1 687
مشترکین
-224 ساعت
-37 روز
+1230 روز
آرشیو پست ها
1 687
الزَّنْدَقة
«و(الزّندقة) اسم اشتقَّه العربُ من كلمة (زندو) بالفارسيّة، الدالة على كتاب السِّفر المقدَّس الذي يقال بالفارسيّة: (الزندوفستا)، وهو كتاب مانِي الذي يُدْعَى أتباعُه المانَوِيّة، ويقال لهم: الثَّنَوِيّة؛ لأنهم يُثبِتون إلهين اثنين.
فقالوا: (تزندَقَ)، إذا اعتقد اعتقاد مجوس الفُرْس، أي: انتسب للزّندو، ثم اشتقوا منه (زندقة) للاعتقاد، و(زِنْدِيق) للمعتقِد، ثم أطلقوه على مَن يُسِرُّ هذا الاعتقاد، فلا يسمّون المتظاهِرَ بالمجوسية زِنديقًا. ثم صار اسم الزّندقة اسْمًا عَلَميًّا في الفقه، يدل على مَنْ يُظهر الإسلام ويُبطِن الكفر، سواء كان كفرُه باعتقاد المجوسية الفارسية أم بالدهرية أم بغير ذلك.
ولذلك قالوا: الزنديق يرادف المنافق، وخصّوا المنافقَ بمبطِن الكفر في زمن الرسول عليه السلام، والزنديقَ بمبطِن الكفر بعد ذلك الزمن.
وكان مِمَّا يَصير به المرءُ معرَّضًا إلى تهمة الزندقة:
- أن يكون فارسيَّ الأصل،
- أو أن يُؤْثَرَ عنه بُغْضُ العرب،
- أو أن يكون من أهل الخلاعة والمُجون أو المَزْح في الأمور الراجعة إلى العبادات،
- أو أن يكون منكِرًا لشيء من أصول الشيعة العباسية،
- أو أن يكون لا يحفظ من القرآن شيئًا؛ فقد أُخِذ بذلك محمدُ بنُ أبي عبيد الله وزيرِ المَهديّ، حسبما ذكره ابن الأثير في حوادث سنة 161 هـ. هذا، والمهديُّ لم يكن له من أصالة الرأي ما كان للمنصور والسَّفاح، فأغْرَقَ في تقصِّي أحوال الناس والرمي بالزندقة.»
«جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور» 4/ 1575
#تاريخ
#اشتقاق
1 687
كانتْ لِقَلْبِيَ أهواءٌ مُفَرَّقةٌ
فاستَجْمَعَتْ مُذْ رأتْكَ العَيْنُ أهوائِي
فصارَ يَحْسُدُنِي مَن كنتُ أحسُدُهُ
وصِرتُ مَوْلَى الوَرَى مُذْ صِرْتَ مَوْلائِي
بيتان سائران، أنشدَهما الفقيهُ الأديب محمّدُ بنُ داودَ الظّاهريُّ في (كتاب الزَّهْرة) عن بعض أهل عصرِه، ونسبَهما صاحبُ (الكشكول) إلى الحَلّاج، وهو مِن مُعاصِري ابنِ داود.
#مختارات
1 687
«فإنَّ مَنِ امتَلَأ قلبُه مِن مَحَبّةِ الله، لم يكنْ فيه فَراغٌ لشيءٍ مِن إراداتِ النّفْسِ والهَوَى،
وإلى ذلكَ أشارَ القائلُ بقولِه:
أَرُوحُ وَقَدْ خَتَمْتَ عَلَى فُؤادِي
بِحُبِّكَ أن يَحُلَّ بِهِ سِوَاكَا
فَلَو أَنّي استَطَعْتُ غَضَضْتُ طَرْفِي
فَلَم أَنْظُرْ بِهِ حَتَّى أَرَاكَا
أُحِبُّكَ لا بِبَعْضِي بَلْ بِكُلِّي
وَإِنْ لَمْ يُبْقِ حُبُّكَ لي حَراكَا
وفي الأَحْبَابِ مَخْصُوصٌ بِوَجْدٍ
وآخَرُ يَدَّعِي مَعهُ اشْتِرَاكَا
إِذَا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ في خُدُودٍ
تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى
فأمَّا مَنْ بَكَى فيَذُوبُ وَجْدًا
ويَنطِقُ بالهَوَى مَن قدْ تَشَاكَى!
مَتَى بَقِيَ لِلمُحِبِّ مِنْ نَفْسِهِ حَظٌّ، فَمَا بِيَدِهِ مِنَ المَحَبَّةِ إِلَّا الدَّعْوَى!
إِنَّمَا المُحِبُّ مَنْ يَفْنَى عَنْ هَوَى نَفْسِهِ كُلِّهِ، وَيَبْقَى بِحَبِيبِهِ؛ (فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ).
