مدارج قناة أ. د خالد أبا الخيل
Ir al canal en Telegram
مدارج… حيث يلتقي المعنى باليقين، وتستيقظ البصيرة على ضوء الوحي. هنا نصعد درجةً في الفهم، ودرجةً في القلب، حتى يصبح الأثر حياة.
Mostrar más1 543
Suscriptores
+924 horas
+527 días
+31230 días
Archivo de publicaciones
"كُلُّ القوافي حينَ تُرسَمُ هاؤُها
تزهو بمَدْحِكَ كي يَزيدَ بَهاؤُها
صلَّى عليكَ اللهُ ما حَنَّ الجَوَى
وعليكَ صَلَّتْ أَرْضُها وسَماؤُها.
حب رسول الله ﷺ أجمل الحب وأزكاه؛ لأنه حب النور الذي أبصرنا به طريق الله، والرسالة الرحيمة التي انتشل الله بها أرواحنا من وحشة الشرك إلى أنس التوحيد، ومن تيه الجاهلية إلى سكينة الإسلام. نحن مدينون لرسالته -بعد فضل الله- بكل سجدة عرفت جباهنا بها الأرض، وبكل آية عمرت صدورنا، وبكل يقين استقرت به قلوبنا على وعد الله.ومحبته ﷺ شوق يصدقه الاتباع، وتعظيم يثمر الطاعة؛ بها ترق الروح، ويستقيم العقل، وتتخلق الجوارح بهديه. لذلك كان مجرد مرور اسمه الشريف على ألسنة السلف تضطرب له قلوبهم إجلالا: كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ تغير لونه وانحنى حتى شق ذلك على جلسائه؛ وكان محمد بن المنكدر يبكي إذا سئل عن حديثه حتى يرحمه من حوله؛ وكان جعفر الصادق يصفر لونه عند ذكره، وكان ابن سيرين ينتقل من انبساطه إلى خشوع مهيب. هكذا يكون الحب: حضور للحبيب في الضمير، واستقامة على أثره في الطريق، وحنين صادق إلى لقائه عند الحوض. صلى الله عليه كلما اشتاقت إليه روح، وكلما اهتدت بسنته حياة.
واللهِ ما ذرأَ الإلهُ ولا برى
خلْقاً ولا خُلُقاً كأحمد في الورى
فعليه صلى الله ما قلمٌ جرى
أو لاحَ برقٌ في الأباطحِ أو قُبا .
د خالد أبا الخيل
آية تهدم "لو"و"أنا"
أخبر الله عباده أن مقاديرهم كتبت قبل أن تجري عليهم، ثم كشف لهم سر هذا الإخبار: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ فما فاتك صرفته عنك حكمة سبقت تعلقك به، وما أتاك ساقه إليك فضل سبق سعيك إليه. الإيمان بالقدر يقتلع من القلب وهمين: "لو"التي تحاكم ماضياً أمضاه الله، و"أنا" التي تقف عند السبب وتنسى من خلق السبب ونتيجته. قال عكرمة رحمه الله: "ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكراً، والحزن صبراً" .
طول الأمد: موت القلب بالتقسيط..
طول الأمد أعمق من مرور الزمن؛ إنه امتداد الانتساب للدين وانقطاع تجديد العهد. تبدأ معرفة الإنسان بالوحي أشبه بحدث يهز القلب، ثم تحيله الألفة إلى معرفة محفوظة، وتحيل العبادة إلى عادة، وتصبح الأوراد أشبه بترانيم اعتيادية، ومع تكرار الذنوب وتأخر العقوبة يتعلم الضمير التساهل، ويقرأ الإنسان الإمهال أماناً ورضاً، فتضعف حساسية القلب للذنب، ويغدو ما كان يوقظه أمراً عادياً. هنا تتشكل القسوة، وتنسج خيوطها على البصيرة خيطاً خيطاً، حتى تتلبد الخيوط سحاباً كثيفاً يحجب عن القلب مهابة الآية وحرارة الذكر.ولهذا قال الله محذراً عياده من هذه الحالة : ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. فقسوة القلب إذن هي المسافة المتطاولة بين معرفة الحق والاستجابة له.
