ru
Feedback
كتابات السيد بلال وهبي

كتابات السيد بلال وهبي

Открыть в Telegram
1 833
Подписчики
+124 часа
-37 дней
-730 день
Архив постов
ولهذا عبّر القرآن بكلمة بليغة هي ﴿لَعَنِتُّمْ﴾، والعَنَت هو الوقوع في المشقة والضرر الذي يجلب على الإنسان العناء والندم. فكأن الآية تقول: إن استجابة القيادة لكل ما يطلبه الناس ليست رحمةً بهم، بل قد تكون سببًا لشقائهم، فكم من قرارٍ صفَّقت له الجماهير ساعة صدوره، ثم دفعت ثمنه سنوات طويلة، لأنها كانت ترى بعين العاطفة، بينما كانت الحكمة تقتضي غير ما أرادت. ✍ السيد بلال وهبي فجر يوم الجمعة الواقع في: 31/6/2026 الساعة (04:31)

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ...﴿الحُجُرات: 7﴾ من أعظم نعم الله على الأمة -أيَّ أمَّة- أن تكون لها قيادة ربانية، تقودها ببصيرة وحكمة، ومعرفة ورحمة، ولطف ورأفة ولين، متوخية رضا الله في قراراتها، تقود الناس إلى حيث تقتضي مصلحتهم الدنيوية والأخروية، ولا تقودهم إلى حيث يشتهون، لا تنظر إلى رضا الناس في اللحظة الراهنة بقدر ما تنظر إلى مصلحتهم الواقعية في الحاضر والمستقبل، وها ما كانت عليه قيادة رسول الله (ص) والأئمة الأطهار (ع) والقادة الربانيين الذين ساروا على منهاجهم الرشيد، فلقد كان (ص) أرحم بالمؤمنين من أنفسهم، لأنه لم يكن يستجيب لما يرضيهم دائمًا، وإنما لما يصلحهم دائمًا. الآية الكريمة التي بين أيدينا جاءت مباشرة بعد الآية التي أمرت المؤمنين بوجوب التثبُّت من الأخبار، كي لا يُصيبوا قومًا بجهالة فيصبحوا على ما فعلوا نادمين. فأرست بذلك قاعدة عظيمة في التعامل مع الأخبار، ثم جاءت الآية الحاضرة لإرساء قاعدة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها في بناء المجتمع المؤمن، وهي أن الخبر الصحيح وحده لا يكفي لصناعة القرار الصحيح، ما لم يوجد من يُحسِن قراءته، ويضعه في موضعه، ويربطه بالمصلحة العامة، ويُقَدِّر عواقبه، ولهذا جاء الخطاب الإلهي: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، ليذكِّر المؤمنين بأن بينهم قيادةً ليست كسائر القيادات، وإنما قيادة مؤيدة بالوحي، ترى من حقائق الأمور ما لا يراه غيرها، وتدرك من العواقب ما تقصر عنه أنظار الناس. إن هذا النداء لا يقتصر على الإخبار بوجود النبي (ص) بين أصحابه، وإنما يحمل في طياته دعوةً إلى استحضار حقيقة عظيمة، وهي أن وجود القيادة الربانية في الأمة نعمة لا تدانيها نعمة، لأنها تمثِّل صلة الأرض بالسماء، وتجسِّد إرادة الله في توجيه الأمة وحفظها من مزالق الهوى، وسوء التقدير، والاستجابة للانفعالات العابرة، فما دام الوحي حاضرًا، فلا معنى لأن تتقدم الآراء البشرية عليه، أو أن يُطلب من الرسول أن يجعل قراراته تابعةً لما يراه جمهور الناس. ثم يكشف الخطاب القرآني عن علة هذا التوجيه بقوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. ولم يقل: لو أطاعكم في كل الأمر، بل قال: ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾، لأن الناس قد يصيبون أحيانًا، ولكنهم كثيرًا ما ينظرون إلى الأحداث من زاوية اللحظة الحاضرة، أو يكونوا مدفوعين في الحكم عليها بدوافع ذاتية أو عاطفية، بينما تنظر القيادة الربانية إلى الصورة الكاملة، وإلى النتائج البعيدة. ولقد أثبتت الوقائع التي عاشها المسلمون مع رسول الله (ص) صدق هذا المبدأ، فعندما جاء خبر بني المصطلق، اندفع بعض المسلمين يطالبون بقتالهم قبل التثبت من حقيقة الأمر، ولو استجاب النبي لهذا الاندفاع لوقع ظلم عظيم، ولَسُفِكت دماء قوم أبرياء، ولكن رسول الله (ص) لم يتحرَّك وفق انفعال الناس، وإنما وفق ميزان الحقيقة، حتى ظهر أن الخبر كان كاذبًا. وهذا يكشف عن حقيقة تتكرر في حياة الأمم كلها، وهي أن الجماهير – مهما خلصت نياتها – قد تتحرك بدافع الحماسة، أو الخوف، أو الغضب، أو تحت تأثير ما يُبث في أوساطها من شائعات ودعايات، فتضغط على القيادة لتتخذ قرارًا سريعًا يوافق مشاعرها، مع أن المصلحة الحقيقية قد تكون في خلاف ذلك تمامًا. فالناس لا يملكون دائمًا الصورة الكاملة، ولا يحيطون بكل المعطيات، ولا يدركون جميع الاحتمالات، ولذلك فإن القرارات المصيرية لا ينبغي أن تُبنى على الانفعال الجماهيري، بل على الحكمة، والبصيرة، وحسن تقدير العواقب. ولعل هذه الحقيقة تبدو أشد وضوحًا في عصرنا، حيث أصبحت الحرب الإعلامية جزءًا أساسيًا من إدارة الصراعات، فلم يعد العدو يعتمد على السلاح وحده، بل يعمل على صناعة الأخبار، وتوجيه الرأي العام، وإثارة الضغوط النفسية، وبثِّ الإشاعات، حتى يدفع الجماهير إلى المطالبة بقرارات تخدم أهدافه، وهو لا يحتاج بعد ذلك إلا إلى أن تستجيب القيادة لهذا الضغط حتى يحقِّق ما عجز عن تحقيقه في ميدان المواجهة. ومن هنا فإن من أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأمة أن تتحول القيادة في قراراتها إلى صدىً لما تريده الجماهير، أو أن تفقد استقلالها في التقدير، فتنقاد للضجيج الإعلامي، أو للمطالب الشعبية المتسرِّعة، أو للغضب العام، دون أن تزِنَ الأمور بميزان العقل والحكمة، إن القيادة التي لا تملك شجاعة مخالفة الانفعال الجماهيري حين يكون مخالفًا للمصلحة، ليست قيادةً حقيقية، وإنما هي تابعٌ للمزاج العام، ولو أدى ذلك إلى إعنات الأمة وإيقاعها في الضرر.