القَلبُ بَيتُ الرَّبِّ، وفي الإِسرَائِيلِيَّات يَقُولُ اللهُ: (مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلا أَرْضِي، وَلَكِن وَسِعَنِي قَلْبُ عَبدِي المُؤمِن).
فَمَتَى كَانَ القَلبُ فِيهِ غَيرُ الله، فَاللهُ أَغنَى الأَغْنِيَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، وَهو لَا يَرْضَى بِمُزَاحَمَةِ أَصْنَامِ الهَوَى.
الحقُّ تَعَالَى غَيُورٌ، يَغَارُ عَلَى عَبدِهِ المُؤمِن أَنْ يَسْكُنَ في قَلْبِهِ سِوَاهُ، وأَن يَكُونَ فِيهِ شَيءٌ لا يَرْضَاهُ.
أَرَدْنَاكُمُ صِرْفًا، فَلَمَّا مَزَجْتُمُ
بَعُدتُمْ بِمِقْدَارِ التِفَاتِكُمُ عَنَّا!
وقُلْنَا لَكُمْ: لا تُسْكِنُوا القَلبَ غَيْرَنَا
فَأَسْكَنْتُمُ الأَغْيَارَ، مَا أَنْتُمُ مِنَّا!»
قاله ابن رجب الحَنبليّ في تفسيره وفي (شرح كلمة الإخلاص).
#عرفانيات
1 687
قُتِلَ بسَيْفِ جَدِّه!
نقلَ أخٌ حبيبٌ فاضل، قولَ الحافظِ ابنِ حَجَرٍ، في (رَفْع الإصْر، عن قُضاةِ مِصر)، يَذكرُ ابنَ خَلدُون:
«وقد كان شيخُنا الحافظُ أبو الحسن بن أبي بكر [يَعني: نور الدين الهَيثميّ] يبالغُ في الغَضِّ منه، فلما سألتُه عن سبب ذلك، ذكر لي أنه بلغه أنه ذكر الحسين بن عليّ، رضي الله عنهما، في تاريخه، فقال: (قُتِلَ بسيف جَدِّه).
ولمَّا نطق شيخنا بهذه اللفظة، أردَفَها بلعن ابن خلدون وسبِّه وهو يبكي.
قلتُ: ولم توجد هذه الكلمة في التاريخ الموجود الآن، وكأنه كان ذكَرها في النسخة التي رَجَع عنها.»
انتهى كلامُ ابن حَجَر، وفي ما حَكاهُ غَلَطٌ مركَّب، وسيأتيك في ذلك العَجَب.
أما ابن خلدون، فقال في (الفصل الثّلاثين) من تاريخه -وهو في (ولاية العهد)- عند ذِكر يزيد:
«واعلم أنّه إنّما ينفذ من أعمال الفاسق ما كان مشروعا، وقتال البغاة عندهم من شرطه أن يكون مع الإمام العادل، وهو مفقود في مسألتنا؛ فلا يجوز قتال الحسين مع يزيد ولا ليزيد، بل هي من فَعَلاته المؤكِّدة لفسقه، والحسين فيها شهيد مثاب، وهو على حقّ واجتهاد، والصّحابة الّذين كانوا مع يزيد على حقّ أيضا واجتهاد.
وقد غَلِطَ القاضي أبو بكر بن العربيّ المالكيّ في هذا، فقال في كتابه الّذي سمّاه بالعواصم والقواصم ما معناه: (إنّ الحسين قُتل بشرع جدّه)، وهو غلط حملتْه عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل. ومَن أعدلُ من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته!» اهـ
فهذا ابنُ خَلدون كما ترى؛ إنما يَحكِي عن ابن العربيّ بالمَعنى، وهو مع هذا يغلِّطُه، ويُنكِرُ قولَه!
وكأنّ ما نسبه إلى ابن العربيّ شاعَ في الناس، وتُنُوقِلَ من غير فحصٍ وتحقيق، حتى قال المُناويّ في (فيض القدير) 1/ 205:
«وقد غلب على ابن العربي الغضُّ من أهل البيت، حتى قال: قتله بسيف جدّه.» اهـ
وقال أيضًا فيه 5/ 246:
«فقد ألف كتابا في شأن مولانا الحسين -رضي الله عنه، وكرّم وجهه، وأخزى شانئه- زعم فيه أن يزيد قتله بحق بسيف جده، نعوذ بالله من الخِذلان!» اهـ
وحتى قال الآلوسيّ في تفسيره 13/ 228:
«وأبو بكر بن العربي المالكي، عليه من الله تعالى ما يستحق، أعظمَ الفِرية، فزعم أن الحسين قُتل بسيف جده، صلى الله عليه وآله وسلم، وله من الجهلة موافقون على ذلك، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}!» اهـ
ولعلك الآن تتشوّف إلى حقيقة ما قاله ابن العربيّ؛ فدونَك كلامه بحروفه، موضوعًا في سياقه، مقرونًا بسِباقه:
«فإن قيل: ولو لم يكن ليزيد إلا قتله للحسين بن علي! قلنا: يا أسفا على المصائب مرة، ويا أسفا على مصيبة الحسين ألف مرة! بوله يجري على صدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم [فلا يُغسل]، ودمه يُراق على البَوْغاء [أي: التراب] ولا يُحقن! يا لله، ويا للمسلمين! (...)
