مدارج قناة أ. د خالد أبا الخيل
Open in Telegram
مدارج… حيث يلتقي المعنى باليقين، وتستيقظ البصيرة على ضوء الوحي. هنا نصعد درجةً في الفهم، ودرجةً في القلب، حتى يصبح الأثر حياة.
Show more1 092
Subscribers
+3024 hours
+817 days
+50830 days
Posts Archive
لا يطفئ بريق الدنيا غير القرآن؛
ما أشرقت شمس القرآن في قلب إلا كسفت الدنيا فيه.فكلما أكثر العبد من القرآن انكشفت له حقائق الأشياء على ما هي عليه؛ فالقرآن يكشف له حقيقة هذا اللمعان الخادع: مال يذهب، وقوة تبلى، وجاه يذبل، ومتاع يزول. يظل يهمس في روحه: لا تغتر، فليس هنا القرار، ولا هنا النعيم، يردّه القرآن في كل صفحة إلى المصير الذي خلق له، ويعلمه أن ما يفنى لا يستحق أن يفتن به. ولهذا كان أهل القرآن- الذين هم أهل الله وخاصته- أقل الناس افتتاناً بيما يتنافس عليه الخلق من متاع الدنيا .
القلب المسروق :
يقول جل ذكره:﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: ظاهر الإثم خطيئة الجارحة وباطنه خطيئة القلب . ظاهر الإثم عدو يطرق الباب، يعرفه القلب فيتهيأ لمدافعته. أما باطن الإثم فيدخل متسللاً، ثم يجلس في أرفع موضع من النفس، ويبدأ بتغيير الأسماء؛ فيسمّي الكبر أنفة وصيانة للحق، والعُجب اعتزازاً بالنعمة، والهوى ديناً يدين الله به ، والحسد غيرة على الشريعة والعلم ، ولا يزال الشيطان يزين له ذلك حتى يسرق منه قلبه ويطمس بصيرته، فلا يبقى بين يديه إلا صورة القلب لا حقيقته .
ما من عبادة يطالعك ذكرها في القرآن بهذا الحضور الآسر كالصلاة: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. تمر بالعبد في آيات الكتاب مراراً حتى تبدو كأنها كأنها الخيط الممتد بين أطراف السور كلها؛ كلما تقلب بين السور لاحت له من جديد، لتقول له: هنا أعظم ما يحبه الله من عباده، وهنا تجارة العمر الرابحة، فاجعل لها من قلبك المقام الذي جعل الله لها من كتابه، ومن عمرك المنزلة التي أنزلها الله إياها.
الروح.. سر العجز العظيم :
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، وكأن الله يضع البشرية كلها أمام باب مغلق منذ فجر الخلق إلى قيام الساعة. تتقدم العقول، وتتسع المختبرات، وتتعاظم الاكتشافات، ثم تقف الروح وحدها شاهدة على عجز الإنسان. يحملها كل أحد بين جنبيه، ويعجز عن وصف حقيقتها. يرى آثارها في كل خفقة قلب، وكل طرفة عين، وكل نبضة حياة، ثم لا يدري ما هي. هنا ينكسر العلم إجلالاً، ويذوب الكبر، وتبقى الآية تتردد في وجه الدنيا كلها: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. سر استأثر الله بعلمه، ليبقى الخلق على يقين أن فوق كل معرفة جلالاً لا يدرك، وعلماً لا يحاط به.
الشريعة أعلم بالمرأة من نفسها:
في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ يتجلى وجه بديع من وجوه عناية الشريعة بالمرأة؛ فقد راعت رقتها في ميادين الخصومة، وصانت عذوبتها من خشونة المنازعات. فالمرأة كائن أودع الله فيه من اللطف والرقة والحنان ما تزهو به الدنيا. فجاءت أحكام الشريعة منسجمة مع هذه الطبيعة، مخاطبة لها كما هي، لا كما يريد الناس أن تكون. فجعلت معها -في الشهادة- أختاً تساندها وتذكرها، ليبقى الحق محفوظاً من جهة، وتبقى طبيعتها مرعية من جهة أخرى. فليس في الآية انتقاص للمرأة، وإنما فهم دقيق لخصائصها، وإنزال لها منزلتها التي أرادها الله لها؛ منزلةٌ تقوم على الفهم العميق للنفس البشرية، لا على تجاهل طبائعها أو مصادمتها.
