الحجاب في الشرع والفطرة
Open in Telegram
كتاب الحجاب وكتاب الاختلاط القناة الأخرى https://t.me/aatarefe
Show more283
Subscribers
+224 hours
+67 days
+830 days
Posts Archive
Repost from الحجاب في الشرع والفطرة
يجوزُ للمرأةِ إنْ صلَّت عندَ الرجالِ تغطيةُ وجهِها؛ لأنَّ كشفَ وجهِ المرأةِ وكَفَّيْها في الصلاةِ ليس مِن واجباتِ الصلاةِ بالإجماعِ، ولكنَّ تغطيةَ غيرِ الوجهِ والكفينِ واجبٌ؛ فيجبُ التفريقُ بين ما يجبُ سترُه وما يجوزُ كَشْفُه؛ فللمرأةِ أن تُغطِّيَ وجهَها في الصلاةِ بسببِ مرورِ رجلٍ أو غُبَارٍ أو رِيحٍ كريهةٍ ولا تبطُلُ صلاتُها.
الحجاب في الشرع والفطرة للطريفي ص٤٥
وأُذَكِّرُ من يَتفوَّهُ بمُخالَفةِ الحقِّ بتقوى الله، ويومِ العَرْضِ عليه، وأُذَكِّرُهُ بأعظمِ ما يُفْسِدُ على العبدِ دِينَهُ؛ كما في الخبَرِ عنه عليه الصلاة والسلام: (مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِن حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ)، وأُذكِّرُهُ بأنَّ الأمرَ دِينٌ، ودَيْنٌ سيتمُّ القضاءُ فيه بينَ يَدَيِ الخالقِ وَحْدَهُ، والواجبُ فيه الوفاءُ بالحَقِّ بلا جَمْجَمةٍ أو إِدْهَانٍ؛ (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ).
وأُذَكِّرُهُ أخيراً بألَّا يَنْصَرِفَ بوَجْهِهِ عن مُرَادِ اللهِ إلى مُرَادِ غيره؛ فالوجوهُ لا تَستَقِرُّ على حالٍ إِلا وَجْهَهُ الكريمَ؛ فإِنَّه لا يَزُولُ ولا يَحُولُ.
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص١١٦
تطبيعُ الاختلاط:
وأمَّا مَنْ يقولُ: إِنَّ الاختلاطَ يَكْسِرُ حاجزَ النفسِ، وهَيْبَةَ الجِنْسِ للجِنْسِ، بدلاً مِنَ النُّفْرةِ بينهما، وحينَهَا يَتطبَّعُ الناسُ على هذا.
فيقالُ: إِنَّ الزَّوْجةَ تُخالِطُ زوجَهَا عُقُوداً، مخالطةً دائمةً لا تَتحصَّلُ في عملٍ ولا تعليمٍ، ويَرَى مِنْ حالها ما يُحِبُّ وما يَكْرَهُ بلا تصنُّعٍ؛ ومَعَ هذا فداعي الفِطْرةِ والغريزةِ بينهما قائمٌ مستديمٌ، وإنْ أغمَضَ عينَيْهِ عن هذا مَنْ تَصنَّعَ في القولِ، وأظهَرَ البراءةَ وحُسْنَ القصد، فهو مُتنكِّرٌ للفِطْرة، ومهما بلَغَ الرجلُ والمرأةُ صلاحاً ودِيَانةً وتَعفُّفاً، فلن يبلغوا طَهَارةَ أزواجِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام؛ يقولُ تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)؛ فأيُّ خوفٍ على قَلْبِ امرأةٍ زَوْجُها محمَّدٌ عليه الصلاة والسلام؟! وأيُّ خوفٍ على قلوبِ خيرِ القرون؟! ولكنَّه داعي الفِطْرة!
