصال الجوهري، لو ثبت، إلى إثبات الصورة الجسمية يحتاج إلى مقدمة أخرى، لأنَّ كل ما كان جوهريًّا ليس من حيث ذلك صورة بالمعنى المقابل للهيولى، فالصورة مبدأ مخصوص، نسبته إلى المادة أنَّ بها تتحقق المادة بالفعل على نحو معين، فإذا قيل إنَّ الاتصال الجوهري صورة جسمية، فقد زيد على دعوى جوهرية الاتصال دعوى أخرى، وهي أنَّ هذا الأمر الجوهري مبدأ صوري حالّ في الهيولى، وبه تتحقق المادة جسمًا بالفعل.
ولهذا كان تنبيه القندهاري في محلّه من حيث إنَّه لم يكتف بتعريف الصورة الجسمية بأنَّها الجوهر المتصل، بل التفت إلى أنَّ تسميتها صورة تقتضي نسبة مخصوصة إلى الهيولى، ومن ثم لا يتم إثباتها بمجرد إثبات الاتصال، بل لا بُدَّ أولًا من إثبات أنَّ في الجسم مبدأ جوهريًّا عامًا غير الكم المتصل، ثم أنَّ هذا المبدأ متميز من الصورة النوعية، ثم أنَّه صورة حقيقةً، ثم أنَّ محلَّه الهيولى، بل يمكن أن يتقدم البحث خطوة على ذلك كله، فيقال: قبل البحث في حلول الصورة الجسمية في الهيولى ينبغي إثبات أصل وجود صورة جسمية عامة متميزة من المادة والصورة النوعية والكم المتصل.
وهذا هو الموضع الذي لم يستوفه الكلام المنقول فيما يظهر، لأنَّه سلَّم ابتداءً أنَّ الصورة الجسمية جزء من تركيب الجسم، ثم نقل البحث إلى كيفية إثباتها، والتحقيق الأسبق أن يقال: ما الذي يلزمنا أصلًا بإثبات صورة جوهرية عامة للجسمية وراء المادة والصورة النوعية والكم المتصل؟ فإنَّ الموجود الطبيعي يحتاج، بحسب القول بالمادة والصورة، إلى مبدأ قابل ومبدأ صوري به يكون بالفعل هذا النوع من الموجود، وأما كونه ذا مقدار وأبعاد وقابلًا للانقسام فمن جهة أخرى من جهات النظر، وليس من اللازم أن يكون لكل جهة من جهات الحمل مبدأ جوهري مستقل في الخارج.
ويظهر ذلك أوضح إذا نُظِر في الجنس والفصل، فإنَّ صدق الجسم جنسًا على أنواع مختلفة لا يقتضي بنفسه وجود صورة جوهرية واحدة قائمة في الخارج ومشتركة بالفعل بين جميع تلك الأنواع، فمراتب الحد ليست بالضرورة مراتب من صور جوهرية متراكبة في الموجود، والجنس، من حيث هو غير متعين بالفصل، له جهة قوة إلى ما يخصصه ويكمله، ولا يلزم من ذلك أن يكون بحذاء كل جنس في الحد صورة خارجية مستقلة تضاف إلى الصورة النوعية، ومن ثم لا يلزم من قولنا إنَّ الإنسان جسم نام حساس ناطق أن نثبت في الإنسان أربع صور جوهرية متراكبة: صورة للجسمية، وأخرى للنمو، وثالثة للحس، | 256 |
| 19 | السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أسعد الله أوقاتكم. كثيرًا ما أرى الطلبة يستصعبون مبحث الموجهات للغاية، لدرجة تخصيص كتاب لدراسة المبحث لوحده مثل الرسالة المرضية، ولكني أرى أن هذا قد يعد خروجًا عن ضابط التعليم المنهجي وربما حشو لا طائل منه. فما رأيكم؟
.
الذي يظهر لي أنَّ الاعتراض على كثرة التشقيق في باب الموجَّهات اعتراضٌ وجيهٌ إذا نُظِر إلى المنطق من جهة غايته، لا من جهة إمكان استقصاء مسائله على الإطلاق، فالمنطق آلةٌ للعلوم، وليس المقصود منه أن يستوعب الذهن كل صورة يمكن فرضها في القضايا والقياسات، وإنَّما المقصود أن يهذَّب النظر، ويصان الفكر من الخطأ، ويتهيَّأ الناظر لإقامة البرهان، فإذا صار بعض أبواب المنطق يتضخَّم حتى يستقل بنفسه عن هذه الغاية، ويستنفد من الطالب زمنًا وجهدًا لا يناسب ما يعود به على صناعة البرهان، جاز وصف هذا التوسع بأنَّه خروج عن الاعتدال وتطرّف.