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾:
ما أعظمها من بشارة، وما أكرمه من وعد؛ فالله لم يحدد أجراً، ولم يذكر قدراً، بل رفعه إليه فقال: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. فإذا كان الكريم الأعظم هو المتكفل بالمكافأة، فكيف تقدر العطية؟! تصور من الجزاء ما شئت، ثم اعلم أن عطاء الله أعظم مما تتصور، وأوسع مما تتخيل .ووالله لو كُشفت حجب الغيب للناس ورأوا ما أعدّه الله للعافين من المنازل العلية والكرامات السخية، لتسابقوا إلى العفو، وماتت الخصومة ولما بقي بين الخلق حقٌّ معلّق .
إلى كل زوجين افترقا: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ :
ما أوجع أن تنتهي المودة، ثم لا يبقى من السنين إلا محاضر اتهام، وسجلات خصومة، وذاكرة تنتقي العثرات وتدفن الجميل. عاشا تحت سقف واحد، وتقاسما الأفراح والأحزان، ثم إذا افترقا صار كل واحد منهما قاضياً على الآخر وخصماً له في آن واحد. ولهذا جاء النداء الرباني في لحظة الفراق لا في لحظة الصفاء: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. لم يأمر بالعدل فحسب، فالعدل أن تعطي الحق، أما الفضل فأن تحفظ الجميل، وتستر الزلة، وتكف الأذى، وتصون الذكرى من التشويه. وكم من زوج جعل معركة الطلاق موسماً للانتقام؛ ينهش في عرض زوجته ويفتري عليها ، وكم من زوجة جعلت أولادها وقود خصومة لا تنتهي، ثم أطلقت لسانها في المجالس تفضح الأسرار، وتكشف ما ستره الله بين جدران البيوت، طلباً للانتصار أو التشفي. وما أعظم الجناية يوم تتحول الأمانات إلى أحاديث تتناقلها المجالس؛ فذلك باب من البغي والعدوان، والله لا يضيع حقاً ولا ينسى مظلمة، فينشأ الأبناء بين أبوين يتقاسمان الكراهية، ويورثانهم جراحاً تبقى بعد أن تُطوى أوراق القضية بسنوات. ثم تأتي الآية الأخيرة كالرقيب الذي لا يغفل: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. بصير بالكلمة التي تُقال في الخفاء، وبالافتراء الذي يصاغ على هيئة شكوى، وبالدمعة التي أُسقطت ظلماً، وبالفضل الذي حفظه صاحبه لله.
https://t.me/khalid666772
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾
ما أكرمها من آية، وما أوسعها من بشارة؛ رب العالمين يكتب على نفسه الرحمة، فتغدو الرحمة نَهراً يفيض في أقداره، ولطفاً يسري في تدابيره، تتنزل على القلوب المنكسرة فتجبرها، وعلى الأرواح التائهة فتهديها، وعلى المذنبين فتفتح لهم أبواب الرجوع.فاجعل أيامك كلها ارتقاباً لهذه الرحمة؛ عند دعوة خاشعة، وسجدة طويلة، ودمعة صادقة، وافتقار بين يدي الله. فما وقف عبد بباب مولاه صادقاً إلا وجد من الرحمة ما يفوق أمله، فيا لها من كلمة تملأ القلب أمناً: كتبها على نفسه.فكل طريق يقود إلى الله تلوح في آخره الرحمة، وكل باب يفتحه الله لعبده تشرق منه الرحمة، فطوبى لمن عاش يترقب رحمة الله، ويستمطرها بالدعاء، ويستجلبها بالافتقار؛ وياسعادة من سبقت إليه رحمة الله؛ فما وراء رحمة الله للعبد مطلب.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾
يا له من وفد! تزف إليه الكرامة، وتستقبله الرحمة، ويقدم على الرحمن مكرماً بعد طول المجاهدة والصبر. هناك تتضاءل أماني الدنيا كلها أمام بهجة الوصول. فاجعل من أيامك حجزاً لمقعد في هذا الوفد؛ فما أعظم الرفيق، وما أكرم الطريق، وما أجلّ الوصول.
