كتابات السيد بلال وهبي
رفتن به کانال در Telegram
1 834
مشترکین
-124 ساعت
-57 روز
+2530 روز
آرشیو پست ها
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿فُصِّلَت: 30﴾.
ما الإيمان إلا أن ينعقد قلب الإنسان على الإيمان بالله، وأن يتجلَّى إيمانه في عمله وسلوكياته ومواقفه وخياراته، ويستقيم على ذلك طوال حياته حتى يلقى الله تعالى، لا ينحرف يمينًا ولا شمالًا، ولا يبدِّل، ولا يرتد.
إن لكل حركة منطلق، وغاية، وطريق يؤدي إليها، ومتحرِّك على ذلك الطريق باتجاه تلك الغاية، وجميع هذه العناصر الأربعة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا فيما بينهما، فلا بدَّ أن تكون الغاية شريفة، البداية شريفة، والطريق إلى الغاية شريفًا، والمتحرِّك على ذلك الطريق يكتسب الشرف من المنطلق والغاية والطريق، وكلما استقام الطريق واستقام السالك عليه كان الوصول إلى الغاية أسرع وأسلم.
إن المؤمن متحرك بلا شك، له منطلق ينطلق منه، وغاية يتجه بكله إليها، وحركته واعية راشدة، يخطو على هدى ونور من ربه، ويمشي على صراطه المستقيم، فالله هو المنطلق وهو الغاية، الله خالقه، ومالكه، وربه، والقرب من الله بالتمثُّل بصفاته والتخلُّق بأسمائه الحسنى هو الغاية التي ينشدها، وهذا ما اختصره قوله تعالى: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿البقرة: 156﴾. والاستقامة هي السِّمة الرئيسية من سمات المؤمن، فمن دونها يفقد الإيمان مضمونه إِذْ لا إيمان مع انحراف واعوجاج، ولهذا وجدنا الله تعالى يأمر رسوله والمؤمنين بها، قال سبحانه: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿هود: 112﴾.
وما الدعوة إلى الاستقامة إلا لأنها شرط لصلاح الفرد والجماعة، وصلاح الدنيا والآخرة، فلا حياة طيِّبة ولا آخرة طيِّبة من دونها، قال تعالى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴿الجن: 16﴾.
وإنما كانت الاستقامة هي روح الإيمان الحقيقي، لأن الإيمان ليس موقفًا عابرًا، وإنما هو عهد يمتد مع الإنسان في جميع أحواله، في الرخاء والشِّدّة، وفي القوّة والضعف، حتى يلقى الله تعالى، ولذلك قال النبي (ص) في جواب ذلك الصحابي الذي قال له: حدِّثني بأمر أعتصم به، "قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ". فجعل الاستقامة التطبيق العملي المستمر للإيمان.
والمستقيم على صراط الله منسجم مع ذاته وعقيدته، فلا يعيش ازدواجية، ولا تناقضًا ولا يختلف باطنه عن ظاهره، فلا يكون له دين في المسجد، ودين آخر في السوق، ولا يكون له أخلاق مع قوم وأخلاق أخرى مع قوم آخرين، بل تتوحد شخصيته كلها تحت ربوبية الله تعالى.
وأعظم مظاهر الاستقامة الثبات عندما تتغير الظروف، وتهتز الأوضاع، ويشتد البلاء، وتتزاحم المغريات، ويكثر المتخاذلون، ويزداد المُخَذِّلون.
الآية الكريمة التي بين أيدينا تحدثنا عن تلكم الحياة الطيبة التي ينعم بها المستقيمون على صراط الله، وعن العناية العظيمة التي يشملهم الله بها، فتقول: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ" حيث تذكر أن الله سبحانه يوكِّل طوائف من ملائكته الكرام بالتَّنزُّل عليهم طائفة بعد أخرى، وبشكل مستمر ومتواصل تبشرهم بالجنة، التي وعدهم الله بها بسبب استقامتهم، وتلقي في قلوبهم الأمان والطمأنينة، وتهتف في أسماعهم ألّا يخافوا ولا يحزنوا، لا يخافون من شيء يأتي به القدر في مستقبلهم، ولا يحزنون على شيء فاتهم، أو خسروه، أو فقدوه.
فالآية تقرّر أن أعظم ما يحتاج إليه الإنسان هو الطمأنينة والسكينة النفسية، وهذه نعمة كبرى مجهولة، وهي من أهم الحاجات التي يحتاجها الإنسان، ويقدمها على سواها من الحاجات، وفي ذات الوقت يكره الخوف والحزن، فإذا استقام اطمأن، وأمِنَ من الخوف والحزن، فلا يخاف مما هو آتٍ، ولا يأسى على ما فات، لأنه يعلم أن تدبير الله خير من تدبيره لنفسه.