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص١١٣
الاستدلالُ بقصصِ التاريخِ والأَدَب:
يحتجُّ بعضُ الكُتَّابِ بحكاياتٍ مُرْسَلةٍ في كتبِ التاريخِ لفضلاءِ الصَّدْرِ الأَوَّلِ ومَنْ بعدهم، ويجعلونَ ذلك حَكَماً على نصوصِ الوحيِ القاطعةِ، وربَّما جَعَلَ ذلكَ حكايةً لبيئةِ الإسلامِ وحالتِهِ الاجتماعيَّة، وهذا اعتمادٌ ضعيف؛ لأنَّ الحكاياتِ إذا لم يكنْ لها أسانيدُ صحيحةٌ لا يجوزُ الاحتجاجُ بها في الدين، وكُتُبُ التاريخِ والأدبِ فيها مِنَ الكذبِ والمُبالَغاتِ مِنْ نسجِ الخَيَالِ ما لا يجوزُ الاعتمادُ عليه، ولا بناءُ الدِّينِ منه، ولا جَعْلُهُ تشريعاً لحلالٍ ولا حرام، والعُلَماءُ يردونَ أحاديثَ مُسْنَدةً في كتبِ السُّنَّةِ؛ لانقطاعٍ يسيرٍ بين بعض رُوَاتِها، أو لجهالةِ حالِ راوٍ، أو لضعفِ حفظِهِ؛ فكيفَ بحكاياتٍ بلا أسانيدَ بينَ الكاتبِ والقصَّةِ مئاتُ السنين؟! فهذه لا يثبُتُ بها مَكْرُمَة، فضلاً عن شريعةٍ وسُنَّة، وإنما تؤخذُ منها العبرةُ والعِظَة.
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص١١٢
دعوى خَصُوصيَّةِ أُمَّهَاتِ المؤمنينَ:
لو كانتِ الخَصُوصيَّةُ في منعِ الاختلاطِ بأُمَّهاتِ المؤمنين، فمَنِ المَعْنيُّ بقولِهِ عليه الصلاة والسلام: (لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَطُ الطَّرِيقِ)؟! وبقوله: (خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُها)، يعني: البعيدةَ عَنِ الرجالِ؟! ولماذا جعَلَ النبيُّ للنساءِ يوماً خاصّاً يُعلِّمُهُنَّ العِلْمَ بعيداً عن مجالسِ الرِّجَالِ؛ كما تقدَّم؟!
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص١١١
دعوى خَصُوصيَّةِ أُمَّهَاتِ المؤمنينَ:
أنَّ اللهَ قال: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ)؛ فجعَلَ طهارةَ قلوبِ الصحابةِ مَطْلَباً بذاته، وهذا يحصُلُ في جميعِ النساءِ؛ بل هو في غيرِ أمهاتِ المؤمنينَ أشدُّ؛ لأنَّ نظَرَ الصحابةِ لِأُمَّهاتِ المؤمنينَ نظَرُ إجلالٍ وتعظيمٍ وتوقير.
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص١٠٦
دعوى خَصُوصيَّةِ أُمَّهَاتِ المؤمنينَ:
إذا كان الاختلاطُ مُنِعَ منه مَنْ وُصِفْنَ بالأُمَّهاتِ، وزوجُهُنَّ أولى بالمؤمنينَ مِنْ أنفسهم: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)؛ خوفاً على قلوبِ هؤلاءِ الأُمَّهاتِ وقلوبِ أبنائهنَّ، وهم خيرُ الأجيال؛ فكيف بقلوبِ غيرهم رجالاً ونساءً؟!
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص١٠٥
دعوى خَصُوصيَّةِ أُمَّهَاتِ المؤمنينَ:
ما أجمَعَ عليه العلماءُ؛ مِنْ أنَّ الأحكامَ تدورُ مع العِلَلِ والمقاصدِ من التشريع؛ فاللهُ تعالى قال في آيةِ الحجابِ مُخاطِباً الصحابةَ: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)؛ فما الشيءُ الذي يُريدُ اللهُ إبعادَهُ مِنْ قلوبِ الصحابةِ وأمَّهاتِ المؤمنينَ، ولا يُوجَدُ عندَ بقيَّةِ النساءِ وبقيَّةِ الرجالِ إِذا الْتَقَوْا في المجالسِ والبيوتِ والتعليمِ؟! وما الشيءُ الذي يَجِدُهُ الصحابةُ تُجَاهَ أُمَّهاتِهِمْ أمهاتِ المؤمنين، ولا يجدونَهُ في بقيَّةِ النساء؟! فإذا كان الحجابُ أَطْهَرَ لقلوبهم وقلوبهنَّ، فمَنْ بعدهم أَحْوَجُ إلى هذِهِ الطهارةِ.
