1 831
Subscribers
-224 hours
-57 days
-730 days
Posts Archive
ومن هنا فإن المؤمن لا يطلب دنيا بلا أزمات، -لأنها دار ابتلاء وامتحان- بل يطلب من الله العون على مواجهة ما فيها، والثبات عند نزوله، والبصيرة في التعامل معه. والمؤمن لا يقيس عناية الله به بمدى خلو حياته من المشكلات. فقد تكون العناية الإلهية في رفع البلاء، وقد تكون في تخفيفه، وقد تكون في منح الإنسان قدرة على احتماله، أو في استخراج طاقاته الكامنة، أو في منحه وعيًا جديدًا، أو في حمايته من السقوط الأخلاقي أثناء الأزمة.
ولهذا لا يكون الابتلاء دليلًا على غياب الرحمة، كما أن الرخاء ليس بالضرورة دليلًا على الرضا. فقد يكون البلاء بابًا إلى النضج والهداية، وقد يكون الرخاء سببًا للغفلة والغرور. المعيار القرآني ليس مقدار ما نملك أو ما نفقد، بل ما نصير إليه في علاقتنا بالله وفي سلوكنا تجاه أنفسنا والآخرين.
تختم الآية الأخيرة ببيان عاقبة هذا الموقف: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
إنها نتيجة أعمق من مجرد التعويض عن الخسارة. فالله لا يذكر للصابرين مالًا بديلًا أو متاعًا يعوّضهم عمّا فقدوا فقط، بل يضمن لهم صلواته ورحمته وهدايته.
والصلوات من الله تعني العناية واللطف والرأفة والتكريم والثناء، والرحمة تعني إحاطة الإنسان بعناية إلهية ترفعه وتسدِّده، أما الهداية فهي الثمرة الأهم، لأن الإنسان قد يخرج من الأزمة وقد استعاد بعض ما فقد، لكنه لا يكون قد انتفع بها حقًا إلا إذا خرج منها أكثر قربًا من الله، وأوضح رؤية، وأقوم سلوكًا.
ومن هنا قالت الآية: ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. فالصبر فضيلة لا تنفصل عن الهداية، بل هو طريق إليها. إن المحنة تكشف للإنسان حقيقة تعلقه بالأشياء، وحدود قدرته، وحاجته إلى الله، وتضعه أمام أسئلة لا يستطيع الرخاء أن يفرضها عليه بالقوة نفسها: من أنا؟ وعلى ماذا أعتمد؟ وما الذي يبقى حين تتلاشى أسباب الأمان الظاهرة؟
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الإثنين الواقع في: 7/9/2026 الساعة (05:06)
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿155﴾ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿156﴾ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴿سورة البقرة: 157﴾.
لا يمكن أن تخلو الحياة من الخوف والجوع وفقدان المال أو الأحبة أو الثمرات، ولا يمكن أن تخلو الحياة من المصاعب والأزمات والابتلاءات، هذا ما تقرِّره الآية الأولى، فمن يطلب حياة خالية من جميع ذلك فلن يجدها إلا في حياة الآخرة، فالابتلاء ليس حادثًا استثنائيًا يطرأ على حياة الناس، وإنما هو جزء من طبيعة الحياة نفسها، وسنّة جارية تشمل البشر جميعًا، وإن اختلفت صورها ودرجاتها وآثارها.
كل إنسان معرّض لأن يخاف مِمّا قد يحمله إليه المستقبل، أو يفتقد شيئًا من ماله، أو يمرض في نفسه، أو يفقد عزيزًا، أو يرى ثمرة جهده تتراجع أو تضيع. والمؤمن ليس مستثنى من هذه السُنَّة الربانية، فالقرآن لا يعدنا بحياة بلا ألم، ولا بدنيا لا فقد فيها ولا نقصان، وإنما يعلّمنا كيف نقف في مواجهة جميع ذلك دون أن ننهزم أمامه.
وما يساعدنا على ذلك أمر لافت في الآية الكريمة حيث قالت: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾، وكأنها تذكّرنا بأن ما نواجهه، مهما اشتدَّ، يبقى جزءًا محدودًا من عالم واسع، وأن المصيبة لا ينبغي أن تستولي على وعينا كله، فتجعلنا نرى الحياة من خلالها وحدها. فالأزمة حقيقية، لكنها ليست الحقيقة الوحيدة، والخسارة مؤلمة، لكنها لا تقضي على وجودنا.
وبعد أن عرضت الآية الأولى صور الابتلاء، بشيء من الخوف، والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ها هي تعلمنا المهارة التي ننجح بها في تلكم الابتلاءات، فتقول: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، إنها تبشِّرنا إنْ صَبَرنا، وتكشف لنا أن الصبر لا يعني التحمّل القسري للألم، ولا سكوت العاجز أمام الواقع، بل هو موقف إيماني وعملي واعٍ، يحفظ لنا توازننا وقدرتنا على الاستمرار.
فالصابر –من منظور القرآن الكريم- هو الذي لا يسمح للمُصيبة أن تسلبه عقله، ولا للخوف أن يدفعه إلى التراجع عن الحق، ولا للفقدان أن يحوّله إلى ساخط على الله أو ناقم على الحياة. إنه يتألَّم، لكنه لا ينهار، ويحزن، لكنه لا يفقد البوصلة، ويعترف بثقل المحنة، لكنه لا يستسلم لها استسلامًا يلغي مسؤوليته.