ختامًا من المفيد أن أشير إلى خطوات عملية تساعدنا على الاستقامة، وذلك بأن نجعل منها برنامجًا يوميًا لنا، من خلال تجديد العهد مع الله كل صباح، ومراجعة أعمالنا كل مساء، وسؤال أنفسنا: هل استقمنا فيما عملنا وقلنا واخترنا، والمبادرة إلى التوبة والرجوع إلى الصراط المستقيم إذا ما وجدنا انحرفًا، والمداومة على الطاعات ولو قلَّت، وطلب مرضاة الله في كل شيء.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الجمعة الواقع في: 10/7/2026 الساعة (04:16)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ يا جَبّارُ، بِقُوَّتِكَ أعِنّا عَلَى الجَبّارينَ، وَاجبُرْنا يا جابِرَ العَظمِ الكَسيرِ، فكُلُّ جَبّارٍ خاضِعٌ لَكَ.
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴿الأحزاب:43﴾
ما أعظم رأفة الله ورحمته بعباده الذين يذكرونه في ليلهم ونهارهم، في العَشِيّ والإبكار، إنها لرحمة عظيمة لا يكاد إدراك الإنسان يتصورها، وهو يعلم أن هذه الأرض ومن عليها وما عليها إن هم جميعًا إلا ذرة صغيرة زهيدة بالقياس إلى تلك الأفلاك الهائلة، وجميعها يسبِّح الله بتكوينه كسائر الجمادات والنباتات والدواب التي تدب على الأرض، وبجَنانه ولسانه كالإنسان العاقل المنفتح على الله، العارف بعظمته وكبريائه وقُدسه وجلاله وكماله، فيذكره ويسبحه ويحمده ويُثني عليه ويعترف له بالفضل والإنعام ويشكره على ذلك، فيقابله الله بالذكر، فقد وعد أن يذكر من يذكره، فقال سبحانه: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴿البقرة: 152﴾.
نعم، إن الله يصلّي على ذاكريه من عباده، وصلاته عليهم رحمة خاصة منه بهم، وتتجلَّى بزيادة هداهم هدىً على هدىً، وإرشادهم إلى سُبُل الخير والفلاح، وبتسديدهم فيما يختارون لأنفسهم، وتأييدهم في ميادين صراعهم مع الباطل، وإنزال النصر عليهم، وأن يكون معهم في كل شأن من شؤونهم، كما كانوا مع ربهم.
(هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ)، والصلاة من الله رحمةٌ مقرونةٌ بالعناية والإكرام، والثناء في الملأ الأعلى، والاصطفاء، وإدامة أسباب الهداية، رحمة متجدِّدة، لا تنقطع آثارها ما دام العبد مقبلًا على ربه، فالمؤمن يعيش في ظلال عناية ربانية متصلة تحيط به، وتحرسه، وتسوقه إلى كماله شيئًا فشيئًا.
وإنما يُصلي الله على خاصَّة أوليائه وملائكته ليخرجهم من الظلمات، ظلمات الجهل، والكفر، والضلال، وظلمات الظلم والفساد، وظلمات الشهوات والأهواء، يخرجهم من كل تلك الظلمات إلى نور الإيمان، والعلم، والتقوى، والصلاح، والأمن، ويُحسِن إليهم، ويرضى عنهم، ويرفع درجاتهم، ويقرِّبهم منه، ويختصُّهم بفضله ورأفته.
إنَّ الذي يُهلِك الإنسان أن يكون في غياهب الظلمات، فمعها لا يهتدي إلى شيء، فيقضي حياته تائهًا لا يبلغ غايته، فالله يخرجه من تلكم الظلمات، ينقذه ويُخلِّصه، ويحرِّره من كل القيود التي تكبِّله، ومن الأغلال التي تمنعه من الانطلاق في رحاب تكامله الإنساني.
وفي تقديم الصلاة على الإخراج من الظلمات في الآية الكريمة إشارة إلى أن الهداية ليست ثمرة اجتهاد الإنسان وحده، وإنما هي قبل ذلك فضل من الله، يبدأ برحمته، ثم يفيض بنوره، ثم يُيَسِّر لعبده سلوك سبيله، فكل هداية إنما هي أثر من آثار صلاة الله على عبده، كما أن كل خذلان إنما هو انقطاع عن هذا الفضل العظيم.
ومن لطائف الآية الكريمة أن الله جمع بين صلاته وصلاة ملائكته، مع أن صلاة الله غير صلاة الملائكة، فصلاة الله رحمة وثناء وإكرام، وصلاة الملائكة دعاء واستغفار، ليجتمع للمؤمن خير السماء كله، رحمة من ربه، ودعاء من ملائكته، فهؤلاء الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم، قد سخّرهم الله للعناية بالمؤمنين، يدعون لهم، ويستغفرون لهم، ويحفظونهم بأمر ربهم، ويثبتونهم في مواطن الفتنة والابتلاء، فيا لها من منزلة يرفع الله إليها أهل الإيمان، وكفى بذلك كرامة لعبد ضعيف يسير على الأرض، بينما يذكره أهل السماء، وتحيط به دعواتهم، وهو لا يشعر.
وإنها والله لبشارة عظيمة، لمن يؤمن بالله حق الإيمان، ويذكره حق الذكر، ويشكره حق الشكر، ويعترف له بالفضل، ونعمة ويا لها من نعمة! أن يذكر الله هؤلاء العباد الضِّعاف المحاويج الفانين، الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا بقاء لهم ولا قرار في الدنيا، يذكرهم، ويُعنى بهم، ويصلي عليهم هو وملائكته، ويذكرهم بالخير في الملأ الأعلى فيتجاوب الوجود كله بذكرهم، كما قال رسول الله (ص): قَالَ اللهُ تَعَالَى: "مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ".
