en
Feedback
حذيفة الحنبلي

حذيفة الحنبلي

Open in Telegram

رجل يسعى إلى التّمسّك بما كان عليه الأوَّلون. ”أبرأ إلى الله من جميع الجماعات والتنظيمات والأحزاب اليوم“ الاحتياطية : https://t.me/+edAVA7zmlEwwMGRk

Show more
535
Subscribers
+124 hours
+27 days
+330 days
Attracting Subscribers
September '26
September '26
+8
in 1 channels
August '26
+37
in 0 channels
Get PRO
July '26
+42
in 1 channels
Get PRO
June '26
+36
in 1 channels
Get PRO
May '26
+38
in 0 channels
Get PRO
April '26
+41
in 0 channels
Get PRO
March '26
+29
in 0 channels
Get PRO
February '26
+50
in 1 channels
Get PRO
January '26
+71
in 1 channels
Get PRO
December '25
+28
in 0 channels
Get PRO
November '25
+56
in 0 channels
Get PRO
October '25
+41
in 0 channels
Get PRO
September '25
+38
in 0 channels
Get PRO
August '25
+81
in 0 channels
Get PRO
July '25
+41
in 3 channels
Get PRO
June '25
+53
in 2 channels
Get PRO
May '25
+69
in 3 channels
Get PRO
April '25
+52
in 3 channels
Get PRO
March '25
+87
in 4 channels
Get PRO
February '25
+76
in 11 channels
Get PRO
January '25
+62
in 4 channels
Get PRO
December '24
+142
in 6 channels
Get PRO
November '24
+134
in 3 channels
Get PRO
October '24
+140
in 7 channels
Get PRO
September '24
+47
in 3 channels
Get PRO
August '24
+44
in 3 channels
Get PRO
July '24
+36
in 4 channels
Get PRO
June '24
+43
in 5 channels
Get PRO
May '24
+41
in 2 channels
Get PRO
April '24
+35
in 3 channels
Get PRO
March '24
+15
in 0 channels
Get PRO
February '24
+25
in 0 channels
Get PRO
January '24
+30
in 1 channels
Get PRO
December '23
+48
in 2 channels
Get PRO
November '23
+256
in 4 channels
Date
Subscriber Growth
Mentions
Channels
09 September0
08 September+1
07 September0
06 September+2
05 September+1
04 September+2
03 September+1
02 September+1
01 September0
Channel Posts
[ القول بقدم نوع الحوادث ] إن مما أخذه أدعياء السلفية عن الفلاسفة بدعة: (تسلسل الحوادث والقدم النوعي للحوادث) وهي من أشنع البدع وأخبثها التي تسللت إلى بعض الأوساط المنتسبة للسلفية -كذباً وزوراً- ، فصاروا بهذا القول المشؤوم أشد ضلالاً من المشركين الأولين، وأقرب إلى الفلاسفة الملاحدة منهم إلى أتباع المرسلين!. وقد روّج لهذه الطامة الكبرى والداهية العظمى بعض الأدعياء المتأخرين الذين لبسوا لباس السُنيّة تمويهاً وتلبيساً، وهم في حقيقة أمرهم مخانيث أهل الرأي ومسوخ الفلاسفة. فإن حقيقة هذا القول الخبيث (قدم جنس الحوادث والمفعولات) يصيّر غير الله مع الله تعالى شريكاً ونداً له في أزليته، وهذا عين الشرك الأكبر والكفر المبين، بل إن الجهمية الأولى أدركت قبح هذا الشرك ونزّهت الله عنه وحاججوا الإمام أحمد به -لما توهموا أن صفات الله شيء بائن عن الله واثبات قدمها يستلزم اثبات قدم غير الله- فجاء في [ الرد على الجهمية ] لأحمد: "ﻓﻘﺎﻟﻮا: -أي الجهمية- ﻻ ﺗﻜﻮﻧﻮﻥ ﻣﻮﺣﺪﻳﻦ ﺃﺑﺪا ﺣﺘﻰ ﺗﻘﻮﻟﻮا: ﻗﺪ ﻛﺎﻥ اﻟﻠﻪ ﻭﻻ ﺷﻲء. ﻓﻘﻠﻨﺎ: ﻧﺤﻦ ﻧﻘﻮﻝ: ﻗﺪ ﻛﺎﻥ اﻟﻠﻪ ﻭﻻ ﺷﻲء. ﻭﻟﻜﻦ ﺇﺫا ﻗﻠﻨﺎ: ﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻟﻢ ﻳﺰﻝ ﺑﺼﻔﺎﺗﻪ ﻛﻠﻬﺎ، ﺃﻟﻴﺲ ﺇﻧﻤﺎ ﻧﺼﻒ ﺇﻟﻬﺎ ﻭاﺣﺪا ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺻﻔﺘﻪ؟" بل عند التأمل تجد أن هذا القول أقبح من شرك عباد الأصنام الذين لم يجعلوا -المشركون- آلهتهم أزلية مع الله!، وهو من جنس قول الفلاسفة الملحدين في أزلية المادة وقدم العالم، وإن لم يكن متطابقاً من كل وجه. وإن الناظر لأصل هذه البدعة المنكرة والفرية الشنيعة يجد أنها قامت على شبهة إبليسية لعينة، وهي قولهم : "إذا قلنا كان الله ولا خلق فقد عطلنا الله عن التخليق في ذاك الحين" أقول: وهذا من المقاييس الشيطانية الإبليسية التي تُدفع بها أصول الملة من أساسها، فهؤلاء المتكلون قد جعلوا الله محتاجاً إلى الخلق، مفتقراً إلى إيجاد الحوادث، وكأن الله لا يكون خالقاً حقاً حتى يخلق!، قال الإمام الدارمي في [ النقض ] : " ﻭاﻟﻠﻪ ﺗﺒﺎﺭﻙ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ اﺳﻤﻪ ﻛﺄﺳﻤﺎﺋﻪ ﺳﻮاء، ﻟﻢ ﻳﺰﻝ ﻛﺬﻟﻚ ﻭﻻ ﻳﺰاﻝ، ﻟﻢ ﺗﺤﺪﺙ ﻟﻪ ﺻﻔﺘﻪ، ﻭﻻ اﺳﻢ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻛﺬﻟﻚ ﻗﺒﻞ اﻟﺨﻠﻖ ﻛﺎﻥ ﺧﺎﻟﻘﺎ ﻗﺒﻞ اﻟﻤﺨﻠﻮﻗﻴﻦ، ﻭﺭاﺯﻗﺎ ﻗﺒﻞ اﻟﻤﺮﺯﻭﻗﻴﻦ، ﻭﻋﺎﻟﻤﺎ ﻗﺒﻞ اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﻴﻦ، ﻭﺳﻤﻌﻴﺎ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺴﻤﻊ ﺃﺻﻮاﺕ اﻟﻤﺨﻠﻮﻗﻴﻦ، ﻭﺑﺼﻴﺮا ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺮﻯ ﺃﻋﻴﺎﻧﻬﻢ ﻣﺨﻠﻮﻗﺔ." وهذه البدعة الخبيثة تهدم معنى الخلق والإيجاد من أصله، فإن الخالق هو الذي يوجد الأشياء من العدم الصرف، فإن خلق الشيء يقتضي سبق وجود الخالق على المخلوق فإذا زعم هؤلاء المشركون أن جنس المخلوقات أزلي فقد أبطلوا الخلق الحقيقي وجعلوه مجرد تصريف لموجودات أزلية، وهذا تكذيب صريح لقول الله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}، وقوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}. ولو قال من هو معتذر لهم: "هم قالوا بقدم الجنس والنوع ولم يقولوا بقدم عين وأزليتها" قلنا: القول بقدم جنس الحوادث لا ينفك عن القول بقدم عين من أعيان الحوادث! إذ لكل نوع وجنس بداية وأول، وإن لم يقولوا بذلك فقد ناقضوا بديهيات العقل ومع أنها سفسطة لم يسلموا من أن يقعوا في الإشراك، فنوع الحوادث هو (شيء) على الحقيقة والقول بإزليته إشراك الله مع الله في الإزلية!، ثم إن النوع لا وجود له في الحقيقة إلا بأفراده وأعيانه، وهو رد لقول النبي ﷺ (كان الله ولم يكن شيء غيره) رواه البخاري. وإن من الواضح لكل ذي لب أن هؤلاء المبتدعة الضالين إنما هم أذناب للفلاسفة الملحدين ومقلدون لهم في باطلهم، فقد انبطحوا أمام الفلسفة الإغريقية النجسة التي قالت بأزلية المادة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وأنهم ينصرون السنة، والحال أنهم يهدمونها بمعاول الضلالة ويقوضونها بأدوات البدعة. فالحق الأبلج الذي لا يخفى على من له أدنى بصيرة أن الله وحده هو القديم الأزلي الذي لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء، وأن كل ما سواه محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وأن الله سبحانه يفعل ما يشاء متى شاء كيف شاء، لا رب سواه ولا إله غيره. فمن زعم غير هذا فهو كافر ضال مفار لدين الإسلام، خارج عن ملة سيد الأنام.