ولهذا جاءت البشارة للصابرين في البأساء والضرّاء، لا للذين لم تصبهم المصائب. فالقيمة ليست في انعدام الأزمة، وإنما في الطريقة التي يستقبل بها الإنسان الأزمة ويتعامل معها. فقد يتعرَّض شخصان للمحنة نفسها، فيخرج أحدهما منها أكثر نضجًا وإيمانًا وصلابة، بينما يخرج الآخر أكثر اضطرابًا وانكسارًا. الفارق ليس دائمًا في حجم المصيبة، بل في الموقف النفسي والمعنوي منها.
أما الآية التالية فتصف موقف الصابرين تجاه المصائب فتقول: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. ومما لا شك فيه أن (الاسترجاع) ليس تعزية لفظية تُقال عند الموت فحسب، ولا عبارة تُردَّد باللسان دون وعي. إنها إعلان عن حقيقتين عظيمتين تعيدان بناء نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى ما حوله:
الأولى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾، أي إننا لا نملك أنفسنا، ولسنا مستقلين في وجودنا، بل نحن ملك لله الذي خلقنا. وجودنا، وأجسادنا، وأبناؤنا، وأموالنا، وقدراتنا، وكل ما نعدّه ملكًا خاصًا لنا، هو في الحقيقة أمانة وعطاء من الله. وما دام الشيء لله، فإن منحه ليس أمرًا مستَحَقًا على الله، وسلبه لا يعني وقوع الظلم منه.
وهذا لا يلغي الحزن الطبيعي، ولا يطلب من الإنسان أن يتعامل مع الفقد كما لو أنه لم يكن، لكنه يمنعه من تحويل الحزن إلى اعتراض على مالكية الله وحكمته. فالمؤمن لا يرى نفسه مالكًا مطلقًا ثم يشعر أن حياته انهارت حين يفقد شيئًا، بل يرى نفسه عبدًا لله، كانت النعمة في يده عارية، ثم عادت إلى صاحبها.
والثانية: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وهي تذكير بأن هذه الحياة، بما فيها من ربح وخسارة، ومِنَحٍ ومِحَنٍ، ليست النهاية. إننا راجعون إلى الله، ولذلك لا يجوز أن تتحول خسارة عابرة في الدنيا إلى حكم نهائي على الحياة كلها. ما نفقده هنا ليس آخر ما نملك، وما نعجز عن فهمه اليوم ليس خارجًا عن علم الله ورحمته.
فالاسترجاع (الحقيقي) يحرِّر الإنسان من وهمين: وهم الملكية المطلقة، ووهم الخلود في الدنيا. ومن يتحرر من هذين الوهمين يصبح أكثر قدرة على الصبر، لا لأنه لا يشعر بالألم، بل لأنه لا يسمح للألم أن يقطع صلته بالله أو يبدد معنى وجوده.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ، يا جَليلُ، جَلَلتَ عَنِ الأَشياءِ فَكُلُّها صَغيرَةٌ عِندَكَ، فَأَعطِني مِن جَلائِلِ نِعمَتِكَ، ولا تَحرِمني مِن فَضلِكَ
فلا تحصر –قارئي الكريم- الحياة فيما تراه حواسك، فالشهادة انتقال إلى حياة حقيقية عند الله، وآثار الشهيد في الأرض أمانةٌ في أعناق الأحياء.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأحد الواقع في: 6/9/2026 الساعة (05:04)
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿سورة البقرة: 154﴾.
آيتان في القرآن تحدثتا عن حياة القتلى في سبيل الله (الشهداء) وهم الذين يقتلون على أيدي الأعداء في ساحة القتال أو في مهمة قتالية، ولو كانوا بعيدين عن ساحة المعركة، كما يذهب إلى ذلك بعض الفقهاء المعاصرين، على أن يكون قتالهم للأعداء تحت راية المعصوم أو نائبه.
الآية التي بين أيدينا أثبتت أن القتل لا يفنيهم، بل هم أحياء، ولكننا لا نشعر بهم، وهذا المعنى سنتبين وجهه بعد قليل إن شاء الله. والآيات الثلاث الأخرى التي تضمّنتها سورة آل عمران كشفت لنا عن طبيعة حياتهم في عالمهم. حيث قالت: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿169﴾ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿170﴾ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿سورة آل عمران: 171﴾. وسنعرض لهذه العطايا الإلهية الجليلة التي يُعطَونها في مقالة قادمة إن شاء الله.
السؤال المطروح: لماذا ينهانا الله عن القول بموت القتيل في سبيل الله؟ مع أن الموت انتقال من نشأة إلى نشأة أخرى، إنه قنطرة تعبر به من عالم إلى عالم كما وصفه الإمام الحسين (ع) لأصحابه حين قال: "صَبْراً بَنِي الْكِرَامِ، فَمَا الْمَوْتُ إِلَّا قَنْطَرَةٌ يَعْبُرُ بِكُمْ عَنِ الْبُؤْسِ وَالضَّرَّاءِ إِلَى الْجِنَانِ الْوَاسِعَةِ وَالنَّعِيمِ الدَّائِمِ، فَأَيُّكُمْ يَكْرَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ سِجْنٍ إِلَى قَصْرٍ".
فما طبيعة هذا الموت، وما معنى كونهم أحياء؟ فنحن نرى الجسد يسقط، والحركة تتوقف، والنَّفَس ينقطع، ويغيب الإنسان عن عالمنا الذي نعرفه.فلماذا يقول القرآن: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾؟
إن الآية الكريمة لا تنفي حقيقة الموت الجسدي، وإنما تنهانا عن أن نعتقد أن موت أجسادهم يعني نهاية حياتهم، وهذه مفارقة قرآنية عميقة، فنحن نرى الموت، والقرآن يكشف لنا عن حياة لا نراها. وندرك غياب الجسد، والقرآن يخبرنا عن استمرار الوجود، ويفتح أمامنا بابًا إلى حياة تقع خارج نطاق الحسّ.