وذكر المؤرخون أن كتب أهل الكوفة وردت على الحسين، وأنه أرسل مسلم بن عقيل -ابن عمه- إليهم؛ ليأخذ عليهم البيعة، وينظر هو في أتباعه، فنهاه ابن عباس، وأعلمه أنهم خذلوا أباه وأخاه، وأشار عليه ابن الزبير بالخروج، فخرج، فلم يبلغ الكوفة إلا ومسلم بن عقيل قد قتل، وأسلمَه مَن كان استدعاه، ويكفيك بهذا عظة لمن اتعظ!
فتمادى واستمر غضبًا للدين، وقيامًا بالحق، ولكنه -رضي الله عنه- لم يقبل نصيحة أعلم أهل زمانه ابن عباس، وعدل عن رأي شيخ الصحابة ابن عمر، وطلب الابتداء في الانتهاء، والاستقامة من أهل الاعوجاج، ونضارة الشبيبة في هشيم المشيخة، ليس حوله مثله، ولا له من الأنصار ما يرعى حقه، ولا من يبذل نفسه دونه، فأردنا أن نطهر الأرض من خمر يزيد، فأرقنا دم الحسين، فجاءتنا مصيبة لا يَجبرُها سرورُ الدهر!
وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جدِّه المهيمِن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذر عن الدخول في الفتن، وأقواله في ذلك كثيرة...» اهـ
وهذا الّذي في آخر كلامه، المعتذَرُ به عن قتَلة الحسين (وكأنّهم كانوا يقدِّمون شرعًا، أو يَتحرَّوْن دِينًا!)- هو الّذي أنسَى تأسُّفَه، وكَدَّرَ كلامَه، ومَهَّدَ للغلط عليه، وهو -مع قُبح ذلك الاعتذار- لا يَبلغُ حدَّ ما نُسب إليه، والله يحبُّ العدل، ويأمرُ بالقسط، وبه وحدَه العصمة.
#تاريخ
#عجائب
1 687
"طرقَتْني نَفحةٌ مِن سِرِّهِم!"
"اللّهمّ هَبْ لنا الخَلْوةَ معك، والعُزلةَ عمّا سِواك!"
(من رَوضة السّادة الوفائيّة بسفح المقطَّم، تصوير الأستاذ عمر النّعمانيّ)
1 687
الكِتاب
ورد في التّنزيل على وجوه:
1- المكتوب؛
- فتارةً أُطلِقَ على القرآن، كقوله تعالى: {ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ}،
- وتارةً على التّوراة، كقوله تعالى: {وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ}،
- وتارةً على التّوراة والإنجيل، كقوله: {يا أَهْلَ الكِتابِ}،
- وتارةً على جِنس الكُتُب المنزّلة، كقوله تعالى: {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ}،
- وتارةً على اللّوح المحفوظ، كقوله تعالى: {وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ}،
- وتارةً على صُحُف الأعمال، كقوله تعالى: {مالِ هَذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاها}،
- وتارةً على الحُجّة الثّابتة مِن جِهة الله تعالى، كقوله: {أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ}، وقوله: {فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ}.
2- الكِتابة (مصدر كَتَبَ)، كقوله تعالى: {ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ}.
3- المُكاتَبة (مصدر كاتَبَ)، كقوله تعالى: {والّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ}، الآية.
4- الصّحيفة أو الرِّسالة، كقوله تعالى حكايةً عن نبيّه سُليمانَ عليه السّلام: {اذْهَب بكِتابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إلَيْهِمْ}.
5- الفَرْض الواجب، كقوله تعالى: {إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا}.
6- الحُكم، كقوله تعالى: {وأُولُو الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ}، وقوله: {لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ}، الآية.
7- التّعيين والضّبط والتّحديد، كقوله تعالى: {لكلِّ أجلٍ كِتابٌ}، أي: تعيين وتحديد، لا يَتقدّمُه ولا يَتأخّرُ عنه (وقيل غيرُ ذلك).
والله أعلم.
#تفسير
1 687
وتأمّل هذا التّقريرَ النّفيس، لواحد مِن أئمّة المتكلّمين:
«واعلم أن حقيقة ذات الإله وكُنه هويته غير معلومة للبشر البتة، وإنما المعلوم للبشر صفاته.
ثم إن صفاته قسمان: صفات الجلال، وصفات الإكرام.
أما صفات الجلال، فهي سُلُوب، كقولنا: إنه ليس بجوهر، ولا جسم، ولا كذا، ولا كذا.