موكب النور:
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾تكوّر الشمس، ويخسف القمر، وتطفأ مصابيح الكون؛ وفي لجة الظلام يشق عتمة القيامة أجلّ مواكب الوجود: المؤمنون والمؤمنات تتهادى جموعهم في جلال، وقد أظهر الله إيمانهم المستور في الصدور نوراً منظوراً يسعى أمام خطاهم، ويفيض من أيمانهم، وتتلقاهم الملائكة ببشرى الجنات. هنالك يدرك العبد أن كل طاعة -فعلها في الدنيا - كانت قبساً مدخراً لهذا الطريق؛ فليستكثر كل منا من زاد الإيمان، وليتهيأ منذ اليوم للالتحاق بذلك الموكب، عسى أن يحشر في ركابه، ويبلغ مع أهله دار الخلود.
تشابهت الصفوف وافترقت القلوب:
﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾.ساروا في ركاب المؤمنين بأقدامهم، وفارقت قلوبهم وجهة الركب؛ أقاموا رسم الطاعة، وأسلموا سرائرهم للنفاق. فتنوا أنفسهم بالشهوات، وتربصوا بأهل الإيمان الدوائر، وأقاموا على الريب، ومدت لهم الأماني حبال الغفلة، وغرهم الشيطان بحلم الله حتى حسبوا الإمهال رضاً، والنعمة رحمة ، فجاء أمر الله، فإذا العمل لايتجاوز صورة الجسد، فكانت العاقبة أن ردهم الله إلى الصف الذي اختارته سرائرهم؛ هنالك انطفأت دعوى: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾، وبقيت حقيقة ما كانوا عليه، فكان المصير: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
اللهم اجعل معيتنا للمؤمنين معية قلوب وحقائق، واجمعنا بهم يوم يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم .
اللهم لك الحمد على روتين لا تكدره الفواجع، وعلى ملل لا تتعاقبه الأكدار، وعلى أيام تتشابه لأنها تمضي في ظل العافية والأمان. اللهم بصرنا بالنعم الساكنة التي ألفناها حتى غفلنا عنها؛ فكم من ملل نشكوه هو في ميزان المبتلين أمنية، وكم من يوم عادي هو عند المنكوبين غاية الرجاء وحلم بعيد. فأدم علينا سكينة العادة، ونعمة الروتين وارزقنا شكرها قبل زوالها.
مهابة المعيَّة:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾: يالها من آية عظيمة، لو استوطنت القلب لأقامت حوله سوراً من المهابة، وأشعلت في سريرته سراج المراقبة. معية علم وإحاطة وسمع وبصر؛ تحصي خفقة الضمير، وهمسة الخاطر، وخطوة القدم. فإذا استدرجتك خلوة، أو زينت لك النفس معصية، فاستحضر قربه سبحانه؛ فعين الله تملأ الخلوات، وعلمه يطوق السرائر، ومعيته تملأ قلب الطائع أنساً، وتقيم أمام داعي المعصية سوراً من الهيبة.
مناجاة :
اللهم إني ألوذ بحولك من حولي، وبغناك من فقري، وبعلمك من حيرتي، وبحفظك من غفلتي. وأعوذ بك من نفس إذا استندت إليها خذلتني، ومن تدبير يحجبني عن جميل تدبيرك، ومن قلب ينسى أن مفاتيح أمره كلها بيدك .
إلهي، هب لي قوة موصولة بك، وعزماً مستمداً من حولك، وقلباً يرى في كل قدر منفذاً إلى رحمتك. ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين؛ فأنا بك، ولك، وإليك، وأنت حسبي، وعليك اتكالي، وفي رحابك أمان ضعفي، ومنك يبدأ نهوضي، وإليك ينتهي رجائي.