إن الشهداء أحياء، ولكننا لا نشعر بحياتهم، والحياة حركة، وفاعلية، وتأثير، إن لهم هذا النوع من الحياة ولكننا لا نلمس ذلك، لا نراه، لا نشعر به، وعدم الشعور به لا يعني عدم الوجود، فما أكثر الأشياء التي لا نشعر بها، لا نراها ولا تقع في مجال حواسنا ولكنها موجودة ومؤثرة.
لقد قيل في تفسير المراد من كونهم أحياء: أن ذكرهم الجميل يبقى حيّا. ولكن لو كان المراد بحياة الشهيد بقاءَ ذكره الجميل الذي لا يُنسى، لكان الناس يشعرون بها، لأننا ندرك ذكر الشهيد وآثاره، ونقرأ سيرته، ونستحضر تضحيته، ونرى آثار مشروعه، وقد تتحول شهادته إلى قوة تدفع أجيالًا كاملة إلى مواصلة الطريق.
وقيل: إن المراد من كونهم أحياء، أن قضيتهم تبقى حيَّة. ولكن لو كانت حياتهم تعني بقاء القضية التي قتِلوا من أجلها، لكان ذلك معنى عظيمًا بلا شك، لكنه لا يستوعب قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، لأن القضية قد تبقى حيّة، سواء أكان صاحبها حيًّا أم ميتًا، وسواء أكان شهيدًا أم غير شهيد.
أما القرآن فيضيف شيئًا لا تدركه حواسنا. هناك حياة حقيقية للشهيد في عالم لا نملك أدوات الإحساس به، وهذا هو المعنى الذي ينسجم مع الإيمان بالغيب. فالإنسان ليس جسدًا فقط، والموت ليس فناءً مطلقًا للوجود الإنساني، وإنما انتقال من نشأة إلى نشأة، كما سبق أن ذكرنا.
لكن هل هذه الحياة هي الحياة البرزخية؟ أم أنها حياة خاصة بالشهداء؟
هنا ينبغي أن نكون دقيقين. إن أصل الحياة البرزخية لا يعني بالضرورة أن الشهداء وحدهم يعيشون بعد الموت، فالموت في التصور الإسلامي ليس فناءً للإنسان، والناس ينتقلون إلى عالم البرزخ.
إذن أين خصوصية الشهيد؟. خصوصيته ليست في مجرد الحياة بعد الموت، وإنما في نوع الحياة التي يُكرمه الله بها ومرتبتها وآثارها، فالقرآن لا يقتصر في الحديث عن الشهيد على نفي الفناء عنه، وإنما يقرّر له حياةً خاصة في سياق التكريم الإلهي، إنها حياة لا نعرف حقيقتها كاملة، ولا نملك أن نقيسها بمقاييس حياتنا المادية.
إنها حياة تقع وراء الحجاب بين عالم الحس وعالم الغيب. فالقتيل في سبيل الله لا يخسر حياته، بل ينقلها إلى مستوى آخر، يقدِّم نفسه لله، فيجزيه الله بحياة لا تستطيع حواسنا أن تصل إليها. وهي حياة ذات تأثير فينا نحن الأحياء، وما نسمعه من قصصهم التي يطمئن القلب إلى صدق بعضها، يشهد لما تقوله الآية الكريمة.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ، يا خَفِيُّ، أنتَ تَعلَمُ السِّرَّ وأَخفى وهُوَ ظاهِرٌ عِندَكَ، فَاغفِر لي ما خَفِيَ عَلَى النّاسِ مِن أمري، ولا تَهتِكني يَومَ القِيامَةِ عَلى رُؤوسِ الأَشهادِ
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: ...لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ...﴿سورة البقرة: 150﴾.
لا ينبغي لنا أن نمنح الآخرين حُجّةً باطلةً أو ذريعةً ناتجةً عن تقصيرنا، ولا أن نجعل أخطاءنا مدخلًا إلى التبعية لهم. والواجب علينا أن نكون أمة مستقلة في قرارها ومرجعيتها، غير تابعة ولا خاضعة لأحد سوى الله تعالى. هذا ما يفيده هذا الجزء من الآية الكريمة الواردة في سياق الحديث عن تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، وكان من آثار تغيير القبلة إبطال الحجج والإشكالات التي كان يثيرها اليهود والمشركون في وجه المسلمين، حيث كان اليهود يقولون: لو كنا على باطل لما توجهتم بصلاتكم، أيها المسلمون، إلى قبلتنا، وكانوا يقولون: إن محمدًا يصلّي إلى قبلتين، مع أن من علاماته الواردة في كتبنا أنه يصلّي إلى قبلة واحدة. وكان مشركو مكة يقولون: كيف ترك محمد الكعبة وهو يدعي أنه بُعِث لإحياء مِلَّة إبراهيم.
ولنذكر الآية الكريمة أولًا ثم نمضي في استنباط الفكرة الأساسية التي تتبناها هذه المقالة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾. هذا هو السياق الذي جاء فيه قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾. لكن وراء هذا السياق التاريخي معنى تربوي وفكري بالغ الأهمية: لا ينبغي للمسلمين أن يتيحوا للآخرين أن تكون لهم عليهم حُجّةٌ أو سُلطانٌ. فالقرآن لا يريد أمة تتحرّك بلا شخصية، بل يجب أن تكون لها مرجعيتها الخاصة، ومنهاجها الخاص.
