fa
Feedback
مُسْكَة | جهاد الخُزاعي

مُسْكَة | جهاد الخُزاعي

رفتن به کانال در Telegram

شذرُ المعقول ومذرُه... وقلمُ الرصاص وخربشتُه

نمایش بیشتر
کشور مشخص نشده استدسته بندی مشخص نشده است
1 076
مشترکین
-124 ساعت
+177 روز
+4630 روز
آرشیو پست ها
كيف يكون في جهة ثم لا يكون جسمًا ولا في مكان؟ . الجواب: في الاصطلاح، المكان ليس فضاءً ثلاثيَّ الأبعاد قائمًا بنفسه كما قد يتبادر إلينا اليوم، بل هو -على التحقيق- الحدّ أو السطح الباطن من الجسم الحاوي المماسّ للجسم المحوي، فالماء في الإناء له مكان؛ لأنَّ سطح الإناء يحيط به، والهواء المحيط بالإنسان مكان للإنسان بهذا الاعتبار، ولهذا يقول ابن رشد في النص [146] الذي نقله الأخ التميمي ما معناه: إنَّ كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسم. أما الجهة فأعم من المكان، والجهات الست (فوق وتحت ويمين وشمال وأمام وخلف) تُنْتَزع أولًا من نهايات الجسم وأسطحه، ولهذا يقول إنَّ الجهات هي سطوح الجسم نفسه أو سطوح جسم آخر محيط به. ثم إنَّ الفلك الأقصى لا يحيط به جسم آخر، فسطحه الخارجي نهاية العالم الجسماني، لكنَّه لا يمكن أن يكون مكانًا بالمعنى الذي شرحناه؛ لأنَّه لو كان مكانًا لكان سطح جسمٍ آخر حاوٍ له، ثم لاحتاج ذلك الجسم إلى جسم يحويه، وهكذا إلى غير نهاية، وهذا عين البرهان الذي يذكره ابن رشد في [147]. فإذن عندنا: سطح الفلك الأقصى، وهو جهةٌ ونهايةٌ للعالم الجسماني، لكنَّه ليس مكانًا؛ لأنَّ الجسم لو كان هناك لاحتاج إلى مكان، أي إلى جسم حاوٍ آخر. وهذا ممتنع بعد أن ثبت أن الفلك الأقصى هو نهاية عالم الأجسام، فأيُّ موجودٍ لاجسمانيٍّ لا يحتاج أصلًا إلى السطح الحاوي الذي يحتاجه الجسم. لكن يبقى سؤال لائح: إذا لم يكن ثمة مكان وراء الفلك، فما معنى "في تلك الجهة" أصلًا؟ هنا يجب تجنب فهم كلمة "في" على معنى الظرفية المكانية، فابن رشد لا يريد أن يقول: إنَّ الله يوجد داخل حيّز فوق الفلك؛ لأنَّ هذا يعيد المكان الذي أنكره، بل يريد شيئًا أقرب إلى أنَّ نسبة الموجود المفارق إلى العالم الجسماني هي نسبة العلو، وإن غاية جهة العلو الجسماني هي سطح الفلك الأقصى، وليس وراء هذا السطح امتدادٌ جسماني يكون الله حالًّا فيه. فالجهة هنا نسبة إلى العالم وليست ظرفًا يحل فيه الموجود المفارق، وهذه نقطة شديدة الأهمية، فهناك فرقٌ بين قولك: لزيد موضع في جهة الفوق، وبين قولك: زيد منسوب إلى جهة العلو الأول يقتضي حيّزًا يشغله زيد، أما الثاني فلا يلزم منه ذلك إذا كان المراد بالجهة طرف النظام الجسماني الذي تنتهي إليه النسبة. ولهذا فقول ابن رشد في [١٤٩]: "ذلك الموضع ليس هو مكانًا ولا يحويه زمان" يكشف عن استعمال غير اصطلاحي لكلمة الموضع، فهو لا يريد المكان بالمعنى الطبيعي، وإلَّا ناقض نفسه في الجملة ذاتها، بل المراد الجهة أو المرتبة التي ينتهي إليها العالم الجسماني من ناحية العلو. فإن قال قائل: أليس هذا مجرد تلاعب لفظي؟ لا، ليس تلاعبًا لفظيًّا، ولكن فيه دقة يجب إظهارها، فعند أرسطو لا يوجد فراغ وراء العالم؛ لأنَّ الفراغ نفسه نوع من الامتداد القابل لشغل الجسم، وهذا منتفٍ، لذلك، عبارة "خارج العالم" لا تعني: العالم هنا، ثم عدة أمتار من الفراغ، ثم الله؛ فهذا التصور مرفوض من أصله، بل العالم الجسماني ينتهي عند الفلك الأقصى، وما ليس جسمًا لا يحتاج إلى أن يكون بعد تلك النهاية بمسافة. بمعنى آخر: العالم الجسماني له نهاية، ونهاية جهة العلو هي الفلك الأقصى، ولا مكانَ جسمانيًّا وراءها، والموجود المفارق لا يحتاج إلى مكان؛ لذلك لا يمتنع أن يوصف بالعلو أو بأنَّه في جهة السماء من حيث النسبة إلى العالم، من غير أن يكون جسمًا حالًّا في حيّز. لكن هذا يقود إلى تمييز آخر حاصله: إن جعلنا الجهة نفسها حيّزًا ممتدًا قابلًا للإشارة إليه بأجزاء ومسافات، فلا يمكن عندئذ الحفاظ على قول ابن رشد بأنه ليس في مكان؛ لأنَّك إن قلت: الله في نقطة معينة من امتداد فوق الفلك، فقد أثبتَّ له مكانًا بالفعل ولو سميته جهة. ولهذا لا يستقيم مذهبه إلَّا إذا كان معنى الجهة هنا: الجهة الإضافية والنسبية إلى العالم، لا جهةً امتداديةً محيطةً بالله، وبعبارة أخرى: الموضوع الذي تنتهي إليه الإشارة غير الموضوع الذي تحل فيه الذات المشار إليها، والأدق عندي أن يقال: الله عند ابن رشد ليس متجهِّهًا [أو متحيِّزًا] بمعنى أن ذاته مقيدة بالجهة، وإنَّما العالم هو الذي له جهات، ونسبة الله إلى العالم من جهة العلو هي التي يعبَّر عنها بأنه في الجهة، وهذا الفرق هو الذي يمنع عنده الانتقال من إثبات الجهة إلى إثبات الجسمية.

كون الله في السماء عند أرسطو أمرٌ مشهور بين المشائين، وهذا من غير أن يلزم من هذا أن يكون الله في مكان، وهذا أمر يتبيّن بيسر ع
+2
كون الله في السماء عند أرسطو أمرٌ مشهور بين المشائين، وهذا من غير أن يلزم من هذا أن يكون الله في مكان، وهذا أمر يتبيّن بيسر عند مراجعة تعريف المكان عند المشائين، وقد أحسن ابن رشد بيان هذا في الكشف عن مناهج الأدلة، وذكر اتفاق الحكمة والشريعة على أن الله في السماء (في جهة) خلافًا للمتكلمين. ويتبيّن من هذا أيضًا أن وفق مباني المشائين لا حاجة علمية إلى افتراض عوالم أخرى وراء هذا العالم المحسوس كعالم المُثل؛ لأن موضع جميع العقول المجردة (الجواهر الروحانية) خارج النفس هو في السماء (محيط الفلك الأقصى)، هناك حيث لا يلزم أن يكون العقل المجرد في مكان، ومن ثمّ جسمًا.