أحوال العابدين في استقبال الصلاة:
الأذان في قلوب العابدين نداء ينتزعهم من زحام الدنيا ويردّهم إلى مولاهم؛ فأحدهم عاهد نفسه أن يثب من مكانه فور سماعه، أيّاً كان شغله، فإذا أقبل ميقات الله توارت عنده كل الأشغال والمواقيت. وآخر يترك هاتفه في بيته وكل مايشغله في سيارته إذا هتف المؤذن للصلاة،ويدخل على ربه بقلب فارغ من كل شيء إلا من مولاه، وثالث قطع على نفسه وعداً ألا يدخل بفريضة إلا ويمهد لها بنافلة، يغسل بها قلبه قبل أن يرفع يديه. ورجل عاش دهراً بعيداً عن ربه، فلما وقف في أول صلاة غلبه الحياء، فخارت قدماه وسقط جسده على الأرض، لكن روحه نهضت إلى ربه تائبة مستعتبة؛ ومنذ تلك السقطة ظل قائماً على باب الصلاة حتى لقي ربه.
كنز المكابدة:
قال ﷺ: "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة" كلمة تخلع العبد من وهم اقتداره، وترده إلى حول مولاه وقوته. والدنيا طريق مثقل بالمكابد، طويل الابتلاء، كثير المشاق؛ فلتغمر هذه الكلمة صحيفة يوم المؤمن، قائماً وقاعداً وعلى جنبه؛ يستفتح بها الأعمال، ويواجه بها الكروب، ويسند إليها قلبه، حتى تحمله معونة الله فوق أثقال الحياة، وتبلغه شاطئ الطمأنينة والرضا، آمناً مطمئناً في كنف ربه.
﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾: يا لوجع هذا العتاب، ويا لرحمة ربنا الوهاب! نعصيه بجارحة خلقها، وعافية أسبغها، وفي ملك يملكه، وتحت ستر أرخاه؛ ثم يمهلنا، ويسترنا، ويفتح لنا باب الرجوع، ويخاطب فينا موضع الحياء،.فما أعظم ربا تحيط رحمته بعبده حتى في مقام عتابه على العصيان!
الطريق إلى حمى الله:
ولاية الله أشرف منازل العبودية، وأجل عطايا الرب لعبده؛ فمن ظفر بها دخل حمى العناية، وتولاه الله بالحفظ والتسديد، وقد جاء الوعيد المزلزل لمن عادى أهلها في الحديث القدسي: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"، وأولياء الله هم الذين عرّفهم بقوله: ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾. ومن أعظم ماتنال به الولاية:
١. تقوى الله: بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وأداء فرائضه، والاستكثار من النوافل وفي الحديث القدسي: "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" فيغدو عبداً ربانياً، مسدد السمع والبصر والخطى. ثم الارتقاء إلى مقام الورع؛ فيدع المؤمن ما يخشى ضرره في آخرته، ويحرس قلبه من المشتبهات، ويقيم بينه وبين الخطيئة سياجاً من اليقظة.
٢. ترك الفضول: ففضول الطعام والشراب يثقل الروح، ويغشي الفطنة، ويورث القلب قسوة وركوناً إلى الدنيا؛ ومن لازم البطنة فارقته الفطنة. والمؤمن يخفف حظ جسده ليعظم حظ قلبه، ويتناول من الدنيا ما يقيم بدنه ويعينه على طاعة ربه.ومن أعظم الفضول خطراً فضول الكلام؛ فكثرة الخوض تقسي القلب، وتبدد أنواره، وتبعثر الحسنات. وكان السلف يتعبدون لله بالصمت عما حرم، وعما يضر القلب والعمل، مستحضرين قوله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾؛ و"قول"نكرة في سياق النفي، فتعم كل كلمة تخرج من الفم. قال زياد بن يونس: "كان والله مالك أعظم الخلق مروءة، وأكثرهم صمتاً" وقال طلحة بن عبيد الله البغدادي: "رافق ركوبِي ركوب أحمد بن حنبل في السفينة، فكان يطيل السكوت، فإذا تكلم قال: اللهم أمتنا على الإسلام والسنة". لقد عرفوا أن اللسان باب القلب، وأن حراسته عبادة، وأن الكلمة المكتوبة في صحائف المصير تستحق طول التثبت.
٣. طيب المطعم والمشرب: فيتحرى العبد الحلال في كسبه وغذائه، فالجوف الطيب منبت العمل الصالح، ومهبط البركة، ومفتاح رجاء الإجابة.