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص١٠٥
دعوى خَصُوصيَّةِ أُمَّهَاتِ المؤمنينَ:
أنَّ آيةَ الحجابِ جاء معها بِنَفْسِ الخطابِ أوامرُ أخرى: (وَاذْكُرْنَ)، يعني: يا أزواجَ النبيِّ، (مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ)؛ فهل هذا الخِطَابُ خاصٌّ؛ فلا يُشْرَعُ ذِكْرُ ما يُتْلَى في بيوتهنَّ مِنَ القرآنِ والسُّنَّةِ إلا لأزواجِهِ؟! مع أنَّ هذه الآيةَ أَظْهَرُ في الخَصُوصِيَّة؛ حيثُ قال: (فِي بُيُوتِكُنَّ)، وأمَّا في الحجابِ، فقال: (مِن وَرَاءِ حِجَابٍ)؛ فلم يقلْ: «حِجَابِكنَّ»؛ كما هنا: (فِي بُيُوتِكُنَّ)، وهل يُفْهَمُ من هذا التخصيصِ الزائدِ: ألَّا يدخُلَ فيه تلاوةُ الآياتِ والحكمةِ في بيوتِ غيركنَّ، ولا غيرُكُنَّ في بيوتهنَّ وبيوتِ غيرهنَّ؛ وهذا لا يقولُ به مسلمٌ، ولا يلتزمُهُ مَنْ يقولُ بِخَصُوصيَّةِ الحجابِ، مع أنه في نفسِ الآياتِ ونَفْسِ السياقِ.
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص١٠٤
دعوى خَصُوصيَّةِ أُمَّهَاتِ المؤمنينَ:
وأَمَّا مَنْ يَجْعَلُ الحِجَابَ خاصّاً بأُمَّهاتِ المؤمنينَ؛ وعلى هذا: فالاختلاطُ محرَّمٌ عليهنَّ خاصَّةً؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَهُنَّ وحدهنَّ في الآيةِ: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ):
فهذه جهالةٌ عصريَّةٌ، لا تقومُ على نَظَر، ولا على بُرْهَان، ولا على قولٍ لأحدٍ مِنْ مفسِّري القرآنِ مِنَ السلف، وكأنَّ القرآنَ لم يَفْهَمْهُ أَحَدٌ إِلا أَهلُ الحضارةِ المُعَاصِرة، وكأنَّ خيرَ القرونِ ومَنْ بَعْدَهُمْ نَقَلُوا الأحكامَ على غيرِ وَجْهِها؛ وبيانُ ذلك على هذا التفصيلِ:
أنَّ القرآنَ عامٌّ للناسِ بجميعِهِ؛ كما قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ)، أي: مَنْ يبلُغُهُ ما فيه ممَّن يجيءُ بعدَكُمْ، فهو حجةٌ عليه، والعِبْرةُ بعمومِ حُكْمِهِ، وَإِنْ تَمَّ تخصيصُ الخِطَابِ لأعلى البَشَرِ؛ وهُمُ الأنبياءُ، فضلاً عن آحادِ الصحابةِ، وأزواجِ الأنبياءِ؛ لقولِهِ عليه الصلاة والسلام كما في «صحيح مسلم»: (إِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ).
فإذا كان خِطَابُ الأنبياءِ الواردُ في القرآنِ المَخْصوصِينَ به عامّاً لأهلِ الإيمان؛ فكيفَ بِخِطَابٍ توجَّه لِمَنْ هو دُونَهُمْ؟! فإذا دخَلَ المؤمنونَ فِي خِطَابِ الأنبياء، فدخولُ النساءِ في خِطَابِ أُمَّهاتِ المؤمنينَ أَوْلَى وأَحْرَى.
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص١٠٢
جميعُ فُقَهاءِ المذاهبِ الأربعةِ مُطْبِقُونَ على التحذيرِ مِنَ الاختلاطِ، ومَنْعِهِ؛ وهذا مستفيضٌ في مصنَّفَاتهم، ولا أعلَمُ مصنَّفاً مِنْ مدوَّناتِ الفقهِ الموسَّعةِ إلا ويَنُصُّ على ذلك.
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص١٠١ بتصرف يسير.
الاختلاطُ والخَلْوةُ:
وأمَّا دعوى أنَّ الاختلاطَ لم يَضْبِطْهُ الفقهاءُ مِثْلَ الخَلْوةِ:
ثُمَّ إنَّ تَعلُّقَ الخَلْوةِ بمسائلِ الفِقْهِ ظاهرٌ، بخلافِ تَعلُّقِ الاختلاط؛ فالاختلاطُ لا تَتعلَّقُ به مسائلُ فِقْهيَّةٌ تتصلُ بأبوابِ العقودِ والفُسُوخِ مثلَ الخَلْوة؛ فالفقهاءُ يُورِدُونَ الخَلْوةَ في مسألةِ إثباتِ المَهْرِ لِمَنْ عقَدَ على امرأةٍ، وطلَّقها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، وأنه إذا لم يَخْلُ بها، فليس لها المَهْرُ كاملاً، وإذا خَلَا بها، فلها المَهْرُ، ولو قُدِّرَ أنها حَمَلَتْ بعدَ العَقْدِ، وقد خلا بها، وأُسْدِلَ الستارُ بينهما، فَلَحَاقُ النَّسَبِ لِمَنْ عَقَدَ عليها بالإجماعِ، ولو قال: «إنه لم يَمَسَّهَا»، إلا إذا لاعَنَ، وأمَّا إذا عقَدَ عليها، ولم يَخْلُ بها، وطلَّقها، فلها نِصْفُ المَهْرِ، وله نفيُ الوَلَد بِلا لِعَانٍ على الصحيحِ.
