en
Feedback
محمد بن محمد الأسطل

محمد بن محمد الأسطل

Open in Telegram

قناة علمية دعوية

Show more

📈 Analytical overview of Telegram channel محمد بن محمد الأسطل

Channel محمد بن محمد الأسطل (@mastal) in the Arabic language segment is an active participant. Currently, the community unites 42 775 subscribers, ranking 1 388 in the Religion & Spirituality category and 1 330 in the Saudi Arabia region.

📊 Audience metrics and dynamics

Since its creation on невідомо, the project has demonstrated rapid growth, gathering an audience of 42 775 subscribers.

According to the latest data from 19 September, 2026, the channel demonstrates stable activity. Although there has been a change in the number of participants by -273 over the last 30 days and by -16 over the last 24 hours, overall reach remains high.

  • Verification status: Not verified
  • Engagement rate (ER): The average audience engagement rate is 41.23%. Within the first 24 hours after publication, content typically collects N/A% reactions from the total number of subscribers.
  • Post reach: On average, each post receives 0 views. Within the first day, a publication typically gains 0 views.
  • Reactions and interaction: The audience actively supports content: the average number of reactions per post is 0.
  • Thematic interests: Content is focused on key topics such as رَمَضَان, عَدُوّ, لَيلَة, صَلَاة, كِتَاب.

📝 Description and content policy

The author describes the resource as a platform for expressing subjective opinions:
قناة علمية دعوية

Thanks to the high frequency of updates (latest data received on 20 September, 2026), the channel maintains relevance and a high level of publication reach. Analytics show that the audience actively interacts with content, making it an important point of influence in the Religion & Spirituality category.

42 775
Subscribers
-1624 hours
-1157 days
-27330 days
Posts Archive
معارج العلوم الطبعة الثانية.pdf16.32 MB

كتاب (معارج العلوم.. من الأمية إلى الإمامة) الطبعة الثانية.

من أكثر الأسباب التي تجعل انتفاع المسلم بالقرآن قليلة هذه الأسباب الثلاثة: الأول: أنَّ القرآن الكريم لم يعرض الموضوعات على هيئة الموضوعات المدرسية؛ بأن يذكر أبواب العقائد ثم الشرائع ثم التزكية والأخلاق ثم تاريخ الأمم والأنبياء ثم فصول المدافعة بين الحق والباطل بما في ذلك الشبهات والجدل إلى غير ذلك؛ بل إنه يمضي في نَظمٍ مُعجِزٍ أخَّاذ بطريقةٍ فريدة، ويمكن أن تجد في السورة الواحدة أو حتى في الموضع الواحد كلَّ ذلك أو جله أو بعضه. وأي قضيةٍ تجعلها هاجسًا لك وتأخذ في التلاوة وهي تملأ عقلك.. فإنك