2
اعلم أن الأصل في أحكام الشرع أنها تبنى على اليقين، فمتى ما تيقن العبد لم يزل عنه ذلك اليقين بمجرد شك يعرض له أو احتمال يطرأ عليه. وفي هذا قول النبي ﷺ: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً"، إلا أن طلب اليقين في كل أحكام الشرع متعذر، فأنزل الشارع الحكيم غلبة الظن منزلة اليقين إذا تعذر، وهذا في كثير من أبواب العبادات والأقضية، وهو مما اتفق عليه المشتغلون بالفقه وأصوله سلفاً وخلفاً وإن ثمَّ نزاع فيه فلفظي. ومن هذا القبيل: الحكم على الناس جماعات وأفراد بالظاهر منهم أو استصحاب أصل أهل الدار، فهذا مبناه غلبة الظن، وهذا من تيسير الشرع وسماحته.
114
3
الاستحسان بين أهل الحديث وأهل الرأي : لقد اشتهر عن الشافعي -رحمه الله- ذم الاستحسان وإبطاله، وقد يتوهم الناس أن هذا إبطالاً مطلقاً لدليل الاستحسان من الشافعي، وقد يؤيد هذا الزعم كثير من أدعياء السلفية، خاصة من كانوا على ولع بذاك الجهمي الظاهري، وهذا باطل عند من عرف العلم! وسأبيّن ذلك -إن شاء الله- من خلال الآتي: بدايةً: إن الاستحسان عند الأصوليين يتناول معنيين: أحدهما حق وآخر باطل. • الأول: أن يكون الاستحسان دليلًا منقدحًا في نفس المجتهد أو عدولًا عن حكمٍ بالنظر إلى دليل أقوى (أي: العدول عن نظر القياس إلى دليل أظهر)، فهذا يدخل تحت مراتب الترجيح الدليلي وهو المعمول به عند فقهاء أهل الحديث. • الثاني: أن يُفهم الاستحسان باعتباره ما «يستحسنه المرء بعقله» دون سند شرعي، وهذا هو الاستحسان الآرائي وهو استحسان أهل الرأي، وهذا النوع خاصة الذي ذمه الشافعي ولم يرتضه. فالإمام الشافعي – رضي الله عنه – ذمَّ عبارة «الاستحسان» وصرّح بعبارات قوية كقوله: «من استحسن فقد شرع». ولكن كلامه ينبغي أن يُقرأ في ضوء سياق الردّ على منهج أهل الرأي، أي الاستحسان المرسَل بالرأي والهوى وبضرب من التلذذ والتشهي الشخصي، وليس مقصد الشافعي رد كلّ مراتب الترجيح الدليلي التي تُسمّى عند غيره استحسانًا، وإلا فالشافعي نفسه -رحمه الله- عمل بالاستحسان! جاء في [البحر المحيط]: "قال الشافعي بالاستحسان في ستة مواضع، فمن ذلك: كتاب الصداق بالخلوة، فذلك ضرب من الاستحسان، وكذلك في كتاب الشهادات إلى كتب قاضٍ إلى قاضٍ، فذلك الاستحسان، وفي الشفعة ثلاثة أيام استحسان، ويستحلف بالمصحف استحسانًا، والمتعة ثلاثون درهمًا استحسانًا، وما ذكره من استحسان مراسيل سعيد بن المسيب رحمه الله". والتاريخ الفقهي يدل على أن مادة إنكار الشافعي انطبقت عمليًا على ما شاع عند أهل الرأي ونسب إلى أبي حنيفة، ومما قاله الشافعي دالاً على ذلك قوله: «وإنما الاستحسان تلذُّذ، ولا يقول فيه إلا عالمٌ بالأخبار، عاقل للتشبيه عليها». قال الزركشي: "وإنما قال ذلك لأنه قد اشتَهر عنهم أن المراد به حُكم المجتهد بما يقع في خاطره من غير دليلٍ". وقال أبو الطيب الطبري: "قد تكلم الشافعي رحمه الله على الاستحسان الذي رآه أبو حنيفة، وصنف في ذلك كتاب إبطال القول بالاستحسان، والاستحسان الذي حكاه عن أبي حنيفة وهو: إثبات الحكم بالحدس والظن من غير أن يدل على ذلك دليل من كتاب أو سنة أو غيرهما كما قال أصحابنا رحمهم الله" [شرح مختصر المزني]. قلت: وهذا المعنى لا يرتضيه أحد من المسلمين فضلاً عن علمائهم، وهو ثابت عن أهل الرأي وعن أبي حنيفة، وقد نسب هذا النوع من الاستحسان الشافعي رحمه الله لأبي حنيفة كما في كتابه إبطال الاستحسان الذي ينقل عنه الزركشي وغيره. قال أبو المظفر: "واعلم أن الكلام في الاستحسان يرجع إلى معرفة الاستحسان الذي يعتمده أصحاب أبي حنيفة، فإن كان الاستحسان هو القول بما استحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل فهو باطل قطعًا". قلت: كلام الشافعي -رحمه الله- في ذم الاستحسان كاطلاقات الأئمة -رحمهم الله- في ذم المقاييس، وهم لا يريدون القياس الصحيح الذين هم أنفسهم يعملون به، وإنما يريدون مقاييس أهل الرأي والكلام التي تدفع بها النصوص والآثار، وهو -أي الاستحسان- معمول به عند الشافعي وكبار تلامذته وإن نازعوا في اسمه فالنزاع في اللفظ لا في المعنى.