وختم الله الآية بقوله: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)، ليجعل هذه الرحمة وصفًا ثابتًا لكل من تحقق بالإيمان في كل زمان ومكان، فلا تختص بجيل دون جيل، ولا بقوم دون قوم، وإنما هي سنة ربانية جارية مع كل مؤمن صدق إيمانه.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 9/7/2026 الساعة (04:15)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ يا قُدّوسُ أنتَ الطّاهِرُ المُقَدَّسُ، فَطَهِّر قَلبي وفَرِّغني لِذِكِركَ، وعَلِّمني ما يَنفَعُني، وزِدني عِلماً إلى ما عَلَّمتَني
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴿الأحزاب: 23﴾
إذا كان من المؤمنين ضعافًا في إيمانهم، يخافون لقاء العدو، ويجبنون عن قتاله، فيولون الأدبار فرارًا من المعركة، وإذا كان فيهم منافقون مندسون في الصفوف يجبنون عن القتال ويُجَبِّنون عنه، فإن من المؤمنين رجال يصدقون عهدهم مع الله في قتال الطغاة والظالمين، والدفاع عن المستضعفين المقهورين، وفي الذود عن حياض الوطن والحق والعدل، والصبر في اللأواء والبأساء والضَّرّاء وحين البأس.
فمنهم من يقضي نحبه في سبيل الله، والنحب: النَّذْرُ المحكوم بوجوبه، يقال قضى فلان نحبه: أي وفى بنذره، والمراد به انقضاء الأجل، أي من هؤلاء الرجال من مات، وهو على إيمانه الوثيق بالله، وفي ميادين الجهاد في سبيل الله، قد وفى بما نذره لله، وعاهد الله عليه.
ومنهم من ينتظر قضاء الله فيه، موتًا أو استشهادًا في ميدان القتال، فهو على ترقُّبٍ وانتظار لليوم الذي تتاح له فيه الفرصة للوفاء بنذره وعهده، فهو في شوق إلى هذا اللقاء، يعد له اللحظات، ويستطيل أيام الحياة الدنيا في طريقه إلى ربه، شأن من ينتظر أمرًا محبوبا هو على موعد معه.
وكلا الفريقين الذين يقضون نحبهم، والذين ينتظرون قضاء الله فيهم، لا يبدلون قناعاتهم ولا يبدلون خياراتهم، ولا ينقضون عهدهم مع الله تعالى، فإيمانهم بالله ويقينهم بلقائه لم يزايل مكانه من قلوبهم لحظة، ولم ينحرف عن موضعه أيّ انحراف، فهم على حال واحدة من أمر ربهم، ومن الثقة بما وعدهم الله.
إن الصدق مع الله من أهم أركان الإيمان، وعليه تقوم علاقة المؤمنين بربهم، فهو منهج حياتهم، يبدأ من صدق الإيمان كفعل قلبي، ويظهر في صدق أفعالهم وأقوالهم، ويتجلّى في صدق مواقفهم، حتى يصبحوا ثابتين على الحق، لا تغيِّرهم الشدائد، ولا تفتنهم المغريات، ولا تصرفهم الضغوط عن طريقهم.
وما أحوج الأمة في زمن الفتن، واختلاط الحق بالباطل، واختلال الموازين، إلى هذا المعنى العظيم، فإن الثبات اليوم ليس في ساحات القتال وحدها، وإنما هو كذلك في الثبات على الحق حين يكثر المساومون عليه، والثبات على القيم حين يهون شأنها في أعين الناس، والثبات على الأمانة حين يشيع الغِش، والثبات على العدل حين يغلب الهوى، والثبات على كلمة الحق حين ترتفع كلفة قولها، فكل ذلك من الوفاء بالعهد الذي أخذه الله على المؤمنين، وإن كان من أعظم تجلياته أن يجاهدوا عدوه وعدوهم في ميادين القتال، وأن يثبتوا أمامه لا يولون الأدبار، ولا يُحَدِّثون أنفسهم في فرار، حتى يلاقوا إحدى الحسنيين إمّا النصر وإمّا الشهادة وهي الوسام الرباني الذي لا يعلوه وسام.
وإنَّ أخطر ما يواجه المؤمنين اليوم التبديل في قناعاتهم ومواقفهم وخياراتهم، لأن التبديل في سياق الآية الكريمة يعني الانتقال من الحق إلى غيره، وتغييرًا للمبادئ تحت ضغط الخوف، أو إغراء المنفعة، أو طلب السلامة، ولذلك لم يمدح الله هذا البعض من المؤمنين بكثرة أعمالهم، وإنما مدحهم بثباتهم، لأن الثبات هو الامتحان الذي يخضعون له، والذي يكشف صدق إيمانهم من عدمه.
ومن لطائف الآية أنها جمعت بين من سبق إلى ربه، ومن بقي ينتظر أمر الله فيه، فساوت بينهما في أصل الفضل، ما دام العهد محفوظًا، والقلب ثابتًا، والنهج مستقيمًا، وفي ذلك تسلية لكل عامل مخلص لم يدرك ثمرة عمله، أو طال عليه زمن الابتلاء، فإن قيمة الإنسان عند الله بصدقه في السير إليه، وبأن يبقى أمينًا على النهج حتى آخر لحظة من عمره.