٤. دوام الافتقار إلى الله: فيرى العبد نفسه فقيراً إلى مولاه في كل نفَس وخطوة، متبرئاً من حوله وقوته، متواضعاً، متضرعاً، كثير السؤال والانكسار بين يديه. فإذا ظفر المؤمن بالولاية صار في منعة الله وحماه؛ فلا يكيده كائد إلا ارتد كيده عليه، ولا يمتد إليه باغٍ بسوء إلا كانت دائرة السوء على الباغي؛ إذ يتولى الله الدفاع عنه، ويجعل حرب عدوه حرباً له سبحانه: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب" ومن يقوى على حرب الله؟ وأي يد تمتد إلى وليه ثم تعود سالمة؟ إنها حرب محسومة العاقبة قبل أن تبدأ؛ طرفها عبد ضعيف، وخصمه رب العالمين.فطاب خاطر الولي، وانشرح صدره، وسعد في دنياه وأخراه: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾؛ أمّنهم الله مما يستقبلون، وطيّب قلوبهم عما مضى، وأحاط أعمارهم كلها بحفظ الولاية وسكينتها .. اللهم اجعلنا من أوليائك المتقين وحزبك المفلحين .
أ.د خالد أبا الخيل
مطاردة قلب شارد:
إذا أردت أن تقيس غفلة قلبك عن مولاه، فانظر كم تتعب في مطاردته داخل الصلاة؛ تستحضره من سوق، وتنتزعه من حديث، وتسترده من همّ، وتخلّصه من أُمنية، فما يكاد يقف بين يدي الله لحظة حتى يشرد. إن قلباً يستثقل دقائق المناجاة، لهو قلب قطع في أودية الدنيا فراسخ؛ فطول المطاردة يكشف بعد المسافة.
﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ : كل نظرة محرمة تبدأ ومضة في العين، وتنتهي عتمة في القلب؛ تنتزع من ثوب العفة خيطاً، وتفتح في نسيج الروح منفذاً للشهوة، حتى يتسع الخرق، وتتسرب السكينة، ويغدو القلب عارياً تتخطفه رياح الفتنة، وقد اقتلع الهوى أوتاد طمأنينته، فغدا هائماً لا يقر له قرار، ولا ترسو به سكينة.
فتنة الغموض
تشيع في الأوساط العلمية ظاهرة تستحق التأمل، خلاصتها أن بعض الناس يقيسون عمق العالم بمقدار غموض عبارته، ويمنحونه من سعة العلم بقدر ما يعجزون عن فهم كلامه. فكل مصطلح غريب عندهم شاهد على التبحر، وكل تركيب مغلق أمارة على الدقة، وكل حديث يخرج السامع منه حائراً يرفعه درجة في سلم الإعجاب بصاحبه.وتنشأ هذه الظاهرة من خلط دقيق بين صعوبة العلم وصعوبة العبارة. فالعلم قد يكون عميقاً؛ لأنه ينفذ إلى الجذور، ويكشف العلاقات الخفية، ويميز بين المتشابهات، ويجمع الجزئيات تحت أصولها. وقد تكون العبارة صعبة بسبب اضطراب الفكرة في ذهن صاحبها، أو ضعف قدرته على البيان، أو ولعه بالمصطلحات، أو رغبته في بناء مسافة نفسية بينه وبين جمهوره. الصعوبة الأولى ثمرة عمق، والثانية حجاب يحول بين العلم وبين طالبه.ويزيد هذا الخلط رسوخاً شعور السامع بأن قصوره عن الفهم يكشف تفوق المتحدث عليه؛ فيرتد الإبهام في وعيه هيبة، وتتحول الحيرة إلى إعجاب، ويصبح الغموض دليلاً على أن وراء الكلمات عالماً واسعاً عجز عقله عن بلوغه. وهنا تقع المفارقة: يمنح المتلقي المتحدث شهادة علمية من الموضع الذي أخفق فيه المتحدث في أداء مهمته؛ فبدلاً من أن يسأل عن وضوح الفكرة وترابطها وقوة حجتها، يحاكم نفسه، ثم يضيف عجزه إلى رصيد المتحدث.ولهذه الظاهرة أسباب نفسية واجتماعية. فالمصطلح الغريب يصنع مهابة سريعة، واللغة المغلقة توحي بامتلاك معرفة خاصة.