فالقبلة هنا تصبح رمزًا للثبات على تلك المرجعية كما أسلفنا في مقالة سابقة. وقلنا: لقد كان يمكن للمسلمين أن يتعاملوا مع المسألة بمنطق إرضاء الآخرين: ماذا يريد اليهود، وماذا يريد المشركون؟ وكيف يتجنَّبون اعتراض هذا الطرف أو ذاك؟
لكن منطق القرآن كان: لا ينبغي أن نُرضي الناس على حساب ديننا، بل ينبغي أن نستقيم على أمر الله وحسب. ولهذا جاء الأمر بالتوجه إلى الكعبة (القبلة) مقرونًا بعبارة ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾. فالأمة التي لا تملك اتجاهًا واضحًا ولا مرجعية مستقلة، تصبح قابلة للضغط من كل جهة. وإذا أخذت من الآخرين دينها، وأخذت منهم أخلاقها، وأخذت منهم تعريفها للأمور وتصوراتها وحضارتها، فما الذي يبقى لها من شخصيتها؟ لا يبقى لها شيء، تتحول إلى أمة تابعة، أمة خاضعة، وتتحول من أمة صاحبة رسالة إلى مجرد تجمع بشري فاقد للاتجاه والقرار.
ومما لا شك فيه أن القرآن لا يمنع المسلم من أن يتعلم من الآخرين، ولا يمنعه من الاستفادة من تجارب الأمم، ولا يطلب منه أن يعيش معزولًا عن العالم. إنما يمنعه من أن يصبح تابعًا. فالفرق كبير بين أن نتعلم من الآخرين، وبين أن نجعل الآخرين المعيار للصحيح والخطأ، والحق والباطل. الفرق كبير بين أن نأخذ منهم علمًا نافعًا، وبين أن نأخذ منهم منظومة قيم كاملة لمجرد أنهم تمكّنوا من الترويج لها وفرضها ثقافيًا وإعلاميًا. والفرق أكبر بين أن نستفيد من تجربة حضارية، وبين أن نقتنع بأننا لا نستحق أن نكون متحضرين إلا إذا أصبحنا نسخةً طبق الأصل من الآخرين.
وهنا تظهر خطورة تقليد الآخرين حين يتجاوز حدود الاستفادة منهم إلى الانصياع لهم، فكل اتباع أعمى يجعل للمتبوع سلطانًا على التابع. وكل تنازل غير واعٍ عن الخصوصية يمنح الآخر قدرةً على إعادة تشكيله وفق رؤيته. وكل مرة تقول فيها لأبنائنا إن ما عند الآخرين هو "التقدم"، وما عندنا هو "التخلف" لمجرد أننا مختلفون، فإننا لا ننقل إليهم معرفةً جديدة، بل نزرع فيهم عقدة نقص خطيرة. وحين يشعر الإنسان بالنقص أمام الآخر، فإنه لا يعود قادرًا على الحوار معه من موقع الندية، بل يبدأ بتقليده. ثم يبرر تقليده ويدافع عنه، ثم قد يصل إلى أخطر من ذلك، أن يخجل من هويته الدينية والثقافية.
ومن هنا نفهم، والله أعلم، لماذا كان تحويل القبلة قضية تتجاوز الأمور العبادية، لتقول للمسلمين: أنتم أمة، بل أمة شاهدة على الناس، كما قال تعالى: (...لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ...) ﴿سورة البقرة: 143﴾ ولذلك لا يليق بكم أن تكونوا أمةً تابعةً في مرجعيتها واتجاهها. فأنتم أمة لكم مرجعية عقائدية مختلفة، ولكم منظومة قيم، ولكم تصور عن الكون والإنسان والحياة.
فلا تمنحوا الآخرين سلطانًا على مرجعيتكم وقراركم، ولا تجعلوا رضاهم معيارًا للحق والباطل، ولا تعطوهم حجة بسبب موقف ضعيف، أو خطأ في تقدير، أو اضطراب في سلوك، ولا تستسهلوا التبعية لهم وأنتم قادرون على تقديم نموذجكم الحضاري الخاص.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم السبت الواقع في: 5/9/2026 الساعة (05:05)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ، يا ذَكورُ، اذكُرني فِي الأَوَّلينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحينَ، وعِندَ كُلِّ خَيرٍ تَقسِمُهُ
والمؤمن ليس مطالبًا بأن يذوب في الآخرين حتى يثبت أنه متسامح، بل أن يكون قادرًا على التعايش من موقع الثقة، لا من موقع عقدة النقص.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الجمعة الواقع في: 4/9/2026 الساعة (05:10)
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿سورة البقرة: 145﴾
تأتي هذه الآية الكريمة في سياق الآيات التي تحدثت عن تحوِّل قبلة المسلمين الذي وقع بعد قدوم رسول الله (ص) إلى يثرب بقليل، حيث كان مأمورًا أن يتجه بصلاته إلى بيت المقدس ثم أُمِرَ بأن يتجه إلى الكعبة المشرَّفة.