118
4
لقد تآلفت أهواء الحزبيين اليوم، واجتمع شتات طوائفهم على استمراء الجفوة للسنة وحرب أهلها! تراهم اليوم ينفخون في بوق واحد؛ فما تفتأ تسمع منهم: "خطابكم يفتقر للمركزية".. وآخر يقول: "أنتم تفتعلون المعارك الجانبية".. ويخرج ثالث ليتشدق بـ "فقه الأولويات".. ورابع يطالب بـ "تغليب المشتركات" ... وغيرها من العبارات التي تبين زهدهم في قضايا الاعتقاد، إذ جعلوا العقيدة قنطرة، وحصروا غاية الدين في "الحاكمية" -التي هم فيها مضطربون أصلاً-، وصار ما دونها عندهم من الشركيات والتجهم أمراً هيناً! وهذا ضلال مبين وعمى عن صراط المرسلين. ​ولتستبين لك حقيقة القوم؛ انظر إلى أقرب طوائفهم لأهل السنة، تجدهم يوافقوننا في سائر أصول الديانة، إلا في تكفير بعض طوائف الجهمية، والتوقف في الكافر عموماً والجهمي خصوصاً كفر صحت فيه إجماعات كثيرة وتتابع الأئمة على ذكره في مصنفاتهم. فبالله عليك أيها المخالف! إن لم يكن إنذار هؤلاء ودعوتهم للتوبة من هذا المكفّر هو "الخطاب المركزي"، فما هو المركز إذن؟؟ وأي "أولوية" أحدثك بها وأنت متلبس بناقض يهدم أصل الدين؟؟ وأي نصر تنتظر أن يتنزل عليك وأنت تستحل دماء عباد الله والطعن في أعراضهم حميةً لاعداء الله؟! ​وأما عمومهم، فقد ألقوا بمباحث الاعتقاد وراء ظهورهم منذ زمن طويل، بل بلغت بهم رقة الدين أن نصبوا جهمياً، ديوبندياً، قبورياً، بل وديمقراطياً "أميراً للمؤمنين"! وألزموا العباد بإمامة رجل تائه عن ربه، جاهل بمعبوده! ​وثمّ صنف ثالث من المساكين الذين لا شغل لهم إلا النواح على حال "الأمة"، واجترار المظلوميات، وبث الشكاوى. فقل لي هداك الله: أليست من أهم أسباب النصر طاعة الله؟ فما أول شيء يدخل في طاعة الله؟ أليس الاعتقاد الصحيح؟ فكيف يكون طائعاً لله من حكم بإسلام وأثبت الإمامة في الدين لطواغيت ملحدين يدعون الناس إلى عبادة لا شيء!؟ بل إن الذب عن السنة والدعوة إليها أعظم من الجهاد! عن يحيى بن يحيى : "الذَّبُّ عن السُّنَّةِ أفضلُ مِن الجهادِ في سبيلِ اللهِ. قال محمدٌ : قلتُ ليحيى : الرجلُ يُنفِقُ مالَه ، ويُتعِبُ نفسَه ، ويُجاهِدُ ، فهذا أفضل منه ؟! قال : نعم بكثيرٍ ." [ ذم الكلام ] فدعوة الخلق إلى لزوم السنة، وتطهير المعتقد، هي أعظم غوث وأجلّ نصرة تقدم لهم!. ​
278
5
لقد صدق! قال الترمذي: [ باب ما جاء أن المجالس أمانة] حدثنا أحمد بن محمد أخبرنا عبد الله بن المبارك عن ابن أبي ذئب قال أخبرني
لقد صدق! قال الترمذي: [ باب ما جاء أن المجالس أمانة] حدثنا أحمد بن محمد أخبرنا عبد الله بن المبارك عن ابن أبي ذئب قال أخبرني عبد الرحمن بن عطاء عن عبد الملك بن جابر بن عتيك عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وروى عبد الرزاق في المصنف : عن أبي بكر بن محمد بن حزم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما يجالس المتجالسون بأمانة الله ، فلا يحل لأحدهما أن يفشي عن صاحبه ما يكره " وروي عن الحسن البصري - رحمه الله -: " إنما تُجالسوننا بالأمانة، كأنَّكم تظنُّون أنَّ الخِيانة ليست إلاَّ في الدِّينار والدِّرهم، إنَّ الخيانة أشدَّ الخيانة أنْ يُجالسنا الرجل، فنطمئن إلى جانبه، ثم ينطلق فيسعى بنا ". قلت: أما اليوم؛ فإنك تستأمن أحدهم على سر وتوصيه بكتمانه، فلا يمضي يوم أو يومان حتى تجده قد أفشاه بين الناس، وإن كان في ذلك أذىً لك! وهذا يقع كثيراً من بعض المنتسبين إلى طلب العلم، فكيف بعامة الناس؟؟ والله المستعان.
272
6
ينبغي أن يتنبه إلى أن مسمى «أهل القبلة» عند السلف مغاير لما عند مرقعة المتأخرين؛ فالأئمة الأوائل يعنون به: من انتسب إلى القبلة من أصحاب البدع غير المكفرة. أما المرقعة فيعنون به كل منتسب إلى القبلة. فإذا قال المتأخر: «لا نكفر أحداً أهل القبلة»، فيريد -غالباً- : لا يكفر من أتى بالشهادتين مهما قارف من النواقض حتى يرتد ردةً كليةً لا ينتسب معها إلى الإسلام فيتنصر أو يلحد أو ينتحل ملة أخرى. على نحو ما يقرره الذهبي في سيره ويعزوه للأشعري وابن تيمية! ومن ثبتت عنه هذه المقالة فليس له أدنى حظ من الإسلام! بل هذا المذهب شر من مذهب الجهمية الأوائل في الإيمان!.
250
7
فَقَالُوا لَنَا إِنَّا نُحِبُّ لِقَاءَكُم وَأَنَّا نُحَيِّيي أرضَكُم ونَزُورُها فَقُلنَا إِذن لاَ نَنكُلُ الدَّهرَ عنكُمُ بِصُمِّ القَنَا اللاَّئِي الدِّمَاءَ تُميرُها فَلاَ غَروَ أَنَّ الخَيلَ تَنحَطُ في القَنَا تَمَطَّرُ مِن تَحتِ العوالي ذُكُورها تَأَوَّهُ مِمّا مَسَّها مِن كَرِيهَةٍ وتُصغِىِ الخُدُودَ وَالرِّمَاحُ تَصُورُها وأَرْبابُها صَرعى بِبُرقَةِ أَخرَبٍ تُجرِّرُهُم ضِبعَانُها ونُسورُها فَأبلِغ أَبَا الحَجَّاجِ عَنِّي رِسَالَةً مُغلغَلةً لاَ يُفلِتَنكَ بُسُورُها فَأَنتَ مَنَعتَ السَّلمَ يَومَ لَقِيتَنَا بِكفِّيك تُسدِي غَيَّةً وتُنيرُهَا فَذُوقُوا عَلَى مَا كَانَ مِن فَرط إحنَةٍ حَلائِبَنَا إِذ غَابَ عَنَّا نَصِيرُها عبد الله النهدي
267
8
الدعوة إلى الله إن تجردت من حسن الخلق كانت وبالاً على صاحبها وشراً على المسلمين، إذ يغدو المفتقر للأدب ظهيراً لإبليس في الصد عن سبيل الله. وما أكثر ما يرد الناس الحق الصريح، ليس لضعف في حجته، بل نفرةً من سوء خلق حامله وفظاظة طبعه. فمن لم يجد في نفسه سعةً للحلم، وصبراً على بلادة الجاهل وطيش السفيه وجفاء المخالف؛ فليتنحَّ عن هذا المقام، وليكفف شره عن الإسلام وأهله. ​وإن من العجب: حال بعض الإخوة -هداهم الله- في زماننا؛ إذ يقررون بلسان الحال والمقال أنهم قلة في وسط كثرة تاهت عن معرفة أصل دين الإسلام، وندرة متمسكة بالسنة بين أقوام لم يدعوا باباً للبدعة إلا ولجوه. ثم هو بعد تقريره لهذه الغربة، يطمع في أن تنقاد له تلك الكثرة المخالفة وهو يسلقهم بلسان حديد!؛ فيسب هذا، ويلعن ذاك، وربما تعدى السب إلى أب وأم المخالف، بل وإلى قذف الأعراض! إن الدعوة رحمة بحال الخلق، فمن جمع بين دعوى الناس إلى الاستقامة وفحش اللسان، فقد أعان الشيطان على قومه، وكان قاطع طريق يتسمّى باسم الناصحين!. فرفقاً بالناس!