والأمر الطريف أنَّ سمبليقيوس نفسه يورد تقريبًا نفس التعليل الذي أورده زاباريلا: إنَّ أرسطو تناول هذه المسألة لأنَّ الفيثاغوريين كانوا يجعلون المبدأ في الوسط، وأنه نقل الأولوية إلى فلك الثوابت لأنَّ الحركة فيه أول وأسرع.

في آخر المقالة الثامنة من السماع الطبيعي*، يقول أرسطو، بعد إثبات المحرّك الأول غير المتحرك، ما معناه: لا بد أن يكون [مبدأ الحركة] إما في الوسط وإما في المحيط؛ لأنَّ هذين مبدآ الكرة، والأشياء الأقرب إلى المحرّك أسرع حركة، وحركة المحيط هي الأسرع، فالمحرّك إذن هناك. لكن ما معنى "المحرّك في المحيط"؟ لا يصح أن نفهم أرسطو كأنَّه يقول: إن الإله جسمٌ جالسٌ على سطح الفلك الأقصى، بل هذا ممتنعٌ على أصول أرسطو نفسه؛ لأنَّه بعد هذه الأسطر بقليل يبرهن أنَّ المحرّك الأول: لا جزء له، ولا مقدار له، وغير منقسم. أي إنَّه ليس جسمًا أصلًا، وهذا في نفس الفصل من السماع الطبيعي. ولهذا تنبّه الشراح القدماء والوسيطيون إلى الإشكال: كيف تقول عن شيء مفارق لا مقدار له إنه "في المحيط"؟ والجواب المشهور عندهم أنَّ "في" هنا ليست كونًا في المكان بالذات، وإنما نسبةٌ إلى موضع ظهور فعله الأول في المتحرّك. توما الأكويني مثلًا يصرّح بأنَّ المحرّك الأول لا يختص بجزء من الجسم بذاته، وإنما يقال إنه في ذلك الجزء بحسب سببيته في الحركة، أي من حيث تبدأ منه الحركة في المتحرّك. وهذا قريب جدًّا من تفسير ابن رشد أيضًا: فالمحرّك المفارق ليس في مكان حقيقة، وإنَّما ينسب إلى المحيط من جهة أنَّ أثر تحريكه الأول يظهر هناك، وقد فُسِّرت "القرب" عنده أيضًا قربًا في الرتبة والعلية لا مجرد مسافة مكانية. فالأدق أن نقول: المحرّك الأول عند أرسطو ليس حالًّا في المحيط، وإنَّما المحيط هو أول موضع في العالم الجسماني يتلقى فعله التحريكي، وهذا فرقٌ جوهريٌّ. والحجة عنده ليست مجرد أن المحيط أشرف، بل لها بناء طبيعي حركي: [1] للحركة الدائرية مبدآن هندسيان بارزان: المركز والمحيط. [2] والجزء الأقرب إلى مبدأ التحريك ينبغي أن يكون أشد حركة أو أسرعها. [3] في دوران الفلك كله، تكون الأجزاء الأبعد عن المركز أسرع حركة من حيث المسافة المقطوعة في الزمن نفسه. يقول توما وحاصل كلامه: إنَّ الأجرام الأعلى تقطع محيطات أعظم في الزمن نفسه، فهي أسرع بالحركة اليومية الكلية، ولذلك استدل أرسطو على أن مبدأ الحركة ليس في المركز بل في المحيط. . *أرسطو، كتاب السماع الطبيعي، المقالة الثامنة، وبحسب ترقيم بيكر: 267b6–9.

في آخر المقالة الثامنة من السماع الطبيعي*، يقول أرسطو، بعد إثبات المحرّك الأول غير المتحرك، ما معناه: لا بد أن يكون [مبدأ الحركة] إما في الوسط وإما في المحيط؛ لأنَّ هذين مبدآ الكرة، والأشياء الأقرب إلى المحرّك أسرع حركة، وحركة المحيط هي الأسرع، فالمحرّك إذن هناك. لكن ما معنى "المحرّك في المحيط"؟ لا يصح أن نفهم أرسطو كأنَّه يقول: إن الإله جسمٌ جالس على سطح الفلك الأقصى. بل هذا ممتنع على أصول أرسطو نفسه؛ لأنَّه بعد هذه الأسطر بقليل يبرهن أنَّ المحرّك الأول: لا جزء له، ولا مقدار له، وغير منقسم. أي إنَّه ليس جسمًا أصلًا، وهذا في نفس الفصل من السماع الطبيعي. ولهذا تنبّه الشراح القدماء والوسيطون إلى الإشكال: كيف تقول عن شيء مفارق لا مقدار له إنه "في المحيط"؟ والجواب المشهور عندهم أنَّ "في" هنا ليست كونًا في المكان بالذات، وإنما نسبةٌ إلى موضع ظهور فعله الأول في المتحرّك. توما الأكويني مثلًا يصرّح بأنَّ المحرّك الأول لا يختص بجزء من الجسم بذاته، وإنما يقال إنه في ذلك الجزء بحسب سببيته في الحركة، أي من حيث تبدأ منه الحركة في المتحرّك. وهذا قريب جدًّا من تفسير ابن رشد أيضًا: فالمحرّك المفارق ليس في مكان حقيقة، وإنَّما ينسب إلى المحيط من جهة أنَّ أثر تحريكه الأول يظهر هناك، وقد فُسِّرت "القرب" عنده أيضًا قربًا في الرتبة والعلية لا مجرد مسافة مكانية. فالأدق أن نقول: المحرّك الأول عند أرسطو ليس حالًّا في المحيط، وإنَّما المحيط هو أول موضع في العالم الجسماني يتلقى فعله التحريكي، وهذا فرقٌ جوهريٌّ. والحجة عنده ليست مجرد أن المحيط أشرف، بل لها بناء طبيعي حركي: للحركة الدائرية مبدآن هندسيان بارزان: المركز والمحيط. والجزء الأقرب إلى مبدأ التحريك ينبغي أن يكون أشد حركة أو أسرعها. المقدمة الثالثة في دوران الفلك كله، تكون الأجزاء الأبعد عن المركز أسرع حركة من حيث المسافة المقطوعة في الزمن نفسه. يقول توما ما معناه: إنَّ الأجرام الأعلى تقطع محيطات أعظم في الزمن نفسه، فهي أسرع بالحركة اليومية الكلية، ولذلك استدل أرسطو على أن مبدأ الحركة ليس في المركز بل في المحيط. . *أرسطو، كتاب السماع الطبيعي، المقالة الثامنة، وبحسب ترقيم بيكر: 267b6–9.

