ar
Feedback
مدارج قناة أ. د خالد أبا الخيل

مدارج قناة أ. د خالد أبا الخيل

الذهاب إلى القناة على Telegram

مدارج… حيث يلتقي المعنى باليقين، وتستيقظ البصيرة على ضوء الوحي. هنا نصعد درجةً في الفهم، ودرجةً في القلب، حتى يصبح الأثر حياة.

إظهار المزيد
1 310
المشتركون
+224 ساعات
+417 أيام
+34330 أيام
أرشيف المشاركات
حين توقن أن وقتك هو عمرك، ستبصر العالم غابة من ذئاب مهذبة؛ مشروع لغيرك يقتطع من عمرك، وتاجر يتفنن في استنزاف مالك ووقتك، ولهو يبتلع أيامك. تمضي بك السنون، ثم تفيق على عمر سرق قطعة قطعة. فاحرس وقتك كما تحرس روحك، واجعل يومك في قبضة وعيك، وساعتك في خدمة نجاتك ورفعتك.

﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون﴾: كلما ظفر الشيطان بسقطة من جوارحك، فاحرمه من الظفر بقلبك. عد إلى الله سريعاً، واجعل التوبة أوجع عليه من الذنب الذي أوقعك فيه. توضأ بندمك، وانهض بعزم جديد؛ فالعبد الصادق تظهر منزلته في كثرة رجوعه وصدق وقوفه على باب مولاه.

كيف تكتشف أن الكاتب من "مواليد" الذكاء الاصطناعي؟ بالتأكيد ليس كل نص جميل من صنع الذكاء الاصطناعي، ولكن هناك قرائن -في تقديري - إذا اجتمعت أثارت الريبة، ومن أبرزها: أولها - نكارة المتن وهذه قاعدة استعملها أهل الحديث؛ فكما يحكم المحدثون على بعض المتون بالنكارة إذا خالفت ما يُعرف عن حال راويها، فكذلك هنا. فقد تقرأ نصاً مدهشاً لكاتب تعرفه، ثم إذا حاورته وجدته لا يملك الخلفية العلمية، ولا الثروة اللغوية، ولا القدرة الفكرية التي تؤهله لإنتاج ذلك النص. فالمتن نفسه ينكر نسبته إلى صاحبه. ولا زلت أذكر أني سمعت متحدثاً. يتحدث في مساحة من المساحات في منصة (اكس) وكانت مفردات كلامه بلغة شعبية ، أشبه بالعوام فتفجأت أنه كاتب في إحدى الصحف فأدركت لاحقاً أنه من هؤلاء "المواليد "الجدد . ثانياً - انعدام التاريخ الكتابي فالكاتب الحقيقي ينمو أمام القراء مرحلة بعد مرحلة، وتعرف له بدايات وتطوراً وأسلوباً. أما بعض مواليد الذكاء الاصطناعي فيظهرون فجأة بكتابات ناضجة، من غير رصيد سابق، ولا تجربة معروفة، ولا مسيرة تشهد لهم.. ثالثا - الإفراط في أسلوب النفي والإضراب فكثير من النصوص المولدة تعتمد هذا النسق المتكرر: ينفي فكرة ثم يستدرك بـ”بل”، أو يبني الفقرة على النفي ثم الإضراب، حتى يغدو ذلك سمة ظاهرة في أكثر الفقرات. رابعاً -المبالغة في الضبط الشكلي فكثيرا ما يأتي النص مشكولاً تشكيلاً كاملاً أو تُضبط بعض الكلمات على طريقة رسم المصحف، على نحو لا يجري عليه أكثر الكتّاب في كتاباتهم المعتادة. خامساً- كثرة الألفاظ وقلة المعاني وهي من أبرز العلامات؛ إذ تمتلئ الفقرة بالعبارات المزخرفة والجمل الرنانة، لكنك إذا فتشت عن فكرة جديدة، أو صورة مبتكرة، أو معنى عميق، لم تجد إلا إعادة للمعنى نفسه بألفاظ مختلفة.وهذه العلامات بالطبع ليست أحكاماً قاطعة، لكنها قرائن تقوى باجتماعها،

كيف تيكم؟ في محنة الإفك، غمر صدر النبي ﷺ حزن لو قُسّم على الناس لوسعهم؛ فقد امتد الأذى إلى أحب الخلق إليه. ومع هذا الوجع العاتي، ظلت رحمته بأهله أرحب من الأسى وأكبر من الحزن، يدخل على عائشة رضي الله عنها، فيسألها ويؤنسها بقوله: "كيف تيكم؟"كلمة قصيرة، تكشف قلباً رحباً، جمع بين ألم النبوة ورفق الزوج ووفاء الكريم.

﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾: الزنا جناية على العرض والدين، يقتحمها من هانت عليه حرمة الله، واستخف بعظمته. ومن استدرجه الشيطان إلى هذا الباب، فقد عرض قلبه للفقر، وعمره للمحق وروحه للشقاء، ثم ينتظره في الآخرة الوعيد الأشد: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ فويل لمن اشترى نزوة عابرة بدين ثقيل، وخزي طويل، ومقام مهول بين يدي الله، حتى يفرّ إلى توبة صادقة تمحو أثر الذنب .

حين يعرض القرآن أحوال الكافرين والمنافقين، فهو يفتح للمؤمن مرآة تربوية يرى فيها جذور الانحراف قبل امتدادها في السلوك. فقوله تعالى: ﴿﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ يكشف بنية الازدواج النفسي، حيث تتجزأ الشخصية بين انتماء معلن وولاء خفي، فتفقد صفاء المبدأ واستقامة الموقف. والمؤمن يتلقى هذا البيان بوصفه منهجاً للتماسك الداخلي والوضوح الأخلاقي.ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾فالكافر معرض عن ذكر الله إعراضاً تاماً ؛ وذلك لكفره ؛ فيكون له من الضنك أوفاه وأكمله. والمؤمن يتلقى الآية كتحذير دقيق من مسالك الغفلة؛ وليعلم أن نصيبه من الضنك يكون بقدر نصيبه من الإعراض .

تمر بالإنسان أيام تثقل فيها الخطى، وتتزاحم على قلبه الهموم، حتى يضيق صدره بما يلقى من تعب الدنيا وكدرها؛ فإذا فزع إلى ذكر ربه وجد فيه راحة لا تمنحها الأسباب، وسكينة تهون بها وعثاء الحياة. ومن هنا أثنى الله على أولي الألباب بقوله: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾؛ فالمؤمن لا يفارق الذكر بحال؛ قائماً وقاعداً ، في صلاته وخلوته، في سعيه وسكونه، في قوته وضعفه.

قضاء وقدر : القضاء والقدر محراب السكينة بعد اكتمال السعي، وميزان يردّ النفس إلى صدقها حين تنفد الطاقة وتبلغ الأسباب منتهاها. فمن رعى صحته، وأتقن عمله، وحاذر الخطر، ثم باغته عارض خارج عن وسعه، أسند قلبه إلى تقدير الله مطمئناً. ومن دانى الهلكة، وأهمل الحيطة، ثم سمّى العاقبة قدراً، فقد ألبس عجزه ثوب الغيب. الإيمان بالقدر يربي الشجاعة في تحمّل النصيب، كما يربي الأمانة في محاسبة التقصير؛ فخذ بالأسباب بقلب معلّق بمسببها، واستقبل المقادير بنفس راضية ومسؤولة.

العلم شديد الغيرة؛ فإذا رأى القلب موزعاً بينه وبين شواغل الدنيا، انصرف عنه، وأغلق دونه أبوابه، فلا يبوح بأسراره إلا لمن وهب حياته كلها ثمناً له .

لا حظ بلا تعب، ولا نجاة بلا سبب. ومن أراد الآخرة سعى لها سعيها، ومن أراد الدنيا أخذ بأسبابها؛ فلكل غاية كريمة مهر من الجهد، ولكل مطلب عظيم مشقة تسبقه، ومن صبر على وعثاء الطريق أدرك الغاية، وفاز بالمقصود.

ما أقسى أن يتعلق مريض بخبر يعده بالشفاء، ثم يكتشف بعد أيام أنه كان سراباً. عناوين مثيرة، ووعود بعلاج حاسم، ثم يتبدد كل شيء. وفي هذا الضجيج يتاجر بعض صناع المحتوى، والمشاهير، وأنصاف الأطباء بآلام المرضى، ويجعلون من قلقهم سلماً إلى الشهرة، ومن معاناتهم وقوداً للمشاهدات. فويل لمن جعل أوجاع الناس تجارة، واستثمر قلقهم. فماذا سيكون جوابه يوم يقف بين يدي ربه؟ ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.

لو كان المال يصنع السعادة لاكتفى به أهله، واستغنوا عن عيون الناس. لكننا نراهم اليوم يزدادون طلباً للحضور ولهفة إلى الالتفات؛ لأن في النفس فراغاً لا تملؤه الخزائن. المال قد يفتح باباً للراحة، لكنه لا يخلق طمأنينة. السعادة نبعٌ داخلي؛ إن لم يفِض من القلب، عجزت خزائن الأرض أن تشتريه.