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص٩٨ و٩٩
الاختلاطُ والخَلْوةُ:
وأمَّا دعوى أنَّ الاختلاطَ لم يَضْبِطْهُ الفقهاءُ مِثْلَ الخَلْوةِ:
وإِنَّما شَدَّدَتِ النصوصُ والفقهاءُ في أمرِ الخَلْوةِ أَكثَرَ من الاختلاط؛ لأنَّ الخَلْوةَ أقربُ إلى أسبابِ الفاحشةِ والوقوعِ فيها من الاختلاط، وأدعى لتحقُّقها، لهذا فهي أعظمُ وأشدُّ تحريماً؛ فاللهُ جعَلَ لكلِّ شيءٍ محرَّمٍ ذرائعَ ووسائلَ توصِّلُ إليه، وأقربُ الذرائعِ إليه أشدُّها تحريماً؛ فالنظرُ أخفُّ مِنَ الاختلاطِ، والاختلاطُ أخفُّ من الخَلْوةِ، والخَلْوةُ أخفُّ من اللمس، وكلَّما قَرُبَتْ وسيلةُ الزنا إليه، كانتْ أعظَمَ تحريماً، وأشدَّ احترازاً في القرآنِ والسُّنَّة؛ فإنَّ الوسائلَ خُطُواتٌ إلى الحرامِ، وأعظمُهُنَّ إثماً آخرُهُنَّ، وأخفُّهُنَّ أَوَّلُهن، وهذا لا يُخْرِجُ جميعَ الخطواتِ مِنَ النهي، ولكنْ لكلِّ خُطْوةٍ منزلتُهَا من النهي، وتَعْظُمُ الخطوةُ بمقدارِ معرفةِ خطورةِ ما بعدها.
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص٩٨
التعليم:
وأمَّا الاستدلالُ بما جاء في «الصحيحَيْن»، عن أمِّ الفضلِ بنتِ الحارث رضي الله عنها؛ «أَنَّ أُنَاساً تَمَارَوْا عندَهَا يومَ عَرَفَةَ في صومِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام؛ فقال بعضُهم: هو صائمٌ، وقال بعضُهم: ليس بصائمٍ؛ فأَرْسَلَتْ إليه بِقَدَحِ لَبَنٍ، وهو واقفٌ على بعيرِهِ، فشَرِبَ.
وذكَرَ شُرَّاحُ الحديثِ أنَّ هذا أصلٌ في المناظرةِ في العِلْمِ بين الرجالِ والنساءِ.
فيقال: إِنَّ المُنَاظَرَةَ في العلمِ والتعليمِ، لا يُنْكِرُ وجودَهَا أحدٌ، وهذا تعميمٌ أورَدَ فهماً خاطئاً، ولو تَحقَّقَ له صفتُهُ، عَلِمَ أنه أُتِيَ مِنْ تلقينٍ، وإدامةِ نَظَرٍ في مقالاتٍ صحفيَّة، لا تُرِي القارئَ إلا ما تَرَى، تُسوِّدُها أقلامٌ ذاهلة، أحبُّوا شيئاً فطوَّعوا له النصوصَ، والمُناظَرَةُ في العلمِ بَيْنَ الرجالِ والنساءِ التي يستنبطها العلماءُ الحُذَّاقُ من النصوص، هي على حالٍ وصَفَهَا مسروقُ بنُ الأَجْدَع؛ كما في «الصحيحَيْن»؛ قال: «سَمِعْتُ عائشةَ وهي مِنْ وراءِ حِجَابٍ».
وكما ذكَرَهُ البخاريُّ في «تاريخه»؛ قال عبدُ اللهِ الباهليُّ: «رأيتُ سِتْرَ عائشةَ رضي الله عنها في المَسْجِدِ الجامعِ، تُكَلِّمُ الناسَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْر، وتُسْأَلُ مِنْ ورائِهِ».