الزوج المطفف والزوجة المطففة: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ:
التطفيف أوسع من نقص المكيال في السوق؛ فهو كل بخس للحق، وكل أخذ من كفة العدل وإخفاء لما في الكفة الأخرى. ومن أدق صوره تطفيف الحجة؛ أن يعرض المرء قولَه مزهواً، ويطوي دليل خصمه، ثم يخرج للناس في هيئة المنتصر. قال السعدي رحمه الله- مبيناً معنى التطفيف - : "ويدخل في عموم ذلك الحجج والمقالات؛ فيجب على المناظر أن يبين ما لخصمه من الحجج، وأن ينظر في أدلته كما ينظر في أدلة نفسه، وهناك يُعرف إنصاف الإنسان من تعصبه، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه" وهذا الباب يتسع للحياة كلها: صديق يحكي موقفاً فيذكر ما له ويخفي ما عليه، وزوج يشكو فيجمع حقوقه وينسى حقوق زوجته، وزوجةٌ تسرد الوجع وتسقط الفضل وتنسى المعروف . كل هؤلاء على طرف من التطفيف؛ لأن العدل أن تروي الصورة كاملة، كما شهدها الله تعالى.
ما من قدر أوجع قلب مؤمن ثم انقضى، إلا خلّف وراءه من عطايا الله ما لم يكن يراه ساعة نزوله. تمر السنون، فإذا الجرح الذي ظنه هدماً قد شق له باباً ، وإذا الفقد الذي حسبه نهاية قد ساقه إلى آفاق ما كان ليبلغها في طريق آخر. ولو مُنح اليوم القدرة على أن يمحو تلك الصفحة من عمره، على أن تمحى معها الثمار التي أينعت بعدها، لتردد طويلاً. غير أن هذا لا يفتح باب التعلل بالقدر فالمؤمن يستفرغ وسعه في لزوم أمر الله، ثم إذا جرى القضاء رأى بعين اليقين أن يد الرحمة كانت تنسج من خيوط الألم أثواباً من الخير لم يكن يتخيلها.
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾:
أي: حالاً بعد حال، كما صح الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ. وقال الحسن البصري: رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقراً بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقماً بعد صحة.في هذه الآية إشعار مهيب بأن الإنسان واقف أبداً على عتبة حال لم يدخلها بعد، وأن ما يملكه اليوم من عافية أو قوة أو سعة أو سرور ليس مقاماً يقيم فيه، وإنما مرحلة يعبرها إلى غيرها بقدر الله. فكم من مطمئن استقبل صباحاً لم يكن يعرف أنه آخر عهده بالطمأنينة، وكم من مكروب ساقه الله إلى فرج لم يخطر له على بال.ولهذا كان أوعى الناس من عرف قيمة اللحظة التي هو فيها، فأخذ من صحته لمرضه، ومن فراغه لشغله، ومن قدرته لعجزه، ومن إقباله لإدباره. فالأيام لا تثبت على صورة، والعبد مسافر بين أطوارها حتى يضع رحله عند الله، وهناك يستقر بعد طول التقلب، وينقطع سفر الأحوال إلى دار القرار.
الدنيا على قدر منزلتها من القلب تكون خيباتها؛ فإذا صغرت هان ما يفوت منها، والمؤمن يمد بصره إلى ما عند الله، ففي الله عزاء عن كل فائت، وسلوة عن كل مفقود. قال الحسن البصري: "من لم يتعزَّ بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات".