"وينبغي أن يُعتقد أن أرسطو إنما سيق إلى قول هذه الأمور [أن الله في محيط الفلك الأقصى] بسبب رأي الفيثاغوريين الذين كانوا يضعون الله في المركز؛ فإنه وإن لم يكن هو في الحقيقة في موضعٍ على وجه التخصيص، إلا أنه إن وجب أن يُجعل له موضع خاص، فالأولى أن يكون الدائرة —أي المحيط— لا المركز؛ إذ يجب أن يُقال إن المحرّك مستقرّ حيث تكون الحركة، وهناك على أخصّ الوجوه حيث تكون الحركة العظمى." جاكوبو زاباريلا | شرح السماع الطبيعي

"وقد وضع قومٌ بالفعل جوهرًا مفارقًا زائدًا، متميّزًا عن العقول السماوية وعن الله، يتولّى تدبير العالم الكائن الفاسد، ويكون العقل الفعّال للناس أجمعين. وهذا هو رأي ابن سينا، الذي ذهب إلى أن العقل الفعّال هو واهب الصور، وهو آخر العقول المفارقة، متميّز عن تلك المحرّكة للأجرام السماوية، وأن النفوس الإنسانية كلها إنما تستفيد فعلها العقلي من هذا العقل الفعّال الواحد. غير أن هذا الرأي لا أصل له عند أرسطو؛ فإن أرسطو لا يُسلّم بعقلٍ ما وراء تلك العقول التي تحرّك السماوات، وواهبُ الصور المفارق الذي وضعه ابن سينا إنما هو من مخترعات العرب، مأخوذٌ من مصادر أفلاطونية محدثة بدلًا من المذهب المشّائي؛ فهذا الرأي إذن متروكٌ لكونه أجنبيًّا عن أرسطو." جاكوبو زاباريلا | كتاب العقل الفعّال من الأمور الطبيعية

فليس هذا انتقالًا عارضًا من التصديق إلى التصور، وإنما هو سؤال داخل في كمال المعرفة البرهانية نفسها: إلى أي مرتبة من معرفة الشيء يبلغ بنا البرهان؟ ولو انتهى البحث عند إثبات أن البرهان يعلمنا "لم"، وترك السؤال عن أثر العلم بالعلة في استكمال "ما هو"، لبقي البحث في منفعة البرهان ناقصًا بحسب هذا التصور. ولهذا كان وصف الحد من هذه الجهة بأنَّه ثمرة البرهان وغاية من غاياته أدق من وصف البحث فيه بأنه إقحام.

وبذلك يزول التناقض الظاهر بين قولين: لا برهان على الماهية من حيث هي ماهية، وقد تعرف الماهية التامة بواسطة البرهان. فالأول ينفي أن نقيم قياسًا تكون نتيجته "هذا هو حد هذا" من حيث هو حد؛ والثاني يثبت أن العلم بالعلة الذي ينتجه البرهان يستكمل به الحد، وهذا فرقٌ دقيقٌ، وإغفاله يجعل مباحث المقالة الثانية تبدو متناقضة أو مقحمة وهي ليست كذلك. وقد يقال بناءً على تقدم التصور على التصديق: أفلا ينبغي استيفاء جميع مباحث الحد قبل الشروع في البرهان؟ أقول: في هذا انتقال من تقدم التصور الذي يتوقف عليه التصديق إلى تقدم جميع المسائل المتعلقة بالحد في ترتيب التعليم، ولا ملازمة بين الأمرين. نعم، لا يحصل تصديق معين إلَّا بعد تصور طرفيه؛ لكن لا يلزم أن تكون جميع المسائل النظرية المتعلقة بتمام حقيقة الطرفين قد استوفيت قبل كل تصديق. فمعرفة معنى الخسوف بما يكفي لفهم المطلوب شيء، ومعرفة الحد التام للخسوف من علته شيء آخر، بل لو اشترطنا استيفاء الحد التام قبل البرهان في كل موضع لوقعنا في قلب المقصود؛ لأن بعض الأشياء إنما نطلب البرهان عليها لأن معرفتنا التامة بها لم تحصل بعد. فنحن نعرفها معرفة اسمية أو مجملة، ثم نهتدي بالحد الأوسط العلي إلى المعرفة المتميزة. ولهذا يلتقي سؤالا "لم" و"ما هو" في العلة نفسها. فإذا سُئِل: لم ينكسف القمر؟ كان الجواب ببيان العلة. وإذا سُئِل: ما الخسوف على الوجه التام؟ دخلت تلك العلة نفسها في تمام الجواب؛ لأنَّ العلم التام بالعرض لا يكتفي بوصف الأثر، بل يرده إلى سببه القريب. أما إذا عرفنا وجود الخسوف بعلامة متأخرة لا بعلة، فقد عرفنا أنَّ الخسوف موجود، ولم نعلم بعد لم ولا ما هو على الوجه التام، وحين نعثر على العلة المناسبة ينتقل العلم من مجرد الإثبات إلى التفسير، ومن المعرفة الناقصة إلى المعرفة العلية التامة. فهذه البنية المعرفية نفسها تفسر مجيء مبحث الحد بعد مباحث من البرهان، بدل أن تجعل ذلك شذوذًا في الترتيب. وقد يرد سؤال آخر: إذا كان الموضع الطبيعي لاكتساب الحد قسم التصورات، أفلا يكون الأولى استيفاء طرق اكتساب الحدود هناك، ثم الاقتصار في صناعة البرهان على استعمالها؟ أقول: هذا يساوي بين طريقتين مختلفتين لاكتساب الحد؛ فهناك محمولات ماهوية لا يمكن أن ينتجها البرهان على الشيء نفسه؛ لأنها مما يفترض فهمه لكي يمكن إقامة البرهان أصلًا، فإذا جهلناها احتجنا إلى طريق آخر لاقتناصها، كالتركيب وما يعين على جمع الأجزاء الماهوية كالقسمة، وهذا البحث يصح وصفه بأنَّه بحث في اكتساب المبادئ التصورية السابقة. لكن هناك أمرًا آخر: استكمال حد العرض بعلته الخارجية القريبة. وهذا لا يحصل بمجرد جمع الجنس والفصل أو تحليل مفهوم الاسم، بل بتعيين: لم كان ذلك العرض ثابتًا لذلك الموضوع؟ وهذه معرفة سببية، والآلة الطبيعية لتحصيلها هي البرهان اللمي. إذن ليس كل ما يسمى "اكتساب الحد" شيئًا واحدًا، ولا يكتسب كل حد بطريق واحد، فمن ثم لا يصح أن نجمع جميع أنحاء اكتساب الحد في موضع واحد، ثم نجعل ذلك أصلًا للحكم على كل بحث حدي في صناعة البرهان بأنه إقحام. ويزداد الأمر وضوحًا إذا ميزنا حد الجوهر من الحد التام للعرض؛ فحد الجوهر من حيث يدل على مقومات ماهيته لا يبرهن عليه بعلة خارجة عن ماهية الشيء؛ لأن مقومات الذات لا تثبت للذات بواسطة أمر خارج عنها على نحو ثبوت العرض لموضوعه بعلة. ومن ثم يعامل هذا الحد في البرهان معاملة المبدأ المعلوم، أو يطلب بطريق آخر إذا كان مجهولًا، وأما العرض الذي له علة، كالخسوف أو الرعد، فإن حده التام لا يكتمل إلا بذكر تلك العلة. فقولنا: "الخسوف فقدان ضوء القمر"، يعطينا تصورًا للعرض، ولكنه لا يشتمل على سبب وجوده، أما إذا أضيفت العلة القريبة التي بها يحدث ذلك الفقدان، فقد صار العلم بالعرض علمًا أتم من جهة السببية، ولهذا يمكن أن يكون الحد التام للعرض ثمرة للبرهان، مع بقاء حد أول أو تصور اسمي معلوم قبله، وحينئذ لا تناقض بين أن يكون الحد متقدمًا في اعتبار ومتأخرًا في اعتبار آخر؛ لأن ما تقدم ليس من جهة المعرفة عين ما تأخر. وقد يتساءل بعضهم: لماذا جاء هذا البحث في المقالة الثانية خاصة؟ الجواب: إنَّ المقالة الأولى قد تقرر فيها معنى العلم البرهاني، ثم شروط البرهان ومبادئه، ثم ما يترتب على تلك الشروط من الخواص. ومن أعظم تلك الخواص أن الحد الأوسط إذا كان علة مناسبة لا يعطينا مجرد وقوع النتيجة، بل يبين لم كانت كذلك. ثم يبقى سؤال لم يستوف بعد: إذا علمنا السبب الذي لأجله كان الشيء، فهل يحصل لنا بذلك شيء من العلم بماهية ذلك الشيء؟ وهذا هو السؤال الذي يفتح الطريق إلى مباحث المقالة الثانية. ولهذا يقرب فيها بين سؤال "لم؟" وسؤال "ما هو؟"، ويبين أنَّ العلة القريبة التي هي الحد الأوسط تستطيع أن تشبع السؤالين من جهتين مختلفتين.