من أبشع صور البغي أن يجعل أحد الزوجين أولادَه وسيلة للانتقام من الآخر؛ فتحرم أباً من فلذات كبده، أو يكسر قلب أمٍ بحرمانها من أطفالها. تلك مظلمة تستنزل غضب الله، وتستصرخ عدله ، ويعجل الله لصاحبها العقوبة؛ فما من ذنبٍ أسرع عقوبة من البغي. وتبرير هذا الظلم بإلقاء تبعته على الزوج أو الزوجة لا يغني عند الله شيئاً؛ فإن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم من بدأ بالظلم، ومن تمادى فيه، ومن لبس الباطل ثوب الحق، وسيقضي بين عباده بالعدل، وهو خير الحاكمين. وعلى الآباء والأمهات بعد طلاق أبنائهم وبناتهم ألّا يقف دورهم عند المواساة أو ينحازوا إلى ابنهم او ابنتهم، بل يراقبوا سير الأمور، ويتثبتوا من العدل، ويحولوا دون كل ظلم أو ابتزاز؛ فإن سكوتهم عن البغي، مع قدرتهم على منعه، يفتح باباً لامتداد المظلمة واتساع آثارها.

جاء في بعض الآثار أن أهلَ النار يدعون ربهم أن يخرجهم منها، ويلحون في الدعاء، فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين. وما من شك أن ذلك الصمت يملأ قلوبهم رجاء، لعله سكوت رحمة يعقبه فرج. ثم ينقضي الانتظار، ويأتيهم الجواب الذي تنطفئ عنده آخر شمعة للأمل: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. كلمة أُغلقت بها أبواب الرجاء إلى الأبد، وانقطعت بها صلتهم بالرحمة، وسكتت بعدها الأصوات، فلا دعاء يُسمع، ولا جواب يُرجى. اللهم أعذنا من ذلك اليوم، ومن ذلك الجواب، وأحسن منقلبنا إليك.

ما عظمت الدنيا في قلب عبد إلا عظمت خيباتها، وما هانت في عينه إلا وهانت أحزانها.

﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾: إذا حضرت كفاية الله، تبدلت طبائع الأشياء؛ فصار البحر مأمناً، والموج حارساً، والصندوق مهداً، والتيار طريقاً إلى النجاة. تلك سنة الله: إذا تولى عبداً سخر له أسباباً لا تبلغها حسابات البشر ولا تنفذ إليها بصائرهم، فجعل له في قلب الخطر رحمة، وفي عين البلاء لطفاً .

إذا لامست جبهتك الأرض ساجداً لله، فقد بلغت أشرف موضع يبلغه إنسان؛ ذلك الموضع الذي يفتح الله فيه أبواب رحمته، ويفيض على عبده من بركاته، ويغمر القلب سكينة وطمأنينة لا تمنحهما الدنيا كلها. فأمهل قلبك فيه، ودع الدنيا تنتظر قليلاً؛ فما عند الله في تلك اللحظات أجلّ من كل ما تنتظره خارجها. وأعط السجود حقه؛ فلعل الله يكتب لك في تلك اللحظات سعادة لا تشقى بعدها أبداً .

ما تفاوتت منازل الخلق عند الله - بعد الإيمان-بشيءٍ أعظم من تفاوتهم في تعظيم الصلاة. فإذا أردت أن تقرأ منازل العباد عند ربهم ومقامهم، فانظر إلى موضع الصلاة من حياتهم؛ فمنهم من قطع حبله بها، ومنهم من يشهدها ويغيب عنها، ومنهم من بينه وبين المسجد وحشة، ومنهم من كانت الصلاة روح حياته وسراج أيامه، يجيب نداء ربه خمس مرات كل يوم، لا يرده حر، ولا يثنيه برد، ولا تصرفه تجارة، ولا تؤخره راحة. هناك تُقرأ منازل القلوب عند علام الغيوب .

دعهم… فحسبك الله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾. كل كلمة تشغل القلب عن الله خسارة، وكل دقيقة تستهلك في ملاحقة كلام الناس اقتطاع من عمر قصير سريع الانقضاء، هو أثمن من أن يبدد في خصومات لا تنقضي، وكلام الناس لا ينتهي، والقلب لا يسكن إلا عند ربه. فافزع إلى ربك، واملأ عمرك بطاعته؛ فهناك تبرأ الصدور من ضيقها، ويصغر في القلب كل ما يقوله الناس.ومن تولاه الله بعنايته كفاه كل ما أهمه.

﴿سَنَنْظُرُ﴾ أول الطريق إلى اليقين: عادة ما تهتز النفوس أمام الأخبار العظام، ويزداد العقل حاجة إلى السكينة بقدر ازدياد الخبر إثارة. ولهذا استقبل نبي الله سليمان عليه السلام حديث الهدهد بمنهج النبوة، فكان أول ما نطق به: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. جعل التثبت باب الحقيقة، وأقام البرهان قبل إصدار الحكم؛ لتبقى للأمة قاعدةٌ خالدة: كلما عظُم الخبر، عظمت مسؤولية التحقق منه، فالعقول الكبيرة تُقاد بالدليل والبرهان، لا بسطوة الدهشة والمفاجأة.