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يا اللهُ، يا حَميدُ لَكَ الحَمدُ كُلُّهُ، وبِيَدِكَ الأَمرُ كُلُّهُ، ومِنكَ الخَيرُ كُلُّهُ. اللَّهُمَّ ألهِمنِي الشُّكرَ عَلى ما أعطَيتَني.

ومن هنا تتجلّى عظمة التوجيه القرآني، حيث يضع لنا منهجًا في التعامل مع كل معلومة يُراد أن تُبنى عليها مواقف أو أحكام، فليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل ما يُتداول واقعًا، وليس كل ما يُصاغ بلغة واثقة يستحق أن يُصدَّق، إن المؤمن مسؤول عن الكلمة التي يسمعها كما هو مسؤول عن الكلمة التي يقولها، ومسؤول عن الخبر الذي ينقله كما هو مسؤول عن الفعل الذي يقوم به. ولذلك فإن التثبت من الأخبار واجب ديني وأخلاقي، يحفظ المجتمعات من الانخداع، ويصون وحدة الأمة، ويحمي الحقوق، ويمنع الظلم، ويقطع الطريق على الذين يجعلون من الإعلام وسيلة لإثارة الفتن، أو صناعة الكراهية، أو توجيه الجماهير حيث يريدون. ✍ السيد بلال وهبي فجر يوم الخميس الواقع في: 30/7/2026 الساعة (04:30)