قال الدكتور: "الموضع الطبيعي لمبحث الحد وكيفية اكتسابه هو في قسم التصورات من المنطق العام". وأقول: إن أريد مطلق صناعة الحد من حيث تعريفه وشروطه العامة وكيفية اقتناص المحمولات الماهوية، فلذلك وجه؛ وإن أريد أن كل كلام في الحد بأي اعتبار كان يجب نقله إلى ذلك الموضع، فممنوع، فالحد قد ينظر إليه من حيث هو حد، وقد ينظر إليه من حيث هو مبدأ للبرهان، وقد ينظر إليه من حيث هو نتيجة للبرهان، وقد ينظر إلى الحد التام للعرض من حيث إن مادته هي مادة البرهان نفسه، وإنما تختلف الهيئة وترتيب الحدود، واختلاف الاعتبار يغير جهة المسألة. وهذا أصل منطقي عام؛ فإن المسألة لا تنسب إلى العلم لمجرد الاسم الذي ورد فيها، وإنما من حيث الجهة التي يبحث بها عن ذلك الشيء. فذكر العلة في صناعة البرهان لا يحولها إلى بحث في الطبيعيات أو الإلهيات، لأن العلة تبحث هناك من حيث كونها حدًّا أوسط مفيدًا للعلم. وكذلك الحد: لا يصير كل بحث فيه صناعة تصورية مستقلة إذا كان المطلوب هو تعيين نسبته إلى البرهان. والأدق أن يقال: ليس السؤال أين ينبغي أن تدرس الحدود؟ بل: أين ينبغي أن تدرس نسبة الحدود إلى البرهان، وكيف يكون بعضها مبدأً له وبعضها غاية منه؟ ومتى تقرر السؤال بهذه الصورة، ظهر أنَّ البحث في هذه النسبة من صميم صناعة البرهان نفسها. وقد يتفرع على أصل الاعتراض سؤال: إذا كان الحد تصورًا والبرهان تصديقًا، فكيف يصح أن يوصل البرهان إلى الحد؟ أقول: هذا ناشئ من الخلط بين الشيء الذي يحصل والطريق الذي يحصل به؛ فالحد بعد حصوله تصور بسيط؛ والبرهان فعل استدلالي مركب. لكن لا يمتنع أن يكون الطريق إلى تحصيل بعض التصورات استدلاليًّا، من غير أن يصير التصور نفسه تصديقًا. فلو استدللنا بالعلة حتى عرفنا تمام ماهية عرض ما، لم يتحول الحد إلى قياس من جهة صورته؛ وإنما كان القياس طريق التحصيل، وكان الحد الحاصل بذلك الطريق، وهذا كمن يسير في طريق حتى يبلغ غاية: الغاية ليست الطريق، ولكن البحث فيها من حيث هي منتهى الطريق متعلق به تعلقًا ذاتيًّا. ولهذا يفترق الحد عن البرهان في الصورة: البرهان له مقدمات وحد أوسط ونتيجة، وفيه انتقال واستلزام؛ وأما الحد فقول واحد يدل على ماهية واحدة. ومع ذلك قد تتحد مادتهما ثم يختلف ترتيبها. فلا تناقض بين قولنا: الحد تصور وليس برهانًا، وقولنا: قد نصل إلى بعض الحدود التامة بالبرهان. فالأول حكم على ماهية الحد، والثاني حكم على طريق تحصيله. وهنا يرد سؤال آخر: إذا كان الحد متقدمًا على البرهان من جهة، فكيف يصح أن يوصف بعض الحدود بأنه نتيجة للبرهان أو غاية له؟ أقول: ينبغي أولًا تحرير أقسام الحد بحسب نسبته إلى البرهان؛ إذ ليس الحد شيئًا واحدًا من هذه الجهة. فمنه حد يكون مبدأً غير مبرهن عليه، وهو ما يحتاج إليه العلم من قبل؛ فلا يبرهن عليه في ذلك العلم من حيث هو ماهية موضوعه، بل يدخل في المعارف السابقة اللازمة لبناء البرهان. ومنه حد ناقص يكون بمنزلة نتيجة البرهان، وهو القول الذي يقرر العرض من غير ذكر علته، كقولنا في الرعد: "صوت في السحاب"، أو في الخسوف: "فقدان ضوء القمر"، فهذا يبين لنا ما نعنيه بالعرض، لكنه لا يمنحنا بعد العلم التام به. ومنه الحد التام الذي يتحد مع البرهان في المادة ويختلف عنه في الوضع والتأليف؛ فإذا ضم إلى الجنس والموضوع السبب القريب المفسر للعرض حصل الحد التام، والحدود نفسها إذا نظمت في صورتين مقدميتين ونتيجة صارت برهانًا. ومن أوضح الأمثلة الرعد؛ فالحد التام يكون نحو: الرعد صوت في السحاب بسبب علته القريبة. ومادة البرهان هي بعينها: الموضوع، والعلة، والأثر. لكن هذه العناصر تنظم في الحد لتجيب عن سؤال "ما هو؟"، وتنظم في البرهان على هيئة مقدمات ونتيجة لتجيب عن سؤال "لم؟". فالمادة واحدة، والصورة مختلفة. وهذا هو معنى كون بعض الحدود كأنه برهان مختلف في الوضع: ليس المراد أن الحد والقياس شيء واحد من كل وجه، بل أن المعرفة السببية التي يفصح عنها البرهان إذا أعيد تنضيد عناصرها أمكن أن تصاغ حدًّا عليًّا تامًّا. وقد يعترض: إذا كانت نتيجة البرهان قضية تصديقية، فكيف يصح القول إن البرهان يفيد العلم بـ "ما هو"؟ أقول: إن أريد أن النتيجة الصورية للقياس لا تكون تصورًا، فذلك مسلم؛ لأن نتيجة القياس قضية تصديقية. ولكن لا يلزم من هذا أن العلم الحاصل بمجموع البرهان لا يكشف لنا ماهية الشيء. فالبرهان لا تكون نتيجته بهذه الصورة: هذا القول هو حد الخسوف. ولا يبرهن المحمولات الماهوية على المحدود من حيث هي أجزاء ماهيته؛ وإنما يكشف بالعلة أن جزءًا من القول يلحق جزءًا آخر بسبب مخصوص، ومن العلم بهذه النسبة السببية يمكن للعقل أن يعيد تركيب العناصر في قول حدي تام. فالمقصود بقولنا إنَّ البرهان يعرف "ما هو" ليس أنَّ صورة النتيجة القياسية نفسها حد، وإنَّما أنَّ البرهان يكشف السبب الذي لا يتم الحد التام بدونه.