لا تكاد توقف قلمك وأنت تُدَوِّن ما تجد. ومتى أخذت في التلاوة وأنت مُقبِلٌ في غاية التركيز وقد حميت نفسك مما يُشوِّش عليك وجعلت هذا ديدنًا لك وأخلصت النية لله وكنت تمسك القلم.. سهل أن تؤلف كتابًا في الموضوع الذي تعالجه، أو تقدم دورة، أو تهتدي لمقصود القرآن فيما تريد. الثاني: أنَّ مفاهيم الموضوع الواحد غالبًا أو كثيرًا ما تكون متناثرةً في مجموع المصحف، وهذا من نتيجة ما تسطَّر في السبب الأول. ومن ثم فلا غنية عن التدوين ومسك القلم على الدوام إلى جانب القراءة ذات التركيز العالي؛ لتبقى تُكمل لبنات بنيان الموضوع الذي تعالجه، فالعلم هنا مشروعٌ تسلكه وتنفق من عزيز وقتك في الوصول إليه لا مجرد فاكهة تلتذ وأنت تتناولها دون أن تدفع ثمنها. ولعلَّ من أسرار نزول سورة {اقرأ باسم ربك} أولًا ثم {ن والقلم وما يسطرون} أن مفتاح الهداية في هذه الأمة هي بالقراءة باسم الله ومسك القلم. الثالث: أنَّ القرآن الكريم لا يمشي على مصطلحات الأقوام، خاصة مع تبدل الزمان والمكان واختلاف الثقافات والمصطلحات من جيلٍ إلى جيل، والعيِّنة التي نزل عليها الخطاب أول مرة هي العرب، فالقرآن نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين، ولا يلزم من ذلك أن يسير على مصطلحات الناس في تقرير الأفكار والمفاهيم التي جاء بها. وإنَّ عامَّة ما يَعرِض للناس اليوم من منظوماتٍ فكرية بحقٍّ أو بباطل تجده حاضرًا في القرآن، وبعض العلماء كانت لهم عنايةٌ في إبراز مساحاتٍ جيدة من ذلك، فالمفاهيم موجودة ولكن من غير أن تُقرَّر بمصطلحات الزمان والمكان. وبناءً على هذه الأسباب الثلاثة يظهر سر تركيز القرآن الكريم على طلب التدبر؛ فإنَّ مفتاح فهم القرآن هو التدبر لا التفسير، فحتى لو لجأ المسلم إلى قراءة أحد التفاسير فلا يسهل أن يصل إلى المقصود من كلِّ وجه، فقراءة التفسير وسيلة من جملة وسائل، وخطوة من جملة خطوات. كما أنَّ ما تقرر ينبئك عن سر رجاء القرآن المتكرر للمسلم أن يكون من الذين يتفكرون والذين يعقلون والذين يفقهون والذين يتذكرون، وأن ينتظم فيمن امتدحوا بأنهم من أولي النُّهَى وأولي الألباب وما إلى ذلك. فكثيرةٌ هي المفاهيم التي لا تُلتقط إلا بالتدبر وربط المفاهيم وملاحظة شخصية السورة من خلال استعراض موضوعاتها على وجهٍ إجمالي، أو ربط مجموعة من السور بعضها ببعض، وأما الغوص في تفاصيل التفسير التحليلي فإنه يجعلك من أعلم الناس بالموضع الذي تقرؤه، ولكن لا يعطيك الصورة الكبرى التي تدرك بها مقصود القرآن، ولهذا كانت قراءة التفسير من جملة مفاتيح التدبر، صحيح أنه مفتاحٌ مركزيٌّ ولعله أهم المفاتيح إلا أنَّ المفاتيح المركزية لا تنحصر فيه. ومن النصح في هذا الباب: أن تجمع في القراءة بين التفسير الموضعي والتفسير الموضوعي بأن تختم تفسير السورة على نحو تحليلي ولا تتجاوز للسورة التي بعدها حتى تضبطها على نحوٍ موضوعي، وأن يكون لك ختمةٌ لتدبر موضوعات السور على نحوٍ إجمالي دون أن تكتفي بتدبر الآيات على نحوٍ تفصيلي، والله الموفق سبحانه.

