1 835
Subscribers
-224 hours
-17 days
+230 days
Posts Archive
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿سورة آل عمران: 142﴾
جاءت هذه الآية الكريمة في سياق الآيات التي تحدثت عن معركة أحد والانتكاسة التي مُنِيَ بها المسلمون بسبب معصية الذين أوكل إليهم رسول الله (ص) الدفاع عن ثغرة نفذ منها خالد بن الوليد، وتمكن من أن يغير النتيجة من هزيمة منيَ به المشركون إلى انتصار.
وقد سبقتها آية التمحيص التي كتبنا عنها في المقالة السابقة، والتي ذكرت واحدة من أهم السُّنَن الربانية وهي سُنَّة التمحيص والامتحان والغربلة، وأن الشدائد تكشف ما في النفوس، وتنقي الجماعة المؤمنة، فأما هذه الآية فإنها تمضي في نفس السياق، ولكنها تصحح تصورًا خطيرًا لدى كثير منا، وهو أن مجرد الانتساب إلى الإيمان يكفي للوصول إلى الجنة.
لعل كثيرًا منا يعتقد أن مجرد كونه مؤمنًا، ولو إيمانًا نظريًا، يكفي لدخول الجنة، يعتقد أن من حقه أن تأتيه الجنة دون أن يقدم ولو القليل من التضحيات، أو يصبر ولو قليلًا على متطلبات الالتزام الديني. وهذا تصور خاطئ جدًا، لأن الجَنَّة لا تُنالُ بالأماني بل ينالها الذي يبنيها بالعمل ومجاهدة النفس والأعداء، والصبر على الطاعة، وعلى مكاره الأيام.
إن الفوز بالجنة يخضع للقاعدة الكبرى التي أقام الله حياة الكائنات عليها، قاعدة السعي والعمل: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ﴿39﴾ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ﴿40﴾ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ ﴿سورة النجم: 41﴾. فإذا كان الإنسان لا ينال ما يطلب من دون سعي، كما لا يرتقي إلى الدرجات العلى في دنياه من دون عمل، وعلم، وكفاءة، وصبر، فكيف يتصور أن ينال أعظم مراتب الوجود، وهي الجنة، بلا ثمن؟
إن جميع البشر يرغبون في النجاح، وينفرون من الفشل، ولكن كثيرًا منهم يفشلون، لأنهم لم يبذلوا الجهد الكافي، أو لم يصبروا على المعاناة التي يتطلبها النجاح، كذلك الحال في رغبتهم في أن يكونوا من أهل الجنة، وأن يفوزوا بأعلى المراتب فيها، فالقليل منهم هم الذين يجاهدون كي يفوزوا، ويصبرون كي يرتقوا في درجاتها، ولهذا جاءت الآية لتقول لنا: هناك فرق بين أن تتمنوا الجنة وأن تفوزوا بها وتكونوا من أهلها. فإنها لا تُنال بالأماني، وإنما بالإيمان العملي والصبر على الابتلاءات.
وإذن، تذكر الآية الكريمة شرطين: الجهاد في سبيل الله، والصبر. والجهاد هو كل جهد يبذله الإنسان في سبيل الله، فلا يقتصر الأمر على قتال الأعداء وإن كان من أعظم تجلياته، بل يتجلَّى في مقاومة الظلم، والدفاع عن الحق، والاستقامة على طريق الحق، وبذل المال والوقت والجهد في سُبُل الخير، ومجاهدة النفس، وأن يكون المرء مستعدًا لدفع كلفة ما يؤمن به.
وأما الصبر فلأن الجهاد لا يكون من دون صبر، فالإنسان يحتاج إلى الصبر على بذل الجهد، والصبر على طول الطريق، والصبر على تأخر النتائج، والصبر على مواجهة الإحباط، والصبر على مقاومة ضغوط الأهواء والشهوات، والصبر حين يرى الباطل متقدمًا في الظاهر.