فالكتاب باحث في العلم البرهاني وفي الآلة التي تحصل بها المعرفة العلمية التامة، وفي المقالة الأولى ينظر في البرهان من جهة إفادته العلم بـ "إنَّ" وبـ "لم"، ثم يبلغ البحث في المقالة الثانية تمام منفعة البرهان: هل يبلغ بنا العلم بالعلة إلى العلم بـ "ما هو"؟ وإذا كان الحد هو القول الدال على "ما هو"، كان السؤال عن إمكان استخراج الحد من البرهان سؤالًا عن مدى قوة البرهان نفسه ومنفعته، لا انتقالًا إلى صناعة أجنبية عنه، فالحد الأوسط الذي يفيد "لم" هو نفسه الذي يمكن أن يكشف "ما هو" إذا كان وسطًا علّيًّا مناسبًا. وأما الاستدلال بكثرة الصفحات فليس حجة في نفسه؛ لأنَّ كثرة الكلام في خاصة الشيء أو غايته لا تجعلها موضوعًا أجنبيًّا عنه، فقد تستغرق مناقشة خاصة واحدة من خواص صناعة ما مساحة تزيد على تعريف أصل الصناعة، لعسرها وكثرة الشكوك المتولدة منها، فالعبرة بوحدة جهة النظر، لا بنسبة الصفحات. ثم إنَّ البحث ليس في الحد على الإطلاق، ولو كان المقصود تأسيس نظرية عامة في الحدود من كل وجه، لكان الاعتراض وجيهًا من هذه الجهة، ولكن البحث يتقيد في المواضع الحاسمة بالحد الذي له نسبة مخصوصة إلى البرهان، ولا سيما حد العرض الذي يستكمل بمعرفة علته؛ فما وقع هنا ليس كتابًا في البرهان، ثم كتابًا مستقلًا في الحد أُلحق به، بل هو انتقال من البحث في البرهان إلى البحث في أشرف ما يفيده البرهان، أي: بيان كيف تنقلب المعرفة اللمية إلى معرفة تامة بماهية بعض المبرهنات. قال الدكتور: "مبحث الحد متقدم بطبعه على البرهان؛ من جهة توقف التصديق على التصور". أقول: هذه الحجة مشتملة على خلط بين مطلق التصور الذي يجب أن يتقدم التصديق وبين الحد التام الذي قد ينتهي إليه البحث البرهاني. لا شك أنَّ كل تصديق يتوقف على تصور طرفيه؛ فلا يمكن أن أبرهن أن القمر منكسف وأنا لا أفهم أصلًا معنى "القمر" ولا معنى "الكسوف"، ولكن القدر الذي يجب تقدمه هنا هو تصور مدلول الاسم، لا العلم التام بماهية الشيء وعلته. ويظهر الفرق جليًّا في مثال الخسوف، فلا بُدَّ قبل البرهنة أن أفهم أن المراد بالخسوف نحو "فقدان ضوء القمر"، وإلَّا لم أفهم القضية التي أطلب البرهنة عليها، لكن فهم هذا المعنى لا يقتضي أن أعلم أنَّ الخسوف موجود بالفعل، فضلًا عن أن أعرف علته؛ فقد أفهم مدلول الاسم وأظل جاهلًا: هل يقع هذا الأمر للقمر؟ ولماذا يقع؟ فهنا مراتب ثلاث ينبغي التفريق بينها: أولها: تصور اسمي سابق: ما المراد بلفظ الخسوف؟ وثانيها: التصديق بوجوده: هل القمر منكسف؟ وثالثها: العلم التام به من علته: لم ينكسف؟ وما الخسوف على الوجه التام الذي تدخل فيه علته؟ فالمرتبة الأولى متقدمة على البرهان، وهذا لا نزاع فيه؛ وأما الثالثة فقد تكون ثمرة البرهان نفسه، ومن هنا يتبين أنَّ قولنا: "لا تصديق بلا تصور سابق" لا ينتج قولنا: "كل حد تام يجب أن يكون معلومًا قبل البرهان، فالانتقال من الأولى إلى الثانية غير لازم، بل المثال نفسه يكشف ذلك: قبل العلم بسبب الخسوف نتصور فقدان الضوء في القمر؛ وبعد اكتشاف أن توسط الأرض هو العلة القريبة، يستكمل لنا الحد العلي بضم السبب إلى المعلول، فما كان متقدمًا هو التصور الأول الناقص، وما حصل متأخرًا هو العلم التام المشتمل على العلة، فلا توقف للشيء على نفسه هنا؛ لأنَّ المتقدم غير المتأخر من جهة المعرفة. قال الدكتور: "معرفة المحمولات البرهانية الذاتية بشقيها الجوهري والعرضي [تتوقف] على معرفة الحد". أقول: غاية ما تثبته هذه الجهة أن بعض الحدود وبعض المحمولات الماهوية يجب أن تكون معلومة قبل بعض البراهين. وهذا صحيح، لكنه لا يثبت أن كل بحث في الحد يجب أن يسبق صناعة البرهان، ولا أن البحث في علاقة الحد بالبرهان أجنبي عنها، بل ينبغي التمييز بين الحد من جهتين: فالحد الذي تتوقف عليه إقامة البرهان -كحد الموضوع، أو القدر من معنى المحمول الذي لا بُدَّ من تصوره حتى تفهم القضية- يكون مبدأً للبرهان، ولا يستخرج من ذلك البرهان نفسه. وأما الحد التام لعرض ذي علة، من حيث يتضمن تلك العلة، فقد يكون غاية للبرهان؛ لأنَّ العلم التام بذلك العرض لا يحصل إلا بالوقوف على السبب الذي به يثبت في موضوعه. وهذا أدق من إطلاق القول بأن معرفة المحمولات الذاتية تتوقف على معرفة الحد؛ لأنَّ المحمولات الذاتية ليست من جهة تحصيلها في رتبة واحدة، ولا كل حد يطلب بالطريق نفسه، بل لو كان كل حد معلومًا علمًا تامًّا قبل كل برهان لبطلت فائدة عظيمة من البرهان اللمي؛ إذ ماذا يزيدنا العلم بالعلة إذا كان الحد التام المشتمل عليها معلومًا من قبل؟ وإنما المعقول أن يعرف من الشيء قدر يهيئ للسؤال، ثم تكشف علته، وبمعرفة العلة يستكمل العلم به.