وظاهرٌ أنَّ العالم قد دخل مرحلة الأحداث المتعاقبة التي ستغير وجه العالم بشكل عام والأمة الإسلامية بشكل خاص، وهو ما يقتضي الركض بحسب حركة الأحداث، ومن آثار ذلك سرعة النضج والأخذ بأسباب حمل المسؤولية، ولهذا فأوفر الناس حظًّا أكثرهم عملًا وأطولهم عمرًا في تغطية الثغور القائمة، فضلًا عن رعاية الإنسان لشؤون بيته وأهله وخاصة نفسه كالديون وغيرها. أسأل الله جل جلاله بعزته وجلاله وعظمته وكماله أن يحفظ البلد وأهله وأن يجعل لكلٍّ منا نصيبًا كريمًا في حفظ الدين ورعاية المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

وإنَّ عبودية العبد تظهر في الإقدام والإحجام، والمدار في ذلك على مصلحة الإسلام؛ فإذا كانت مصلحة الإسلام تقتضي الإقدام والاستشهاد ضَحَّى العبدُ بنفسه في ذات الله، وإذا كانت مصلحة الإسلام تقتضي الإحجام بما يُبقي المسلم مرابطًا على ثغوره قائمًا على أمر الله وإغاظة أعداء الله تكلف العبد بجهود التدابير الأمنية في ذات الله، وتعنى الأخذ بالأسباب في سبيل الله. وإني لأعلم أن السواد الأعظم اليوم من الشباب بات على حالةٍ من التصالح التام مع القتل، ولم يعد يؤثر في الشاب خبر الرحيل من هذه الدنيا، بل ربما كان هو الخبر الذي يملأ حياته بهجةً وسرورًا، وربما استثقل التدابير الأمنية عن احتمال الاستهداف، وصار من موجبات النكد والاستفزاز عنده أن يُقال له: احتط لنفسك، أو إنك تستعمل الجوال ولا بد أن تترك استعماله لوجه الله. ولكن المجاهـ.ـد عبدٌ في الإقدام والإحجام، وإن من دلائل صدق الرجل أن يجعل مداره في النظر على مصلحة الإسلام وحاجة المسلمين. ومن أدلة ذلك: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دعا يوم بدر بحفظ المُهَج واستبقاء الرجال إذ قال: "اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ"؛ وذلك لأن المرحلة مرحلة تأسيس وعمل وتحتاج للرجال. ولما قامت الدولة وتجاوز القنطرة قال: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ". وجاء في صحيح مسلم في خبر غلام الأخدود أن الملك لما قرر قتله ودفعه إلى مجموعةٍ من أصحابه ليلقوه من فوق جبل إن لم يرجع عن دينه قال حين شارف على الخطر: "اللهم اكفنيهم بما شئت"، فرجف بهم الجبل وسقطوا وعاد يمشي إلى الملك. ثم أرسله في مجموعةٍ في وسط البحر فلما صاروا فيه دعا: "اللهم اكفنيهم بما شئت" فانكفأت بهم السفينة وغرقوا ورجع يمشي إلى الملك. وهنا تحول من طلب النجاة إلى عرض الشهادة؛ فإنه لما رأى متابعة الرأي العام لأمره قوي عنده الظن أنه لو جعل الملك ينطق بالتوحيد في حضرة الناس أن الناس سيسلمون، وبالفعل قال له: "إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به". قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيدٍ واحدٍ، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: "باسم الله ربِّ الغلام"، ثم ارمني به؛ فإنَّك إذا فعلت ذلك قتلتني! ففعل فقُتِل فقال الناس: "آمنا بربِّ الغلام"، فحرقهم في الأخدود. ووجه الدلالة: أنَّ الغلام لو قُتِلَ في المرة الأولى أو الثانية لقلَّ انتفاع الإسلام بشهادته مع أنه سيكون من الشهداء بإذن الله، لكن لما كان هناك سبيلٌ لينتفع الناس بشهادته كان هو الذي أرشد الملك على طريقة قتله، وأسلم اثنا عشر ألفًا على أشهر الأقوال، فالذي يحدد الإقبال أو الإحجام واجبُ الوقتِ ومصلحته. وعلى ما تقرر؛ فإنَّ أمر الشهادة ليس موكولًا للشخص نفسه؛ وإنما لحاجة الإسلام في الزمان والمكان. والمقصود أن من كان اليوم في مظنة الاستهداف فعليه أن يعلم أن مقتضى العبودية بحسب الظرف أن يُبالغ في الاحتياط الأمني خاصة في أوقات الخطر التي باتت تُعلم من خلال قراءة سلوك العدو؛ وذلك عبر إنتاجِ أوضاعٍ أمنيَّةٍ؛ كعدم التحرك نهارًا، وعدم استخدام الجوال، وعدم وجود سلوك ثابت في الحركة، واعتماد المراسلات الورقية في التواصل، وغير ذلك مما يُصنَّف في أشكال الجهـ.ـاد في سبيل الله. وإنَّ من يعرف مواقع التكليف الشرعي يعلم أنَّ الابتلاءَ الأشدَّ اليوم هو في حفظ النفس لتبقى فاعلة، ومصلحة الإسلام مقدمة على مصلحة المسلم، وخبر غلام الأخدود ظاهر الدلالة في ذلك. وأما الجمهور الذين لا يُصنَّفون في قائمة المستهدفين فعليهم أولًا التماسك النفسي أمام فقد هذا الكم الهائل من الطاقات وأصحاب الخبرة، وليعلموا أن الله يبتليهم بثقل المسؤولية، وهذا من آثار الزلزلة التي قدَّرها الله في العباد. وأخاطب كلَّ طالبِ علمٍ وكلَّ داعيةٍ وكلَّ قائدٍ ميداني وكل صاحب تأثير أنى كان ثغره وموقعه: إنَّ من أعظم المطلوبات اليوم حرق المراحل في تنضيج الذات ووراثة الخبرة. وإنه قد توفر اليوم من وسائل ذلك ما لم يكن في متناول الأجيال الماضية من مثل كثرة الكتب المصورة وحلقات البودكاست والسلاسل المصورة وغير ذلك، فلا بد من كلِّ شخصٍ أن يقتات من هذا الإرث ويُقبل عليه صباح مساء، وإذا كان قليل الحركة كثير الانزواء فلا يضيق بذلك؛ بل يعد ذلك فرصةً قد لا تتكرر لإمكان التحصيل بما يعوض النقص ويجعل من يتولى ولايات المرحلة ليسوا بأقل علمًا وخبرةً وصلابةً من الذين قضوا نحبهم.