كما أن الألقاب الأكاديمية والمنابر الرسمية تضفي على العبارة سلطة سابقة، فيتهيأ السامع لتلقي كل غموض بوصفه عمقاً، وكل تعقيد بوصفه إحكاماً، وكل استغلاق بوصفه ارتفاعاً عن مداركه. والمتأمل في تراث أئمة الإسلام يكشف معياراً آخر للرسوخ. فكلام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد يجمع قوة المعنى وصفاء العبارة. والجملة عندهم قصيرة المبنى، بعيدة الغور، تنهض على أصل محكم، وتفتح أمام طالب العلم أبواباً واسعة من الفهم والاستنباط. كما يجد القارئ هذه السمة في آثار الأوزاعي، ومصنفات ابن عبد البر، وكتابات المزي وابن تيمية وابن رجب وابن كثير والحافظ ابن حجر. تتدفق المعاني الكبيرة في عبارات واضحة، ويصل القارئ إلى الفكرة من أقرب مسالكها، ثم يكتشف بعد طول التأمل طبقاتها الممتدة وآفاقها البعيدة. تلك هي السهولة التي تصدر عن الامتلاء؛ سهولة وصل إليها العالم بعد أن استوت الفكرة في عقله، واتضحت حدودها، وانتظمت أجزاؤها، وعرف جوهرها ولوازمها وفروعها. فالعالم الراسخ يقطع في داخله رحلة طويلة من البحث والتحرير، ثم يقدم للقارئ خلاصة الرحلة في عبارة مستقيمة. إنه يتحمل مشقة التفكير كي يهب مخاطبه راحة الفهم.ولهذا كانت القدرة على تبسيط المسألة من دلائل التمكن. فصاحب العلم الراسخ يستطيع أن يعرض الفكرة للمبتدئ بقدر، وللمتخصص بقدر، وينقل المعنى بين مستويات الخطاب مع حفظ دقته. إنه يملك الفكرة، ولهذا يملك طرائق التعبير عنها. أما اضطراب البيان فيكشف أحياناً عن فكرة ما زالت في طور التشكل، أو معرفة متناثرة لم تنتظم في بناء، أو محفوظات اصطلاحية تتجاور في الذاكرة من غير أن تنصهر في رؤية علمية متماسكة. وقد تقتضي بعض المسائل الشرعية استعمال مصطلحات دقيقة، وخاصة في أصول الفقه، وعلم الكلام، والفلسفة، والمنطق، ودقائق الجدل، ومسائل الفرق والمذاهب. ولكل علم معجمه الذي يحفظ حدوده ويضبط مفاهيمه. وتظهر براعة العالم هنا في تعريف المصطلح، وبيان منشئه، وتحديد مراده، وربطه بالسياق الذي يؤدي فيه وظيفته. فالمصطلح العلمي أداة للضبط، وتُعرف قيمته بمقدار ما يضيء المعنى ويحرسه من الاشتباه.العلم العظيم يدهش العقل بما يكشفه، ويمنحه بعد الدهشة بصيرة. يفتح له نافذة على معنى كان محتجباً، ثم يضع في يده مفاتيح النظر إليه. أما الغموض المصنوع فيدهش السامع بصاحبه، ويترك الفكرة وراء ستارها. وبين الدهشتين مسافة تفصل هيبة الحقيقة عن فتنة العبارة.لهذا يظل البيان امتحاناً من امتحانات العلم: فالفكرة الناضجة تميل إلى الوضوح، والعقل المتمكن يحسن ترتيب الطريق إليها، والعالم الصادق يريد للناس أن يبلغوا المعنى. وتبلغ المعرفة ذروة جمالها حين يجتمع لها غور البحر وصفاء الماء؛ ترى سطحها قريباً، ثم تكتشف في أعماقها عالماً لا ينتهي. والله أعلم وأحكم .
أ.د خالد أبا الخيل
من يسألني فأعطيه؟
في الثلث الآخر من الليل، ينزل ربنا نزولاً يليق بجلاله وعظمته، ويشق سكون الوجود بندائه: "من يسألني فأعطيه؟" والله لو أشرق هذا النداء في سماء القلب، لتساقطت أسماء الخلق من سجل الرجاء، ولطارت الحاجات بأجنحة اليقين إلى من مفاتيح الوجود بين كافه ونونه.