وقفات نقدية مع كتاب "نقد التحليلات الثانية" للدكتور أيمن المصري (1): هل إدراج مبحث الحد في كتاب البرهان إقحام لا مبرر منطقي له؟ . لا يستقيم النَّظر في هذا الاعتراض قبل تحرير محل النزاع؛ لأنَّ لفظ الحد يستعمل هنا على أنحاء مختلفة، ومنشأ الإشكال هو جمع هذه الأنحاء تحت معنى واحد، ثم إجراء حكم واحد عليها جميعًا، نعم، الحد من حيث هو قولٌ دالٌ على ماهية الشيء متعلق بالتصور، والبرهان من حيث هو قياس مفيد للعلم متعلق بالتصديق؛ لكن لا يلزم من اختلافهما بهذا الاعتبار أن يمتنع البحث في نسبة الحد إلى البرهان في صناعة البرهان نفسها، فالشيء الواحد قد يبحث عنه في علمين، أو في موضعين من علم واحد، باختلاف الجهة؛ وليس انتساب المسألة إلى العلم تابعًا لمادة الشيء المذكور فيها وحدها، بل للجهة التي ينظر إليه منها. والذي يبحث عنه في البرهان ليس الحد على الإطلاق: ما الحد؟ وما أقسام الحدود جميعًا؟ وكيف تحد الجواهر والأعراض من كل وجه؟ وإنَّما البحث في الحد من حيث له نسبة مخصوصة إلى البرهان: فقد يكون معلومًا قبل البرهان فيكون مبدأً له، وقد يكون مجهولًا فنصل إليه بالبرهان فيكون غاية له، وقد يكون الحد التام للعرض والبرهان اللمي متحدين في المادة مع اختلافهما في الصورة وترتيب الحدود. وعلى هذا التمييز يدور حل الإشكال من أصله. قال الدكتور: "ليس هناك أي مبرر منطقي لإدراج مبحث الحد التصوري في كتاب البرهان التصديقي؛ وذلك للأسباب التالية: أولًا: مبحث الحد لا ينعكس في عنوان الكتاب مع كونه يشكل أكثر من ثلثه. ثانيًا: مبحث الحد متقدم بطبعه على البرهان من جهتين: الأولى: من جهة توقف التصديق على التصور، والثانية: من جهة توقف معرفة المحمولات البرهانية الذاتية بشقيها الجوهري والعرضي على معرفة الحد. فالموضع الطبيعي لمبحث الحد وكيفية اكتسابه هو في قسم التصورات من المنطق العام" [ص 50]. والجواب عن هذا الاعتراض من وجوه: قال الدكتور: "ليس هناك أي مبرر منطقي لإدراج مبحث الحد التصوري في كتاب البرهان التصديقي". أقول: في هذا التعبير مصادرة على محل النزاع؛ لأنَّه وصف المبحث ابتداءً بأنَّه "مبحث الحد التصوري"، ثم بنى على هذا الوصف أنَّه أجنبي عن البرهان التصديقي. وإنَّما يصح الاعتراض لو ثبت أنَّ البحث الجاري في المقالة الثانية هو بحث في الحد من حيث هو تصور وحسب، على نحو البحث العام في الحدود، وهذا غير صحيح. فالحد إذا أُخِذَ مجرَّد قول يدل على الماهية كان تصورًا بسيطًا، وليس فيه استنتاج ولا انتقالٌ من معلوم إلى مجهول؛ وأما البرهان فحركة فكرية قياسية ينتقل بها الذهن من المعلوم إلى المجهول، ومن هذه الجهة لا يكون الحد نفسه آلة استدلالية أخرى إلى جانب البرهان، لكنَّه قد يكون طرفًا لهذه الحركة: مبدأً تنطلق منه إذا كان معلومًا، أو غايةً تنتهي إليها إذا كان مجهولًا، ونسبة الحد إلى البرهان من هذه الجهة كنسبة النقطة إلى الخط: ليست النقطة خطًّا، لكنَّها قد تكون مبدأ الخط أو منتهاه؛ وكذلك الحد ليس استدلالًا، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون أجنبيًّا عن صناعة الاستدلال إذا كان مما يبدأ منه الاستدلال أو ينتهي إليه. ويمكن نقرر حاصل هذا الوجه من الاعتراض على صورة تساؤل: إذا كان الحد من التصور، والبرهان من التصديق، فهل يلزم من اختلافهما من هذه الجهة ألَّا يبحث عن الحد في صناعة البرهان؟ الجواب: لا يلزم؛ لأنَّ اختلاف صورتي الفعلين الذهنيين لا يثبت انقطاع النسبة بينهما، والمطلوب لإتمام الاعتراض إثبات شيء آخر، وهو أنَّ البحث في مبادئ البرهان وغاياته وما ينتهي إليه البرهان خارج عن صناعة البرهان، وهذه دعوى لم يدل عليها مجرَّد كون الحد تصورًا، بل لو طردنا هذا الأصل للزم ألَّا يبحث في صناعة القياس عن الحدود التي تتألف منها القضايا، وألَّا يبحث في صناعة البرهان عن المبادئ غير المبرهنة؛ لأنَّها ليست هي نفسها براهين، وليس الأمر كذلك؛ فإنَّ العلم لا ينظر في موضوعه أو آلته مجرَّدين عما يتصل بهما، بل ينظر في مبادئهما وشروطهما وخواصهما وغاياتهما وما يتعلق بهما من حيث تلك النسبة؛ فالحد هنا ليس مزاحمًا للبرهان حتى يقال: أُقحِمت صناعة تصورية في صناعة تصديقية، وإنَّما البرهان هو الآلة، والحد -في القسم المقصود من البحث- قد يكون ثمرة تلك الآلة وكمال منفعتها. قال الدكتور: "مبحث الحد لا ينعكس في عنوان الكتاب مع كونه يشكل أكثر من ثلثه". أقول: هذا اعتراض من ظاهر التسمية لا من حقيقة الموضوع؛ فعنوان الصناعة لا يلزم أن يحصي كل ما يبحث فيها، وإنَّما يكفي أن يدل على الغرض الرئيس الذي تنتظم تحته بقية المطالب، فإذا كانت مسائل الحد لا تبحث استقلالًا، وإنَّما من جهة رجوعها إلى البرهان، لم يكن عدم ذكر الحد في العنوان قادحًا في مناسبة تلك المسائل للكتاب.

سعيٌ مبرورٌ، وأثرٌ مشكورٌ، نهض به المهندس علي آل شُبَّر، جزاه الله خيرًا.

وأعتذر على صغر حجم الخط وكثرة السطور بالقياس لحجم الصفحة، فإن الكتاب مسودّة غير منسقة بعد، وهذا قد يسبب مشكلة للذين يقرؤون عن طريق الجوال.

عشر صفحات من كتابي «الشرح الواقعي لأصول إقليدس» في أمر الزاوية القرنية، المحاطة بالمنحدب من محيط الدائرة والخط المستقيم المماس لها. وتمثّل هذه الصفحات العشر نصف تعليقي على السادسة عشرة من ثالثة الأصول (الخامسة عشرة من ثالثة الأصول بحسب النسخ العربية). وأما الكتاب فقد أوشك على الانتهاء؛ وقد بدأت بكتابته قبل ما يزيد على أربع سنوات، وسيصدر، بإذن الله، خلال السنة القادمة.

Repost from N/a
تعليقات يوحنا فيلوبونوس، المنسوبة إليه، على ميتافيزيقا أرسطو، التي لم تصدر بعدُ باليونانية. ولا ينبغي لأحد أن يعجب من ذلك ولا أن يحزن عليه؛ فإنها، في الحقيقة، ضئيلة الأهمية جدًا، حتى إن برانديسيوس (Schol. صـ 518، الحاشية) يبدو أنه أصاب حين سلبها من هذا المفسّر، ونسبها إلى المجهول الأوربيني (Anonymus Urbinatis). ثم إن القسم المتأخر منها يعتمد اعتمادًا كبيرًا على تلك التعليقات نفسها المنسوبة إلى الإسكندر، بحيث إن من قابل بينها وبين تلك التعليقات لن يكاد يجد فيها شيئًا جديدًا. غير أنه لما كانت، منذ الكتاب «إي» (E) تقريبًا، مقتطفةً ومنسوخةً من تعليقات الإسكندر، فإن العثور على نسخ جيدة من تعليقات يوحنا فيلوبونوس قد يكون ذا فائدة في تصحيح نص الإسكندر واستدراك ما وقع فيه من تحريف أو تصحيف. أما أنا فلم أتمكن من الإفادة إلا من الترجمة اللاتينية لفرانشيسكو باتريتشي، ولم أجد فيها إلا أمورًا قليلة جدًا رأيت أنها تستحق أن تُثبت في الهامش. هيرمان بونيتس