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ من عرف الله تضاءلت أمامه مسافات المستحيل، واتسعت في قلبه آفاق الفرج .
وجل السائرين :
ما أخوف الطريق على أهل البصائر: يعمل أحدهم العمل الذي لو رآه الناس لرجوا له النجاة، ثم يبيت وقلبه معلّق بين الخوف والرجاء؛ لأنه يعلم أن العبرة بالقبول. يحمل طاعته كما يحمل المسافر زاده في مفازة موحشة، يخشى عليه الضياع في كل خطوة.
وتلك سمة القلوب التي عرفت ربها حق المعرفة، ولهذا أثنى الله على عباده بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. قلوب تصلي وهي ترتجف، وتتصدق وهي وجلة، وتبذل الطاعة وعينها على القبول؛ لأنها ترى عظمة من ستقف بين يديه. وكلما ازداد العبد معرفة بربه ازداد وجلاً منه وتعظيماً له وشوقاً إليه .
اللهم ارزقنا حسن الوصول إليك
ليس كل صبرٍ نجاة، فصبر بلا تقوى وجع تذروه الأيام، وصبر مع التقوى أجر يبقى.(إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
أجمل عتاب في الوجود :
في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ تلوح منزلة النبي ﷺ عند ربه في مشهد يفيض جلالاً ورحمة. جاء العفو متقدماً على العتاب، وجاء الرضا ممهداً للكلام، فاستقبلت أذن الحبيب بشارة العفو قبل أن تسمع موضع المؤاخذة. ما أرق هذا الخطاب وما أعظمه! رب العالمين يعلم مكانة نبيه عنده، ويعلم رقة قلبه وكمال عبوديته، فكسا العتاب حُلة من اللطف، وضمنه إشعاراً بالعفو قبل بيانه. فكانت الآية درساً في الأدب الإلهي، وآية في المحبة الربانية.
ثمن العلو :
للعلو ثمن لا يسقط عن طالبه؛ فمن أراد علماً يورثه خشية الله ويسبق به أقرانه في الفهم والبصيرة دفع من راحته وأنسه وشهوات وقته، ومن أراد مالاً يكفيه صان ساعته عن الضياع، ومن أراد مقام العابدين حبس نفسه عن لذة عاجلة، ونظرة محرمة، وشهوة عابرة. هكذا جرت سنن الله: المقامات العالية تفتح لمن صدق في البذل، وصبر على الحرمان، وحتى الهداية، وهي أجل العطايا وأعظم المواهب، جعل الله لها طريقاً من المجاهدة والمصابرة وبذل الثمن؛ لأن القلوب لا تفتح لها أبواب النور إلا على قدر ما تبذله في طلبه. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.
هو أهو على الله من ذلك :
لما أخبر المغيرة رضي الله عنه النبي ﷺ بما يتناقله الناس عن الدجال؛ أن معه جبل خبز ونهر ماء، جاء الجواب النبوي في كلمات قليلة تهدم جبال التهويل من أصلها: "هو أهون على الله من ذلك" كأن النبي ﷺ ينتزع القلوب من أسر الأسباب إلى شهود رب الأسباب. فالفتنة لا تكبر في عين من عرف الله، والمخاوف تضمر في قلب امتلأ بعظمة الله. من عرف أن خزائن الأرزاق بيد الله لم يفتنه جبل خبز، ومن أيقن أن ينابيع النفع والضر بيد الله لم يستخفه نهر ماء. التوحيد أن يستقر في القلب أن كل قوة في الكون مستعارة، وكل هيبة موهوبة، وكل سلطان منته إلى سلطان الله. فإذا عظم الله في النفس ذابت هيبة المخلوق، ورجعت الأشياء إلى مقاديرها الحقيقية، وبقي القلب معلقاً بواحد لا يزول ملكه، ولا ينقطع فضله، ولايرد أمره.
Available now! Telegram Research 2025 — the year's key insights 