يبقى أمر لا يجوز أن تفوتنا الإشارة إليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ فكيف نفهم هذه العبارة؟ هل تعني أن الله سبحانه لا يعلم من سيجاهد ومن سيصبر حتى يتحقق الجهاد والصبر؟
الجواب بالقطع لا، فعلم الله أزليٌّ سرمديٌّ، يعلم أزلاً من الذي سيجاهد، ومن الذي سيصبر، ومن الذي سينكص على عقبيه، لكن حقائق الناس ومعادنهم يجب أن تظهر لهم ولغيرهم، وأن يتميز الناس بعضهم عن بعض بالعمل. فالشدائد لا تقدِّم لله معرفةً لم تكن عنده، وإنما تكشف للناس أنفسهم وللمجتمع حقيقة ما يحمل كل واحد منهم. فالتمحيص يطهّر الفرد والجماعة وينقيهما، والابتلاء يكشف معادنهما، والجهاد والصبر يثبِّتان المؤمنين على الطريق الواصل إلى الله تعالى.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأربعاء الواقع في: 30/9/2026 الساعة (05:24)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ، يا شَهيدُ أُشهِدُكَ اللَّهُمَّ وجَميعَ خَلقِكَ ومَلائِكَتِكَ أنَّهُ لا إلهَ إلّا أنتَ وَحدَكَ لا شَريكَ لَكَ، فَاكتُب هذِهِ الشَّهادَةَ عِندَكَ ونَجِّني بِها مِن عَذابِكَ
لأشرف الناس، وأوفى الناس، وأصبر الناس:
الغلاء في زيادة مستمرة، والأزمة المالية تتعمِّق، والمدارس قد فتحت أبوابها، وطلّاب كثيرون لا يقدر أولياء أمورهم على تعليمهم، والشتاء بدأ باكرًا هذا العام، والبرد يحتاج إلى تدفئة، والمازوت قد ارتفع سعره، ويبدو أنه سيرتفع أكثر إن استمرت الحرب الظالمة على المنطقة.
أضف إلى ذلك: أن المحتاجين كثير، والعاطلين عن العمل كثير، والذين فقدوا منازلهم وأعمالهم ومصادر رزقهم كثير، والحصار المالي المطبق متواصل، والموارد قليلة ولا تكفي.
أمام هذا، مطلوب منا جميعًا أن نستنفر كل جهودنا وطاقاتنا وإمكانياتنا لنواجه الأزمة معًا وبروح جَماعية، متوكِّلين على الله، قائمين بما نقدر عليه. وإذا كان التكافل الاجتماعي مندوبًا أيام الرخاء، فهو واجب شرعًا، وعقلًا، وأخلاقيًا، وإنسانيًا حال الأزمة.
فعلى القادر أن يعين غير القادر، وعلى القوي أن يعين الضعيف، وعلى المسافر أن يعين المقيم، ويكونوا يدًا واحدة، وقلبًا واحدًا، حتى نتمكن جميعًا من أن نعبر هذه المرحلة الخطيرة من تاريخنا، برؤوس مرفوعة وكرامة محفوظة.
حفظكم الله جميعًا من بين أيديكم ومن خلفكم، وعن أيمانكم وعن شمائلكم، ووفقكم لكل خير.
✍️ السيد بلال وهبي
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا... ﴿سورة آل عمران: 141﴾
الشدائد تصنع الإنسان، والأزمات تكشف حقيقته التي قد يغفل عنها حال الأمن والرخاء، تلك هي الحقيقة التي لا تُنكَر، وتلك هي حكمة الله فيما يشاء ويقدِّر، وهذا معنى ما جاء في الروايات الشريفة من أن أكثر الناس إيمانًا أكثرهم ابتلاءً، لضرورة تصفية نفس المؤمن وتنقيتها من أي شائبة، وتزكيتها وزيادة فضائلها، وما يحتاجه الفرد تحتاجه الجماعة، بل هي أحوج ما تكون إلى ذلك، إلى أن تُمَحَّص وتُغربَل بين الفينة والفينة، لا سيما إذا كانت الجماعة تحمل أمانة مشروعٍ إلهيٍّ يواجه مشاريع الشياطين، والشياطين دُهاة وطغاة، ولديهم من الإمكانات والقدرات ما ليس للجماعة، وهم على استعداد لاستخدام جميع الوسائل غير المشروعة في صراعهم مع المؤمنين، مما يفرض على الجماعة المؤمنة مواجهة تحديات كبرى قد لا يثبت لها إلا من مُحِّض الإيمان بالله وبمشروعه محضًا.
ذلك ما تفيده الآية الكريمة: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. والتمحيص لغة: التنقية والتخليص من الشوائب، ومنه تمحيص الذهب، حين يُفصل الخالص منه عمّا علق به من شوائب.
وعليه فإن تمحيص الذين آمنوا يعني تنقيتهم وتخليصهم من كل ما يشوب إيمانهم من نقص أو ذنوب أو ضعف، فالإنسان لا يعرف حقيقة نفسه إلا عندما يوضع تحت الضغط. وقد رُوِيَ عن الإمام أمير المؤمنين قولٌ مهمٌ في هذا المجال، يكشف عن معادلة حتمية التحقق، لا تتبدّل ولا تتغيَّر: "في تَقَلُّبِ الأَحْوالِ عِلْمُ جَواهِرِ الرِّجالِ" فالإنسان تظهر حقيقته حين تتبدَّل أحواله، لا حين تكون حياته آمنة مستقرة وادعة.
إن الشدائد هي المرآة التي ترينا حقيقتنا، وتكشف ما استقر في أعماقنا، أما الرخاء والأمان فيجعلاننا نرى من أنفسنا ما نحب أن نراه، ولهذا فإن النفع الذي يأتي به البلاء أكثر بكثير من النفع الذي يأتي به الرخاء، لأن البلاء يكشف لنا ما لم نكن نراه في أنفسنا، ويدعونا إلى إصلاح العيوب وترميم النفوس، وتجديد الإيمان.