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿الحُجُرات: 6﴾. لعل هذه الآية الكريمة من أكثر آيات القرآن حضورًا في واقعنا المعاصر، لأننا نعيش عصرًا أصبح فيه الخبر سلاحًا فتّاكًا، يصيب العقول، ويفتك في النفوس، ويصنع قناعات ويزيل أخرى، ويأخذ المجتمعات يمينًا ويسارًا، ويضعفها، ويحملها على موالاة أعدائها، ومعاداة أوليائها، ويثير الخوف والقلق، ويزرع الشكوك والشبهات، لا سيَّما مع وفرة وسائل التواصل التي تنقل الأخبار في لحظات، فتنتشر قبل أن تُفحص، ويُعاد نشرها آلاف المرّات قبل أن يُسأل عن مصدرها، وقبل أن يتم التفكُّر فيها والتدبُّر في عواقبها. إن كثيرًا من الحروب اليوم تبدأ بإطلاق الشائعات، وكثيرًا من الهزائم لا تصنعها القوة العسكرية وحدها، وإنما يصنعها الخبر الكاذب الذي يريد أن يفُتَّ في عَضُد المؤمنين، ويزرع اليأس في نفوسهم، أو يدفعهم إلى اتخاذ مواقف تخدم خصومهم من حيث لا يشعرون، ولهذا أصبحت صناعة الأخبار الكاذبة، والتضليل الإعلامي، والعبث بالوعي، من أخطر أدوات الصراع في العصر الحديث. هذه الآية الكريمة تعلِّم المؤمنين كيفية تعاملهم مع الأخبار، لما لها من تأثير خطير على علاقة أفراد المجتمع مع بعضهم البعض، ومن تأثير خطير أيضًا على قضية الحق والباطل، فإن كثيرًا من الصراعات والخصومات والأزمات تبدأ بخبر ينشره شخص، فيتلقَّاه الناس بالقَبول من دون تثبُّت وتمحيص، ومن دون تأكُّدٍ من مصدره، ومن دون تدبُّر في مقاصده، ثم يتحوَّل هذا الخبر إلى موقف، ثم إلى قرار، ثم إلى ظلم، ثم إلى ندم لا ينفع بعد وقوعه. ولذلك لم تخاطب الآية المؤمنين بوصفهم أفرادًا، وإنما خاطبتهم بوصفهم جماعة مسؤولة، لأن الخبر في حياة المجتمع ليس قضية شخصية، بل هو عنصر مؤثر في صناعة القرار، وفي تشكيل المواقف، وفي رسم العلاقات بين الناس، ومن هنا كان التثبت من الأخبار واجبًا شرعيًا، قبل أن يكون قاعدة أخلاقية اجتماعية. الآية الكريمة تُلفِتُ أنظارنا إلى وجوب التثبت من صحة الخبر الوارد إلينا، وذلك يقتضي أن نتثبَّت من الجهة أو الشخص الذي ينقله، هل هو شخص موثوق به أم لا، فإن كان فاسقًا فذلك يعني أنه غير مأمون في نقله، فكيف إذا كان عدوًا؟! لذلك قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾. لقد نهت الآية عن قبول خبر الفاسق، ولم تنهَ عن قبول الخبر ابتداءً، وإنما أمرت بالتبَيُّن، لأن الإسلام لا يدعو إلى إغلاق باب الأخبار، ولا إلى الشك المطلق الذي يشلُّ حركة المجتمع، وإنما يدعو إلى التثبُّت والتأكُّد من صحة الخبر، فالأصل في المجتمع المؤمن أن تقوم العلاقات على الثقة، وأن يكون الصدق هو السِّمَة الغالبة، ولكن إذا وُجدت أمارات الريبة، أو كان ناقل الخبر مِمَّن لا يوثق بدينه أو أمانته أو صدقه، فإن الواجب هو التثبت والتحقيق. ثم يكشف القرآن عن العلة التي من أجلها أمر بالتَّبَيُّن، فيقول: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾. والجهالة هنا هي كل تصرف يفتقد إلى البصيرة، ولو صدر عن حُسْنِ نية، فقد يكون الإنسان مخلصًا، لكنه يظلم غيره لأنه بنى حكمه على معلومة غير صحيحة، ولذلك فإن الإسلام لا يكتفي بسلامة النية، بل يشترط معها صحة المعرفة، لأن النيات الحَسَنة لا تمنع وقوع الظلم إذا قامت على أخبار كاذبة أو مُضلِّلَة. ولهذا ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. فالندم هنا هو نتيجة حتمية لكل قرار اتُّخذ قبل استكمال المعرفة، فالإنسان قد يستطيع أن يعتذر بعد كلمة قالها، لكنه قد لا يستطيع أن يعيد حياةً أُزْهِقَت، أو سُمعةً شُوِّهَت، أو مجتمعًا مزَّقته شائعة، أو ثقةً انهارت بسبب خبر كاذب. ومن اللافت أن سبب نزول الآية – على ما ذكره المفسرون – يرتبط بخبر نقله الفاسق الوليد بن عقبة بن أبي معيط، حين بعثه رسول الله (ص) ليتسلَّم صدقات بني المصطلق، فتلَقَّوه بالصدقة، فرجع فقال لرسول الله (ص): إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك، وزاد بعض الرواة في الرواية: أن الوليد أخبر النبي (ص) أن بني المصطلق قد ارتدوا عن الإسلام. هذا الخبر كاد أن يُفضي إلى قتال طائفة من المسلمين لولا أن النبي (ص) لم يبنِ قراره على خبر ذلك الفاسق، بل أرسل من يتحقق من الأمر، فظهر أن الخبر غير مطابق للواقع. وقد أراد القرآن من خلال هذه الحادثة أن يقرر مبدأً عامًا يتجاوز الواقعة نفسها، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فكل خبر يترتب عليه حكم أو موقف أو إجراء يمس الناس، لا يجوز أن يكون أساسه الظنون، أو الانفعالات، أو الأخبار غير الموثقة.

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يا اللهُ، يا غَنِيُّ، أغْنِني بِغَنائِكَ، وأَوسِع عَلَيَّ في عَطائِكَ، وَاشفِني بِشِفائِكَ، ولا تُبعِدني مِن سَلامَتِكَ

photo content

photo content

فقد بدأت هذه الجماعة المؤمنة بذرة صغيرة، ضعيفة في ظاهرها، لكنها كانت تحمل في داخلها القدرة على النمو والكثرة والانتشار، ثم أخذت تنبت، ويشدُّ بعضها بعضًا، حتى غدت قوية راسخة، تملأ الأبصار إعجابًا، وتملأ القلوب يقينًا. وهذا التشبيه يحمل دلالة تربوية مهمة، فالنمو في سُنَنِ الله لا يكون دفعة واحدة، وإنما يكون تدرجًا، فالزرع لا يُثمِر يوم بذرِه، وكذلك بناء الأمم لا يتم بين ليلة وضحاها، إنما يبدأ بفرد، ثم بأسرة، ثم بجماعة، ثم بمجتمع، حتى تستوي الشجرة على ساقها. وما أحوج الأمة اليوم إلى استعادة هذا الفهم، بدل استعجال الثمار قبل اكتمال أسبابها، أو اليأس إذا تأخر الحصاد. ✍ السيد بلال وهبي فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 28/7/2026 الساعة (04:33)