303
9
دفع شبهة: ( لزوم انقطاع الطائفة المنصورة) بعض الإخوة – هداهم الله – يظنون أن تبديعنا للـمُرَقِّعة (أصحاب التوسع في الأعذار) أو من خالف أهل الحديث في أصول الطائفة وهو منتسب إليهم، يستلزم القول بانقطاع الطائفة المنصورة في الأزمان المتأخرة؛ إذ يزعمون أنه لم يبلغنا تبديعٌ ولا تكفيرٌ لأولئك المخالفين المنتسبين لأهل الحديث، وأن لازم هذا انقطاع الطائفة، وهو ممتنع شرعًا، ثم يفرّون من هذا اللازم إلى القول بوجوب إعذار المخالفين واحتسابهم من أهل السنة!. فأقول: هذا الإيراد في غاية الضعف والفساد، وبيان ضعفه من وجوه :- أولاً :- لو سُلِّم لكم بصحة هذا اللازم، لوجب أن يطّرد في كل من لم يصلكم تبديعهم أو تكفيرهم، وحينئذ يدخل في هذا العموم كثير من متأخري الأشاعرة الجهمية، والماتريدية، بل والقبورية!، وهذا اللازم هو الذي يستدل به أدعياء السلفية اليوم على أهل السنة أهل الأثر، ليدفعوا عن أولئك المتأخرين من الجهمية والمناطقة والقبورية حكمَ التكفير أو التبديع، ونحن لا نسلِّم لهم بهذا، كما سيأتي، ومن قرر هذه الحجة وجعلها لازمة في إعذار قوم، لزمه أن يدخل فيها أولئك أيضًا، وهذا مأزق كبير يضع نفسه فيه، وإلا سقطت حجته!. ثانياً :- نعم، نوافقكم أن الطائفة المنصورة يستحيل عليها الانقطاع، لكن لا يلزم من ذلك كثرتها في كل زمان، بل قد تضعف وقد تقل، وربما اقتصرت على آحاد الناس، وقد رُوي عن إسحاق بن راهويه أنه سُئل عن قول النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بالحق ظاهرين على من سواهم إلى يوم القيامة» فقال: «الطائفة دون الألف، وسيبلغ هذا الأمر إلى أن لا يبلغ عدد المتمسكين بما كان عليه رسول الله ﷺ إلا دون الألف»؛ تسليةً للمؤمن أن لا يغتر بكثرة أهل الباطل [الحجة في بيان المحجة]. وقال مجاهد: «الطائفة الرجل الواحد إلى الألف» [رواه ابن جرير]. وقال الزهري: «الطائفة: الثلاثة فصاعدًا». وقال ابن جرير: «الطائفة تقع في لسان العرب على الواحد فصاعدًا»، فإذا كان هذا حال أهل الزمان -وهو الظاهر لمن عاين كتب التأريخ- فكيف سيشتهر كلامهم في جهمية زمانهم الذين كانوا هم أصحاب الدولة ولهم الشوكة، فضلاً عن أن يشتهر تبديعهم أو تكفيرهم لأناس ينتسبون لأهل الحديث خالفوا أهل الحديث في أصل أو أصلين؟!!. ثالثاً :- (عدم العلم بالشيء لا يستلزم عدمه) فلو لم يصلنا – فرضًا – تكفير فلان أو تبديع فلان، لم يلزم من ذلك انتفاؤه من أهل الزمان، وهذه قاعدة مقررة عند أهل العلم، أجروها حتى في باب الأسماء والصفات، حيث توقفوا في إثبات بعض الألفاظ المجملة التي لم يرد فيها نص إثبات أو نفي كلفظ "الجسم" ونحوه. فالجزم بالعدم مع الجهل رجم بالغيب!. رابعاً :- قد بلغنا إنكار بعض أهل السنة المتأخرين على كثير ممن اشتغل بالكلام أو خاض في مسألة اللفظ ونحوها، وتبديعهم لهم ، وهذا كافٍ في الباب، ولا يشترط أن يبلغنا تبديع كل مبتدع بعينه حتى نبدعه؛ فإن هذا متعذر، لاسيما في أزمنة ضعف أهل الحديث وسطوة المخالفين لهم. خامساً :- يكفي طالب الحق أن النصوص والآثار جاءت بتبديع أصحاب تلك المقالات أو تكفيرهم، فيعمل السني بمقتضاها، ولا يُتصور أن متأخري أهل الحديث يخالفون متقدميهم أو العكس في أصول الاعتقاد. سادساً (وهو الأهم) :- أي طائفة منصورة هذه التي تضم من تلبسوا بمكفِّرات – وإن قيل بإعذارهم –، أو من يُكفَّرون عندكم بعد إقامة الحجة؟؟! إنما الطائفة المنصورة هم الذين كانوا على ما كان عليه أصحاب محمد ﷺ، على السنة المحضة، لا من خالفوا في أصول الاعتقاد أو من خرقوا إجماعات متقدمة!. سابعاً :- لا يُشترط في الرجل ليكون من أهل السنة أن يكون مُكفراً لكل كافر ومبدعاً لكل مبتدع، فهذا الباب يُقبل فيه العذر بالجهالة والتأويل خاصةً إذا كانت المسألة دقيقةً وكان المتلبس بها ينتسب لأهل السنة والحديث، فضلاً عن أن يجهر بذلك ويشيعه بين الناس!. والله أعلم.
265
10
[ الاستفادة من أهل البدع ] يكثر في هذه الأيام من يردد كلاماً معناه: (الحق يُقبل ممن جاء به) و(لا بأس بالاستفادة من أهل البدع فيما أصابوا فيه) ونحو ذلك. وهذا الكلام فيه حق وفيه باطل :- ❖ أما وجه الحق: فهو أن الحق لا يُرد لكون قائله من أهل الباطل، فالحق حق في نفسه أياً كان مصدره. ❖ وأما الباطل: فهو الركون إلى أهل البدع وائتمانهم على شيء من الدين، فالمبتدع لا يخلو أمره من فسق أو كفر، ومن كانت هذه حاله فشهادته مردودة وهو غير مؤتمن على دنيا ودين، بل ذهب بعض أهل العلم إلى رد خبره مطلقاً ولو لم يكفر ببدعته ولو لم يكن داعية ولا روى ما يقوّي بدعته. هذا مع أن الفرق كبير بين قبول رواية مقيدة بشروطها عند من أجازها من أهل الحديث، وبين السماع المطلق لصاحب البدعة؛ فالثاني أشد خطراً وأدعى لسد باب الريبة عن القلب، هذا مع ما يتضمنه من تعظيم وتوقير للمبتدع، ومنحه مكانة ليس هو من أهلها... إلى غير ذلك. روى الدارمي في سننه عن أسماء بن عبيد قال: "دخل رجلان من أصحاب الأهواء على ابن سيرين فقالا: يا أبا بكر: نُحَدِّثُكَ بحديث؟ قال: لا، قالا: فنقرأ عليكَ آيةً من كتاب الله؟ قال: لا، لَتَقُومانِّ عَنِّي أو لأقومَنَّ، قال: فخرجا، فقال بعض القوم: يا أبا بكر: وما كان عليك أن يقرآ عليك آية من كتاب الله تعالى؟! قال: إني خشيت أن يقرآ علي آية فيُحَرِّفانِها فيقرَّ ذلك في قلبك". فحاصل الأمر: أن الأصل في المبتدع أنه محتقر مهجور متهم، فإذا تكلم فيما ضل فيه من مسائل الاعتقاد فلا يجوز السماع له ولا الرواية عنه، وهذا مما لا خلاف فيه. ومثله الداعية إلى بدعته، قياساً على ترك الأئمة لروايته مع أن الرواية أهون من السماع المطلق. وهكذا من كانت بدعته مكفرة. وأما من دونهم إذا تكلم فيما لا يُخشى منه ضرر، كعلم الآلة ونحوه، فلا ينبغي لطالب العلم أن يسمع له ما وجد من أهل السنة من يغنيه، إلا أن يضطر لتعذر غيره، ولن يعدم طالب الحق -إن شاء الله- أهل السنة، ولو بالقراءة فيمن سبق. ومن أقدم على السماع لأهل البدعة ورأى أنه انتفع من السماع لهم، فمع أنه مخطئ فلا ينبغي له أن يدعو الناس لذلك؛ لأن الناس يتفاوتون في العلم والعقل وقوة الإيمان والقلب من ضعفهما، فما لم يكن له فتنة قد يكون لغيره، وما ظهر له قد يخفى على غيره. والله الموفق.