ومن هنا كان التمحيص ضروريًا للفرد كما الجماعة، وكما كشفت الهزيمة التي لحقت بالمسلمين في معركة أُحُد –والآية التي بين أيدينا جاءت في سياق الحديث عن نتائج هذه المعركة- الخلل الكبير الذي كان من بعض المسلمين وأدى إلى ما أدى إليه من نتائج قاسية، كذلك ما يحدث للجماعة المؤمنة على طول التاريخ من انكسارات، وما تصاب به من مصائب وخسائر، يكشفان لها ثغرات تحجبها الانتصارات، وتحجبها الأحوال المستقرة، لأن الإنسان يكون في الأحوال المستقرة أقل ميلًا إلى مراجعة نفسه، أما الهزيمة فتضع الأسئلة المؤلمة أمامه: لماذا حدث ما حدث، ولماذا أخطأنا، وأين تكمن نقاط ضعفنا ونقاط قوتنا، وما الذي نحتاجه لعلاجها، وهكذا.
ولا يتم التمحيص بطريقة واحدة، فقد يكون بالشدة بعد الرخاء، وقد يكون بالرخاء بعد الشدة، وقد يكون بالإفقار، وقد يكون بالإغناء، قال تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴿15﴾ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴿سورة الفجر: 16﴾. ففي كلا الحالَين يُمَحّص الفرد والجماعة، والغاية من ذلك أن يعرفا النعم ويقدرا قيمتها، وقد يكون التمحيص بالأمن أو الخوف حتى يتعلَّم الثبات، وقد يكون بخسارة ما يملك، حتى يتجنَّب التعلُّق بالأشياء، وقد يكون بالفشل، حتى يكتشف أخطاءه، وقد يكون بتأخّر النتائج، حتى يتعلم الصبر.
وقد رُوِيَ عن رسول الله (ص) أنه قال: "قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَعِبَادًا لَا يَصْلُحُ لَهُمْ أَمْرُ دِينِهِمْ إِلَّا بِالْغِنَى وَالسَّعَةِ وَالصِّحَّةِ فِي الْبَدَنِ، فَأَبْلُوهُمْ بِالْغِنَى وَالسَّعَةِ وَصِحَّةِ الْبَدَنِ، فَيَصْلُحُ لَهُمْ عَلَيْهِ أُمُورُ دِينِهِمْ. وَإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَعِبَادًا لَا يَصْلُحُ أَمْرُ دِينِهِمْ إِلَّا بِالْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالسُّقْمِ فِي أَبْدَانِهِمْ، فَأَبْلُوهُمْ بِالْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالسُّقْمِ، فَيَصْلُحُ لَهُمْ عَلَيْهِ أَمْرُ دِينِهِمْ".
ختامًا أقول: إن أعظم ما يقدمه التمحيص أنه لا يكتفي بكشف العيوب والثغرات، بل يعيد بناء الإنسان من جديد، فكأنه بعد التمحيص يولد من جديد، ولكنه يولد ومعه خبرته وتجربته، ومعه معرفة جديدة، ونمط سلوك جديد، وهذا هو معنى التنقية في أجلى صوره.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 29/9/2026 الساعة (05:20)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ، يا سَتّارُ، اسْتُر عُيوبي، وَاغْفِر ذُنوبي، وَاحفَظني في مَشهَدي ومَغيبَي
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ...﴿سورة آل عمران: 103﴾
إنه الاعتصام بحبل الله، وما يعنيه من الوحدة، والإلفة، والمودة، والتراحم، والتعاون، والتكاتف، والتكافل بين المسلمين والمؤمنين، ليكونوا جميعًا صفًا واحدًا كالبُنيان المرصوص، بنيانًا ليس فيه ثغرة ينفذ الأعداء منها إلى المجتمع المؤمن ليوقعوا الخلاف والشقاق بين أبنائه.
إن الوحدة بين المسلمين والمؤمنين ليست خيارًا، بل ضرورة إيمانية واجتماعية، وحاجة لا يستقيم أمر المجتمع والأمة من دونها، ولذلك فهي واجب ديني لا يجادل فيه إلا شيطان رجيم، وهي تنطلق من اعتصام المسلمين والمؤمنين جميعًا بحبل الله، والرجوع إليه في الصغير والكبير من أمورهم، والسير على هديه.