لماذا تقع الخيانة الزوجية؟
الخيانة من أكثر الألفاظ التي يكثر تداولها، ويقع بسببها الخلط في المفاهيم. وشريعة الله تضبط الألفاظ قبل الأحكام؛ فالزواج بامرأة أخرى مع استكمال شروطه الشرعية عدل أباحه الله، وتسميته خيانة تعدٍّ على حكم شرعي معلوم من الدين بالضرورة. والخيانة الزوجية كل ما ينافي أمانة عقد الزوجية أو يجرحها. وأعظم صورها الزنا، وهو أبشع أنواع الخيانة، وقد قرنه الله بالشرك وقتل النفس، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾. ورأى النبي ﷺ في منامه رجالاً ونساء عراة في بناء كالتنور، يأتيهم اللهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ضجوا، فقيل له: "فإنهم الزناة والزواني". وتوجد خيانة أصغر، تبدأ بميل القلب إلى الحرام كالتواصل المحرم بين الرجل والمرأة الأجنبية عنه، أو إطلاق البصر في الصور المحرمة، أو فتح الأبواب التي تجر القلب حتى يضعف أمام الفتنة. وكثير من الكبائر يبدأ بخطوات صغيرة حتى يستحكم سلطانها على النفس. والحديث عن أسباب الخيانة تحليل للظاهرة، ويبقى التحريم قائماً والمسؤولية كاملة؛ فالمؤمن والمؤمنة يقفان عند حدود الله مهما تكاثرت الدوافع، وكل سبب يدعو إلى الحرام يزيد ثواب من قاومه وصبر عليه.ومن أعظم أسبابها ضعف التواصل الفعّال بين الزوجين، وخفوت الحضور الإيجابي في الحياة المشتركة. فقد يحضر الزوج في البيت بجسده، ويبقى قلبه مشغولاً بهاتفه وأعماله وهمومه، وقد تكون المرأة إلى جواره، وروحها منصرفة إلى صديقاتها وشواغلها واهتماماتها. والمطلوب بين الزوجين حضور يصنع الأنس، ويمنح كل واحد منهما شعوراً بأنه مرئي ومسموع ومعتبر.فالمشكلة كثيراً ما تبدأ من فشل الحضور، حتى يصبح وجود أحد الزوجين قريباً من الغياب. وقد غاب الآباء في الأزمنة الماضية بالشهور والسنوات، يطلبون الرزق، وبقيت بيوتهم عامرة بالمودة والعفاف؛ لأن الغياب كان تحيط به الثقة، ويجبره السؤال، وتحفظه المودة. أما الحضور الفارغ، فيترك في القلب وحشة أشد من وحشة البعد. وكذلك المرأة، إذا انشغلت عن زوجها، وقدمت صديقاتها ولهوها على حقه، وصار لقاؤه موعداً للشكوى والطلبات ورفع الصوت، وضاع توقيره أمام أبنائه، تحول البيت إلى بيئة طاردة. وقد يسلك الرجل طريق الزواج المشروع، وقد تستزل الخطيئة نفساً ضعيفة. والمرأة التي تعيش مع زوج لا يعبأ بها، ولا يسأل عن حالها، ويعاملها كأنها من سقط المتاع، قد تختار الفراق والخلع، وقد تستدرجها الخطيئة إلى براثنها.وتبدأ الوقاية من الخيانة بتعظيم عقد الزوجية؛ فهو ميثاق غليظ سماه الله بهذا الاسم، فقال سبحانه: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾. ومن استشعر جلال الميثاق صان عينه وقلبه وجوارحه، وحفظ شريكه في حضوره وغيابه.ويأتي بعد ذلك إصلاح ما بين الزوجين وبين الله؛ فالذنوب تترك كدراً في القلب، ووحشة في البيت، وضيقاً في العشرة، ومن أصلح سريرته مع ربه أجرى الله أثر الصلاح في علاقته بأهله.ثم يأتي احتساب الملاطفة وحسن العشرة. يحتسب الرجل الكلمة الطيبة، والسؤال، والإنصات، والرفق، وتحتسب المرأة البشاشة والتقدير وحسن الاستقبال. وقد أثقل حادث الإفك قلب النبي ﷺ بالهم والحزن والقلق، وبقيت عنايته بعائشة رضي الله عنها حاضرة، فكان يدخل عليها فيقول: "كيف تيكم؟"؛ يسأل عن حالها وهو يحمل من الهم ما يحمل.وعلى المرأة أن تدرك ما يحمله زوجها من أعباء النفقة والتزامات المنزل وفواتيره، فقد عظمت الأحمال على الرجال في هذا العصر. وعلى الرجل أن يدرك ما تحمله زوجته من أعباء البيت والأبناء وتقلبات الحياة. وبهذا الوعي تصبح الملاطفة عبادة، والاهتمام سياجاً، والتقوى حارساً يحفظ البيت من شقوق الخيانة.