كان لرجال الكنيسة في الشام اهتمام خاص بأثير الدين الأبهري، فنسخوا بعض أعماله وترجموها إلى السريانية، ومن صور هذا الاهتمام قيا
+3
كان لرجال الكنيسة في الشام اهتمام خاص بأثير الدين الأبهري، فنسخوا بعض أعماله وترجموها إلى السريانية، ومن صور هذا الاهتمام قيام القس يعقوب بن أبي الفرج بن القسيس المتطبب المارديني بنسخ كتاب (زبدة الأسرار) لنفسه، وقد كان هذا القس من عائلة مسيحية مهتمة بالعلم والنساخة، فقد عمل أخوه في النساخة أيضًا وله عدة كتب بخطه في المسيحية في مكتبات العالم، ويبدو أنه قد كان لأبي الحسن ابن المحرومة صاحب الحواشي الشهيرة على تنقيح بن كمونة صلة وثيقة بيعقوب حتى ورث من تركته نسخة من كتاب النجاة لابن سينا. ومن صور هذا الاهتمام قيام أبي الفرج جريجوريوس بن هارون المعروف بابن العبري بترجمة كتاب الأبهري (زبدة الأسرار) إلى اللغة السريانية وأسماه: (تجارة التجارات، أو الفوائد في المنطق والفلسفة)، وهذا الكتاب من الكتب المفقود. ومن صور هذا الاهتمام أيضا تلك النسخة المحشَّاه والمترجمة من الزيج الأثيري المحفوظة بمكتبة الفاتيكان في مجموعة بورجيانا برقم 91، وهناك نسخة أخرى بالعربية برقم 1499 بخط يهودي اسمه ريان أفرايم بن دانيال نسخها سنة 984هـ، وقد اشتراها مسيحي من دياربكر اسمه يوحنا.

فإذا أُخِذ حصول المتحرّك في الحد السابق بحدّه الخاص وعلى جهة الاستقلال، كان منقضيًا عند حصوله في الحد اللاحق؛ وإلا لم يكن ثمة انتقال ولا استكمال. وأما اشتمال الحركة القطعية على السابق واللاحق معًا فليس معناه اجتماعهما في الخارج، وإنما معناه جمع الذهن لهما في امتدادٍ واحد له منشأٌ في اتصال الحركة نفسها. ومن هذا يظهر وجه اتصال الحركة بالزمان؛ فإن الزمان ليس نفس الحركة، ولا شيئًا منفصلًا عنها قائمًا بذاته، بل هو كمّ الحركة من جهة المتقدم والمتأخر. فإذا أُخذت الحركة على الوجه القطعي، أي من حيث امتدادها المشتمل على قبلٍ وبعد، ثم قُدّر ذلك الامتداد بحسب تقدمه وتأخره، حصل الكم الذي يسمى زمانًا. فالزمان بهذا الاعتبار تكميمٌ للحركة القطعية بحسب ما فيها من التقدم والتأخر. ولما كانت الحركة القطعية منتزعةً من اتصال الحركة التوسّطية، كان للزمان أيضًا مبدأٌ يقابل الحركة التوسّطية من هذه الجهة، وهو الآن السيّال. والآن السيّال ينبغي أن يُميَّز من الآن الذي هو طرف الزمان وحدّه؛ فإن الآن المأخوذ حدًّا ليس جزءًا مقداريًّا من الزمان، كما أن النقطة ليست جزءًا مقداريًّا من الخط، وإنما هو حدٌّ بين ما قبله وما بعده. وأما الآن السيّال فهو مبدأ الامتداد الزماني من جهة استمرار التجدد والتعاقب؛ فنسبته إلى الزمان، من هذه الحيثية، كنسبة الحركة التوسّطية إلى الحركة القطعية. فكما أن الحركة التوسّطية ليست جزءًا مقداريًّا من الحركة القطعية، بل هي مبدأ اتصالها ومنشأ انتزاع امتدادها، كذلك الآن السيّال ليس جزءًا مقداريًّا من الزمان، بل هو مبدأ اتصاله ومنشأ انتزاع امتداده. فالتوسّطية والآن السيّال مبدآن لا عنصران؛ لأن العنصر داخل في قوام المركب دخول الجزء في الكل، وليس شيء منهما جزءًا مقداريًّا مما هو مبدأ له. وعليه فالزمان كمٌّ متصل غير قارّ؛ واتصاله تابعٌ لاتصال الحركة، وعدم قراره من جهة أن أجزاءه لا يمكن أن تجتمع بالفعل. فإن الجزء اللاحق من الزمان لا يحصل إلا وقد انقضى السابق، بخلاف الكم القار كالمسافة، فإن أجزاءه يمكن أن تكون موجودةً معًا. وهذا هو المراد بقولهم: إن أجزاء الزمان غير قارّة؛ لا أن الزمان لا منشأ له في الخارج، بل أن أجزاؤه المفروضة لا تجتمع في الوجود بالفعل: فالسابق قد انقضى عند حصول اللاحق، واللاحق لم يكن حاصلًا عند حصول السابق. وإنما يجمعهما الذهن في امتداد واحد من جهة اتصال منشأ انتزاعهما. والحكم نفسه جارٍ في أجزاء الحركة القطعية؛ فإنها ليست أجزاءً للحركة التوسّطية نفسها، ولا أحوالًا مستقلة تجتمع للمتحرّك دفعةً واحدة، وإنما تصير أجزاءً من جهة اعتبار الذهن للامتداد المنتزع من تعاقب أحوال الشيء الواحد. فالسابق، إذا أُخذ بحدّه واستقلاله، منقضٍ عند حصول اللاحق؛ وأما دخوله في الحركة القطعية فباعتبار جمع الذهن لما تعاقب من الحركة في امتدادٍ واحد. ومن هنا يظهر الفرق بين أجزاء الزمان وأجزاء المسافة؛ فإن المسافة كمٌّ متصل قارّ يمكن أن توجد أجزاؤه معًا، وأما الزمان فـكمٌّ متصل غير قارّ يمتنع اجتماع أجزائه بالفعل؛ لأن تكميمه تابع للحركة القطعية، والحركة القطعية نفسها مأخوذة من تعاقب أحوال المتحرّك واتصال استكماله. فالحاصل أن الأصل في الخارج هو المتحرّك واستكماله المتصل، وهذا هو منشأ الحركة التوسّطية. فإذا اعتبر الذهن ذلك الاستكمال من حيث امتداده من المبدأ إلى المنتهى وجمع سابقه ولاحقه في اعتبار واحد، حصلت الحركة القطعية؛ وإذا اعتبر هذا الامتداد من جهة تقديره بحسب المتقدم والمتأخر، حصل الزمان. وكما أن التوسّطية مبدأ القطعية، كذلك الآن السيّال مبدأ الزمان. فتترتب المعاني على هذا الوجه: ثم إن هذا الاستكمال إذا اعتبر من حيث امتداده من المبدأ إلى المنتهى كان حركةً قطعية، وإذا اعتُبر هذا الامتداد نفسه من حيث التقدير والكمية بحسب المتقدم والمتأخر كان زمانًا. فالحركة التوسّطية هي نفس استكمال المتحرّك بين القوة والفعل، والحركة القطعية هي الامتداد المنتزع من ذلك الاستكمال باعتبار سابقه ولاحقه، والزمان هو كمّ ذلك الامتداد من جهة التقدم والتأخر، والآن السيّال مبدأ الامتداد الزماني كما أن الحركة التوسّطية مبدأ الامتداد القطعي. وبذلك يتبين أن الحركة والزمان لا يقتضيان إثبات موجودين قائمين بإزاء الأشياء؛ فالأصل هو المتحرّك واستكماله، ومنه تنتزع الحركة القطعية باعتبار الامتداد، ومن الحركة القطعية ينتزع الزمان باعتبار التكميم. فالتغاير بينها ليس تغاير أشياء مستقلة في الوجود، بل تغايرٌ بحسب الحيثية والاعتبار: فاستكمال المتحرّك في نفسه حركةٌ توسّطية، ومن حيث امتداده بين المبدأ والمنتهى حركةٌ قطعية، ومن حيث تقدير ذلك الامتداد بحسب المتقدم والمتأخر زمانٌ.