اعلم أنَّ لكلِّ جيلٍ محطةً تربويةً يُختَبرُ فيها في أفران الابتلاء، وهذا وإن لم يكن مطَّردًا إلا أنه غالبٌ أو كثير، ولم يخرج جيل الصحابة رضي الله عنهم عن ذلك: - فالجيل الأول الذي أسلم بمكة وكان مادَّةَ الإسلام الأولى اختُبِر في بطحاء مكة وشهد ما شهد من صنوف التعذيب والاضطهاد والاستهداف النفسي من التهكم والسخرية والازدراء. - والجيل الذي أسلم بالمدينة -وهو الأنصار- كانت محطته التربوية الكبرى يوم أحد؛ حيث حصل ما حصل بسبب المخالفة، والتي جعلت المجتمع ذا حساسيةٍ مرتفعةٍ من أي مخالفة جديدة، لا سيما وأن الآثار السلبية للهزيمة الجزئية بقيت أكثر العام الرابع من الهجرة؛ إذ: تحللت عدد من القبائل من التحالفات وبدأت في نقض العهود توهمًا بأنَّ ميزان القوة رجع لصالح قريش. وعزمت بنو أسد على الإغارة على المدينة في أول محرم سنة 4 هـ فباغتهم النبي صلى الله عليه وسلم بسرية بقيادة أبي سلمة رضي الله عنه. وكذلك خالد الهذلي في نفس الشهر فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس ليغتاله قبل وصوله. وحصل الغدر بالمسلمين في بعث الرجيع وبئر معونة واستشهد ثمانون من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك. وحاولت بنو النضير أن تغتال النبي صلى الله عليه وسلم استغلالًا لوضع المسلمين الحَرِج. إلى غير ذلك مما جرى. - والجيل الذي أسلم يوم الفتح والذين يبلغون ألفين أو ثلاثة كانت محطته التربوية يوم حنين. - والجيل الذي أسلم عقب تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من ناصية الجزيرة العربية بعد فتح مكة وحَسْمِ أكثر مناطق القوة المتبقية كانت محطته التربوية يوم العُسرَة يوم غزوة تبوك، وما أدراك ما غزوة تبوك! ولا شكَّ أنَّ الجيل الذي جرَّب أكثر من محطةٍ تربويةٍ وصبر وصابر ورابط على ثغور الإسلام في كلِّ مرحلةٍ بحسبها يكون أكثر إيمانًا وتماسكًا وإمامةً في الدين، ولهذا لم يُسَوِّ القرآن الكريم بين من أنفق من قبل الفتح وقاتل فكانوا أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا، وكُلًّا وعد الله الحسنى. وإذا جئنا إلى السياق (الفلسطيني) فإنَّ كلَّ جيلٍ من أجيالنا منذ نشأة الكيان الصهيوني كانت له هزته التربوية وزلزلته التي نزلت به، ولم يسلم جيل الانتفاضة من ذلك؛ فحين انطلقت انتفاضة المساجد أو ثورة الحجارة عام 1987 حاولت الولايات المتحدة إجهاضها باتفاقية أوسلو بعدها بسنين قليلة، وبلغت الزلزلة ذروتها سنة 1996 حين أخذت السلطة في ملاحقةِ كلِّ مُقاومٍ وزجِّه في السجون وتعذيبه والعمل الجاد الحاد على استئصال فكرة المقاومة من العقول تمامًا بسطوة الحديد. وأما هذا الجيل فقد ترعرع أكثر أبنائه الشباب في ظل إمكان حمل السلاح منذ اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 وحرية الصلاة والاعتكاف في المساجد وحفظ القرآن والدعوة إلى الله والتحرك الآمن، فضلًا عن قُرُبَاتِ الرباط والجهـ.ـاد في سبيل الله، وأضيف إلى ذلك تمتع الآلاف بوظائف في ظل الحكومة التي توفرت بفعل الصعود السياسي لحركـ.ـة حمـ.ـاس عام 2006، إلى غير ذلك من نعم الله على العباد. وإني لأحسب أنَّ هذه المعركة بفصولها المختلفة تُمثِّل محطةً تربويةً فاصلةً تُظهر من وقف بالثغور الفاضلة الفاصلة ابتغاء ما عند الله وتُمايِزُهُ عمَّن طلب الدنيا وما بأيدي الناس من المآرب والمناصب، ولهذا انفلتت المعركة عن أعلامٍ وأقزام، ونافعٍ ومنتفع. وإنَّ من أكثر الفصول ابتلاءً وشدةً فقد الرجال؛ فإنَّ أعظم ما نمتلك اليوم الرجالُ، وإن أعظم المصاب فقد الرجال، خاصة من أصحاب الكفاءة والخبرة والتجربة الثرية والإخلاص والصدق من القيادات الميدانية وغيرهم من أصحاب التأثير. وإنَّ تَمَكُّنَ العدوِّ من اغتيال العشرات من خيرة أبناء البلد في وقتٍ وجيزٍ ليُعَدُّ من أعظم المصائب، والذي يفرض على أصحاب الكلمة التداعي الفوري والخروج بقراراتٍ ميدانيةٍ تضع لهذا الأمر حدًّا، ومن ذلك الإنفاق بسخاء على متطلبات التدابير الأمنية للأشخاص الذين عُلِمَ بالقراءة الناضجة لسلوك العدو أنهم في مظنة الاستهداف، ومن مراشد العقل أن تتأسس لجنةٌ خاصَّةٌ لمتابعة هذا الملف؛ فإنَّ حفظ الرجال من أعظم الثغور وأهم الأعمال. وأما الأخ الذي يقف في موقعه لا يغادره ولو علم أنه في مظنة الاستهداف فأول ما يُخاطب به: جزاك الله خيرًا، وكثَّر في المسلمين مثلك، وبيَّض وجهك وأخذ العيون عنك، وبعد؛ فإنَّ التكليفَ الصَّعبَ اليوم هو الحياة في سبيل الله، وإن أيسر الخيارات القتل في سبيل الله، وإنَّ من نظر إلى مقادير الثغور ليشعر أن اختيار الشهادة يشبه أن يكون بمثابة الشهوة الشخصية، فيكون القتل اصطفاءً له وابتلاءً لمن بعده، وإنَّ الوجه المقابل لاصطفاء الشهداء هو اتساع دائرة المسؤولية في حق من بقي.