والانتظار الذي أثنت عليه الآية ليس انتظارًا سلبيًا، وإنما هو انتظار العاملين، الذين يواصلون أداء واجبهم، ويعمرون الأرض بالخير، ويُعِدُّون القوة، ويصلحون ما استطاعوا إليه سبيلًا، ويورثون الثبات للأجيال من بعدهم، فهو انتظار مقرون بالعمل، لا انتظار العاجزين والمتقاعسين.
وإذا كانت الأمم تُبنى بالقدرات، فإنها لا تبقى إلا بالوفاء، لأن الحضارات قد تمتلك المال والقوة والعلم، ثم تنهار حين يشيع فيها نقض العهود، أمّا الأمة التي يحفظ رجالها عهد الله، فلا تهزمها المحن وإن أصابتها نكسات، لأن سر بقائها في ثبات قيمها قبل ثبات جيوشها، وفي سلامة ضميرها قبل كثرة عددها.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 7/7/2026 الساعة (04:10)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
يا اللهُ يا مالِكَ المُلْكِ، مِن مُلكِكَ أطلُبُ، ومِن خَزائِنِكَ الَّتي لا تَنفَدُ أسأَلُ، فَأَعطِني مُلكَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، فَإِنَّهُ لا يُعجِزُكَ ولا يَنقُصُكَ شَيءٌ.
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿الأحزاب: 22﴾
هكذا هم المؤمنون بالله الموقنون بأنهم في رعايته وعنايته، لا تخيفهم الحشود، ولا تهزهم العواصف، ولا ينال من عزيمتهم تهويل ولا تخويف، هؤلاء هم، وتلك هي صفتهم يوم يتكالب عليهم الناس، ويحتشد الطغاة لقتالهم، لا يقلقون، ولا يتوترون، ولا يخرجون عن طورهم، ولا تُرهِبهم كثرة عدوهم، ولا يضعف يقينهم بالله تعالى، ولو كانوا يفقدون الشهيد تلو الشهيد، بل يزدادون إيمانًا ويقينًا، يقومون بما يقدِرون عليه، ويفوِّضون أمرهم لله، ويسلّمون لمشيئته.
هؤلاء هم المؤمنون الذين تتحدث عنهم الآية الكريمة، وتقدمهم أسوة وقدوة لمن يأتي من بعدهم، حين رأوا الأحزاب وقد احتشدوا لقتالهم من كل أنحاء الجزيرة العربية، يتقدمهم المقاتل المعروف ببسالته وشجاعته عمرو بن ود العامري، ويعينهم في حربهم اليهود من أهل المدينة، والمنافقون، ناهيك عن الأكثرية الخائفة من المسلمين يومذاك، هؤلاء المؤمنون لم يَهِنوا في ذلك الظرف الصعب، ولم يضعفوا، ولم يفزعهم الموت المطل عليهم من كل مكان، فالموت في هذا الموطن هو أمنيةٌ لهم كانوا يتمنونها على الله، ويقدمونها ثمنًا لإعزاز دين الله، وإعلاء كلمة الله، ولهذا فإنهم حين رأوا الأحزاب، رأوا فيهم تحقيق ما وعدهم الله ورسوله به، من الابتلاء والبلاء على طريق الجهاد في سبيل الله، فالمؤمنون على طريق الجهاد دائمًا، وعلى توقّع الصدام مع العدو، الذي يتربّص بهم وبدينهم الدوائر، والمؤمن في مرابطة مستمرة، لحماية دين الله، ولدفع ما يُرمى به من سوء، ورَدِّ ما يُراد به من كيد.
إذا نحن أمام صنف من المؤمنين لا يتزلزل يقينهم بالله وبوعوده حين تتكالب عليهم طغاة الأرض، ولا يشكون في تفريج كربهم، وإخراجهم من ضيقهم، وإنزال النصر عليهم، هذا الصنف يقابلهم صنف آخر ينهار إيمانهم عند أول المواجهة، وتهجم عليهم الظنون السيئة بالله تعالى، وقد يتهمونه سبحانه بأنه لم يحقق لهم ما وعدهم به من النصر، وأنه يغرر بهم والعياذ بالله، وينطلقون يبثُّون الخوف فيمن حولهم، ويبررون لأنفسهم التخلُّف عن المؤمنين في معركتهم مع أعدائهم، ثم يولّون الأدبار ويفرون بعيدًا، فإذا كانت الجولة للمؤمنين، وأنزل الله نصره عليهم، عادوا إلى المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وضحوا في سبيله حتى أنعم عليهم بالنصر، جاؤوا إليهم وشاركوهم في غنائم النصر المعنوية وحتى المادية.