ومما لا شك فيه أن الاعتصام بحبل الله لا يراد منه أن يلغي خصائص كل فرد أو جماعة، ولا يعني أن يتطابق تفكير هؤلاء مع أولئك، فالاختلاف بين الناس أمر أراده الله تعالى وجعله من طبيعة الحياة الإنسانية، فقد قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )﴿سورة الحجرات: 13﴾ فالاختلاف، أيًا يكن، وفي أيّ مجال يكون، ليس أمرًا طبيعيًا وحسب، بل ضروريٌ للحياة وثرائها، والاختلاف في الرأي سبب في إثراء الفكر الإنساني وتصحيح الأخطاء، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى خلاف وتنازع وخصومة وافتراق، وتتشكل بعد ذلك جماعات وأحزاب، قال تعالى: وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴿52﴾ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿سورة المؤمنون: 53﴾.
ولهذا يدعونا الله تعالى إلى الاعتصام بحبله وينهانا عن التفرُّق، وحبل الله هو كل ما يربط المؤمنين بالله، ويشكِّل لهم مرجعية واحدة يرجعون إليها في مختلف قضاياهم، سواء كان المراد من حبل الله الدين نفسه كما قال بعض المفسرين، أو كان القرآن، أو كان النبي والأئمة الأطهار (ع) كما جاء في الروايات الشريفة، ولا تعارض بين هذه المعاني الثلاثة، لأن القرآن يعبر عن الدين الإلهي الحق، عقيدة وشريعة ومنظومة أخلاقية، والنبي والأئمة (ع) هم القدوات الحقَّة التي جسَّدت الدين وقيمه في واقع الحياة.
وقد عبَّر الله عن تلك المرجعية الواحدة بالحبل لأن الحبل يشد المتفرّقين إلى بعضهم بعضًا، فيجمعهم في بوتقة واحدة، ويصنع منهم قوة لا تُكسر، كما أنه يربطهم جميعًا بالله فيمنعهم من السقوط، ويشدهم إليه، لا سيما أن الإنسان سواء أكان فردًا كان أو مجتمعًا أو أمة معرَّضٌ للسقوط والانزلاق تحت تأثير العصبيات والقوميات والأهواء والمصالح والفتن والجهل. ولذلك يحتاج إلى عاصم يعصمه، وإلى مرجعية يرجع إليها في مختلف شؤونه.
الأمر اللافت في الآية الكريمة أنها قالت: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) فلا يكفي أن تعتصم مجموعة من الأفراد ويبقى الآخرون متفرّقين كُلٌّ على هواه، كما لا يكفي أن تعتصم جماعات ومذاهب وتبقى جماعات ومذاهب أخرى، بل يجب أن يتمسَّك الجميع بالحبل نفسه وأن يعتصموا به، ويرجعوا جميعًا إلى المرجعية الكبرى التي اختارها الله لهم. مرجعية أعلى من الجماعات والمذاهب وأعلى من الانتماءات الضيقة.
وفي حين يأمرنا الله بالاعتصام بحبله جميعًا، فإنه ينهانا عن التفرُّق. والتفرُّق غير الاختلاف، لأن الاختلاف كما قلنا من طبيعة الحياة، لكن التفرُّق هو التمزُّق، والتشتت، وتعدد المرجعيات والولاءات، والخيارات، والمواقف، ونشوب الخصومات والعداوات، بحيث يفقد الجميع الشعور بأنهم مجتمع واحد وأمة واحدة يجمعهم أصل واحد ومرجعية عُليا.
وما من شك في أن الفرقة مذمومة عقلًا وشرعًا في أي حال، لكنها تزداد خطورة في أوقات الأزمات والشدائد، وعندما تكون الجماعة أو الأمة في مواجهة أعداء يتربصون بها، ويكيدون لها، ويعتمدون أخبث الوسائل في محاربتها، ومنها سلاح الفتنة والفُرقة، فالجماعة المتماسكة تستطيع أن تواجه أعنف الأزمات، وأن تصد أعظم الحروب حتى ولو كانت قليلة العدد والإمكانات، أما الجماعة المتنازعة فإنها تحقق لأعدائها ما تعجز آلتهم العسكرية والإعلامية وأدواتهم المالية والاقتصادية عن تحقيقه.
ولهذا فإن من أخطر ما يلجأ إليه عدونا اليوم ألّا يواجهنا مباشرة، وأن يعمل على تفكيك بنيتنا الاجتماعية وإيجاد الشروخ بين أبنائها، إما على أساس طبقي، أو مناطقي، أو حزبي، أو فكري، فيثير العصبيات، ويضخِّم الخلافات، ويخلق الخصومات، ويزيد من انتشار الإشاعات وإساءة ظن الناس ببعضهم، ويقدِّم الاختلافات الجزئية على المشتركات الكبرى، حتى يحوِّل مجتمعنا من جبهة متماسكة تقاتله، إلى جماعات تستنزف قوتها وإمكاناتها في صراعاتها الداخلية.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ، يا مُعينُ، أعِنّي عَلى أُمورِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ بِقُوَّتِكَ، ولا تَكِلني في شَيءٍ إلى غَيرِكَ
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿سورة آل عمران: 78﴾.