من اللافت أنَّ أكثر الناس صبرًا وأشرحهم صدرًا وأوفرهم سكينةً وقوةَ قلبٍ هم أكثر الناس ابتلاءً، وأن أقلهم صبرًا وأكثرهم سبًّا وشكوى هم أقلهم ابتلاء، ليس هذا بمطرد ولكنه كثيرٌ غالب.

إذا استوصاك أخوك بشيءٍ فإن من آكد الأمور أن توصيه باتباع الحق والثبات عليه والصبر على تكاليفه وما تلاقي في ذات الله، وأن توصيه كذلك برحمة الناس والصبر على تكاليف الرحمة، {ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة}، {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.

والواحد من هؤلاء رغم هذا الحال كله الذي علمت طرفًا يسيرًا جدًّا منه؛ إذ التفاصيل أضعاف ذلك.. فإنه مقيمٌ على عمله في الجهاد والأمن وحوائج الثغر الذي يقف عليه من علمٍ أو دعوةٍ أو إغاثةٍ أو غير ذلك، يعطي وقلما يأخذ، يجود بنفسه وقلما آثره أحدٌ على نفسه، يحرس الناس ويسد الثغور ويتقي الناس به المكاره دون أن يأخذ حظه من الناس. وأمام هذه الخارطة المتشعبة من الابتلاء فإنَّ الظن الكريم بالله أن الأخ الذي يعاني هذا كله أو بعضه هو من أوسع الناس أجرًا، ومن أعظم الناس أثرًا، وهو من خيرة عباد الله الصالحين في هذه البلدة المقدسة. ولهذا لا عجب أن تأتي النصوص تبشره وتُبشِّر عامَّةَ من كان على هذه الشاكلة بأنَّهم أول الناس دخولًا للجنة يوم القيامة. فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاصي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراءُ والمهاجرون الذين تُسَدُّ بهم الثغور، ويُتَّقَى بهم المكاره، ويموت أحدُهم وحاجَتُهُ في صدره لا يستطيع لها قضاءً! فيقول الله عز وجل لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم. فتقول الملائكة: نحن سكانُ سمائك، وخِيرتُكَ من خلقك، أفتأمرنا أن نأتيَ هؤلاء فَنُسَلِّمَ عليهم؟! قال: إنهم كانوا عبادًا يعبدوني لا يشركون بي شيئًا، وتُسَدُّ بهم الثغور، ويُتَّقَى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء. قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب: {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده جيد، وقال الألباني: صحيح. أسأل الله جل جلاله أن يحفظ هؤلاء ويأخذ العيون عنهم، وأن يجزيهم خير الجزاء ويجزل لهم المثوبة والعطاء، وأن يقيض لهم من أهل الفضل من يقوم بحوائجهم، وألا يطول بهم الوقت حتى يصيروا إلى الهناء بعد الذي هم فيه من العناء، وأن يتقبل منهم ويعفو عنهم ويرفع أقدارهم ويحفظ أهلهم ويبارك في ذريتهم ويقضي حوائجهم ويحقق آمالهم ويبارك أعمالهم ويحفظ الصحة عليهم، إن الله على كل شيء قدير وبالإجابة جدير والحمد لله رب العالمين. محمد بن محمد الأسطل الأربعاء 15 صفر 1448 هـ الموافق 29-7-2026م. #منسيون_بين_الركام