إن المنافقين وضعيفي الإيمان يتلقون وحي الله ووعوده بواقعهم المضطرب، فإذا أصيبوا بنكسة، أو خسارة، شكّكوا في الوعد الإلهي، وبدل أن يسألوا أنفسهم عن تقصير أو قصور كان منهم فإنهم يسألون: أين وعد الله؟ بينما المؤمنون الحقيقيون ينظرون إلى الواقع بعين الله تعالى، وبقلب ملؤه اليقين بوعد الله، فإذا رأوا جموعًا جرّارةً فإنهم يرون وعد الله يتحقق، وإذا ضاقت عليهم الأحوال، واشتدت الخطوب، لم يسألوا: أين وعد الله، بل يقولون: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وهذا ما أخبرانا به، وهكذا يبقى الوحي عند المؤمن هو الميزان الذي يزن به الأحداث، لا الأحداث هي التي يزن بها الوحي.
إن الإيمان الصادق ليس كلمة تقال في زمن الرخاء، وإنما حقيقة تنمو تحت وطأة البلاء، فكلما ازدادت المحنة اشتدادًا، ازداد القلب تعلُّقًا بالله، وكلما ضاقت الأسباب، اتسعت الثقة بمسبب الأسباب، وكلما ضعفت قدرة العبد، قويت صلته بربه، وإذا انقطعت به الحيل، ازداد يقينه بأن تدبير الله خير من تدبيره لنفسه.
وكل ما يجري على المؤمنين في صراعهم مع عدوهم لا يبعدهم عن الله، ولا يشككهم بوعود الله ولو أصابهم ما أصابهم من خسائر في الأنفس والثمرات، بل يزيدون إيمانًا وتسليمًا، فلا يعترضون على الله تعالى حين يسقط منهم شهيد، أو يدمَّر لهم منزل، أو يخسرون مالًا، بل يعترضون على القاتل المجرم، وعلى السَّفَّاح الفاجر، ويدركون أن العاقبة ستكون لهم في نهاية الجولة.
ختامًا أقول: أهمّ درس نستلهمه من الآية الكريمة، أن الحرب ليست بالسلاح فقط، بل تختلف أدواتها، ومنها ما يكون أكثر فتكًا من السلاح، ومن تلك الأدوات بثُّ الشائعات، ونشر الخوف في النفوس، والتأثير في القلوب بزرع اليأس فيها، وإقناع الناس أن الهزيمة واقعة لا محالة، لذلك على المؤمن أن يحافظ على قلبه ويحرسه من الخوف والترهيب كما يحرس أي ثغر من العدو، لأن العدو إذا تمكن من قلبه هان عليه كل شيء.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الإثنين الواقع في: 6/7/2026 الساعة (04:03)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
اللّهُمَّ تَعَطَّف عَلى ضُرّي بِرَحمَتِكَ، وجُد عَلَيَّ بِجودِكَ ورَأفَتِكَ، فَإِنَّكَ الشَّفيقُ الرَّفيقُ، ومَن لَجَأَ إلَيكَ فَقَدِ استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقى وَالرُّكنِ الوَثيقِ
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿18﴾ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿الأحزاب: 19﴾.
إن الله يعلم المعوِّقين الذين يسعون بالتخذيل في صفوف المؤمنين، ويدعون الناهضين إلى جهاد العدو دفاعًا عن دينهم وأعراضهم وأموالهم وطنهم، يدعونهم إلى القعود عن الخروج، لا يريدون أن يخرجوا للدفاع عن الوطن، ولا أن يخرج غيرهم، فيزيِّنون لهم القعود والخنوع، وقبول الأمر الواقع، والاستسلام، رغبةً في الحياة حتى ولو كانت حياة بهيمية غايتها القصوى الأكل والشرب والنوم والاستمتاع، هؤلاء يعلمهم الله، ويعلمهم المؤمنون، فهم مكشوفون، ومكرهم مكشوف، ونفاقهم لا يمكنهم إخفاؤه طويلًا، وخوفهم يظهر على وجوههم في أول جولة من الحرب، وتواطؤهم مع الأعداء تُظهره سماتُهم وفلتات ألسنتهم.
هؤلاء هم المنافقون ومن على شاكلتهم من مرضى القلوب، الذين لا يكتفون بالقعود، بل يعوِّقون غيرهم، يقدمون التعويق والتثبيط بلسان الناصحين المشفقين الذين يريدون الخير للناس، ويكرهون لهم العناء والمشقة والقتل والدمار، ولكنهم كاذبون مخادعون، الأمر الذي يوجب على المؤمنين عدم الاستماع إليهم، لأن موقفهم يصب في مصلحة العدو أرادوا ذلك أم لم يريدوا، فلا نفع فيهم، ولا مصلحة في الرهان عليهم بشيء، فإنهم حتى لو خرجوا إلى الحرب مع المؤمنين لأوضعوا خلالهم يبغونهم الفتنة، وأضعفوا رأيهم، ونفثوا سمومهم بينهم، يخوضون الحرب بنفوس مريضة، وقلوب واجفة، وأبصار زائغة، وإذا بدأت الحرب، واحتدم القتال، انخلعت قلوبهم من صدورهم من شدة الخوف، ودارت أعينهم من الرعب كالذي يشرف على الموت، حتى ليراهم الناظر إليهم بصورة تثير في نفسه السُّخرية، أما إذا توقفت الحرب، وذهب الخوف، فتراهم يخرجون من جحورهم، ويطلقون العنان لألسنتهم فتقول في المؤمنين كل بهتان من القول وخبيث من الكلام، فالمنافقون أحَدُّ الناس أَلْسِنَةً، وأكثرهم قولًا، وأقلّهم فعلًا، بعد انقضاء الشدائد تتحول عندهم المعركة إلى كلام، فيصبحون خبراء في النقد، شجعانًا في الاتهام، يوزِّعون التهم يمينًا وشمالًا، ويحصون الأخطاء، ويصورون كل تضحية على أنها حماقة، وكل مقاومة على أنها تهوُّر، وكل إنجاز على أنه مصادفة، فإذا انتصر المؤمنون نسبوا النصر إلى غيرهم، وإذا أصابتهم شدة جعلوها دليلًا على بطلان طريقهم، فلا يكاد لسان أحدهم يعرف الإنصاف أبدًا.