ليس جديدًا ما نراه اليوم من تحريف للحقائق، وجعل الحق باطلًا والباطل حقًا، والتلاعب بالألفاظ، واجتزاء للنصوص المكتوبة أو المحكية، أو اقتطاع للمشاهد وعزلها عن سياقاتها، بهدف التلبيس على القارئ والمستمع والمشاهد، والتأثير في إدراكه، فهو أسلوب قديم متجدِّد يستخدمه أهل الباطل في صراعهم مع أهل الحق، وقد تطورت أدواته في عصرنا الراهن بفعل التقنيات الحديثة، وسهولة الوصول إلى الناس، واعتماد الناس على تلك التقنيات مصدرًا أساسيًا من مصادر المعرفة، حتى أضحوا عُرضة للغَثِّ والسقيم وغير المفيد. لا ينجو من ذلك إلا شخص استنار بضياء المعرفة الحقيقية، واعتمد منهجًا سليمًا للتثبُّت مما يرد عليه، قبل أن يصدقه ويؤمن به.
هذه الآية الكريمة واحدة من طائفة من آيات القرآن الكريم تصدَّت للكشف عن التحريف والتأويل الخاطئ، بوصفهما وسيلة لتشكيل الوعي في عقول المستهدفين، يجعلهم يظنون الباطل حقًا، والحق باطلًا، ثم ينسب ذلك إلى الله تعالى، أو إلى الرسول والأئمة الأطهار (ع)، أو إلى القادة الربانيين، أو الجماعة المؤمنة.
إن التجربة الإنسانية الطويلة تؤكد لنا أن المحرِّفين لا يُقَدِّمون الباطل على أنه باطل، لأن الأغلبية العظمى من الناس لا تتقبل الباطل إذا ما عرفته باطلًا، ولذلك يلجأ المحرِّفون إلى كتمان الحق والحقائق إن قدروا على ذلك، فإن لم يمكنهم كتمانه لجأوا إلى لبس الحق بالباطل، حتى يشتبه الحال على المستهدَفين، فيبدو الباطل في صورة الحق، وذلك أن الإنسان غالبًا ما يتعامل مع الوقائع من خلال الصورة التي تُرسم عنها في ذهنه. ومن هنا كان التلاعب بالحقيقة تلاعبًا بإدراك الإنسان، وكان تحريف النصوص والمشاهد من أخطر وسائل السيطرة على الوعي.
وهذا ما تؤكِّده الآية الكريمة بالإشارة إلى أولئك الذين (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ). والليّ هو الإمالة عن الاستقامة، مِمّا يعني أن الكلام لا يؤدَّى على وجهه الطبيعي، وإنما يُمالُ ويُلوى عنقه، ويُحرَّف في طريقة النطق أو التلاوة أو الأداء، حتى ينشأ لدى السامع انطباع بأن ما يسمعه هو النص الحقيقي، بينما هو في الحقيقة شيء آخر. وهذا ما عرضنا له في مقالة سابقة عند تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ﴿سورة البقرة: 104﴾. وقلنا هناك: كانت كلمة "راعنا" في الاستعمال العربي تعني: أمهلنا، أو التفت إلينا، أو استمع إلينا. وكان المسلمون يخاطبون بها رسول الله (ص) طلبًا للتمهُّل في الحديث حتى يفهموا عنه. غير أن بعض اليهود كانوا يتعمَّدون استعمالها على وجه يحمل معنى السخرية أو الانتقاص، مستغلين تقارب اللفظ في لغتهم أو اختلاف طريقة أدائه.
وعلى كل حال فقد يكون الليّ في اللفظ، وقد يكون في النطق، وقد يكون في طريقة عرض النص وتأويله حتى يُحمل على غير مراده. فالتحريف لا يتحقق باستبدال كلمة مكان كلمة دائمًا، إذ قد تبقى الكلمات كما هي، لكن يُساق النص في سياق مضلِّل، أو يُجتزأ من موضعه، أو يُحمّل من المعاني ما لا يحتمل، أو تُخفى قرائنُه، أو تُبرز منه زاوية واحدة حتى تتكون لدى المتلقي صورة مخالفة لحقيقته. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. فالذي يلوي عنق الكلام يريد أن يجعل المتلقي يتلقى الخطأ على أنه هو الصحيح.
وهنا يكمن الخطر في (لَيِّ الكلام) لأن الإنسان إذا عرف أن القول صادر عن إنسان مثله أمكنه أن يناقشه ويرفضه، أما إذا ظن أن القول صادر عن الله، فإنه سيتعامل معه بوصفه حقيقة مقدسة لا يجوز ردها، مما يجعل الباطل محصَّنًا من النقد.
ثم تأتي الخطوة الأخطر: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. فهم ينتقلون إلى إضفاء قداسة إلهية على ما يختلقونه بإرادتهم. وهذا من أخطر ما يمكن أن يحدث في التعامل مع النصوص الدينية، لأن الإنسان قد يختلف مع إنسان، لكنه لا يجرؤ على الاختلاف مع الله. فإذا نجح شخص في أن يجعل رأيه يبدو كأنه حكم الله، فقد منح رأيه سلطة قاهرة تتطلب الإذعان من المتلقي.