308
11
ما كان من معاني «النفي» و «الإثبات» في "لا إله إلا الله" فالأصل أنه ظاهر مطلقًا لا يقبل الخفاء، والحجة في هذه المعاني تقوم بمجرد بلوغ القرآن. إلا أن بعض المخذولين يستدلون لإعذار المخالف في بعض مسائل التوحيد والشرك بكلام الإمام أحمد في التفصيل في اللفظية والواقفة، فيزعم المخالف: "أن ثمة معاني دقيقة من مسائل التوحيد يُقبل بها العذر قياساً على ماجاء عن أحمد في التفصيل في الواقفة واللفظية والنزاع معهم -الواقفة واللفظية- في أصل كلمة لا إله إلا الله" فيُجاب عنه من وجهين :- ❖ الأول:- أن كلام أحمد -رحمه الله- ليس حجة بنفسه، والحق لا يُعرف بكلام أحمد بل كلام أحمد يُعرف بالحق، وما أوهم التعارض بين مذهب أهل السنة وكلام إمام فيُحمل كلامه على ما يوافق مذهب الأمة لا العكس، لا سيما إذا ورد في كلامه ما هو محكم في الباب في مواضع أخرى!، فبناء أصل عقدي على فهم لكلام آحاد أهل العلم باطل مردود من حيث أصل الاستدلال ابتداءً. ❖ الثاني:- أنهم -المخالفون- أجانب عن مذهب السلف ومذهب أحمد خاصة، فأحمد -رحمه الله- لم يعذر في أصل المقالة، وإنما فصّل فيمن شك أو توقف عن جهل بمعنى مقالة الواقفة أو اللفظية، وهذا قيّده بعامة الناس، وأخرج منه من كان منتسبًا لأهل الحديث أو أهل الكلام. والمنشأ في هذا التقييد ليس مجرد الانتساب، بل هو أن تلك المقالات مقالات كلامية، لا يدركها العامي بمجرد العقل. فالناس في زمان أحمد ثلاث: أهل حديث، ويقابلهم أهل كلام، وعامة لا حظّ لهم في هذا ولا ذاك، وهؤلاء العامة وحدهم من عناهم بالتفصيل. قال أبو بكر الخلال: عن محمد بن مسلم: سئل أحمد بن حنبل عن الواقفة، فقال: "أما من كان لا يعقل فإنه يُبَصَّر، وإن كان يعقل ويُبصر الكلام فهو مثلهم" (السنة للخلال). فتأمل في قوله: "وإن كان يعقل ويبصر الكلام فهو مثلهم" فالجهالة التي اعتبرها أحمد عذراً هي جهالة المعنى لا الحكم، وجاهل المعنى لم يفسد أصل توحيده أصلاً، أرأيت لو أن أحداً قال لفظة أعجمية هي شرك بالله وهو يظنها على غير معناها فهل يقول أحد إن هذا وقع في الشرك؟، فالقياس إذن مع الفارق مع بطلان الاستدلال بهذ ابتداءً. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: "من كان في أصحاب الحديث أو من أصحاب الكلام، فأمسك عن أن يقول: القرآن ليس بمخلوق، فهو جهمي" (السنة لعبد الله). والله الموفق.
321
12
الحمد لله وبعد: فقد قرأت تعقيب الأخ الكريم أبي سليمان، وسرني ما تحلى به من الحرص على اخوانه من الزلل؛ وحسن الأدب. ولا ريب أن الرجوع إلى الحق والتواصي به هو ديدن أهل السنة وسمتهم، ومن شأن طالب العلم أن يغتبط بمن ينبهه على موضع الإشكال أو إيهام اللفظ، ليُجلّي الحقيقة ويدفع اللبس. ورغبةً مني في حسم هذه المسائل وسد هذا الباب ببيان شاف كاف للإخوان -إن شاء الله- ، أقول :- ❖ نعم!؛ قبل نحو أربعة أعوام -أقلّ أو أكثر، لا أجزم- تكلمت بما مؤداه: أن بعض المنتسبين لأهل الحديث ممن خاضوا في مسألة التلاوة والمتلوّ، إنما كان مرادهم بـ "التلاوة" ما يكون للعبد من قدر في أدائه للقرآن، وهذا ليس من مذهب اللفظية. ولم يكن ذلك مني إقراراً لهم على هذا التفريق، بل كان محاولة بائسة مني لتوجيه كلامهم المُشكل. ثم تبيّن لي أن هذا تكلّفٌ مني لم يسبقني إليه أحد، وأن فيه تهويناً للبدعة! ثم جزمت بعدها بأن هذا التفصيل عين مذهب اللفظية، وسكت عن الأشخاص وفوّضتُ أمرهم إلى الله. وأنا أبرأ إلى الله من مذاهب اللفظية على اختلاف درجاتهم في هذه البدعة. وهذا الذي كان مني في ذلك الوقت خطأ غير هين أستغفر الله منه وأتوب إليه. غير أني لم أُقر يوماً بدعة التفريق بين التلاوة والمتلوّ وإن كنت أراها بدعة غير مغلظة. ❖ وأما ما جاء في "إتحاف الإخوان" ونصّه: "مبحث: الأخذ بالظاهر عند أهل السنة. قد اشترطت بعض فرق الخوارج ومن وافقهم قديماً وحديثاً في إثبات الإسلام للأعيان الامتحان في العقائد، وتتابع أئمة السنة على نقض هذا الأصل البدعي، واعتبار ظواهر الناس ما لم يظهر ما ينقضها، ومما جاء في ذلك..." فإن فُهم من هذا أني أعد الامتحان بدعةً على الإطلاق أو أني أعده اليوم بدعة، أو أني لا اعتبر بالغلبة، فهذا غير صحيح، وكلامي في قناتي وفي الكتاب نفسه يدفع هذا الوهم. وإنما أردت ههنا أن الخوارج يردّون دلالة الظاهر ابتداءً، قبل فشوّ الكفر في الناس وتلبّس أغلبهم به، ولا يخالفني أحد من أهل السنة في أن اشتراط الامتحان مطلقاً بدعة، وإنما مشروعيته مقيدة بمكان دون آخر، وزمان دون آخر، ومسألة دون أخرى. بل إني في مكاني -ومنذ سنين- لا أصلي إلا خلف من عرفت حاله!. ❖ وأما ما كان بخصوص الحكم، فإن الذي أعنيه بالترك هو الظلم والجور والهوى، فهذا لم يقع إلا بعد ترك حكم الله الحق. وكل هذا أذكره في مقام نقض استدلال أدعياء الأثرية بإطلاق "كفر دون كفر" على كل صور الحكم بغير ما أنزل الله، وقد بيّنتُ كما في هذا المنشور https://t.me/hothefa_alhnbaly/764 وغيره الصورَ الداخلة تحت قاعدة "كفر دون كفر". وأما أني قلت: "الأصل في الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر"، فهذا كلام باطل لم أقله بهذا الإطلاق قط! وهذا هو أصل أدعياء الأثر الذين أرد عليهم بين الحين والآخر. فجزاك الله خيراً يا أبا سليمان، إذ أتحت لي هذه الفرصة لتجلية هذه المسائل، وبيان الاعتقاد، وقطع الطريق على أهل البدع. ونسأل الله أن يجمع قلوبنا على التوحيد والسنة، وأن يعصمنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله رب العالمين.
362
13
إن من أعظم أصول الغلط في بني آدم: جعل العادات المألوفة وما تواطأت عليه الكثرة بمنزلة الحجة التي لا تُدرد، وهذا هو المنشأ الأول لداء التقليد الأعمى. ​وذلك لأن من طبائع النفوس الاستيحاش من التفرد، والميل إلى موافقة العامة، فيظن الجاهل أن كثرة السالكين دليل على صحة المسلك. والتحقيق: أن الصواب لا يُستمد من الكثرة، بل الكثرة في الغالب مظنة النقص، وقد دلت النصوص على أن أكثر الخلق عن محض الحق ناكبون. ​فالواجب على من رام استكمال عقله وتزكية نفسه: أن يُجرّد النظر في المسائل عن مؤثرات الإلف والعادة، وأن يفارق العامة فيما بنوه على محض التبعية؛ لا على وجه المخالفة المحضة وطلب الشذوذ الذي هو من رعونات النفس، بل على وجه الدوران مع الحجة حيث دارت. ​فمن وزن الحق بكثرة القائلين فقد أزرى بعقله الذي جعله الله آلة التمييز التي فضل بها الإنسان على الحيوان.