ما حقيقة الحركة والزمان، وما الفرق بين الحركة التوسّطية والقطعية، وكيف ينتزع الزمان من الحركة بواسطة الآن السيّال؟ . تحقيق حقيقة الحركة يقتضي أولًا أن يعلم أنَّها ليست أمرًا قائمًا بنفسه بحذاء المتحرّك، ولا موجودًا آخر ينضم إليه من خارج، بل هي نحوٌ مخصوص من تحقّق المتحرّك حال استكماله؛ وليس هذا التحقّق محضَ استعدادٍ وقوة، ولا تمام فعلٍ وكمال، بل هو توسطٌ بينهما. وهذا هو الذي عبّر عنه الحكماء بقولهم: الحركة كمالٌ أول لما بالقوة من حيث هو بالقوة. وبيان ذلك أنَّ الشيء إذا كان مستعدًّا لكمالٍ لم يحصل له بعد، كان ذلك الكمال له بالقوة؛ فإذا شرع في الخروج من القوة إلى الفعل لم يبق بالقوة المحضة، إذ حصل له بالفعل شيءٌ من الاستكمال، ولم يصر بالفعل التام من الجهة التي إليها الحركة، إذ لو تم له الفعل من تلك الجهة لبلغ غايته وانقضت حركته. فالمتحرّك، ما دام متحرّكًا، مستكملٌ بالفعل من حيث لا يزال بالقوة إلى الكمال الأخير؛ فهو بالفعل من جهة حصول الاستكمال، وبالقوة من جهة أن ما إليه الحركة لم يحصل له بعدُ حصولًا تامًّا. ولهذا قُيّد حد الحركة بقولهم: من حيث هو بالقوة؛ إذ ليس كل كمالٍ لما بالقوة حركةً، وإنما الحركة كماله من الحيثية التي لا يزال معها بالقوة إلى ما إليه الحركة. فإذا تم ذلك الكمال وزالت القوة من تلك الحيثية، انتهت الحركة وحصلت الغاية. وعلى هذا فلا ينبغي أن تجعل الحركة شيئًا ثالثًا قائمًا بحذاء القوة والفعل، وإنما المراد بكونها نحوًا ثالثًا متوسطًا بين الاستعداد والكمال أن حال المتحرّك فيها ليست حال القوة المحضة ولا حال الفعل التام؛ بل هي حال الاستكمال: قد خرج بها عن محض الاستعداد ولم يبلغ بها تمام الكمال. فالثالثية هنا ثالثيةٌ في نحو التحقّق والحال، لا إثبات موجودٍ ثالث مستقل بإزاء المستعد والكامل. ومن ثَمَّ كانت الحركة متقومةً بالإضافة إلى ما منه الحركة، وما إليه الحركة، وما فيه الحركة؛ ولا سيما ما إليه الحركة، أعني الكمال الأخير الذي هو غايتها. فإن المتحرّك إنما يكون متحرّكًا ما دام مستكملًا ومتوجهًا إلى كمالٍ لم يحصل له على التمام؛ فلو لم يكن اللاحق ممكنًا له وحاصلًا بالقوة، ولم يكن السابق متوجهًا إليه، لم تتحقق الحركة أصلًا. ويظهر هذا في الحركة المكانية، أعني الانتقال؛ فإن الانتقال ليس أمرًا مباينًا لحصول الجسم في المكان، بل هو استكماله في الأين من حيث توجهه من المبدأ إلى المنتهى. فإذا كان الجسم ساكنًا في المبدأ كان حصوله فيه بالفعل، وكان حصوله في المنتهى الذي يمكن انتقاله إليه بالقوة. فإذا شرع في الانتقال لم يكن حصوله بالنسبة إلى ما إليه الحركة استعدادًا محضًا، ولا حصولًا تامًّا بالفعل، بل كان مستكملًا في الأين من حيث لا يزال مستعدًّا للمنتهى. فإذا بلغه تم حصوله فيه بالفعل وانقضى الانتقال. فإذا تقرر ذلك أمكن تحقيق الفرق بين الحركة التوسّطية والحركة القطعية؛ وليستا حركتين متباينتين في الخارج، بل هما اعتباران مختلفان للحركة الواحدة. فأما الحركة التوسّطية فهي نفس استكمال المتحرّك فيما بين المبدأ والمنتهى، من حيث هو بالفعل في الاستكمال وبالقوة إلى الكمال الأخير؛ أي من حيث يكون المتحرّك بين الطرفين على وجه لا يستقر معه في حدٍّ من الحدود المتوسطة، بل يكون أبدًا متوجهًا من السابق إلى اللاحق. وهذه هي الحركة التي يكون لها التحقّق الخارجي على جهة الأولية؛ لأنها نفس حال المتحرّك ما دام مستكملًا، لا مجموعًا مؤلفًا من أجزاء بعضها منقضٍ وبعضها لم يحصل بعد. وأما الحركة القطعية فهي الحركة من حيث يأخذها الذهن ممتدةً من المبدأ إلى المنتهى، فيجمع سابقها ولاحقها وما بينهما في اعتبارٍ واحد، ويلحظ استكمال المتحرّك بأسره كامتدادٍ متصل ذي تقدّم وتأخر. فليست القطعية حركةً أخرى وراء التوسّطية، وإنما هي الحركة نفسها مأخوذةً من حيث امتدادها المعتبر بين طرفيها. ومن هنا كان الفرق بينهما أن التوسّطية مأخوذة بحسب نفس الاستكمال المتصل للمتحرّك، والقطعية مأخوذة بحسب الامتداد المنتزع من تعاقب ذلك الاستكمال بين المبدأ والمنتهى. ولذلك لا أجزاء للحركة التوسّطية بما هي توسّطية؛ لأنها ليست كلًّا مقداريًّا قارًّا مؤلفًا من أجزاء، وإنما يصح فرض الأجزاء إذا جمع الذهن السابق واللاحق في امتداد واحد، وذلك هو اعتبار الحركة القطعية. ولا يلزم من كون هذا الجمع ذهنيًّا أن تكون الحركة القطعية وهمًا محضًا لا منشأ له في الخارج؛ فإن منشأ انتزاعها خارجي، وهو اتصال حركة المتحرّك وتعاقب أحواله وانتساب سابقها إلى لاحقها. وإنما الذي لا يتحقق في الخارج هو اجتماع تلك الأحوال المتعاقبة بالفعل في كلٍّ واحد قارّ؛ إذ السابق منها منقضٍ عند حصول اللاحق، واللاحق لم يكن حاصلًا عند حصول السابق. revospring.net/@ItC0ding/a/117108202913203684