ظاهر الآية يتحدث عن القبلة، ولكنها في عمقها تتحدث عن المرجعية التي يرجع إليها المسلم والمرجعيات التي يرجع إليها الآخرون. فالقبلة في معناها الشرعي جهةٌ يتوجه إليها المصلي بجسده، لكنها تحمل أيضًا دلالة رمزية عميقة على الجهة التي يتوجه إليها في فكره ووعيه وضميره وحياته. قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ...﴾ ﴿سورة البقرة: 148﴾
إن الرسالات السماوية أصلها واحد بلا ريب، فمصدرها واحد، هي نازلة من عند الله الواحد الأحد، وما من رسولٍ إلا وقد دعا إلى توحيد الله وعبادته، والإيمان بالمعاد والحساب والثواب والعقاب في الآخرة، لكنها -أي الرسالات- ليست نسخة واحدة في تفاصيل تشريعاتها ومقتضياتها. فقد جعل الله لكل أمة شرعة ومنهاجًا، تبعًا لحاجات كل أمة وظروفها والمرحلة التي تمرُّ بها، حتى جاء رسول الله (ص) بالرسالة الخاتمة، الجامعة لما سبقها، والمهيمنة عليه، وشريعتها هي الشريعة الخاتمة. ولهذا لم يكن انتقال القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة تفصيلًا شكليًا، بل كان إعلانًا عن استقلال شخصية الرسالة الإسلامية ومرجعيتها واتجاهها.
فالإسلام لا يأتي ليكون تابعًا في هويته لليهودية أو للمسيحية، كما أنه لا يأتي ليهدم ما سبقه أو ينكر الأنبياء والرسل. بل يؤمن بسائر الأنبياء، ويؤمن بأن مصدر الرسالات واحد، لكنه يقول في الوقت نفسه: إن للرسالة الخاتمة شريعتها وهويتها ومنهاجها الذي لا تستمد شرعيته من رضا الآخرين عنها.
وفي هذا السياق يأتي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾.فلا مجاملة في الثوابت، ولا مداهنة في الحق، ولا تنازل عن الهوية، ولا حوار يؤدي إلى الذوبان، ولا تعايش يفضي إلى تبعية، واستقلال المرجعية لا يعني رفض الآخرين أو قطع الحوار معهم، وإنما يعني أن يكون الحوار قائمًا على الثقة بالذات، لا على التنازل عن الأصول والثوابت. وهذه قاعدة بالغة الأهمية في بناء الشخصية المؤمنة: الانفتاح لا يعني الذوبان، والتسامح لا يعني التبعية، والتعايش لا يعني إلغاء الخصوصية.
واللافت أن القرآن لا يكتفي بالقول إن أهل الكتاب لن يتبعوا قبلة المسلمين، بل يقول أيضًا: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾. أي إن القضية ليست أن هناك نموذجًا واحدًا يمكن للمسلمين أن يذوبوا فيه لكي تنتهي المشكلة. إن اختلاف المرجعيات والشرائع واقع قائم، فحتى أهل الكتاب أنفسهم ليسوا كتلة واحدة ذات قبلة واحدة ومنهج واحد، فلماذا يُطلب من المسلم وحده أن يتخلّى عن خصوصيته حتى يصبح مقبولًا؟
هنا تنتقل الآية الكريمة من الحديث عن القبلة إلى كشف منطق الهوى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. إنها جملة شديدة الحسم: العلم في جهة، والهوى في جهة أخرى، والمرجعية ليست أمرًا خاضعًا للهوى، الدين لا يؤخَذ بالأهواء، هنا تقول الآية: إذا جاءك العلم، فلا تستبدل به بالهوى. بل اتبع العلم، وليكن هواك خاضعًا له، وهذه المسألة لا تخص النبي (ص) وحده، فإذا كان النبي، وهو المؤيَّد بالوحي، يُخاطَب بهذا الحزم، فكيف بغيره من البشر عندما يتعرّض لضغط الجماعة أو الإعلام أو الثقافة السائدة؟
إن أخطر أنواع التبعية ليست أن يأخذ الإنسان من الآخر شيئًا في التكنولوجيا أو المعرفة أو الخبرة، بل أن يبدأ باستيراد معايير الحق والباطل، والصواب والخطأ، والحلال والحرام، والفضيلة والرذيلة من خارج مرجعيته العقدية والشرعية والقيمية، دون أن يسأل: هل ينسجم ذلك مع ما أؤمن به؟
وهنا يصبح الحديث عن القبلة حديثًا عن اتجاه الإنسان في الحياة. فالقبلة تقول للمسلم: أنت لا تتحرك بلا اتجاه. ولست بلا مرجعية. ولست مضطرًا إلى أن تبحث عن هويتك في مرآة الآخر. ولا ينبغي أن تسعى إلى أن تصبح مقبولًا عند غيرك بثمن التخلي عن عقيدتك.
وهذه القضية شديدة الحضور في عالمنا المعاصر، فقد يُقال للإنسان: كن منفتحًا. والانفتاح قيمة إذا كان يعني القدرة على الحوار والمعرفة والتفاعل. لكن الانفتاح قد يتحوّل أحيانًا إلى مطالبة الإنسان بأن يتخلى عن ثوابته حتى يُعَدَّ منفتحًا في نظر الآخرين.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ، يا دَيّانُ أنتَ تَحشُرُ الخَلقَ، وعَلَيكَ العَرضُ، وكُلٌّ يَدينُ لَكَ ويُقِرُّ لَكَ بِالرُّبوبِيَّة، فَاغفِر لِيَ الذُّنوبَ بِعِزَّتِكَ.
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴿سورة البقرة:152﴾
ما معنى أن يذكر الإنسان ربَّه، حتى يكون جزاؤه أن يذكره الله؟
إن أول ما يلفت النظر في الآية الكريمة أن الله سبحانه، بعظمته وجلاله، يجعل ذكر العبد له مدخلًا لذكر الله لعبده: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. ومن المقطوع به أن الله لا ينسى عباده ثم يتذكرهم عندما يذكرونه، تعالى الله عن ذلك. وإنما هي إشارة إلى علاقة تربوية وتكوينية: حين يستحضر الإنسانُ اللهَ في وعيه، يكون جديرًا أن تحيط به رحمته وهدايته وعنايته.