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴿الفتح: 29﴾. تأتي هذه الآية خاتمةً لسورة الفتح، وكأنها الخلاصة العملية لكل ما سبقها، فبعد الحديث عن الفتح، والبيعة، والابتلاء، ووعد الله للمؤمنين، يختم القرآن السورة برسم صورة الجيل الذي يصنع هذا الفتح، بوصف البناء الإيماني الذي يقيم تلك الإنجازات. فالله سبحانه يكشف لنا عن المجتمع الذي يستحق أن يحمل رسالة هذا الدين، وأن يكون موضع الثناء في القرآن، وفي التوراة والإنجيل من قبل. وأول ما يلفت النظر في الآية الكريمة أنها تبدأ بإثبات الحقيقة الكبرى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾، وهي إعلان عن مصدر هذا المنهج الذي يكوَّن ذلك المجتمع الفريد، فما يأتي بعد ذلك من صفات المؤمنين إنما هو ثمرة الاتصال بالرسالة، والتلقي عن الرسول الأكرم (ص)، والانقياد لله تعالى. ثم تنتقل الآية إلى بيان التوازن الذي قامت عليه شخصية المؤمن، فتقول: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وهذا ليس دعوة إلى القسوة المطلقة، ولا إلى اللِّين المطلق، وإنما هو ضبط للعاطفة بميزان العقيدة، فالشدة هي الموقف المطلوب تجاه من يحارب الحق ويعتدي عليه، كما أن الرحمة هي الأصل الذي يحكم علاقة المؤمنين بعضهم ببعض، ومن هنا فإن المجتمع الذي يفتقر إلى الرحمة بين أبنائه هو مجتمع يفتقد واحداً من أهم أركان بقائه، كما أن الأمة التي تتسامح مع أعدائها، وتغض الطرف عن اعتداءاتهم عليها تفقد أهم عنصر من عناصر قوتها، فالقرآن الكريم يبني شخصية متوازنة تعرف متى ترحم، ومتى تكون شديدة، وتجعل معيار ذلك كله هو رضا الله سبحانه وتعالى. بعد أن وصفت الآية علاقة المؤمنين مع الناس، وأنهم أشداء على أعدائهم، رحماء بينهم، انتقلت إلى وصف علاقتهم بالله سبحانه، فقالت: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ وهذا الترتيب في الوصف ذو دلالة مهمة، وهي أن الشدة في تعاملهم مع أعدائهم والرحمة بينهم هي ناتج عبوديتهم الخالصة لله تعالى، فهم رجال عبادة وذكر وتسبيح قبل أن يكونوا رجال قتال وميادين، رجالٌ يهجر النوم عيونهم من خشية الله، وقبل أن يقودوا الأمم، كانوا يقفون بين يدي الله رُكَّعًا سُجَّدًا، كما يقول الإمام أمير المؤمنين (ع) في رسالته إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري، في وصف عباد الله المخلصين: طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا، وَعَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا، وَهَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غَمْضَهَا، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى عَيْنَهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا، وَتَوَسَّدَتْ كَفَّهَا، فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ، تَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ، وَهَمْهَمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُهُمْ، وَتَقَشَّعَتْ بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِمْ ذُنُوبُهُمْ: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ولهذا لم تكن عبادتهم عادة تؤدى، بل كانت مصدرًا دائمًا لتجديد الإيمان، واستمداد القوة، وتصحيح النية. ولذلك لم يقل: يبتغون نصرًا أو سلطانًا، وإنما قال: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، لأن من امتلأ قلبه بطلب رضا الله صغرت في عينه كل المطالب الأخرى. ومن أعظم ما تشير إليه الآية الكريمة أن عبادة هؤلاء المخلصين لما لم تكن مجرد عادة، بل كانت عبادة حقيقية تنشأ من رغبتهم في الارتباط بالله تعالى، فإن آثارها تفيض عليهم نورًا يشرق في وجوههم، فقال سبحانه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. وهذا السيماء الذي يشرق على وجوههم يتجلَّى فيهم خشوعًا وسكينة، ووقارًا، ونقاء سرسرة، وصدقًا في توجههم إلى الله تعالى، وما استقرَّ في القلب من إخلاص وعبودية لا يلبث أن ينعكس على الملامح، والكلمات، والسلوك، ولهذا كان الصالحون يُعرَفون بسمتهم قبل أن يُعرفوا بأسمائهم. ثم يكشف القرآن عن حقيقة ذات دلالة عظيمة، وهي أن هذه الصفات، صفات المؤمنين برسالة محمد (ص) مذكورة في التوراة: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾، ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾.

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يا اللهُ، يا قَديرُ، بِقُدرَتِكَ قَدَّرتَ وقَدَّرتَني عَلَى الأَشياءِ، فَأَسأَ لُكَ أن تُحسِنَ عَلى أمورِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ مَعونَتي، وتُنجِينَي مِن سوءِ أقدارِكَ

وإذا كانت السكينة عطية ربانية، فإن القرآن دلَّ المؤمنين على أسباب استنزالها: من دوام الذكر، وكثرة تلاوة القرآن، وحُسن التوكل على الله، والرضا بقضائه، واستحضار أسمائه الحُسنى. ✍ السيد بلال وهبي فجر يوم الإثنين الواقع في: 27/7/2026 الساعة (04:26)