وهذه السلوب في الحقيقة ليست صفات الكمال؛ لأن السلوب عدم، والعدم المحض والنفي الصِّرف لا كمال فيه.
فقولنا: {لا تأخذه سِنة ولا نوم}، إنما أفاد الكمال لدلالته على العلم المحيط الدائم المبرأ عن التغير، ولولا ذلك كان عدم النوم ليس يدل على كمال أصلا؛ ألا ترى أن الميت والجماد لا تأخذه سنة ولا نوم!
وقوله: {وهو يُطعِمُ ولا يُطعَمُ}، إنما أفاد الجلال والكمال والكبرياء لأن قوله: {ولا يُطعَم} يفيد كونه واجب الوجود لذاته، غنيًّا عن الطعام والشراب، بل عن كل ما سواه.
فثبت أن صفات الكمال والعز والعلو هي الصفات الثبوتية.
وأشرف الصفات الثبوتية الدالة على الكمال والجلال صفتان: العلم، والقدرة؛ فلهذا السبب وصف الله تعالى ذاته في هذه الآية بهما في معرض التعظيم والثناء والمدح.
أما صفة العلم فقوله: {وللهِ غيبُ السّماواتِ والأرض}... وأما صفة القدرة فقوله: {وإليه يُرجَعُ الأمرُ كلُّه}.»
تفسير الإمام الرّازيّ 18/ 414
1 687
مرّ بي اليوم من شواهِد ذلك، قولُ الفيّوميّ في (المِصباح المُنير):
«وَكَرَّامٌ، بِفَتْحِ الْكَافِ مُثَقَّلٌ: وَالِدُ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ الْمُشَبِّهِ، الَّذِي أَطْلَقَ اسْمَ الْجَوْهَرِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَى الْعَرْشِ. وَنُسِبَ إلَيْهِ مَنْ أَخَذَ بِقَوْلِهِ، فَقِيلَ: كَرَّامِيَّةٌ.» اهـ
فرجعتُ إلى ذِكر ذلك عند المتقدّمين، فوجدتُّ قولَ أبي المظفَّر الإسفرايينيّ في ابن كَرّام:
«كان يسمِّي معبودَه جِسمًا، وكان يقولُ: له حَدٌّ واحدٌ مِن الجانبِ الّذي ينتهي إلى العرش، ولا نهايةَ له مِن الجوانبِ الأُخَر... وقد ذَكَرَ في كِتاب (عذاب القبر) أنّ معبودَه أحَدِيُّ الذّات، أحَدِيُّ الجَوْهَر، وأطلَقَ عليه اسمَ الجوهر كما أطلقَه النّصارى، وأتباعُه يتبرّؤون مِن إطلاق اسم الجَوْهر، ويُطلِقُونَ عليه اسمَ الجِسم... وممّا ذَكَرَ في ذلك الكتاب قولُه: إنّه تعالى مماسٌّ للعرش، والعرش مكانٌ له.»
(التّبصير في الدّين)، 111-112.
ومِن الشّواهدِ أيضًا قولُ الإمام الأشعريّ في فِرَق الرّوافضِ المجسِّمة:
«فالفرقة الأولى: الهِشاميّة، أصحابُ هِشام بنِ الحَكَمِ الرّافضيّ؛ يَزعُمُونَ أنّ معبودَهم جِسمٌ، وله نهايةٌ وحَدٌّ...»
(مقالات الإسلاميّين) تح. ريتّر، 31.
وغيرُ ذلك مِن أقوال أهلِ الزَّيْغ كثير، ممّا يخالفُ السُّنّةَ والكِتابَ المُنير.
فلمّا نَجَمَتْ تلك البِدَعُ في الإسلام، وَجَبَ على أهلِ الحقِّ التّصدِّي لإبطالِها، ولمْ يُفنِّدْ شُبَهَ أصحابِها ويَنْقُضْ عليهم مذاهبَهم مِن الطّريقِ الّذي لبسوا به على النّاس- غيرُ علماءِ الكَلام، وبه يُفهَمُ داعيهم إلى التّفصيلِ في تلك المَقالات، وأنّهم لَم يَبتكِرُوه ابتكارًا، ولكن ردُّوا ما كان منه مُثارًا.
ومِن ثَمّ لا تَعْجَب مِن قول يحيى بن أبي الخير العمرانيّ، شيخ الشّافعيّة باليمن (ت. 558هـ)، في صَدْر كتابِه الّذي سمّاه (الانتصار في الرّدّ على المعتزِلة القَدَريّة الأشرار):
«فصل في بيان عقيدة أصحاب الحديث الّتي أدينُ الله بها، وهي الإيمان بأنّ الله سبحانه واحدٌ لا شريك له، فردٌ لا مِثلَ له، قديمٌ لا أوّل له، مُوجِدٌ لا مُوجِدَ له، باقٍ لا انقطاعَ له، ليس بجوهر، ولا جسم، ولا عَرَض، ولا بمحلّ الأعراض والجواهر والأجسام، ولا يَحُلُّها...»، إلى آخر ما قال، وباللهِ العِصمةُ والتّوفيق.