321
14
اعلم أن الفرق الثلاث والسبعين -على ما وقع بينها من التنازع والاختلاف- إنما باينت الطوائف المشركة المارقة، والتقت مع أهل السنة على أصل التوحيد، الذي يبقى الجامع المشترك بين طوائف الأمة قاطبة. غير أن هذه الفرق، وإن اجتمعت على أصل التوحيد، فقد فرّقتها الأهواء وتشعبت بها السبل، حتى استوجبت وعيد النار، فلم ينجُ منها إلا طائفة واحدة، وهم أهل الحديث والأثر، الذين تفردوا عن الاثنتين والسبعين بلزوم السنة والاعتصام بما كان عليه السلف الأول. فطوائف الأمة إذن لا يدخل في عدادها الجهمي ولا المعتزلي ولا الأشعري ولا الحلولي...، وإنما يدخل فيها من لم تبلغ بدعته حد الكفر، كالخوارج الأوائل الذين لم يتأثروا بشبهة التعطيل الجهمية، والمرجئة غير الغلاة، والقدرية غير الغلاة، وشيعة التفضيل ومن نحا نحوهم من طوائف أهل القبلة.
343
15
وقفت على منشور لأحد الإخوة -وفقه الله- يعترض فيه على كلامي الأخير، وقد ساءني استعجاله في إطلاق الأحكام والتقوّل عليّ بما لم أقله، فوجب التوضيح براءةً للذمة ودفعاً للتلبيس: ​ أولاً: ابتدأ الأخ كلامه بنسبتي إلى "بدعة اللفظ" زاعماً أنني أظهرت التوبة منها! ولا أدري هل التبس عليه الأمر أم خلط بيني وبين غيري؟ فأنا لم أتبنَّ في حياتي قط هذه البدعة، ولم أتفوه بعبارة واحدة توهم بأن "تلاوة القرآن أو قراءته أو حفظه مخلوقة" حتى اتراجع عنها! ثانياً : أحكام الديار، موقفي فيها واضح؛ وهو أن مناط الحكم على أهل الدار يُبنى على "الغلبة"، وهي من مسائل الاجتهاد السائغة المعتبرة. وهذا التقرير كان الأخ معاذ نفسه يُقره ويوافقني عليه، فإن تغير رأيه اليوم فلا أدري، أما أنا فما زلت -بحمد الله- على ما كنت عليه لم أبدل. ثالثاً: اعترض الأخ وضرب مثالاً بـ "الحاكم الذي يترك تجريم الزنا"، ويا سبحان الله! كيف يُبنى هذا الاعتراض على كلامي الذي ذيّلته بأثر سعيد بن المسيب في التفريق بين مذهب أهل السنة والخوارج؟ وقلت معلقاً بعد سوق الأثر: "فتأمل الكلام وكيف خص الكفر الأصغر بصورة الحاكم الذي يجور في أحكامه، وهذا صنيع عامة من تكلموا في شرح الآية وتبيين مذهب الخوارج فيما خالفوا فيه أهل السنة في باب الحكم، وأن قول "كفر دون كفر" إنما أريد به حكام المسلمين حال جورهم خلافاً لما قالته الخوارج؛ كالقاسم بن سلام وغيرهم رحمهم الله جميعاً." فأي ترك لتجريم الزنا رعاك الله؟ رابعاً: اتهمني بمحاولة استمالة أطراف ضالة! وأقول: لو كان متابعاً منصفاً لرأى كيف أتناول أثرية الشرك في معظم منشوراتي، وأهتك ستر هذه الطوائف وأبين عوارها للناس، فكيف يُعقل أن أداهن من أحاربهم في وقت واحد؟ و​ختاماً يا أخي معاذ؛ نحن إخوة، وما كان منك من زلة أو تحامل شخصي على أخيك فأنت في حِلٍّ مني، ولن أُشمت بنا الجهمية ولا المرقعة. إلا في أمر واحد: أطالبك شرعاً وأمام الناس أن تُثبت موافقتي لـ "اللفظية" التي زعمت أنني تراجعت عنها، ولن أجعلك في حلّ منها حتى تبين. ​اللهم إني أبرأ إليك من أدعياء الأثر المشركين. ​اللهم إني أبرأ إليك من الجماعات القتالية المنحرفة. ​اللهم إني أبرأ إليك من كل طائفة وحزب وجماعة خلا أهل الحديث والأثر.
404
16
منشأ الضلال عند كثير من الناس اليوم في مسألة الحاكمية؛ أنهم يخلطون بين مفاهيم متغايرة، وهي: (ترك الحكم بما أنزل الله المجرد -وهي الصورة التي تكلم عنها السلف-)، وبين (نظام الديمقراطية) و( العلمانية). ​فالصورة الأولى هي مقصود السلف في مقابلة قول الخوارج، فلا تكون كفراً بمجرد الترك؛ حتى يقترن معه استحلال، أو تفضيل، أو تنحية كلية للمرجعية. ​بينما الصورتان الأخريان، هما مناطان مكفران ابتداءً؛ لأن الديمقراطية تقرر ابتداءً أن الحكم للشعب، وأن الشعب مرجعية الحكم، وهذا مناقض لأصل دين الإسلام لمن رآه واستحسنه وقبل به قبل أن يحكم به! وهكذا العلمانية التي فحواها فصل مسائل الدين عن الحكم السياسي والقضائي، وهذا بحد ذاته كفر قبل أن يُطبَّق، فإن طُبِّق كان كفرين: كفر اعتقاد، وكفر عمل. ​فـ"كفر دون كفر" إنما هي في الترك المجرد للحكم، وتأمل أثر التابعي الجليل سعيد بن جبير -رحمه الله- الذي ساقه ابن المنذر النيسابوري في تفسيره لقوله تعالى: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، حيث كشف مأخذ أهل السنة على الخوارج في هذا الباب، فقال: ​" عن سعيد بن جبير (95 هـ): {وأخر متشابهات} أما المتشابهات: فهي آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرءوهن، ومن أجل ذلك يضل من ضل ممن ادعى بهذه الكلمة، فكل فرقة يقرؤون آية من القرآن يزعمون أنها لهم أصابوا بها الهدى، ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله -عز وجل-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون} ثم يقرؤون معها: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون}، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق، قالوا: (قد كفر، فمن كفر عدل به، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه)، فهؤلاء الأئمة مشركون، ومن أطاعهم فيخرجون فيفعلون ما رأيت، لأنهم يتأولون هذه الآية، وفتحت لهم هذه الآية بابا كبيرا، وقولهم فيه لغير الحق ومن قولهم أنهم يقرؤون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، فيجعلونها في المسلمين واحدة، وإنما أنزله الله عز وجل في الناس جميعا، المشرك يعلم أن الله حق، وأنه خلق السماوات والأرض، ثم يشرك به، وآي على نحو ذلك، لو شعر كثر فيه القول، وتتأول السبئية إذ يقولون فيه بغير الحق إنما يقولون قول الله -عز وجل-: {وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله من يموت}، فيجعلونها فيمن يخاصمهم من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- في بعث الموتى قبل يوم القيامة" [تفسير ابن المنذر]. ​فتأمل الكلام وكيف خص الكفر الأصغر بصورة الحاكم الذي يجور في أحكامه، وهذا صنيع عامة من تكلموا في شرح الآية وتبيين مذهب الخوارج فيما خالفوا فيه أهل السنة في باب الحكم، وأن قول "كفر دون كفر" إنما أريد به حكام المسلمين حال جورهم خلافاً لما قالته الخوارج؛ كالقاسم بن سلام وغيرهم رحمهم الله جميعاً. ​أما حكم الديمقراطية والعلمانية فأقرب صورة لهما هي: ( الحكم بين الناس بالإنجيل أو التوراة ¹ وتنحية القرآن) فأرأيت لو أن حاكماً في زمان السلف نحَّى القرآن وقال لا أحكم به، وحكم بالإنجيل أو التوراة بين الناس؛ فهل يتصور عاقل أن السلف سيقولون في هذا الفعل: (كفر دون كفر)؟ بل في مثل هذه الصورة يقطع حتى المرجئة بكفريتها! فهذا ابن حزم -وهو من غلاة المرجئة- ينقل الإجماع على كفر فاعل ذلك حيث قال: "لا خلاف بين اثنين من المسلمين... أن من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأتِ بالنص عليه وحي في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام"! ​ويقول ابن كثير: "فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة؛ كفر. فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين" ​فعجباً لأنوك يزعم الأثر، يتورع في فعلٍ ينقل المرجئة الإجماع على كفره! بل يتجاوز الورع ليحكم على مخالفه بالخارجية فيبلغ مبلغ الزنادقة! ---------------------------------- 1- والحكم بالتوراة والانجيل أهون بكثير من الحكم بالديمقراطية، فالتوراة والانجيل أصلهما كتاب من عند الله ثم حُرّفت فيهما بعض المواضع، ونسخ الله ما لم يحرف منها بالقرآن.