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿الفتح: 4﴾ السكينة واحدة من أهم الحاجات الإنسانية، بل لعلها منتهى ما يرغب الإنسان في الحصول عليه، حتى ليبذل جميع ما يملك في سبيل ذلك، وإنه ليعمل ويكِدُّ ويكدح والغاية أن تكون عاقبة كدحه الفوز بها. والسكينة من جذر (سَكَنَ) وتدل بالأساس على الطمأنينة والهدوء والاستقرار، وعرَّفتها بعض المعاجم بأنها (الوَداعة والوَقار)، وفي القرآن الكريم والسُّنَّة المُطهَّرة تأتي السكينة بمعنى الطمأنينة الربانية التي تنزل في القلب في مواقف الصدمة والخوف، فتثبِّت النفس وتُزكّي الإيمان، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا...﴿التوبة: 40﴾. ومنه الآية التي تصدَّرت هذه المقالة وهي قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ". وقد أنزلها الله في قلوب المؤمنين بعد توقيع صلح الحديبية والاضطراب الذي أحدثه في نفوسهم، وشعور البعض منهم أنهم قد أذعنوا لإرادة المشركين من قريش بالعودة إلى المدينة وعدم مواصلة سيرهم إلى مكة لأداء العمرة، وقد بلغ الأمر بعمر بن الخطاب أن يعترض على رسول الله (ص) فيقول له: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ فيجيبه (ص): "أَنَا عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ لَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَني". إذًا: كان المسلمون أحوَج ما يكونون إلى السكينة، ليطمئنوا من جهة، وليتعاملوا مع الحدث بوقار وهدوء، لأن الحال لا يناسبها الاضطراب والتوتر والقلق، والاستسلام لوساوس الشيطان، والاستجابة للحرب النفسية، كما لا يناسبها التردد والشك في الخيار الذي اختاره رسول الله (ص) والرسول لا يختار إلا ما يختاره الله له، "إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ" ﴿النجم: 4﴾. ففي المراحل الصعبة والأزمات الكبرى يحتاج الإنسان كما الجماعة إلى رباطة الجأش، كما تحتاج الجماعة إلى السكينة والطمأنينة لأن الاضطراب والقلق قد يوقعانهم في خيارات خاطئة، وقرارات مستَعجَلة، ويفوِّتان كثيرًا من المصالح الواقعية للمؤمنين. وقد اقترنت السكينة في القرآن غالبًا بالمواقف التي تبدو فيها الأسباب الظاهرة غير مطمئنة، ففي الهجرة كان المشركون عند الغار، وفي حنين اضطربت الصفوف، وفي الحديبية بدا الصلح لأول وهلة تنازلًا مؤلمًا، ومع ذلك كانت السكينة تنزل في تلك اللحظات بالذات، مما يعني أن الله تعالى يريد أن يربي المؤمنين على أَلَّا يجعلوا الطمأنينة رهينة المعطيات المادية وحدها، بل يجعلوها ثمرة معرفتهم بالله وثقتهم بحكمته، فالسكينة ليست وليدة تبدُّل الظروف، وإنما قد تكون سببًا في تبدلها. ومن هنا فإن إنزال السكينة في قلوب المؤمنين نعمة كبرى تؤكِّد رعاية الله للمؤمنين وعنايته بهم، وتمنحهم طاقة روحية جبَّارة يتمكنون بها من منازلة الأعداء والثبات أمامهم، بل والغَلَبة عليهم، كما أنها تزيد في إيمانهم، وتعمِّق علاقتهم بالله سبحانه، وتبلغ بهم مقامَ اليقين والرضا والتسليم، فلا ينتابهم قلق، ولا يساورهم شك، ولا يخيفهم عدو، كما قال سبحانه: "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" ﴿آل عمران: 173﴾. وبهذا نفهم العلاقة الوثيقة بين صدر الآية وخاتمتها، فبعد أن أخبر سبحانه عن إنزال السكينة قال: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فكأن السكينة نفسها جندٌ من جنود الله، لا تقِلُّ أثرًا عن سائر الجنود التي يسخرها لنصرة أوليائه، فكم من معركة حُسمت قبل أن تبدأ، لأن فريقًا دخلها ثابت القلب، وآخر دخلها مهزوز النفس، وقد يملك الإنسان من الوسائل المادية ما لا يملكه خصمه، لكنه إذا فقد السكينة فقد القدرة على الاستفادة من تلك الوسائل، بينما قد يعوض صاحب القلب المطمئن كثيرًا من نقص الإمكانات بحسن التدبير، ورباطة الجأش، والثبات عند الشدائد. وما أحوجنا اليوم إلى استحضار هذا المعنى فإننا نعيش زمنًا تهطل فيه الأخبار بغزارة، وتشتد فيه الحروب النفسية، وتنتشر فيه الشائعات، حتى غدا كثير من الناس يبنون مواقفهم تحت تأثير الخوف أو الغضب أو الضجيج الإعلامي، وفي مثل هذا المناخ تصبح السكينة حاجة، بل واجبًا، لأنها تحفظ الإنسان من ردود الأفعال المتسرِّعة، وتمكِّنه من التثبت، وإحسان التقدير، والتمييز بين الحقائق والانطباعات، وبين الوقائع والدعايات.