وهم أشحة على المؤمنين، يضنون عليهم بأي جهد يبذلونه في سبيل النصر وكسب المعركة، بخلاء يمسكون أيديهم عن أي معونة ولو قلَّت، مالًا كانت، أو عملًا، أو مساندة نفسية، أو مساندة إعلامية، أَشِحّة عليهم في كل شيء. إنهم أسخياء في الثرثرة واللغو والباطل من الحديث، على حين أنهم أشحّاء على الخير قولًا وعملًا، فلا ينطقون بقولة حق يقولونها، ولا ينطقون بكلمة خير.
إن التعويق الذي تحدثت عنه الآية الكريمة ليس مقصورًا على تثبيط عزائم المجاهدين، وتنفيرهم من جهاد العدو، بل هو سنَّة من سنن النفاق تتخذ في كل عصر صورة تناسبه، فحيث تكون معركة الأمة عسكرية يكون التعويق بالدعوة إلى الاستسلام، وحيث تكون معركتها فكرية يكون التعويق بإشاعة الشكوك والشبهات، وحيث تكون معركتها اقتصادية يكون التعويق بتثبيط الهمم عن العمل والإنتاج، وحيث تكون معركتها إعلامية يكون التعويق بتضخيم قوة العدو، والإكثار من الحديث عن إمكانياته وقدراته، والتقليل من هول جرائمه، وتضخيم خسائر المؤمنين، والبحث عن أخطائهم وهفواتهم، والاستهانة بقوتهم، وجعل الهزيمة أمرًا محتومًا، والنصر حلمًا مستحيلًا، وبثِّ اليأس في النفوس، حتى لا يبقى في القلوب أمل بالنصر، ولا ثقة بوعد الله.
ومن أخطر ما يميز المعوِّقين أنهم من أبناء الأمة لا من خارجها، يتكلمون بلغتها، ويرفعون شعاراتها، ويتزينون بلباس الحرص عليها، ولذلك كان خطرهم أعظم من خطر العدو الظاهر، لأن العدو الظاهر يدفع الناس إلى الحذر والاستعداد، أما هؤلاء فيخدعونهم باسم الحكمة، أو الواقعية، أو المحافظة على الأرواح، أو تجنب الخسائر، حتى إذا استجاب لهم الناس انتهوا بهم إلى أعظم الخسائر، إذ لا خسارة أعظم من ضياع الحق، واستسلام الأمة لعدوها، وفقدانها إرادة المقاومة.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأحد الواقع في: 5/7/2026 الساعة (04:00)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
اللهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يُطيعُكَ ويَقومُ بِأَمرِكَ وحَقِّكَ، ولا يَغفُلُ عَن ذِكرِكَ، ولا يَتْرُكُ شُكْرَك، ولا يَنْسَى فَضْلَكَ.
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ﴿الأحزاب: 14﴾
تكشف لنا هذه الآية الكريمة واحدة من طبائع المنافقين الذين يندسون في صفوف المؤمنين والأحرار، فيُظهِرون الولاء لهم، ويبطنون العداوة والبغضاء، ويكونون مستعدين دائمًا للانخراط في المشاريع التي تستهدف المؤمنين، والسير في أي فتنة، سواء كانت فتنة دينية، أو اجتماعية، أو سياسية، وعليه، فالآية وإن نزلت في شأن المنافقين من أهل المدينة، إلّا أنّها تنبهنا إلى سُنَّة من سنن الله في الاجتماع البشري، تكشف طبيعة الإنسان عندما يختل ميزان القِيَم عنده، ويجعل النفاق منهجًا يقيم عليه حياته، بحيث يصبح لديه استعداد دائم للاستجابة لفتنة والانخراط فيها.