ولا يعني ذلك أنَّ أصل مبحث الموجَّهات زائدٌ أو مستغنًى عنه، فإنَّ للجهة أثرًا حقيقيًّا في القضية والقياس، ولا سيما في العلم البرهاني، فالفرق بين الضروري والممكن والممتنع والمطلق ليس فرقًا لفظيًّا، بل يترتب عليه اختلافٌ في قوة الحكم وفي نوع النتيجة التي يمكن تحصيلها، ثم إنَّ مقدمات البرهان نفسها لا تفهم على وجهها من غير تصور صحيح للضرورة وما يتصل بها، إذ ليس كل صدق صالحًا لأن يكون مبدأً للعلم البرهاني، بل لا بُدَّ من التمييز بين ما يصدق ضرورةً وما يصدق اتفاقًا أو في وقت مخصوص أو على جهة الإمكان.
فالقدر الضروري من هذا الباب هو أن يعرف الطالب معنى الجهة، وأقسامها الأصلية، والفرق بين الضرورة والإمكان والامتناع والإطلاق، وأن يميِّز بين جهة القضية ومادتها، وأن يفهم كيف يدخل النفي على الجهة، وما الفرق بين نفي الضرورة وضرورة النفي، لأنَّ الخلط بين هذه المعاني يوقع في أغلاط حقيقية في الاستدلال، ويضاف إلى ذلك ما تمسُّ إليه الحاجة من أحكام التناقض والعكس في القضايا الموجَّهة، ومن القواعد الكبرى في اختلاط الجهات بالقياس، بحيث يعرف الطالب متى تكون النتيجة ضرورية، ومتى لا تتجاوز الإطلاق أو الإمكان.
أمَّا استقصاء جميع صور الاختلاط الممكنة، وتتبع فروعها في كل شكل وضرب وكمٍّ وكيف، ثم تفريع الأقسام على الأقسام حتى يتحول الباب إلى شبكة من الصور النادرة، فليس هذا مما تحتاج إليه صناعة البرهان، ويمكن للمنطقي المتخصص أن يبحثه من جهة الاستقصا، لكن لا يلزم من إمكان البحث فيه أن يكون من أركان المنهج العام، فثمة فرق بين ما يجوز للباحث أن يستقصيه وبين ما ينبغي للطالب أن يتعلمه حتى تحصل له ملكة المنطق.
والخلل في الإفراط في هذا الباب أنَّه قد يقلب ترتيب المقاصد، فقد يخرج الطالب حافظًا لعشرات صور القياسات الموجَّهة، وهو لم يحكم بعد شروط المقدمة البرهانية، ولا الذاتي والأولي، ولا الفرق بين البرهان اللمِّي والإنِّي، ولا كيفية ترتب العلم على المبادئ، وهذا تقديم للفرع على الأصل، وإعطاء لما هو دون الغاية من العناية أكثر مما يعطى للغاية نفسها.
ومن هنا فإنَّ استصعاب الطلبة للموجَّهات لا يكون وحده دليلًا على فساد المبحث، ولكنه قد يكون علامةً على أنَّ المادة عرضت بأكثر مما تقتضيه رتبتها التعليمية، فليس كل ما كثر تشقيقه عظيم المنفعة، ولا كل ما صعب تحصيله ينبغي أن يستوفى في المنهج، وإنَّما الميزان أن ينظر فيما تتوقف عليه الغاية، فيعتنى به، وما يبعد عنها ويقل وقوع الحاجة إليه، فيترك.
وأمَّا إفراد الموجَّهات برسالة أو كتاب، فلا اعتراض عليه من حيث هو تصنيف خاص، لأنَّ أبواب العلوم قد تفرد بالتصنيف لكثرة مسائلها أو لشدة إشكالها، وإنَّما الاعتراض إذا جُعِل هذا الاستقصاء شرطًا في إحكام المنطق أو مرحلةً لازمةً لكل طالب، فالتأليف الخاص شيء، وتحميل المنهج العام جميع ما في ذلك التأليف شيء آخر.
فالتحقيق عندي أنَّ الموجَّهات تُدرَّس بقدر ما يخدم البرهان ويمنع الغلط في الاستدلال، ثم يكتفى بذلك في التعليم العام، وما وراء هذا من الاستقصاءات الكثيرة والتفريعات الدقيقة يترك، وعلى هذا يصح أن يقال: الموجَّهات لازمةٌ في أصولها، مذمومةٌ إذا استُغرِق في فروعها حتى تزاحم المقصود الأعلى من المنطق، وهو إحكام صناعة البرهان.
revospring.net/@ItC0ding/a/117384974057355684 | 675 |
| 20 | حياكم الله شيخنا، هل اطلعتُم على ما نشر قبل أيام من شروح الإمام أبي الحسين على كتاب الطبيعة لأرسطو؟
.
حيَّاكم الله، أين نُشِر؟
حسب علمي، فإنَّ أبا الحسين جمع في هذا الشرح مادةً عن ابن السمح، ويحيى بن عدي، وأبي بشر متّى بن يونس، ثم أبي الفرج ابن الطيب، ومعها مادةٌ راجعةٌ إلى الشُّرَّاح اليونانيين، وأضاف أبو الحسين نفسه تعليقاتٍ ونقدًا وتصحيحاتٍ. | 545 |