ولهذا لا يمكن اختزال الذكر في حركة اللسان، فقد يقول الإنسان: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، أو يقرأ دعاءً، أو يتلو شيئًا من القرآن، ثم يعيش بعيدًا عن الله في خياراته وقراراته ومواقفه وعلاقاته وشهواته، ولا يكون لذكره اللساني أثر حقيقي في تكوين شخصيته.
فالذكر الذي تشير إليه الآية هو أن يصبح الله حاضرًا في وعي الإنسان عندما يختار أمرًا أو موقفًا، وحاضرًا في ضميره عندما يختلف مع الآخر، وحاضرًا في سلوكه كله، وقد ورد عن رسول الله (ص)، في معنى الذكر، أنه: "إِذَا عَرَضَ لِلِإنْسَانِ مَا حَرَّمَ اللهُ فَخَافَ اللهَ وتَرَكَهُ، فَذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ". ورُوِيَ عن الإمام جعفر الصادق (ع) - لحسينِ البزّازِ -: "ألَا أُحَدِّثُكَ بِأَشَدِّ ما فَرَضَ اللَّهُ عَزّ وَجَلَّ على خَلْقِهِ؟، إنصافُ الناسِ مِن نَفسِكَ ، ومُواساتُكَ لِأخيكَ، وذِكرُ اللَّهِ في كلِّ مَوطِنٍ، أما إنّي لا أقولُ: سُبحانَ اللَّهِ، والحَمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبَرُ، وإِنْ كانَ هَذا مِنْ ذاكَ، ولكِنْ ذِكرُ اللَّهِ في كُلِّ مَوطِنٍ إذا هَجَمتَ على طاعَتِهِ أو مَعصِيَتِهِ"
فالمعيار إذًا ليس كم مرة يذكر الإنسانُ اللهَ بلسانه، وإنما ماذا صنع ذكر الله بالإنسان؟ فأن تذكر الله يعني ألّا تكون غافلًا عنه وأنت تتصرف، فحين تكون قادرًا على الظلم وتتذكر الله فتعدِل فقد ذكرته. وحين تستطيع أن تخون الأمانة وتتذكر الله فتحفظها فقد ذكرته. وحين تدعوك الشهوة إلى ما لا يرضي الله وتتذكر الله فتمتنع عنها فقد ذكرته. وحين يشتد عليك الخوف أو الضغط أو الإغراء، ثم تسأل: ماذا يريد الله مني؟ فقد خرج الذكر من اللسان إلى الحياة.
ولهذا جاء الأمر بعد الذكر مباشرة:﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. فالشكر أيضًا ليس كلمة تقال، وإنما طريقة في استعمال النعمة. فإذا أعطاك الله عقلًا، فشكره أن تستخدمه في معرفة الحق، لا في تبرير الباطل. وإذا أعطاك علمًا، فشكره أن تجعله في خدمة الإنسان، لا في الاعتداء على الإنسان. وإذا أعطاك مالًا، فشكره أن تنفقه في موضعه، لا أن تجعله أداة للفساد والاستعلاء. وإذا أعطاك قدرة وتأثيرًا، فشكره أن تستخدمهما في إقامة الحق، لا في سحق الضعفاء.
فالنعمة التي لا تُستثمر في غايتها تتحول من نعمةٍ مشكورة إلى نعمةٍ مهدورة. ومن هنا يكون الشكر الوجه العملي للذكر: أن تعرف المنعم، ثم تعرف وظيفة النعمة.
وهذه الفكرة تفتح لنا معنى بالغ الأهمية في حياة الإنسان. فالقرآن لا يريد مؤمنًا يذكر الله في المسجد ثم ينساه في السوق، ولا مؤمنًا يذكره في الدعاء ثم يغفل عنه في السياسة، ولا مؤمنًا يذكره في العبادة ثم يتجاهل قِيَمَه في علاقاته الاجتماعية.
إن ذكر الله الحقيقي هو الذي يجعل اللهَ تعالى مرجعية حياة الإنسان، ويجعل اللهَ محورَه الأوحد، ولهذا فإن الأمة التي تذكر الله ليست الأمة التي تكثر فيها الأذكار اللفظية فحسب، بل الأمة التي تظهر آثار ذكر الله في عدالتها وأخلاقها وعلمها وتكافلها وكرامة الإنسان فيها، وحفظها للأمانة، ومقاومتها للظلم.
ومن هنا نفهم لماذا جاء النهي في الآية: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. فكفران النعمة ليس فقط أن يُنكِر الإنسان وجودها بلسانه، فقد يكفر الإنسان بالنعمة حين يستخدمها في الاتجاه المعاكس للغاية التي وهبها الله من أجلها. والأخطر من ذلك أن ينسى الإنسان أن أعظم نعمة هي نعمة الهداية. فقد يخسر الإنسان مالًا ثم يعوضه، وقد يفقد موقعًا ثم يستعيده، أما إذا فقد بوصلته الإيمانية فقد يخسر المحور الذي تنتظم حوله بقية النعم.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 3/9/2026 الساعة (05:03)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ، يا غالِبُ غَلَبتَ كُلَّ غَلّابٍ بِقُدرَتِكَ، فَاغلِب بالي وهَوايَ حَتّى تَرُدَّهُما إلى طاعَتِكَ، وَاغلِب بِعِزَّتِكَ مَن بَغى عَلَيَّ ورامَ حَربي
**(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)*
قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ... ﴿سورة البقرة: 109﴾
تكشف الآية الكريمة عن حقيقة بالغة الأهمية في علاقة كثير من أهل الكتاب مع المسلمين، حيث يود هؤلاء أن يرتد المسلمون عن دينهم، وأن يكونوا كفَّارًا، والسبب في ذلك أنهم يحسدون المسلمين على كمال دينهم، وظهوره على الدين كله، وذلك علمًا منهم أن هذا الدين قادر على قيادة الحياة الإنسانية في مختلف أبعادها، وقادر على تقديم النموذج الحضاري الرباني الذي يستوعب حركة الإنسان، ويتقدم بها في ميادين الكمال المادي والمعنوي والروحي.