لقد نزلت هذه الآية الكريمة في سياق آيات تحدّثت عن معركة فاصلة في تاريخ المسلمين، أعني بها معركة الخندق، أو حرب الأحزاب، وقد كان للمنافقين دور رئيسي فيها، فقد تعهّدوا الحرب النفسية والإعلامية، وتأليب الناس على رسول الله (ص) ومواقفه، وخلق الوهن والضعف في صفوف المسلمين، حيث كانوا يحاولون إقناع المسلمين بالرجوع إلى المدينة وترك النبي (ص) وحيدًا في مواجهة الأعداء، وكانوا يأتون رسول الله يطلبون منه الإذن لهم بالرجوع إلى المدينة وترك القتال، بحجة أنهم يخافون على بيوتهم من السرقة، وهم كاذبون في ذلك، فجاءت هذه الآية لتكشف جانبًا من الطبيعة الخبيثة لهذا النوع من البشر، وهو أنهم لو دخلت الأحزاب المعادية من المشركين عليهم من جوانب بيوتهم ثم طلبوا منهم أن يرتدوا عن دينهم، أو ينخرطوا في إيقاد نار الفتنة بين المسلمين، لسارعوا إلى ولم يتأخّروا أبدًا، والتعبير القرآني عن هذه الحالة في منتهى الروعة، حيث قال: (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا) فهم لا يقعون في الفتنة مكرهين وغير مريدين لها، بل ينخرطون فيها ويدعون لها بوعي وإدراك، ويبادرون إليها عن قناعة بها، ولا يترددون، ولا يناقشون، ولا يقاومون.
لقد احتمل المفسرون معاني عديدة للمقصود من الفتنة، فمنهم من رأى أنها الارتداد عن الدين والرجوع إلى الشرك، ومنهم من رأى أنها التخلُّف عن رسول الله (ص)، ورأي ثالث أنها الانضمام إلى الأحزاب المحتشدة لقتال النبي (ص)، ورأي رابع أنها تعني إثارة الاضطراب الداخلي في المجتمع الإسلامي، وهي جميًعا ترجع إلى حقيقة واحدة، وهي: تقديم الباطل على الحق في اللحظات المصيرية، وخلق الاضطراب الفكري والنفسي، وإيقاع الخلل في الصفوف.
والمنافقون يستجيبون بسرعة للفتنة حين يُسأَلونها، وينخرطون فيها من دون تريّث، والسبب الذي يدعوهم إلى ذلك هو أنها تحقِّق ما يرغبون فيه، فهم يرون في الفتنة الوسيلة الأجدى لتحقيق أهدافهم، فالفتنة عندهم ليست حدثًا طارئًا، بل قابلية متأصِّلة فيهم، وهذا ما يؤكِّده القرآن الكريم، فهو لا يتحدث عن الفتنة بوصفها شيئًا خارجًا عنهم، بل بوصفها استعداد نفسي فيهم، لذلك هم ينتظرونها، ويسارعون إليها ويرحبون بها.
ولا عجب، فالعلاقة بين النفاق والفتنة علاقة عضوية، فالنفاق ليس كذبًا فقط، بل هو في ذاته فتنة، وهوية مزدوجة، يخفي المنافق جانبًا منها ويظهر الجانب الآخر تبعًا لمصلحته، فإذا حدثت أزمة كشفت عن مكنونه الحقيقي، وأظهرت ما كان يخفيه.
والفتنة وإن كانت لها مظاهر عديدة، إلا أن أعظمها يبدأ من فتنة الاشتباه، فتنة التسليم للشبهات، حيث يلتبس الحق بالباطل، ويُزَيَّن الانحراف بثوب الهدى، والفساد بثوب الصلاح والاصلاح، والمتساقطين في هذا النوع من الفتنة أكثر بكثير من الذين يسقطون في الفتن ذات الطابع العسكري، لأن المستهدَفين في فتنة الشبهات والتضليل عموم الناس، بينما المستهدَفين في الفتن ذات الطابع العسكري أو الاجتماعي قد ينحصرون في فئة أو فئات.
ولذلك تعلمنا الآية الكريمة، "وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا" أن المجتمع قد يسقط دون أن يخوض معركة عسكرية، إذ يكفي أن ينفذ العدو إلى إدراكه، فيحتَلَّ وعيه، أو يسيطر على إعلامه فيغير معاييره وقيَمه، ويعيد تعريف الخير والشر، والحق والباطل، كما يحصل تمامًا اليوم، حيث يصبح الاحتلال الغاشم شرعيًا وتصبح مقاومته إرهابًا وخروجًا على القانون، في مثل هذا الوضع ينخرط الناس في الفتنة بإرادتهم، ويشاركون في التسبب بها.
لقد ابتلينا في عالمنا العربي، وفي لبنان بشكل خاص، بصنف من الناس يعتاشون على الفتنة، ويربطون بقاءهم بالفتنة، ويسارعون إلى الانخراط فيها من حيث أتت، بل ويحرِّضون عليها، دون وازعٍ من ضميرٍ، ودون خوف من محاسبة أحد لهم، ولكن الله وعباده لهم بالمرصاد، ولن تطول الأيام حتى يقعوا في مكرهم الذي يمكرون.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
اللهُمَّ عَلَيكَ تَوَكَّلْنا وَاعْتَمَدْنا، فَأَكْرِمْنا بِكَرامَتِكَ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنا رَحْمَتَكَ وَبَرَكاتِكَ، وَقَرِّبْنا مِنْ جِوارِكَ، وَأَلْبِسْنا مِنْ مَهابَتِكَ وَبَهائِكَ، وَأَنِلْنا مِنْ رَحْمَتِكَ وَجَزيلِ عَطائِكَ.