أد خالد أبا الخيل
﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾:
يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر ذكر الساعة، فنزلت هذه الآية، فصرفه القرآن من ترقب موعدها إلى حقيقة الاستعداد لها. وفيها تربية للمؤمن على صيانة عمره عما لم يفوض إليه، وتوجيه طاقته إلى ما يملكه ويؤثر فيه؛ فالاستغراق في تتبع تجارة لا يمارسها، وسياسة لا دور له في مسارها، وملاحقة أخبار المشاهير، وخصومات الناس، وتفاصيل الأحداث، كل هذا يبدد العمر ويزاحم الواجبات. وكما روي عنه صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" فمن انشغل بما لا يعنيه ترك ما يعنيه.
حياة الشاكرين
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾: يا لسعادة الشاكرين، ويا لجمال الحياة في قلوبهم! كلما غادرتهم نعمة، أسرعوا إلى عدّ ما بقي، فامتلأت ألسنتهم حمداً، وامتلأت أرواحهم رضاً، ففتح الله لشكرهم أبواب المزيد، يرون في كل بقية عطاء، وفي كل عافية كنزاً، وفي كل صباح هبة، ويستقبلون أقدار الله بقلب يعرف المنعم قبل النعمة. ولو تقلّبت بهم الدنيا، لكفاهم أن الله أخرجهم إلى الحياة مسلمين، وأسمع قلوبهم اسمه، وعرّفهم طريقه، وجعل جباههم تسجد له؛ نعمة لو قضى العبد عمره كله ساجداً شكراً ؛لقام من سجوده وقلبه يهتف: ربِّ، ما أديت حقها.
كيف ثبتوا وتعثرنا؟
ترى من صلحت سيرته إلى الله، وقد استقام أعواماً على طاعته؛ يؤذن المؤذن فتتضاءل في قلبه مشاغل الدنيا، ويقوم إلى الصلاة كأن النداء انتزعه من الأرض، ويعمر أيامه بالقرآن، وتحرس مرضاة الله رغباته. ثم تنظر إلى تعثرك كلما بدأت، فيملؤك العجب: كيف ثبتوا على هذا الطريق أعواماً؟، بينما تتبدد عزائمنا بعد أيام؟! وتنقطع أورادنا بعد أسابيع؟!، وتعيدنا نفوسنا في كل مرة إلى أول الطريق؟ نطيل التأمل في ثباتهم، ونقارن نهاية رحلتهم ببدايتنا، ونجهل الفصول الشاقة التي سبقت هذا الرسوخ. لقد كان تاريخهم الخفي محاولات متتابعة: فشلاً أورث بصيرة، وسقوطاً أعقبه نهوض، وتعثراً تلاه قيام، ومجاهدة طويلة حتى ألفت نفوسهم طريق الله. وعلى من رام بلوغ هذه المنزلة أن يملأ قلبه افتقاراً إلى ربه ، فمنه يستمد العون والتوفيق؛ فيردد في كل أحواله: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" وهي وصية النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه، وفي ذات الوقت يتفقد نيته ويجدد صدقه؛ فالتوفيق ينزل على القلوب بقدر ما استودعت من إرادة الخير: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