من هنا يبذل هؤلاء جهودًا جبَّارة لإخراج المسلمين من دينهم، لإفقادهم الميزة الأهم التي يتمتعون بها من جهة، ولجعلهم تابعين لهم من جهة أخرى، لأن تمسُّك المسلمين بدينهم يمنع أعداءهم من النيل منهم والتأثير فيهم واستتباعهم.
فالآية الكريمة تكشف رغبتهم في نزع المسلمين من مرجعيتهم العقدية والفكرية والشرعية، وجعلهم كفّارًا ضالين تائهين بلا مرجعية واضحة، ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. والحسد هنا ليس مجرد غيرةٍ بين جماعة وأخرى، ولا مجرد تنافسٍ بين جماعتين، بل موقف فكري حضاري: إنهم يرون التزام المسلمين بدينهم وقيمهم وشريعتهم، يرونه فعلًا حضاريًا مؤثِّرًا، ونموذجًا حضاريًا ملهمًا وجاذبًا، فيتمنون زوال ذلك.
وقد أشار عدد من المفسرين إلى هذا المعنى حين ربطوا الحسد بما اختص الله به المؤمنين من الهداية والرسالة، أي أن المشكلة تتمثل في رفض كثير من أهل الكتاب أن تكون هذه الحقيقة عند المسلمين.
وهنا تصبح الآية شديدة الصلة بواقعنا. ففي لبنان، يظهر هذا المنطق في بعض الخطابات الانعزالية أو الإقصائية التي تقول لنا: أنتم لا تشبهوننا. وتقول: لا يمكننا العيش معكم. وقد يبدو الشعار، في ظاهره، مجرد وصف للاختلاف الثقافي، والاختلاف في ذاته ليس مشكلة. فالمجتمعات الحية لا تحتاج إلى أن تتطابق لكي تتعايش. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول عبارة (لا تشبهوننا) من وصف للاختلاف إلى موقف استعلائي مقيت، ومن اعتراف بالتنوع إلى مطالبة الآخر بأن يتخلى عن دينه وثقافته ومرجعيته وعاداته حتى يصبح مقبولًا. عندها لا يعود المطلوب هو التعايش مع المختلف، بل إعادة تشكيل المختلف وفق رؤيتهم وثقافتهم ونظرتهم إلى الحياة ونمط العيش فيها.
يقال: نحن نريد أن نعيش، ونستمتع بالحياة، ونسبح، ونمارس حريتنا كما نريد. ولا مشكلة في أصل هذه الرغبات، فالإسلام نفسه ليس دينًا للعبوس والحزن والقنوط، ولا يحرم الإنسان من الفرح والجمال والرياضة والاستمتاع بما أباح الله.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول طريقة عيش فئة من الناس إلى معيار وحيد للحياة والحضارة، ثم يُقال للآخر بصورة مباشرة أو غير مباشرة: لكي تكون متحضرًا، ولكي تكون -في نظرهم- لبنانيًا حقيقيًا، ولكي تنتمي إلى الحياة، عليك أن تتخلى عن جزء من هويتك.
هنا ينبغي أن ننتبه إلى لعبتهم الفكرية. فقد لا تكون رغبتهم مبدئيًا في أن نقتنع بأفكارهم، بل المطلوب أن نشعر بالخجل من هويتنا. وقد لا يكون المطلوب أن نغير سلوكنا، بل إنهم يريدون أن يحقِّروا ديننا وعقيدتنا وقيمنا ونمط عيشنا. أن نبدأ بالنظر إلى جميع ذلك باعتباره عائقًا أمام الحياة الكريمة.
وهنا يصبح السؤال: لماذا يخشى هؤلاء أن نعيش نمط الحياة الذي نريده، والذي ينبثق من نظرتنا إلى الحياة والدنيا والآخرة. ما الذي يزعجهم في أن نختار لباسنا الذي يأمرنا به ديننا، أو أن نلتزم بعاداتنا؟ أو أن نربي أبناءنا على قيمنا؟ ولماذا ينبغي أن يكون التحرر من عقيدتنا شرطًا للانتماء إلى لبنان؟
إن الحضارة الحقيقية لا تقول للآخر: كن نسخة مني حتى أعترف بإنسانيتك.
بل تقول له: كن أنت، ولنتحاور حول ما نختلف فيه، ولنبحث عن المشترك الذي يجعلنا نعيش معًا.