#عقيدة
#علم_الكلام
1 687
عن أبي أُمامةَ، عن عُقبةَ بنِ عامرٍ رضي الله عنه، قال:
قلتُ: يا رسولَ الله، ما النّجاة؟
قال صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّمَ: «امْلِكْ عَلَيْكَ لِسانَك، ولْيَسَعْكَ بَيْتُك، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِك».
أخرجَه ابنُ المبارَكِ في (الزُّهد)، ومِن طريقِه أحمدُ في (المُسْنَد)، والتِّرْمِذيُّ في (السُّنَن)، وقال: هذا حديثٌ حَسَن.
#وصايا
#عيون_الكلم
1 687
Repost from إسماعيل عرفة
هذا خبر من أخبار شيخ شيوخنا الولي الصالح محمود جنيد الكعكي عليه رضوان الله
يحكيها شيخنا ولده الشيخ سهل متع الله به، مفتي حمص الحالي، وقد سمعتها بنفسي منه منذ سنتين تقريبًا، ولعلها أول مرة يحدّث بها في مجلس عام مصوّر والله أعلم
"الاستقامة عين الكرامة"
1 687
(رمز أسماء أمهات المؤمنين)
خَلِيلِي سَبَتْ عَقْلِي حُلَا زَيْنِ هالةٍ
زَهَا جَفْنُها رَمْزًا صحيحًا مُهذَّبا
خليلي: خديجة بنت خُوَيْلِد.
سبت: سَوْدة بنت زَمْعة.
عقلي: عائشة بنت أبي بكر.
حلا: حفصة بنت عُمَر.
زين: زينب بنت خُزَيْمة.
هالة: هند بنت أبي أُمَيّة (أمّ سَلَمة).
زها: زينب بنت جحش.
جفنها: جُوَيرية بنت الحارث.
رمزا: رَمْلة بنت أبي سُفيان (أمّ حبيبة).
صحيحا: صفيّة بنت حُيَيّ.
مهذبا: ميمونة بنت الحارث.
رضي الله عنهنّ.
#لطائف
1 687
الشّاكريّون
سمعتُ أحدَ الفضلاء، مِن جُلَساءِ أستاذِنا أبي بَراء، ليلةَ الاحتفالِ بصدورِ كتابِه العاطر، المسمَّى (في مَقامِ شاكر)، يقول:
"كثيرًا ما نُتَّهَمُ بالشّاكريّة، وقد كانَ شاكرٌ رجُلًا يُعلِّمُ الحُرّيّة؛ فمتَى تَشَبَّعْنا بالشّاكريّة، لمْ نكنْ شاكريِّين!"
فما ألطفَ قولَه، وما أحسنَ معناه!
نعم؛ ليس الأستاذُ الّذي مَطْمَحُه أن يصيرَ طُلّابُه "نُسَخًا" منه، يردِّدونَ أقوالَه، ولا يَبْرَحُونَ آراءَه، ولكنَّ الأستاذَ الّذي يُخَرِّجُ أساتذةً، لهم نظرٌ مُستقِلٌّ، منضبِطٌ بضوابطِ العِلم، وبذلك يَربُو العِلمُ ويَزكُو. وفي أذني الآنَ قولُ بعضِ شيوخي، رحمه الله تعالى: "إنّ نجاحَ القائدِ بقَدْر ما يُخلِّفُ بعدَه مِن القادة".
وقد وافقَ يومُ عاشوراءَ من هذا العام، ذِكرى مَولدِ أبي فهرٍ الحاديةَ والعشرينَ بعد المئة، رحمه الله، وطيّب ثراه، وجزاه عن العربيّة وأهلها خيرَ الجزاء وأوفاه.
#ذكرى
#صقريات
1 687
أين ربُّك؟
يُحكى عن عامر بن عبد قيسٍ في ذلك خبرٌ مشهور.
أمّا عامرٌ هذا، فهو أحدُ الثّمانية من التّابعينَ الّذينَ انتهى الزُّهدُ إليهم، وفيه قال أبو نُعيم في (حلية الأولياء):
"كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْعَابِدِينَ، وَفَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، يَقُومُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا يَزَالُ قَائِمًا إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَقَدِ انْتَفَخَتْ سَاقَاهُ وَقَدَمَاهُ، فَيَقُولُ: يَا نَفْس، إِنَّمَا خُلِقْتِ لِلْعِبَادَةِ، يَا أَمَّارَةً بِالسُّوءِ!"
وقال الذّهبيّ في (سيَر أعلام النّبلاء):
"الْقُدْوَةُ الْوَلِيُّ الزَّاهِدُ... قَالَ الْعِجْلِيُّ: كَانَ ثِقَةً مِنْ عُبَّادِ التَّابِعِينَ. رَآهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَالَ: هَذَا رَاهِبُ هَذِهِ الْأُمَّةِ!"