مَنسِيُّون بين الركام ثمة فئاتٌ كثيرةٌ تُعاني وقد لا يُلتَفَت إليها أو يُلتفت إليها التفاتًا لا يغير شيئًا من حال المعاناة، وقد رأيت أن آتي بين الفينة والفينة على ما تيسر لي الانتباه له من حال هذه الفئات التي تعاني في سبيل الله. وأبدأ الآن بها مكتوبةً ولعلي أصير إلى التسجيل بعون الله تعالى. وأول الفئات التي أستهل بها هذه السلسلة: الإخوة المستهدفون من القيادات المجاهدة الميدانية ومن رجال السابع من أكتوبر ومن أصحاب التخصصات العسكرية والأمنية الذين يطالهم الاستهداف ومن على شاكلتهم من أبناء المجتمع. فالواحد من هؤلاء يعاني شحَّ الأماكن التي يجلس فيها، وهو على انتظار القتل، وكثيرٌ منهم ينتقل من مكانٍ إلى مكان، لا يكاد يجلس في مكانٍ يومين أو ثلاثة أو أسبوعين أو ثلاثة حتى يستعد للمكان الذي بعده، وأكثر الناس يتهيبون من استقباله؛ لأنَّ بطش العدو بلغ المنتهى إذ يقصف من يطاله. ثم إنه لو أراد أن يتخذ له مكانين يتنقل بينهما بحسب الظروف الأمنية فإنَّ المكان الواحد المكون من خيمةٍ أو خيمتين وحمام يشبه أن تبلغ تكلفته تكلفة بيتٍ صغير قبل الحرب؛ فبيت الخلاء يمكن أن تصل تكلفته إلى 2000 دولار، والكرسي وحده ثمنه اليوم في حدود 2000 شيكل أي ما يعادل 700 دولار. ولو كان لا يمتلك مغسلةً وبرميل ماء وبعض متطلبات السباكة الخفيفة فيمكن أن يُضاف 1000 دولار فوق ذلك. ولو أراد أن يضع ساترًا حول الخيمة وبعض المرافق الأساسية ليبقى مع ذلك محتفظًا بموقعه من التقلل لا يتجاوز من الحوائج إلا ما يتأكد.. فإنَّه يحتاج بضعة آلاف دولار، في الوقت الذي لا توجد فيه رواتب ولا يوجد فيه من يتكفل بهذه الحوائج. وهذا كله غير الطعام والشراب والدواء وما يستجد من الحوائج، ولو كان يُعاني الديون فإنَّ العبء النفسي أضعاف ذلك. ثم إن الغالب في حركته أنه لا يتحرك إلا فجرًا أو ليلًا، ولا توجد مواصلات، ولو تيسرت فإنَّ الظرف الأمني قد يجعله يتجافى الركوب مع العامة لئلا يُقصف أحدٌ بسببه، ولو أنه أراد أن يشتري دراجة كهربائية فإن ثمنها يوازي ثمن سيارة فاخرة قبل الحرب أو سيارة متوسطة الحال الآن. ومن ثم فليس أمامه إلا المشي، وقد يمشي في المشوار الواحد أكثر من 10 كم، وهذا يوقعه في المشي في جوف الليل أو في آخره منفردًا، والغالب أنه لا يوجد معه سلاح شخصي (مُسَدَّس)، ومن ثم فهو على خطر؛ إذ العدو وأدواته من العملاء قد تكون لهم حركةٌ خفيةٌ في الليل لتنفيذ بعض الأعمال الإجرامية. وأما نقاط رباط المجاهدين التي تحرس البلد عادةً فإنَّ العدو يتتبعها ليفرض المعادلة الأمنية التي يريد، ولهذا يكون المرابطون عادةً في غاية التخفي، والعدو يبحث عنهم باستمرار ويقصفهم كما يقصف نقاط الشرطة. وأمام هذا الوضع الذي يتطلب مال قارون فإنَّ الواحدَ من هؤلاء لا يسهل أن يعمل في أيِّ سلكٍ وظيفيٍّ أو مهني، كما أنه لا يجد من يكفيه المؤونة، وربما كانت الإعانة التي يأخذها في أحسن الأحوال عبارة عن كابونة أكثر أغراضها غير مطلوبٍ له، أو مساعدة مالية شحيحة، ولو جاء الراتب فأكثر الأوراق المالية مهترئة لا يقبلها الباعة في السوق، وربما كان مع ذلك يجلس في مكانٍ غير معروف فيه لأحد، ولو أن اسمه وُضِع في أي كشفٍ إغاثي لعُرِف مكانه بذلك. في لقاءٍ بأخي الشيخ نائل مصران رحمه الله ذُكِر هذا الأمر فقال: إنَّ اسمي مانعٌ من الدخول في أي كشف؛ لسهولة معرفة مكاني بذلك. والتعفف يمنع صاحبه من الطلب. ولقد بلغ الضيق المادي وفرط الحاجة ببعض الإخوة أن خرج وافتتح بسطةً يبيع ويشتري يقتات منها، ومن ثم تلقفه العدو بسهولة وتم استهدافه ليقضي نَحبه وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء. ثم إن الواحد من هؤلاء معظم مصالحه معطلة؛ إذ لا يستطيع السير في النهار، وهذا يحمل على دوام الجلوس في الخيمة وهو مظنة المرض، ومن ثم فهو يعاني من تعبٍ في الصحة وكثرة في الأمراض وخطرٍ في الحالة الأمنية. أحد خيار الناس في ديارنا الغزية كلها يقول لي: لقد غيَّرت مكاني واحدًا وثلاثين مرة، ولقد نحتت فينا الحرب وعملت عملها! فالابتلاء اليوم ابتلاءٌ نفسيٌّ وجسديٌّ وماليٌّ وأمنيٌّ واجتماعي. ومن أشق فصول الابتلاء في حياة هذه الفئة أنَّ كثيرًا من هؤلاء ما زالوا حتى اللحظة محرومين من الالتقاء بأهلهم، من الزوجة والولد، وإذا طغت المشاعر عند أحدهم وزار أهله فإذ هم (الملطش) الذي ينتظره العدو طويلًا إذ يدقق المراقبة عندهم ويتابع حركتهم وكثيرٌ من الإخوة تم استهدافهم عند هذا (الملطش) ليبقى الأخ حائرًا في الترجيح بين معاناة أعباء الاحتياط الأمني أو معاناة طغيان مشاعر الشوق. وكثيرٌ منهم قد يتمكن أن يرى أهله مرة في الشهر، وهي لا تغني شيئًا، ولا يتيسر للرجل أن يتابع حوائج أهله وتربية أولاده في هذا الظرف الذي تآكلت فيه كثيرٌ من القيم. يتبع