ومن هنا فإن الآية الكريمة تمثل دعوة لنا إلى أن تكون لدينا مناعة إيمانية وعقائدية وقيمية وسلوكية، وأن نعرف أن هجوم بعض الانعزاليين علينا ناشئ من أن وجودنا المستقل يزعجهم، لأنهم لا يريدون لنا أن نكون نِدًا لهم بل مجرد تابعين. وهذا ما ينبغي للمؤمن أن يرفضه: أن يتخلى عن هويته لكي يُسمح له بأن يكون جزءًا من وطنه، وهذا لن يكون أبدًا إن شاء الله.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأربعاء الواقع في: 2/9/2026 الساعة (05:02)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ، يا شَديدُ، اشدُد أزري، وأَعِنّي عَلى أَمْري، وكُنْ لي مِنْ كُلِّ حاجَةٍ قاضِياً
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿سورة البقرة: 105﴾
تضعنا هذه الآية الكريمة أمام حقيقة نفسية وسياسية وفكرية عميقة، لا تقتصر على مرحلة تاريخية انقضت بذهاب أهلها، وإنما تكشف سنّة من سنن الصراع بين الحق والباطل، حين يتحول الاختلاف في العقيدة والفكرة إلى حسدٍ لما عند الآخر، ورفضٍ لأن يراه يتقدم أو ينهض أو يمتلك أسباب القوة والمنعة.
واللافت في الآية أنها لا تتحدث أولًا عن فعلٍ يقوم به هؤلاء، وإنما تكشف ما يختبئ وراء مواقفهم: ما يودون، وما لا يودون. فالعداء قد يبدأ من موقف نفسي، ومن رغبة في ألّا ينال الآخر خيرًا، ثم يتحول هذا الشعور إلى موقف، والموقف إلى سياسة، والسياسة إلى تدبير.
ليست المشكلة دائمًا في أن يختلفوا معنا، فليس كل اختلاف بين المسلمين وغيرهم عداوة، وليس كل مخالف في الدين أو الفكر يريد بالمسلمين سوءًا. والقرآن نفسه يميز بين الناس، ولا يجعل من مجرد الانتساب إلى دين آخر دليلًا على البغضاء والعداء.
لكن الآية تتحدث عن فئة ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، والمقصود هنا، في سياق الآية، فئةٌ اتخذت من الإسلام والمسلمين موقفًا قائمًا على الرفض والعداء، وهؤلاء معروفون في زماننا هذا، ومواقفهم من الإسلام والمسلمين واضحة لا لبس فيها، إنهم لا يودّون أن يُنَزَّل على المؤمنين خير من ربهم، وهم يعلنون ذلك، ويمارسونه في الواقع الخارجي.
إن اختلافهم العقائدي يتحول إلى حسدٍ، والحسد يتحوَّل إلى أفعال وخيارات سيئة، لأن الحاسد يتوقَّع منه كل شر، ولا ينتَظَرُ منه الخير، وهؤلاء يتجاوزون العداء النفسي إلى العداء العملي الذي يحرك مواقفهم ويؤسس لخياراتهم تجاه المسلمين، وهذه نقطة بالغة الأهمية في فهم الآية.
لقد كان انتقال الرسالة إلى محمد (ص) ونزول القرآن على هذه الأمة، حدثًا هائلًا في ميزان التاريخ. لم يتقبله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، إذ لم يكن مجرد انتقال معرفة من قوم إلى قوم، بل كان انتقالًا لأمانة الهداية والشهادة على الناس.
ومن هنا نفهم لماذا كان نزول الخير على المسلمين مصدر غيظ لبعض من رفضوا الرسالة، لأن المسألة لم تعد عندهم مقتصرة على سؤال: هل هذا الدين حق أم باطل؟ بل دخل فيها سؤال آخر أكثر خطورة: لماذا يكون هذا الخير عند هؤلاء؟
إن من أخطر ما ينبغي أن يدركه المؤمنون اليوم، لا سيما في البلدان التي تواجه عدوانًا شرسًا، عسكريًا كان أم اقتصاديًا أم إعلاميًا، أن عداوة الأعداء لهم ليست ناشئة عمّا فعله ويفعله المؤمنون، وإنما هي ناشئة من نفس وجودهم، من حضورهم وتأثيرهم وقوتهم، من استقلالهم وتمسُّكهم بمبادئهم، وإرادتهم في حماية مصالحهم، وأنهم أصحاب مشروع حضاري يتعارض مع مشروع أعدائهم، وأنهم لا يرضون أن يكونوا أدوات، ولا تابعين لأحد.
نعم، قد يكون الخلاف في الظاهر حول سياسة، أو اقتصاد، أو أمن، أو نفوذ، أو تحالفات، أو حقوق، أو مصالح، لكن وراء ذلك كله توجد إرادة أعمق لدى أعداء المؤمنين: وهي ألا يمتلك المؤمنون أسباب القوة، وألا يخرجوا من حالة الضعف، وألا يستعيدوا قرارهم، وألا يتحوّلوا إلى طرف قادر على التأثير.
وهنا ينبغي للمؤمنين ألّا يكونوا ساذجين في قراءة الواقع. وأن يعرفوا أعداءهم بدقة، وألّا يحسِنوا الظن بكلامهم المعسول الذي يُظهِرُ الحرص عليهم، أو يتباكى على ما يحدث لهم، فالأقوال لا تنبئ بالضرورة عن الأحوال الحقيقية لأعدائهم. فالقرآن يعلمنا أن نقرأ الواقع بوعي، وأن نميز بين الصديق والعدو، وبين المنافس والشريك، وبين صاحب المصلحة المشروعة وصاحب المشروع العدائي، وأن نحكم على الناس بمواقفهم وأفعالهم ومواثيقهم، لا بالأوهام والانطباعات.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 1/9/2026 الساعة (05:02)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا الله، يا قَوِيُّ، خَلَقتَ السَّماواتِ وما فِي الأَرضِ وما بَينَهُما وما فيهِما وَحدَكَ لا شَريكَ لَكَ بِغَيرِ نَصَبٍ ولا لُغوبٍ، فَقَوِّني عَلى أمري بِقُوَّتِكَ