وأمّا خبرُه المشار إليه، فذلك أنّ عثمان بن عفّان، رضي الله عنه، رآه يومًا في دِهليزه، فرآه ظاهرَ الأعرابيّةِ ولم يَعرِفْه، فقال: يا أعرابيّ، أين ربُّك؟ فقال: بالمِرصاد!
حكاه الجاحظُ في (البيان والتّبيّن)، وابنُ قُتيبة في (المعارف)، والمبرّد في (الكامل)، وابنُ عطيّة في تفسيره، وغيرُهم.
وهو مِن محاسنِ الأجوِبة.
ومِن بابتِه ما رُوي في سببِ نزولِ قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}؛ وذلك أنّ الصّحابةَ، رضي الله عنهم، سألوا النّبيّ، صلّى الله عليه وآله وسلّم: "أين ربُّنا؟"، فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآية.
روى ذلك الإمامُ الطّبريُّ، وصدّرَ تفسير الآية بقوله: "يعني -تعالى ذكرُه- بذلك: وإذا سَألك، يا محمّدُ، عبادي عنّي: أين أنا؟ فإنّي قريبٌ منهم؛ أسمع دُعاءهم، وأجيب دعوة الداعي منهم."
وهو جوابُ الحكيمِ عبادَه؛ فافهمْ!
#تراجم
#تفسير
1 687
أسعدُ النّاس، مَن عاشَ يَلتمسُ الحِكمةَ في كلام النّاس.
وأشقى النّاس، مَن لم يكن همُّه إلّا الحُكمَ على النّاس.
1 687
ليس وراءَ اللهِ مَرْمى!
في (الموطّأ)، عَن الإمام مَالِكٍ، رضي الله عنه، أنّه بَلَغَهُ أنّه كانَ يُقالُ:
"حَسْبِيَ اللهُ وَكَفَى، سَمِعَ اللهُ لِمَنْ دَعَا، لَيْسَ وَرَاءَ اللهِ مَرْمى!"
قال الزُّرقانيّ، نقلًا عن الباجِيّ:
"هذا يَقتضي أنّه مِن قولِ أئمّةِ الشّرع؛ لأنّ مالكًا أدخلَه في كتابه المعتقد صحّته...
(ليس وراء الله مرمى) أي: غايةٌ يُرمَى إليها، أي: تُقصَدُ بدعاءٍ أو أملٍ أو رجاء؛ تشبيهًا بغاية السِِّهام." اهـ
قال ابنُ العربيّ: "أي: عِندَهُ وقَفَتِ الرَّغَبات، وإليهِ انتهَتِ العُقول." اهـ
وروى ابنُ عبد البَرّ بإسنادِه في (الاستذكار) و(التّمهيد):
"عن عبد الرّحمن بن عَوف، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا أبا عبد الرّحمن، ألا أعلِّمُك عُوذةً كان إبراهيمُ يُعَوِّذُ بها ابنَيْهِ إسماعيلَ وإسحاق، وأنا أعوِّذُ بها الحَسَنَ والحُسَيْن؟ قال: قلت بلى يا رسول الله! قال: كَفَى بسَمْعِ اللهِ واعيًا لمَن دعا، لا مَرْمَى وراءَ اللهِ لرامٍ رَمَى!" اهـ
وروى ابنُ السُّنّيّ بإسنادِه في (عمل اليوم واللّيلة):
"عن فاطمةَ بنتِ رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلّم، قالت: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَلِمَاتٍ، وَقَالَ: (إِذَا أَخَذْتِ مَضْجَعَكِ فَقُولِي: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَافِي، سُبْحَانَ اللهِ الْأَعْلَى، حَسْبِيَ اللهُ وَكَفَى، مَا شَاءَ اللهُ قَضَى، سَمِعَ اللهُ لِمَنْ دَعَا، لَيْسَ مِنَ اللهِ مَلْجَأٌ وَلَا وَرَاءَ اللَّهِ مُلْتَجَا، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ، {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيُّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}). ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَقُولُهَا عِنْدَ مَنَامِهِ، ثُمَّ يَنَامُ وَسَطَ الشَّيَاطِينِ وَالْهَوَامِّ فَتَضُرّه". اهـ
وفي (تاريخ ابن مَعِين):
"إذا كتبتَ على بابِ الدّار أو باب البيت: (حسبيَ اللهُ وكفَى، سَمِعَ اللهُ لمَنْ دَعا، ليس وراءَ اللهِ مَرْمَى)- لمْ يَدخُلِ الشّيطان." اهـ
وقال ابنُ حِبّان في (الثّقات):
"يحيى بن يزيد قال: سمعتُ الرّبيعَ بنَ أنَسٍ يقول: مَن راعَه شيءٌ فليقل: حسبيَ اللهُ وكفى، ليس وراءَ اللهِ مَرْمَى، سَمِعَ اللهُ لمَن دعا!" اهـ
#عيون_الكلم
1 687
{ثُمَّ قَالَ لهُ كُنْ فيَكُونُ} (آل عِمران: 59)
نُكتةُ عطف المضارع على الماضي: الدلالة على التعقيب من غير مُهلة؛
فلو قيل: (قال له كن فكان)، لم تدل الفاء إلا على التسبيب وأن القول سبب للكون،
فعطف بلفظ المضارع ليعطي التعقيب أيضا؛ فصار قوله: (فيكون)، بمنزلة قولك: (فكان في الحال).