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يا اللهُ، يا مُصَوِّرُ، صَوَّرتَني فَأَحسَنتَ صورَتي، وخَلَقتَني فَأَكمَلتَ خَلقي، فَتَمِّم أحسَنَ ما أنعَمتَ بِهِ عَلَيَّ، ولا تُشَوِّه خَلقي يَومَ القِيامَةِ

السيد بلال وهبي فجر يوم الخميس الواقع في: 23/7/2026 الساعة (04:25)

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) قال تعالى: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴿الفتح: 3﴾ جاءت هذه الآية الكريمة من سورة الفتح في سياق التأكيد الإلهي لرسول الله (ص) بالفتح المبين المتحقق في علم الله تعالى، فكرر سبحانه الوعد له بأن نصرًا عزيزًا سيتحقق له في قادم الأيام القريبة، وقد تحقَّق بالفعل، فقد فتح رسول الله (ص) مكة المكرمة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأمِنَ المسلمون على دينهم، وانتفى عنهم التهديد الوجودي الذي لازمهم سنوات طويلة، وتحولوا من جماعة مستضعفة مطاردة إلى أمة قائدة، تمتلك زمام المبادرة، وصارت القوة الأولى في الجزيرة العربية، ثم امتد سلطانها حتى واجهت أعظم الإمبراطوريات في زمانها، وانتصرت عليها، فكان ذلك من أوضح مصاديق النصر العزيز الذي وعد الله به نبيه. لقد ورد لفظ النصر في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، لكن الله سبحانه وصفه هنا بصفة العزيز، فقال: (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) وهذه الزيادة في الوصف للكشف عن طبيعة هذا النصر وخصائصه، فليس كل نصر عزيزًا، فقد ينتصر قوم في معركة ثم يُهزمون في أخرى، أو يحقِّقون غَلَبة عسكرية ثم يعجزون عن تثبيت آثارها، أما النصر العزيز فهو نصر يستمد عزته من عزة الله، ولذلك لا يقدِر أحد على نقضه أو إبطاله، لأنه قائم على الحق، مؤيَّد بالعناية الإلهية، محفوظ بسنن الله الجارية في التاريخ. وقد ذكر المفسرون أن المراد بالنصر العزيز هو النصر الذي لا تعقبه هزيمة، ولا يلحقه انكسار، ولا تنقض آثارَه الأيام، لأنه نصر يتحقق للحق، وبالحق، وفي سبيل الحق، لا بالغدر، ولا بالخيانة، ولا بالمؤامرات، ولا بالتحالف مع الظالمين، وإنما بالجهاد المشروع، والصبر، والثبات، والتوكل على الله، حتى يكون الظفر العسكري ثمرةً للنصر الإيماني والأخلاقي الذي سبقه. ومعلوم أن هذا النصر جاء بعد الوعد بالفتح في مطلع السورة، مِما يدل على أن فتح مكة ليس هو الغاية النهائية، وإنما هو بداية مرحلة جديدة تتجلّى فيها آثار النصر العزيز، إذ تزول الموانع التي كانت تحول بين المؤمنين وبين أداء رسالتهم، وتنكسر شوكة أعدائهم، ويأمن الناس على دينهم، ويصبح المجتمع المؤمن قادرًا على بناء حضارته ونشر هدايته، فبالنصر العزيز تصبح زمام المبادرة بيد أهل الإيمان، ويغدو الباطل في موقف الدفاع والانحسار بعد أن كان في موقع الهجوم والاستعلاء. ولهذا فإن وصف النصر بالعزيز يدل على تمام الغلبة وكمال المِنعة، لأن العزة في القرآن هي القوة التي لا تُقهر، فإذا أضاف الله العزة إلى النصر، كان معناه أن المؤمنين يبلغون من أسباب القوة والتمكين مبلغًا يعجز معه أعداؤهم عن استرداد ما فقدوه من سلطان، أو إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، فيصير دين الله ظاهرًا، وأولياؤه أعزة، وأعداؤه أذلة، كما قال سبحانه: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴿المنافقون: 8﴾. ومن هنا، فإن النصر العزيز تحول حضاري شامل، تتغير به كل الموازين، وينتقل المجتمع المؤمن من مرحلة الدفاع عن وجوده إلى مرحلة صناعة التاريخ، ومن دفع العدوان إلى إقامة العدل، ومن مقاومة الباطل إلى قيادة الحياة بمنهج الله، ولذلك كان فتح مكَّة إعلانًا بانتهاء عهد الشرك في الجزيرة العربية، وبداية عهد جديد أصبحت فيه كلمة الله هي العليا، وأصبح الإسلام هو المرجعية الحاكمة في المجتمع، وهذا ما أكَّده رسول الله (ص) فقد روى المؤرخون أنه خطب في حجة الوداع وكان مِمّا قال: "إنَّ الزَّمانَ قَدْ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ وَالأَرْضَ". وقال: "أَلا إِنَّ كُلَّ شَيٍءٍ مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمي مَوضُوعٌ" إن سُنَنَ الله لا تتبدل ولا تتحول، فالنصر العزيز الذي كان لرسول الله (ص) سيكون للمؤمنين المخلصين من بعده، كلما كان صراع بينهم وبين الظالمين، ومن هنا فإن المؤمنين اليوم، وهم يخوضون واحدة من أعظم المواجهات الوجودية في تاريخهم، لا ينبغي أن يقصروا آمالهم على نصر محدود، أو مكسب مرحلي، أو هدنة مؤقتة، وإنما ينبغي أن يتطلعوا إلى النصر العزيز الذي وعدهم الله به إذا استكملوا شروطه، وهو النصر الذي يبدِّل موازين القوة، ويكسر هيمنة الاستكبار، ويُنهي مرحلة الاستضعاف، ويفتح للأمة أفقًا جديدًا من العزة والاستقلال والسيادة. وما تشهده الأمة في هذه المرحلة ليس صراعًا على حدود، ولا نزاعًا على مصالح عابرة، بل هو مواجهة على الهوية والوجود والرسالة، يريد فيها أهل الباطل أن يهدموا أمتنا، وأن يفرضوا سلطانهم الثقافي والسياسي والعسكري على الأمة كلها، وإذا كانت طبيعة المعركة وجودية، فإن مقتضى السنن الإلهية أن يكون النصر الموعود نصرًا وجوديًا أيضًا، أي نصرًا يحسم الصراع، ويزيل أسباب الهيمنة، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها أهل الإيمان أصحاب المبادرة، إن شاء الله، كما كان شأن المسلمين بعد فتح مكة.