وكما جاء في «المسند»، عن عبد اللهِ أبي عبدِ الرحمن؛ قال: «سَمِعْتُ أبي يقولُ: جاء قَوْمٌ مِنْ أصحابِ الحديثِ، فاسْتَأْذَنُوا على أبي الأَشْهَبِ، فَأَذِنَ لهم، فقالوا: حَدِّثْنَا، قال: سَلُوا، فقالوا: ما معنا شيءٌ نَسْأَلُكَ عنه، فقالَتِ ابنتُهُ - مِنْ وراءِ السِّتْرِ -: سَلُوهُ عن حديثِ عَرْفَجَةَ بنِ أَسْعَدَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الكُلَابِ».
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص٩٦
الطَّوَافُ عندَ الكَعْبةِ:
وأمَّا الاحتجاجُ بالطَّوَافِ، وأنَّ الرجالَ والنساءَ يطوفونَ جميعاً:
فهذا احتجاجُ مَنْ جَهِلَ الشرعَ والتاريخَ، واتَّبَعَ المُتشابِهَ:
فأَمَّا جَهْلُهُ بالشرعِ: فذلكَ أنَّ هذا مِنْ خَصُوصيَّاتِ مَكَّةَ؛ بإجماعِ المفسِّرين؛ قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ):
فقد أخرَجَ ابنُ أبي شَيْبةَ، والبيهقيُّ، عن مجاهدٍ، قال: إِنَّما سُمِّيَتْ بَكَّةَ؛ لأنَّ الناسَ يَبُكُّ بعضُهُمْ بعضاً فيها، وأنه يَحِلُّ فيها ما لا يَحِلُّ في غيرها.
وأخرَجَ سَعِيدُ بنُ منصورٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ أبي حاتمٍ، عن عُتْبَةَ بنِ قَيْس؛ قال: إِنَّ مَكَّةَ بكَتْ بُكَاءً، الذَّكَرُ فيها كالأنثى، قيل: عمَّن تَرْوِي هذا؟ قال: عن ابنِ عُمَرَ.
وعندَ البيهقيِّ، عن قتادةَ؛ قال: سُمِّيَتْ بَكَّةَ؛ لأنَّ اللهَ بَكَّ بها الناسَ جميعاً، فيصلِّي النساءُ قُدَّامَ الرجالِ، ولا يصلُحُ ذلك بِبَلَدٍ غيره.
وبنحوِهِ قال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغيرُهُ.
بل يُعْفَى عن السُّتْرةِ في مَكَّةَ، ولا يُعْفَى عن غيرها؛ فروى ابنُ جرير، عن عَطَاء، عن أبي جعفرٍ، قال: مَرَّتِ امرأةٌ بينَ يَدَيْ رَجُلٍ وهو يصلِّي، وهي تطوفُ بالبيتِ، فدَفَعَهَا؛ قال أبو جعفر: إِنَّها بَكَّةُ، يَبُكُّ بعضُها بعضاً.
وأمَّا جهلُهُ بالتاريخِ: فإِنَّ النساء كُنَّ يَطُفْنَ مُجْتَمِعاتٍ حَجْرةً من الرجالِ، لا معهم؛ وهذا في زَمَنِ النبيِّ وأَمَّا في زَمَنِ عُمَرَ، فكان يَضْرِبُ الرجلَ الذي يطوفُ وسَطَ النساء؛ كما رواه الفاكهيُّ، مِنْ طريقِ زائدةَ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ؛ قال: «نَهَى عُمَرُ أَنْ يَطُوفَ الرجالُ مَعَ النساءِ، قال: فرأى رَجُلاً يطوفُ مَعَهُنَّ، فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ».
وبَقِيَ الأمرُ على هذا قروناً طويلةً؛ قال ابنُ جُبَيْرٍ (٥٧٨ھ): «وموضعُ الطوافِ مفروشٌ بحجارةٍ مبسوطةٍ، كأنها الرخامُ حُسْناً، منها سُودٌ وسُمْرٌ وبِيضٌ، قد أُلْصِقَ بعضُهَا ببعض، واتسَعَتْ عن البيتِ بمقدارِ تِسْعِ خُطاً، إلَّا في الجهةِ التي تُقابِلُ المَقَامَ؛ فإنَّها امتدَّت إليه حتى أحاطَتْ به.
وسائرُ الحَرَمِ مع البَلَاطات كلِّها مفروشٌ برملٍ أبيضَ، وطوافُ النساءِ في آخِرِ الحجارةِ المفروشةِ». انتهى.
#الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب
ص٩٣