وهنا تتضح خطورة الذين يتحدثون باسم الدين دون أمانة علمية. فقد يصبح النص عندهم مادةً قابلة للتطويع وفق المصلحة أو الهوى أو ضغط الواقع، ثم يُقدَّم هذا التأويل المنحرف للناس على أنه مراد الله. ولهذا قال رسول الله (ص): "مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". لأنه يكون قد كذب على الله وهو من أخطر موارد الكذب وأفحشها.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ، يا مُعطي، أعطِني مِن جَليلِ عَطائِكَ، وبارِك لي في قَضائِكَ، وأَسكِنّي بِرَحمَتِكَ في جِوارِكَ
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿سورة آل عمران: 69﴾.
إنها الحرب المتواصلة على وعي المؤمنين وإدراكهم، التي تشنها طائفة أو طوائف من أهل الكتاب. وهي مكوِّن من مكونات الحرب الشاملة التي يشنوها على المؤمنين، فتارة تكون الحرب بالسلاح والقتل والتدمير، وأخرى تكون بالحصار الاقتصادي والمالي، لكن أخطر الحروب تلك التي تستهدف العقول والقناعات، لأن من يستطيع أن يغير القناعات لا يعود بحاجة إلى أن يجبر المستهدفين على شيء آخر، إذ يصبحون هم الذين يتحركون وفق ما زُرع في عقولهم.
هذا ما يريده أولئك، ويمكن أن تتعدد دوافعهم لذلك، فقد تكون دوافع عقدية إذ يرون أنهم على الحق وأن المؤمنين على الباطل، وقد تكون تنافسية، أو مرتبطة بالمصالح، أو نابعة من الخوف من تأثير المؤمنين، أو من الرغبة في الحفاظ على النفوذ الفكري أو الاجتماعي.
وقد يكون من أخطر ما في هذا النوع من الحروب أنهم لا يطلبون من المؤمنين أن يتركوا الإسلام دفعة واحدة، وفي لحظة واحدة، فهذا أمر يصعب تمريره على الإنسان الواعي بل يبدؤون بإثارة شبهة صغيرة، أو تشكيك بسيط، أو اجتزاء نص من سياقه، أو تضخيم أمر من الأمور، مما ينتج عنه شك لدى المؤمنين، ثم يتحوَّل الشك عندهم إلى قناعة بأن المشكلة في الدين نفسه.
تلفت الآية إلى أن الإضلال فعل مقصود، وله وسائله. ومن أبرز هذه الوسائل التشكيك بالحقائق والمسلمات، والجدل لأجل الجدل وحسب واستخدام جزء من الحقيقة للوصول إلى نتيجة باطلة، أو جمع نصوص مجتزأة لإنتاج صورة مشوهة عن الإسلام. ومنها الانتقاء بحيث يُظهرون جانبًا واحدًا من الدين ويغفلون الجوانب الأخرى، استغلال الجهل بالدين لدى المؤمنين، لأن الإنسان الذي لا يعرف دينه معرفة واعية يصبح أكثر عرضة لأن يفرض عليه الآخر تفسيرًا لدينه، فيصدّقه لأنه لا يملك أدوات التحقق. ومنها التشكيك في المرجعيات الدينية من مراجع وعلماء ومفكرين وباحثين، بحيث يفقد الإنسان الثقة بكل من يمكن أن يرشده، ثم يصبح مضطرًا إلى قبول أي خطاب بديل. ومنها زرع الانقسام داخل الجماعة المؤمنة، لأن الجماعة التي تفقد وحدتها وثقتها بنفسها تصبح أكثر ضعفًا أمام التأثير الخارجي.
وفي زماننا يمكن أن تتخذ هذه الوسائل أشكالًا أكثر تعقيدًا: من محتوى رقمي مبتور، أو معلومات مضلِّلة، أو مقاطع فيديو قصيرة تنقل الشبهة دون جوابها، أو حسابات إلكترونية مستفزة، أو لبس الحق بالباطل.
لكن الآية الكريمة تقطع بعاقبة أمرهم فتقول: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. فقد يبدو للوهلة الأولى أن من يضل غيره سيكون آمنًا من الضلال، لأنه ربما ينجح فعلًا في التأثير في الآخرين. لكن الآية تنظر إلى الأمر من زاوية أعمق. فحين يجعل الإنسان غايته إضلال الآخرين، فقد دخل هو نفسه في مسار من الانحراف الأخلاقي والفكري. لأنه يحتاج إلى الكذب والتلبيس والافتراء والتعصُّب وتشويه الحقيقة وسوء القصد. وكل ذلك يجلب الضلال للمُضِلِّ، لأن الذي يكرِّر الباطل على مسامع الآخرين يبدأ مع الزمن بتصديقه. والذي لا يرى إلا أخطاء خصمه يفقد القدرة على رؤية الحق فيه.