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴿الأحزاب: 12﴾
نعم هذا ما قاله المنافقون وضِعاف الإيمان من غير المنافقين: ما وعدنا الله ورسوله من الظفر والنصر على العدو إلا وعدًا باطلًا، إلا أكاذيب وأباطيل، وخداع وتغرير، قال ذلك حين أقبلت الأحزاب بجيوشها وحاصرت المدينة، وبلغت قلوب أكثر المسلمين الحناجر من الخوف.
لقد وعدهم الله بالنصر، وكشف لهم رسول الله (ص) عن فتح قريب، وغلبة حتى على من كانوا خارج الجزيرة العربية، وأن الله تعالى سيفتح للمسلمين بلاد فارس والروم، وقد ذكر المؤرخون الذين أرَّخوا لمعركة الأحزاب: أنه بينما كان المسلمون مشغولين بحفر الخندق، اصطدموا بصخرة صلدة لم يؤثِّر فيها أيُّ معول، فأخبروا النبي (ص) بذلك، فأتى بنفسه إلى الخندق ووقف إلى جانب الصخرة، وأخذ المعول، فضربها أول ضربة قوية فانصدع قسم منها وسطع منه برق، فكبر النبي (ص) وكبر المسلمون، ثم ضرب الصخرة ضربة أخرى فتهشّم قسم آخر منها، وسطع منه برق أيضًا، فكبَّر النبي وكبَّر المسلمون، وأخيرًا ضرب النبي (ص) ضربته الثالثة، فتحطّم الباقي من الصخرة وسطع منه برق، فكبّر النبي (ص) ورفع المسلمون أصواتهم بالتكبير، فسأل سلمانُ النبيَّ عن ذلك، فقال (ص): "أَضَاءَتْ لِيَ الْحِيرَةُ وَقُصُورُ كِسْرَى فِي الضَّرْبَةِ الْأُولَى، وَأَخْبَرَنِي جِبْرَئِيلُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، وَأَضَاءَ لِي فِي الثَّانِيَةِ الْقُصُورُ الْحُمْرُ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَالرُّومِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، وَأَضَاءَ لِي فِي الثَّالِثَةِ قُصُورُ صَنْعَاءَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، فَأَبْشِرُوا". فاستبشر المسلمون.
فنظر المنافقون إلى بعضهم وقالوا: ألا تعجبون؟ يعدكم الباطل ويخبركم أنه ينظر من يثرب إلى الحيرة ومدائن كسرى وأنها تُفتَحُ لكم، وأنتم لا تستطيعون أن تبرزوا؟ فأنزل الله الآية الكريمة.
فهذه حال من تلك الأحوال التي عرضت للمسلمين يومئذ، وهي أن المنافقين ومن في قلوبهم مرض من المؤمنين، قد كانوا من الذين ظنوا بالله ظنَّ السَّوء، فكان قولهم في مواجهة هذا الابتلاء، هو الاتهام لله تعالى ولرسوله وتكذيبهما، وهكذا تكشف الشدائد والمِحن عن معادن الناس، وعن مكنونات ضمائرهم، وما تخفي صدورهم.
وإذا كان المنافقون قد قالوا ذلك ويقولونه الآن من باب التهويل والتخذيل وتثبيط العزائم، والعمل على التأثير في إدراك الناس، فإن ضعاف الإيمان لا يقلّ تأثيرهم عن تأثير المنافقين، لأن سوء ظنّهم بالله وبعباده، ورعبهم، وخوفهم من المواجهة، يساهم كذلك في تثبيط الناس وزرع الخوف في نفوسهم، وتأليبهم على قيادتهم الشرعية الحكيمة، مما قد يؤدي إلى هزيمة المؤمنين الصادقين الموقنين بأن وعد الله لهم محقق لا محالة، وأن النصر آتٍ لهم قطعًا وإن تأخر في حسابات المؤمنين، فإنما يتأخر حتى تُستكمَل أسبابه التي قدَّرها الله سبحانه.
لقد كان اعتراض ضعاف الإيمان ناشئًا من ضعف يقينهم بالله تعالى وبقدرته، والإنسان إذا امتلأ قلبه بالخوف تضيق رؤيته، فلا يعود ينظر إلى قدرة الله، وإنما إلى قوة عدوه، ولا يقيس الأحداث بميزان الوحي، وإنما بميزان الحسّ والواقع المباشر، ومن هنا كان سوء الظن بالله من أخطر آثار ضعف الإيمان، لأنه يحجب صاحبه عن رؤية التدبير الإلهي، ويجعله يحاكم الوعد الإلهي إلى حسابات اللحظة، لا إلى سنن الله الجارية في نصرة أوليائه.
وهذه السنّة لا تختص بمعركة الأحزاب، بل تتكرّر كلما اشتدت المحن، فهناك من تزيده الشدائد يقينًا بوعد الله، لأنه يرى ما وراء الأسباب، وهناك من تزلزل قلبه عند أول اختبار، فيغلب عليه منطق اليأس وسوء الظن، فيحسب أن تأخُّر النصر دليل على عدم تحققه، مع أن القرآن يجعل تأخره جزءًا من سنن التمحيص والإعداد، لا دليلًا على انتفاء الوعد.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الجمعة الواقع في: 3/7/2026 الساعة (04:08)