مستفاد من العلامة السُّهيليّ رحمه الله.
#بلاغة
#تفسير
1 687
قال الشّيخُ أبو يزيدَ البِسطاميّ، رضي اللهُ عنه:
"غَلِطْتُ في ابتدائي في أربعةِ أشياء:
توهّمتُ أنّي أَذكُرُه، وأَعرِفُه، وأُحِبُّه، وأَطلُبُه!
فلمّا انتَهَيْتُ رأيتُ ذِكْرَه سبقَ ذِكْري، ومعرفتَه تقدّمَتْ معرفتي، ومحبّتَه أقدَمَ مِن محبّتي، وطَلَبَهُ لي أوّلًا حتّى طلبتُه!"
وقَبَسَ ابنُ القيّم، رحمه الله، قَبسةً مِن نوره، فقال:
"وإذا ذَكَرَ العبدُ ربَّه، فذِكْرُ اللهِ سابقٌ على ذِكْرِه؛ فإنّه لمّا ذَكَرَهُ ألهَمَهُ ذِكْرَه"، انتهى.
وكان سيّدُنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يَحمدُ اللهَ تعالى في أوّلِ يومِه، على أنّه أَذِنَ له بذِكْرِه، ويُرشِدُنا إلى هذا الحمدِ مِن بعدِه.
وقال اللهُ تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}؛ فهذا ذِكرٌ ثانٍ مِنَ الله، جَلَّ ثناؤه، لمَن يَذكرُه.
فقد وقع ذِكرُ العبد بين ذِكرَيْنِ لله، تبارك وتعالى!
وقال عَزَّ اسمُه: {وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ}، أي: ولذِكرُ اللهِ إيّاكم أكبرُ مِن ذِكْرِكم إيّاه!
ولذا قال العارفُ ابنُ عطاء الله، قُدِّسَ سِرُّه، في (الحِكَم):
"أكرمَك بكراماتٍ ثلاث:
- جعلَك ذاكرًا له، ولولا فضلُه لم تكن أهلًا لجرَيان ذِكره عليك،
- وجعلَك مذكورًا به؛ إذ حَقّقَ نِسبتَه لديك،
- وجعلَك مذكورًا عنده، فتَمَّمَ نِعْمَتَهُ عليك."
فله، سبحانه، الحمدُ في الأولى والآخرة!
#سلوك
#عرفانيات
1 687
«ورأيتُ رسولَ الله، صلّى الله عليه وعلى آلِه وسلّم، يقول: يا عليّ، طَهِّرْ ثيابَك مِنَ الدَّنَس، تَحْظَ بمَدَدِ اللهِ في كلِّ نَفَس!
قلتُ: يا رسولَ الله، وما ثيابي؟
قال: اعلمْ أنّ اللهَ يا عليُّ قد خَلَعَ عليك خمسَ خِلَع: خِلعةَ المحبّة، وخِلعةَ المَعرِفة، وخِلعةَ الإيمان، وخِلعةَ التّوحيد، وخِلعةَ الإسلام..
مَن أحبَّ اللهَ هانَ عليه كلُّ شيء،
ومَن عَرَفَ اللهَ صَغُرَ لديه كلُّ شيء،
ومَن وَحَّدَ اللهَ لم يُشرِكْ به شيئا،
ومَن آمنَ بالله أمِنَ مِن كلِّ شيء،
ومَن أسلمَ للهِ قَلَّما يصيبُه شيء، وإن عصاه اعتذرَ إليه، وإن اعتذرَ إليه قَبِلَ عُذرَه.»
حكاه السَّخاويّ في (الأجوِبة المَرْضيّة)، عن الشّيخ أبي الحسَن الشّاذِليّ في رؤيا مناميّة.
#عرفانيات
#عيون_الكلم
1 687
طلب المستحيل من الله تعالى
يُطلق بعضُ النّاس -تحمُّسًا- هذه العبارة، ويُحَمِّسُ غيرَه عليها، ذاهلًا عمّا تنطوي عليه.
وقد صرّح العلماءُ بأن طلبَ المُحال من الاعتداء في الدّعاء. والمُحال منه ما هو عَقليّ، كالجمع بين الضدّين، ومنه ما هو عاديٌّ مخالِف للسُّنن الكونيّة، ومنه ما هو شرعيّ كوجود نبيّ بعدَ سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكلّ ذلك ممّا لا يجوز طلبُه والدّعاءُ به، إلّا ما استُثنِيَ لنبيّ أو وليّ.