399
17
[ تنبيه على غلط بعض المعاصرين ] اعلم -رحمك الله- أن الحكم بغير ما أنزل الله -كما مر معنا- على حالين :- ❖ الأولى: أن ينحى الشرع كلياً ويستبدل بشرع آخر، أو يُجحد حكم الله و يُرد، أو يُستحسن سواه عليه، فهذه الأفعال كفر في نفسا، فالكفر ههنا وصف لازم للفعل نفسه قلّ أو كثر. ❖ الثانية: أن يجنح الحاكم بحكمه عن حكم الله، لهوى نفسه أو ابتغاءً لمصلحة يطلبها، مع بقاء مرجعية الحكم عنده للشرع، فهذا من جنس الذنوب والمعاصي، ولا يغير من كونه معصية ولو تكرر من صاحبه مئات المرات؛ فتكرار المعصية يُثقل ميزانها ولا يُحوّلها من جنس المعصية لجنس الكفر، كما أن كثرة شرب الخمر لا تصيره كفراً، وكثرة أكل الربا لا تخرجه عن كونه من المعاصي ونحو ذلك. إذا استقر هذا في فهمك علمت زلل من زعم أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفراً إذا وقع مرة أو مرتين، ثم يتحول إلى كفر إذا كثر وتكرر. فإن كان مراد القائل بما كان من الحال الثانية فقد أخطأ إذ ظن أن الكثرة تحيل هذا النوع إلى كفر؛ فما كان أصله معصية، فألف معصية من جنس واحد تبقى ألف معصية، ولا تجتمع لتُنتج كفراً لم يكن في أصل الفعل. وإن كان مراده بما "يكفر عند الكثرة" هو النوع الأول -الذي هو جحود أو استبدال أو تشريع من دون الله- فخطؤه أشد؛ إذ هذا النوع كفر في نفسه، لا يحتاج إلى تكرار ليكتمل وصفه، فلا يُقال فيه: "لا يكفر إن وقع مرة"، بل هو كفر في المرة الواحدة كما هو في العاشرة. وما هذا التفريق بالكثرة والقلة إلا مسلكاً متكلَّفاً، أراد به قائله أن يتخذ منزلةً بين قول ابن عباس رضي الله عنه في "كفر دون كفر"، وبين مذهب الخوارج الذين يكفّرون بالجور ولو مرة واحدة؛ فظن أن الخروج من الإشكال بأن يجعل للمعصية سقفاً من التكرار إذا بلغته انقلبت كفراً، فتحاشى بذلك موافقة الخوارج في المرة الأولى، ووافقهم في المآل عند الكثرة! وما علم أن المعصية لا تنقلب كفراً بتراكم عددها أبداً، ولو بلغت ما بلغت، حتى يقترن بها ماهو كفر بنفسه، فحينئذ يكون كفراً ولو في أول مرة، لا لأنه كثر، بل لأن حقيقته تبدلت. والله الموفق.
519
18
[ بل يروى ولا يطوى يا مرقعة! ] يتترّس المرقعة وأفراخهم اليوم بقاعدة لا أصل لها لرد كلام السلف في كل مبتدع جرحوه وحذروا منه كالنعمان وغيره، فما قرئ كلام السلف في ذلك على الناس أو نقلت الآثار حتى ينبري المرقع مردداً: ( كلام الأقران في بعضهم البعض يطوى ولا يروى ) ! فمن أين أتت هذه القاعدة؟ وعلى أي دليل استندت؟ فإن كانت قاعدة عامة مطلقة كما يراد لها أن تكون، فليأتونا بإجماع أهل العلم عليها بهذا الإطلاق، بل لا تجد لها ذكراً في كلام الأئمة لا بهذا اللفظ ولا بغيره إلا بأثر لا يصح سنداً عن ابن عباس -رضي الله عنه- وحُمل ما لا يحمل من معنى! ثم بنى الذهبي وأشباهه من المرقعة على على هذا الفهم المغلوط لأثر لا يصح بدعة الترقيع ورد كلام الأئمة فيمن يجرحونهم!. فإذا تقرر هذا، فلننظر في حقيقة اللفظ الذي بنيت عليه القاعدة: فـ "الأقران". والقرين: هو النظير المكافئ لصاحبه في المنهج والمنزلة والاعتقاد معاً، لا في مجرد المعاصرة الزمنية!. فمتى اختلّت المكافأة في أصل الدين، انتفت القِرانة بداهةً، إذ لا تكافؤ بين حارس للسنة وهادم لها. وهذا وحده كافٍ لإسقاط الاستدلال بالقاعدة على باب التبديع من أصله، لأن موضوعها معدوم فيه: لا يُقال "كلام أقران" فيما ليس بين طرفيه قِرانة أصلاً، كما لا يُقال "خلاف بين نظيرين" فيما أحد طرفيه خارج عن دائرة النظير بالكلية. ثم إن صاحب البدعة المغلظة لا يدخل -إجماعاً- في مسمى ( العلماء )، إذ هو في أقل الأحوال أشد من الفاسق جرماً، فالقاعدة - إن سلمنا بها - إنما سيقت لحفظ هيبة أهل العلم فيما بينهم من نزاع لا يمس الدين، لا لحماية من ثبتت مفارقته لأصول أهل السنة من أن يُذكر ويُحذر منه. وإذا امتنع أصل القِرانة، وامتنع معه ابقاء المخالف تحت مسمى "العالم"، فبأي وجه يُطلب طيّ الكلام فيه بقاعدة موضوعها أصلاً غير متحقق في صورته؟ والقائل بهذه القاعدة يغفل أنه لأجل دفع التهمة عن واحد ممن يظنه من العلماء، فيوجه طعنة خبيثة لجمهور علماء السنة؛ بزعمه أن جرحهم له صادر عن حسد شخصي أو تهمة لم يتثبتوا منها، فطعن في أمانة طبقة كاملة من الحفاظ والأئمة تتابعوا على حكم واحد من غير تواطؤ بينهم، وهذا أعظم من جرم من أسقط رجلاً بعينه ببدعته، فلم يتحقق مقصوده منها. ومن الأدلة أيضاً على بطلان هذه القاعدة وبطلان الاستدلال بها في مثل هذه المواضع، هو صنيع الأئمة أنفسهم فيما دوّنوه. فحين عمد الإمام إلى تصنيف كتاب، وسطّر فيه اسم المخالف وبيّن بدعته، ثم أملاه على تلاميذه ليرووه من بعده، فقد أعلن بفعله - لا بقوله فقط - انتفاء قاعدة الطي هذه من أصلها في هذا الباب. فالتصنيف والإملاء والرواية هي أعلى مراتب الإظهار!. ولو كان كلامهم في المبتدعة من الباب الذي يراد إلحاقه به، لكانوا هم أنفسهم أول من طواه ونهى تلاميذه عن تدوينه، كما نهوا عن التحديث بما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم، فكيف وقد بلغتنا كتب الردود والعقائد بأسانيدها مدونةً مرويةً إلى يومنا هذا؟ فمن استدل بالقاعدة على منع رواية هذا الجنس من الكلام، فقد ناقض عمل من ينتسب إليهم بلسانه، وخالف صنيعهم بفعلهم. ومن تناقض هؤلاء القوم في توظيف القاعدة أنهم لا يجعلونها أصلاً مطرداً، بل يستخدمونها بحسب ما يوافق أهواءهم. فإذا كان الكلام في جهمي متأخر في زمن قلّ أو ندر فيه أهل السنة، طالبوك بكلام أهل عصره فيه بعينه، بحجة أنهم لا يقولون قولاً لم يسبقهم إليه أحد فإن عدمت كلام معاصريه ردوا عليك الحكم كله. فإذا انتقلت إلى متقدم كالنعمان وغيره، وسقت لهم كلام أهل عصره فيه ممن عاصروه وخبروه، انقلبوا فوراً وقالوا: هذا كلام أقران يُطوى ولا يُروى! فتراهم يشترطون قول المعاصر في حين ويردونه في حين، وهذا تناقض بيّن أن القاعدة عندهم ليست ميزاناً يُحتكم إليه، بل عكازة تستخدم لدفع الحق ليست إلا.