وهذا هو معنى تأكيد الله القاطع بأنهم يُضِلّون أنفسهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. لا يشعرون لأن الإضلال لا يقتصر أثره على المستهدف به، بل يرتد على صاحبه، لأنه مع مرور الوقت يعتاد على التبرير، والتعصب، والبُهتان. وهنا تصبح الخسارة مضاعفة. فإن أضَلَّ غيره، حمل وزر إضلاله، وإن لم يُضِلَّ أحدًا، بقي هو أسير المسار الذي اختاره.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 24/9/2026 الساعة (05:20)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ، يا خَبيرُ، خَبَرتَ الأَشياءَ قَبلَ كَونِها، وخَلَقتَها عَلى عِلمٍ مِنكَ بِها، فَأَنتَ أوَّلُها وآخِرُها، فَزِدني خَيراً بِما ألهَمتنَيهِ مِن شُكرِكَ وبَصيرَةً
لأوليائنا وأبناء بيئتنا الذين هالهم الثمن الذي دفعوه وما زالوا يدفعونه من دماء أبنائهم وتدمير بيوتهم وقراهم، ومحاصرتهم ماليًا، وما زالوا صابرين ثابتين صامدين
ولأعدائنا وعملائهم في لبنان والعالم العربي الذين تمنوا منذ ثلاث من السنين أن نُسحّق ونصبح مجرَّد خبر من الأخبار.
نعم، لقد دفعنا ثمنًا باهظًا لكنه لم يبلغ خمس الثمن الذي دفعه الإمام الحسين (ع) الذي اختار السِّلَّة عندما خُيِّرَ بينها وبين الذِّلَّة. لقد قدمنا الكثير من أطهر وأنقى وأشرف أهل الأرض، ولكننا لم نزل واقفين على أقدامنا، وهي راسخة رسوخ الجبال.
ثلاث سنين استخدم العدو ومن خلفه أحدث وأعتى وأضخم وأفتك ما لديه من وسائل التدمير، وأعلن على لسان رئيس وزرائه المجرم أنه سيسحقنا، واستخدم عملاؤه في لبنان كل ما يقدرون عليه بالسياسة والقرارات والإجراءات، وتقيَّؤوا كل قذاراتهم، وكشفوا كل عوراتهم، وأظهروا ما في نفوسهم من خبث ولؤم وغِلٍ وأحقاد. على الرغم من ذلك لم نزل في الساح، وسنبقى إن شاء الله رغم مكر الماكرين، وحقد الحاقدين.
وسننتصر.
✍️ السيد بلال وهبي
*لأوليائنا وأبناء بيئتنا الذين هالهم الثمن الذي دفعوه وما زالوا يدفعونه من دماء أبنائهم وتدمير بيوتهم وقراهم، ومحاصرتهم ماليًا، وما زالوا صابرين ثابتين صامدين*
*ولأعدائنا وعملائهم في لبنان والعالم العربي الذين تمنوا منذ ثلاث من السنين أن نُسحّق ونصبح مجرَّد خبر من الأخبار.*
*نعم، لقد دفعنا ثمنًا باهظًا لكنه لم يبلغ خمس الثمن الذي دفعه الإمام الحسين (ع) الذي اختار السِّلَّة عندما خُيِّرَ بينها وبين الذِّلَّة. لقد قدمنا الكثير من أطهر وأنقى وأشرف أهل الأرض، ولكننا لم نزل واقفين على أقدامنا، وهي راسخة رسوخ الجبال.*
*ثلاث سنين استخدم العدو ومن خلفه أحدث وأعتى وأضخم وأفتك ما لديه من وسائل التدمير، وأعلن على لسان رئيس وزرائه المجرم أنه سيسحقنا، واستخدم عملاؤه في لبنان كل ما يقدرون عليه بالسياسة والقرارات والإجراءات، وتقيَّؤوا كل قذاراتهم، وكشفوا كل عوراتهم، وأظهروا ما في نفوسهم من خبث ولؤم وغِلٍ وأحقاد. على الرغم من ذلك لم نزل في الساح، وسنبقى إن شاء الله رغم مكر الماكرين، وحقد الحاقدين.*
*وسننتصر.*
✍️ *السيد بلال وهبي*
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿سورة آل عمران: 31﴾.
الفرق كبير بين المحبة بوصفها شعورًا عاطفيًا، والمحبة بوصفها التزامًا تجاه المحبوب وفي محبته، إن كل البشر يحبون الله، وأكاد أجزم بذلك، والغالبية الساحقة منهم يتحدثون عن محبتهم له، ويستشعرون عظمته ورحمته ورأفته، وقد تخشع قلوبهم عند ذكره، وكل ذلك جميل، ومطلوب، ولكن هل هذه هي المحبة المطلوبة، أو المحبة الكافية؟ فالمحبة وإن كان محلها القلب ولكن يجب أن تتجلى في حركة الإنسان في الحياة، يجب أن تتحول إلى نهج يلتزم به، وسلوك يسلكه.