قال القَرافيّ في (الفُروق):
«الفرق الثالث والسبعون والمئتان بين قاعدة ما هو محرم من الدعاء وليس بكفر، وبين قاعدة ما ليس محرما...
القسم الأول أن يطلب الداعي من الله تعالى المستحيلات التي لا تُخِل بجلال الربوبية، وله أمثلة:
(الأول) أن يطلب من الله تعالى أن يجعله في مكانين متباعدين في زمن واحد؛ ليكون مطلعا على أحوال الإقليمين، فهذا سوء أدب على الله تعالى...
(الثاني) أن يسأل الله تعالى دوام إصابة كلامه من الحِكم الدقيقة والعلوم الشريفة أبد الدهر؛ ليَفتخر بذلك على سائر الفضلاء، ويُنتفع به أكثر من سائر العلماء.
(الثالث) أن يسأل الله تعالى الاستغناء في ذاته عن الأعراض؛ ليَسلم طول عمره من الآلام والأسقام والأنكاد والمخاوف وغير ذلك من البلايا.
وقد دلت العقول على استحالة جميع ذلك، فإذا كانت هذه الأمور مستحيلة في حقه عقلا كان طلبها من الله تعالى سوء أدب عليه؛ لأن طلبها يعد في العادة تلاعبا وضحكا من المطلوب منه، والله تعالى يجب له من الإجلال فوق ما يجب لخلقه، فما نافى إجلال خلقه أولى أن ينافي جلاله من كل نقص. بل قد عاب الله تعالى جميع خلقه بقوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91]، أي: ما عظموه حق تعظيمه، وقال عليه الصلاة والسلام «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» أي ثناؤك المستحق ثناؤك على نفسك، أما ثناء الخلق فلا؛ لأنه دون المستحق.
وقس على هذه المُثُل نظائرها، واقض بأنها معصية، ولا تصل إلى الكفر؛ لأنها من باب قلة الأدب في المعاملة دون انتهاك حرمة ذي الجلال والعظمة.
(القسم الثاني) من المحرم الذي لا يكون كفرا: أن يسأل الداعي من الله تعالى المستحيلات العادية، إلا أن يكون نبيا؛ فإن عادة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- خرق العادة، فيجوز لهم ذلك، كما سألوا نزول المائدة من السماء، وخروج الناقة من الصخرة الصماء- أو يكون وليا له مع الله تعالى عادة بذلك، فهو جار على عادته، فلا يعد ذلك من الفريقين قلة أدب- أو لا يكون وليا ويسأل خرق العادة ويكون معنى سؤاله أن يجعله وليا من أهل الولاية حتى يستحق خرق العادة. فهذه الأقسام الثلاثة ليست حراما.
وأما المحرم فله أمثلة:
(الأول) أن يسأل الله تعالى الاستغناء عن التنفس في الهواء؛ ليأمن الاختناق على نفسه، وقد دلت العادة على استحالة ذلك.
(الثاني) أن يسأل الله تعالى العافية من المرض أبد الدهر؛ لينتفع بقواه وحواسه وأعضائه أبد الدهر، وقد دلت العادة على استحالة ذلك.
(الثالث) أن يسأل الله تعالى الولد من غير جماع، أو الثمار من غير أشجار وغراس، وقد دلت العادة على استحالة ذلك.
فطالب ذلك مسيء الأدب على الله تعالى، وكذلك قول الداعي: اللهم لا ترم بنا في شدة؛ فإن عادة الله تعالى جارية قطعا بوقوع بعض الأنفس في الشدائد، بل لا تكاد نفس تسلم من شدة في مدة حياتها. وكذلك قول الداعي: خرق الله العادة في بقائك، وهو كثير في العرف. وكذلك قوله: أعطنا خير الدنيا والآخرة، واصرف عنا شر الدنيا والآخرة- لا يجوز؛ لأن من المحال أن يحصل هذا المدعو به لهذا الداعي فلا بد أن يقصد بهذا العموم الخصوص، إذ لا بد أن يفوت هذا الداعي رتبة النبوة ومرتبة الملائكة ودرجات الأنبياء في الجنة، ولا بد أن يدركه بعض الشرور ولو سكرات الموت ووحشة القبر؛ فلا بد أن يقصد بهذا العموم الخصوص، وقس على هذه نظائرها.» اهـ
وقال ابن تيميّة:
«فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات، وتارة يسأل ما لا يفعله الله، مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب. ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولدا من غير زوجة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله.» اهـ
فينبغي أن يتحرّى الداعي الأدبَ الواجب في الدّعاء، ويتفقّه في ما يدعو الناس إليه، وبالله التوفيق.
#فقه
اکنون در دسترس! پژوهش تلگرام ۲۰۲۵ — مهمترین بینشهای سال 