509
19
[ للمتشيعة والناصبة الجدد ] في زماننا أصبحت "خوارزمية التريند" هي المحرك للجماهير، وقد توغلت في جميع مفاصل الحياة؛ بل تعدت السطحيات وتفاصيل الحياة اليومية حتى طالت قضايا الدين وتاريخ الأمة! ​وتريند هذه الأيام -للأسف-: "الخوض في أعراض الصحابة رضي الله عنهم"، واستنزاف طاقات الأمة في محاكمة أموات أفضوا إلى ربهم، تاركين ما يُسألون عنه غداً! ​ولأن الأمر تجاوز كل حد، أتوجه لكل خائض في هذا المستنقع من الطرفين، وأقول لكل من استنزف طاقته ودينه في هذا العبث فللمتشيعة الجدد وللنواصب الجدد : تعال معي خطوة، ودع الجدال جانباً قليلاً... • هب أن أهل السنة أخطؤوا حين أمسكوا ألسنتهم، وعدّوا الصحابة كلهم عدولاً، وحملوا ما شجر بينهم على الاجتهاد! • هب أن القصة ليست كما رواها الأئمة، وأنها قضية ظالم ومظلوم، وباغ ومبغي عليه!. • هب ن أحد الفريقين -وحاشا صحابة رسول الله ﷺ- انغمس في الفسوق، وجانب العدل، وركب الهوى!. • هب أن الخصومة السياسية لم تقف عند حدها، بل تعدتها إلى السباب واللعن والتفسيق والتكفير!. • هب أن بني أمية طوعوا الأقلام لتكتب التاريخ على مقاسهم -كما تقولون- ! • هب أن أهل الكوفة أو العباسيين ومن سار خلفهم دسوا الروايات، ونسجوا الأخبار لتخدم هواهم هم أيضاً. سلمنا بكل هذا وغيره جدلاً، فماذا بعد ؟؟ هل تصير هذه الحكاية شيئاً غير خبر مضى وانقضى؟ لا شيء أكثر من هذا !! هل يُبنى عليها عمل تشتغل به الجوارح؟ كلا! هل يترتب عليها ثواب ترجى بركته، أو عقاب يُخشى وباله؟ لا هذا ولا ذاك. قال الله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. فأين موضع قدمك أنت من دماء طهّر الله منها يدك؟ ثم أقول لك: بتخطئتك جمهور هذه الأمة في كفها عما شجر بين صحب نبيها، أما تترك لنفسك هامشاً من الظن تحتمل فيه أنك أنت المخطئ؟ فإن كان الأمر كذلك، فستلقى ربك يوم القيامة وفي رقبتك أوزار من سببتهم من صحابة رسول الله ﷺ، وأوزار من تبعك على ذلك واقتفى أثرك. والسؤال الذي يفرض نفسه: ما دام الأمر لا يعدو حادثة تاريخية لا يُبنى عليها اعتقاد ولا يُطلب بها عمل، فلماذا يُقحم بها الناس في زماننا هذا؟ وما الذي يرجوه أولئك السفهاء بمثل هذا الطرح؟ هل سينصلح حال الأمة إذا شتمت علياً وبنيه؟ أم سينصلح حالها إذا شتمت معاوية وبني أمية؟ فاشتغل بما تُسأل عنه غداً، واصنع لنفسك أثراً يُنجيك، بدلاً من أن تكون مجرد حطب لفتنة انقضت
786
20
عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ رَحِمَهُ اللهُ، قَالَ: "إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الشَّابِّ إِذَا تَنَسَّكَ أَنْ يُوَاخِيَ صَاحِبَ سُنَّةٍ يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا" [الإبانة الكبرى لابن بطة] قلت: وهذا الأثر العظيم يتجلى صدقه في زماننا هذا أشد من ذي قبل؛ فأجل العطايا وأعظم المنن، أن يسوق الله إليك الحق غضاً طرياً، ويضعك على محجة السنة بيضاء نقية، فتنهل من معينها صافياً دون أن تكدح في شعاب الأهواء، أو تتيه في أودية الحيرة والتخبط. فإن الشاب إذا رام التنسك وطلب التدين، فشق طريقه بلا دليل من أثر، ولا صاحب من أهل السنة يحدوه؛ تخطفته سبل الشياطين. ولئن عُرضت عليه السنة بعد حين -إن سلم له أصل إسلامه- ألْفَتْهُ قد أُشرب قلبه الباطل، وعكف في باطنه على أصنام خفية نُحتت من أهواء النفوس، فاستحكمت في باطنه!. أصنام تُرد بها النصوص، وتُطمس لأجلها السنن؛ فصنم سُمي بـ ( الأمة )  تُهدر فيه السنة إرضاء للكثرة، وصنم سُمي بـ ( الإمام )  يقدم قوله على قول المعصوم ﷺ، وصنم سُمي بـ ( شيخ الإسلام ) يُجعل كلامه حاكما على الوحيين لا محكوما بهما وتدفع النصوص المحكمة بقوله!. وكل صنم من هذه الأنداد قد حشد له أحبار السوء ورهبان الضلالة جيشاً من الشبهات ليصدوا بها السالك عن سبيل الأولين! ​فإذا ما لاح نور السنة يوما في قلب هذا المتخبط، وعرض عليه الحق كما هو بلا حجاب، وأراد أن يتخلص من ربقة هذا الاستعباد؛ لم يصل إلى الحق -إن قُدِّر له الوصول- إلا بعد أن يخوض معارك نفسية طاحنة ترهق نفسه وتستنزف روحه، وصراعات فكرية تجهد عقله وتُقِضّ مضجعه. إذ لا يكفيه حينها أن يميز الصواب فحسب، بل لابد أن يقاسي مرارة كسر الشبهات التي ناء بها كاهله أولاً، ومن ثم لتنتصب أمامه تلك الأصنام التي ظل دهراً عاكفاً عليها: ( الأمة ) ، ( الإمام ) ، ( شيخ الإسلام ) ... لتفتنه عن دينه وترده، ثم إن وفقه الله… فيا لله.. ما أعظم غنيمة من وُفّق للسنة ابتداءً، ونشأ في كنف أهلها، فعُوفي من عناء الهدم بعد البناء، وسلم من جراح المعارك مع أهواء نفسه! والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
379