الآية الكريمة التي بين أيدينا تؤكِّد هذا المعنى، فهي تترقى بالمحبة من شعور عاطفي وحسب، إلى التزام عملي بما يحبه المحبوب، بما يحبه الله ويريده، أي إلى الأثر الناتج عن المحبة، لأن الحب من دون أثر لا قيمة له، بل قد يقال بأن وجوده وعدمه سيَّان، فالإنسان حين يحب شخصًا يحب أن يقترب منه، وأن يعرف ما يحب وما يكره، وأن ينسجم معه في طريقه ومواقفه. وإذا كانت هذه سُنَّة المحبة في العلاقات الإنسانية، فكيف بمحبة الإنسان لخالقه؟
إن محبة الله من منظور القرآن الكريم علاقة يقيم فيها الإنسان حياته وفق ما يحبه الله. ولهذا جعلت الآية اتّباع النبي جزءً لا يتجزأ من محبة الله، وصاغت تلك العلاقة كقضية شرطية، لا تستقيم إلا إذا تحقق ركناها، وتحوّلت المحبة إلى منهج عملي تقوم حياة المحب عليه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
لقد جعل الله اتباع الرسول دليلًا على محبته، لأنه (ص) حامل رسالته، ومجسِّد منهجه في الحياة، والقدوة الحقيقية للبشر، به يفيض الله على عباده، وبه يتقرَّب العباد إليه، فإذا أرادوا أن يجعلوا محبتهم لله حقيقة، فطريقهم الحصري إلى ذلك اتباع الرسول فيما جاء به من هدى وشريعة وأخلاق.
والاتباع يعني الاقتداء الكامل الشامل برسول الله (ص)، أن نجعل هديَه ميزانًا لعقيدتنا وأخلاقنا وسلوكنا ومواقفنا. أن نكون مثله في أمانته وصدقه ووفائه وإخلاصه وحُسنِ أخلاقه، أن نكون مثله في العدل والدعوة إلى المعروف وإنكار المنكر ورفض الظلم، وتقديم ما يريده الله على ما تهواه أهواؤنا.
إن من الناس من يجعل الله تابعًا لمشاعره، يريده أن يحب ما يحب، ويكره ما يكره، يبيح له ما يهوى، ولا يتدخل فيما لا يهوى، يجري أقداره عليه وفق ما يشتهي، ومنهم من يقول: أحب الله، لكن لي رأي في شريعة الله، أقبل منها ما أحب، وأرفض منها ما لا أحب. يريد أن يجعل الدين على هواه، أن يكون الدين انعكاسًا لصورته.
بينما المحبة من منظور الآية الكريمة تعني شيئًا آخر، تعني أن يتشكَّل الإنسان وفق ما يريده محبوبه (الله) تعني ألا تكون له إرادة في عرض إرادة الله، ولا مشيئة تخالف أو تتقدم على مشيئة الله. فيحب الله فيما يخالف رغبته كما يحبه فيما يوافق رغبته، لأنه على يقين من أن محبوبه لا يريد له إلا الخير الواقعي في الحالَين، وأنه يجلب إليه المصلحة الواقعية فيما يأمره ولو بدا له أن الأمر صعب، ويدفع عنه الضرر فيما ينهاه عنه ولو بدا له في اللحظة الراهنة الظاهرة أن فيه مصلحة له.
وهذا هو الامتحان الأصعب. فأن تحب الله حين يكون الأمر موافقًا لرغبتك أمر سهل. لكن المحبة تظهر حين تتبع الله فيما يريده منك ولو كنت لا تعرف المصلحة فيه لأن تنظر إلى اللحظة الراهنة ولا ترى ما بعدها، أو تنظر إلى ظاهر الأمر ولا تُدرك باطنه.
ومن هنا نفهم لماذا رتَب الله محبته على اتباع رسوله فقال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. فالمسألة لا تنتهي عند أن تثبت لله أنك تحبه، فأغلب البشر يحبونه، وإنما هناك مرتبة أعظم: أن يحبك الله. وإذا كانت محبة العبد لله تعني الإيمان والطاعة والاتباع والتقرب إليه، فإن محبة الله لعبده ليست مسألة عاطفية كما هي عند البشر، وإنما هي رحمة ورضا وعناية ومغفرة وتوفيق.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأربعاء الواقع في: 23/9/2026 الساعة (05:17)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ، مَعروفُكَ ظاهِرٌ لا يُنكَر، فَلا تَسلُبنا ما أودَعتَناهُ مِن مَعروفِكَ بِرَحمَتِكَ