كنت قد ذكرت في رسالة (في غمرات الطوفان) التي كتبتها بعد نحو عام من اندلاع الحرب أننا صرنا كقمرٍ وجهه مقمرٌ مشرق والوجه الآخر قاتمٌ معتم، والخير وإن كان هو الأصل في الناس وهو الغالب إلا أنَّ الخَبَثَ كان كثيرًا. وهذا جارٍ على سُنَّةِ الله تعالى في الابتلاء؛ فالناس في الصبر وادعاء العفة والرجولة والكرم والأمانة والشجاعة والرحمة سواء، فإذا نزل البلاء تباينوا. ومن هنا انفلتت المعركة والناس موزعون بين أعلامٍ وأقزام. ومن أهم ما كان يُلاحظ أنَّ كثيرًا من الناس لم يكن يظهر عليهم سمت التضرع لله رغم شدائد البلاء التي تحيط بهم من كل جانب، وهذا يُذكِّرنا بكلام الله تعالى عن الأمم السابقة: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرَّعوا ولكن قَسَت قلوبهم وزيَّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون} [الأنعام: 43]. وكان من إفرازات ذلك أنَّ فئامًا من الناس صارت عندهم جرأةٌ على الله تعالى وجرأةٌ على حدوده وأحكامه، وصولًا لسب الله والعياذ بالله. وهذا ما دعا الإخوة الكرام في (ملتقى العلم والإصلاح في غزة) لإطلاق حملةٍ دعويةٍ بعنوان: (تعظيم الربِّ والدين). والرجاء أن تبدأ بعلاج المنكر وصولًا إلى العناية بأعمال القلوب ليتسع نطاق المستهدفين بها كما قال سبحانه: {ذلك ومن يُعظِّم شعائر الله فإنَّها من تقوى القلوب} [الحج: 32]؛ فلا يستغني عبدٌ صالحٌ عن ذلك أنى بلغ صلاحه وكثر خيرُه.

إنَّ القيامة ستشهد كثيرًا من العظماء الذين عرفوا الثغور الدقيقة فاجتهدوا في سدها وهم قد كانوا من الثغور التي كان ينبغي للمجتمع أن يسعى في سدها. إن هؤلاء من الكبار ولو ظنهم الناس من البسطاء. إنَّ خارطة الكبار والصغار في الدنيا ليست هي خارطة الكبار والصغار يوم القيامة.