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يا اللهُ، يا مُهَيمِنُ، خُذ بِناصِيَتي إلى رِضاكَ، وَاجعَلني عامِلًا بِطاعَتِكَ مَعصوماً عَن طاعَةِ مَن سِواكَ

إلى بيئتنا الشريفة: السلام عليكم ورحمة الله أنتم والله أشرف الناس، وأوفى الناس، وأصدق الناس، وأبر الناس، وأصبر الناس في عصرنا هذا، وإني لأسأل الله تعالى أن يحفظكم، ويرعاكم، ويربط على قلوبكم، ويفرغ عليها الصبر، وينزل عليكم النصر، ويجعل لكم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل شدة فرجا. وأسأله الحفظ والتسديد لأبنائكم الأبرار، والرحمة وعُلُوَّ المقام لسعدائكم، والشفاء العاجل والعافية التامَّة لجرحاكم، إنه سميع مجيب. ما قدمتموه من تضحيات لا يوفي حقه إلا الله، ولا يملك أجره وثوابه إلا الله، ولا يعوضكم خيرًا منه إلا الله، والله عنده حُسن الثواب، وسيعوضكم أكثر مما تظنون، ومن حيث لا تحتسبون، هذا وعد من الله غير مكذوب. في ذهن كل واحد منكم عشرات الأسئلة، عمّا جرى ويجري، وعما نحن قادمون عليه، تريدون أن تطمئنوا، ومن حقكم أن تطمئنوا، لأنكم أنتم أهلها وعمادها وحاضنتها، وأنتم الذين تضحون بأبنائكم، وأموالكم، ومنازلكم، وأنفسكم. إنكم تدركون أن المرحلة صعبة، والظروف قاهرة، والمواجهة شرسة وعلى كافة الصُّعُد، والحصار شديد، والأعداء كثير، والمتواطئون معهم باتوا لا يخجلون، وهم جميعًا مستعدون للذهاب بعيدًا في مكرهم وتآمرهم، وضغوطهم، وتعاونهم مع شياطين الأرض للقضاء على وجودكم وسحقكم. ولكن هيهات أن يتمكنوا من ذلك، هيهات لأنكم وإن كنتم قليل عددًا لكن الله معكم وراعيكم وناصركم ومدبِّر أمركم، وسيجعل لكم من أمركم فرجًا ومخرجاً. وكما هناك أخيار في ميادين الوغى يسطِّرون أروع مشاهد البطولة والرجولة والبسالة والشجاعة والصبر والإيثار، فهناك في الميادين الأخرى من يكافح من أجلكم ومن أجل مستقبلكم، وستلمسون النتائج في قادم الأيام إن شاء الله. الأولوية الآن لتضامننا ووحدة كلمتنا، وتماسك بنيتنا الاجتماعية، يعيننا على ذلك اعتصامنا بحبل الله جميعًا، ويقيننا بما وعدنا به من الغَلَبَة والظفر ولو بعد حين، فإنه قد كتب أن يغلب هو ورسله وأولياؤه. عليكم بالصبر، والتماسك النفسي، والثبات على طريقكم، وهو طريق ذات الشوكة الذي سلكه نبيكم محمد (ص) وأئمتكم الأطهار (ع) وأسلافكم الأبرار الذي واجهوا ظروفًا أقسى وأصعب مما تواجهون اليوم، "... فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴿146﴾ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿147﴾ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" ﴿آل عمران: 148﴾. مثلكم لم يًهِن طول تاريخه ولن يهون، ومثلكم لم يَذِل طول تاريخه ولن يَذِل، ومثلكم لا يستعظم التضحيات في سبيل غاياته الشريفة ولو عظُمَت، ومثلكم لا يليق به إلا الفتح المبين وسيكون فتح إن شاء الله. حفظكم الله جميعًا، وأيَّدكم، ونصركم ✍️ السيد بلال وهبي

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) قال تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿الفتح: 1﴾ بهذا القطع والجزم افتتح الله تعالى سورة الفتح، وحين يكون القائل هو الله فهذا يعني بالضرورة أن الفتح حقيقي، وواقعي، وناجِزٌ، وإن كان الحديث عن الفتح سابقٌ لتحقُّقه في الواقع الخارجي، لأن الله تعالى يعلم ما كان وما هو كائن وما يكون، ولا حدَّ لعلمه، فما يكون في علم الله فهو كائن قطعًا. فمن المعلوم أن سورة الفتح قد نزلت بعد صلح الحديبية الذي وقع في العام السادس للهجرة، والفتح الذي تمثل في فتح مكة قد حدث في العام الثامن للهجرة بعد نقض قريش ذلك الصلح، وقد كان فتح مكَّة من أعظم الأحداث في التاريخ الإسلامي إذ ترتب عليه، إنهاء سيطرة قريش الوثنية على مكة حاضرة التوحيد، وتطهير الكعبة المشرفة، وهي البيت العتيق الذي وُضِعَ للناس، من الأصنام والأوثان، ودخول أعداد كبيرة من أهل مكة في الإسلام، وانتقال المشروع النبوي الإسلامي إلى مرحلة جديدة من القوة والتمكين، وتمهيد الطريق لدخول القبائل العربية في عموم الجزيرة في الإسلام. لقد مثَّل صلح الحديبية فرصة مهمة وضرورية لما ذكرته توًّا، ذلك الصلح الذي لم يتقبله بعض المسلمين لقصور في فهمهم لما رضي به النبي (ص) من قبوله الرجوع إلى المدينة، وعدم إكمال مسيره إلى مكة لأداء مناسك العمرة فيها، وتنازله عن أمور شكلية، وتفضيله الصلح والمهادنة، وقوله: "لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا". وقد بلغ الأمر بعمر بن الخطاب أن يعترض على رسول الله (ص) فيقول له: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فيجيبه (ص): "أَنَا عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ لَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَني". نعم لقد كان الفتح الذي بدأ بالتحقق بعد عودة رسول الله (ص) إلى المدينة حيث تفرَّغ للدعوة إلى الله، وترسيخ دعائم الدولة الإسلامية، ومكاتبة الملوك والأباطرة ودعوتهم إلى الله تعالى، والتمهيد للدخول إلى مكة بعد عامين فقط، وهذا ما لم يفهمه المسلمون قاصرو الفهم، أو الذين شغلتهم اللحظة عن المستقبل فاستعجلوا الحكم، وحسبوا أن ما وافق عليه رسول الله كان هزيمة ورضوخًا لإرادة الأعداء، لكن الله العليم الخبير أعلن أن تلك اللحظة كانت فتحًا باعتبار ما سينتج عنها من تحوّل تاريخي غير متوقَّع. في حكمة الله تعالى، وحُسن تدبيره، كثيرًا ما تأتي الأمور على خلاف ما يتوقع الإنسان، أو ما يشتهي، لأن الإنسان محدود العلم، قصير النظر، لا يدرك من الأحداث إلا ظاهرها، ولا يدرك من نتائجها إلا ما يراه الآن لا ما سيراه في المستقبل، أما ما وراء ذلك من المآلات، وما يتولَّد عنها من آثار بعيدة، فذلك مِمّا استأثر الله بعلمه، ولهذا قد يحزن الإنسان لأمر هو عين الخير له، ويفرح بأمر هو منشأ شقائه، كما قال سبحانه: وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿البقرة: 216﴾. فليس كل ما يبدو تراجعًا يكون هزيمة، ولا كل ما يبدو انتصارًا يكون فتحًا، وإنما العبرة بما تؤول إليه الأمور، لا بما تبدو عليه في لحظتها الأولى. ومن هنا كان المؤمن مأمورًا بألّا يجعل حكمه على الوقائع تابعًا لمشاعره الحاضرة، أو لما تدركه حواسه القاصرة، وإنما يربطه بوعد الله، وثقته بحكمته، وأن يوقن أن لله في تدبيره من اللُّطف الخَفِيِّ، ومن تهيئة الأسباب، ما لا تدركه الأبصار عند أول النظر، فقد يكون المنع عين العطاء، وقد يكون التأخير هو عين التعجيل، وقد يكون الصلح الذي يراه الناس تنازلًا هو الطريق الأقرب إلى النصر، كما كان صلح الحديبية مفتاح فتح مكة، ومدخل انتشار الإسلام في الجزيرة العربية. وهكذا يعلِّمنا القرآن أن نقيس الأحداث بنتائجها، وأن نزنها بميزان السنن الإلهية، فكم من مِحنة كانت في باطنها مِنحَة، وكم من إغلاق لباب كان فتحًا لأبواب، وكم من تأخر ظاهري كان في حقيقته تقدمًا عظيمًا، ولكن أكثر الناس يستعجلون، والله سبحانه لا يعجل بعجلة عباده، لأنه يدبِّر الأمر بعلمٍ محيط، وحكمةٍ بالغة، ورحمةٍ لا يحدها حد. فـالفتح في المنظور القرآني هو كل حدث يهيئ الأسباب لانتشار الحق وتمكينه، وهذا هو السر في أن الله سَمّى صلح الحديبية فتحًا مبينًا قبل أن تُفتح مكة بعامين، لأن الله ينظر إلى الحقائق والمآلات، بينما ينظر الناس غالبًا إلى اللحظة الراهنة. ✍ السيد بلال وهبي فجر يوم الأربعاء الواقع في: 22/7/2026 الساعة (04:24)