من المعاني التي صرت عليها بعد أن لم تكن قبل معركة الطوفان أنَّ الحظَّ الذي ينفقه الرجل على بيته لا بد أن يتضاءل لينزل إلى الحدِّ الذي لا يُخلُّ به بالواجبات والمهمات فحسب؛ وذلك لصالح حمل مواقع المسؤولية الاجتماعية التي اتسعت بما لا يكاد الإنسان يتخيله. فالرجل الذي يخشى ربه ويفقه دينه لا بد أن تمتد مسؤوليته الاجتماعية لبيوت الذين فقدوا آباءهم أو أمهاتهم أو أكثر أولادهم بما جعل البيت كأنه يقف على رجلٍ واحدةٍ أو أقل. إنَّ أكثر ما يُقلق الإنسان في هذه الدنيا أهله. انظر إلى وصايا الشهداء المتتابعة التي تخرج، إنَّ كلَّ شهيد يبدأ وصيته بركنها الأول أنه يطلب من أمه المسامحة، ويذكر أباه وأفراد أهله، ويبقى يتقلب في الأفكار التي يوصي بها ولكن أهله يملأون وصيته، وربما كرر ذلك في وسط الوصية ونهايتها. إنَّ الرجل وهو يكتب وصيته ويستشعر الرحيل إلى الله يُسجِّل وصيته لتبقى كلماتها شاهدةً على مشاعر المقارنة بين الرغبة في لقاء الله العزيز والبقاء عند أهله ليقرر أنَّ لقاءَ الله تعالى أعز، لكن الدنيا بأسرها تكاد تُختَزل عنده في أهله وإخوانه، يذهب إلى الله وقلبه عندهم. حين رحل شهداء أُحُد إلى الله ووجدوا طيب مطعمهم ومشربهم ورأوا حسن منقلبهم لم يخطر ببالهم إلا إخوانهم الذين خلَّفوهم بعدهم، فرغبوا أن يعلموا بما هم فيه لئلا يزهدوا في الجهاد، فقال الله: "أنا أبلغهم عنكم" وأنزل سبحانه: {ولا تحسن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم..}، والحديث في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود بإسنادٍ حسن. فالأهل والإخوان والأصحاب هم الرابط العجيب! إنني شخصيًّا ما تألمت في المعركة على شيءٍ مثل فقد الرجال، وما تألمت في هذا على شيء مثل العجز عن العناية بأهالي الشهداء الذين عرفتهم، وكل ما أتعنى فيه من الزيارة والسؤال يعد صفرًا أمام كثرة الشهداء. لقد عرفت المئات من الذين رحلوا، كل واحد له قصةٌ وأحوالٌ ومواقف، وكثيرًا ما أكون أمشي وأرى الرجل فيخيل إليَّ أنه فلان ثم أستذكر أنه الآن عند الله، {وما عند الله خيرٌ للأبرار}. تحملني كثرة الأعباء التي لا أستطيع مجاراتها كلها على تفكيرٍ طفوليٍّ أحيانًا؛ كأن أودَّ أن يكون يومي مائة ساعة أو مائتين، أو أن تتشقق مني نسختان: نسخة للكتابة والبحث والأعمال العلمية ونسخة للسير في أمور الناس ومتابعة أحوالهم، تكون النسخة الأولى في غاية التركيز بعيدًا عن الصخب، وتكون الثانية في قلب المعمعة، ثم إذا استيقظت من أحلام اليقظة وجدت نفسي في موازنةٍ شديدةٍ بين الخُلطة والعزلة لا يعين عليها إلا الله. ولهذا كله فإننا اليوم في وضعٍ استثنائي، والوضع الاستثنائي له حكمٌ استثنائي. ومن ذلك في باب المسؤولية الاجتماعية أنه لا ينبغي للرجل أن يجلس مع أولاده كل يوم، ويعيش حياته الطبيعية، ويزور ويلهو ثم هو مُكتَفٍ بموقع العطف على بيوت الآخرين الذين فقدوا آباءهم أو أمهاتهم عن بُعد، وربما كان غاية عمله أن يقوم بإرسالٍ مبلغٍ مالي يشعر أنه بهذا قد أتم الأمانة وقام بتكاليف المسؤولية. إن هذا جزءٌ جليلٌ من العمل لا سيما في هذا الوقت ولكنه ليس كل العمل، ومن لم يقدر إلا على هذا فجهده مشكور وسعيه مبرور، جزاه الله خيرًا وأحسن إليه. إنَّ من المسؤولية اليوم أن يقصد الرجل إلى أبناء إخوانه الشهداء ويجلس معهم ويُشرف جزئيًّا على تربيتهم، ويتابعهم في ذلك، ويتفقد الأهل بما تيسر إذا كانت له مُكنةٌ من نفسه أو من أهل الخير، ويعامل هؤلاء كما يعامل أولاده أو أشد. إنَّ من عبودية الوقت أن يكون الرجل أبًا لعددٍ من البيوت فيما يقدر عليه، وإن حلولنا الاجتماعية لا تنحصر في الزواج والتعدد فيه؛ بل تمتد للمشاركة الاجتماعية في تفاصيل الثغور الجزئية، والصادق يهديه ربه وقد قال سبحانه: {ومن يؤمن بالله يَهدِ قلبه}. إنَّ المجتمعَ قد يكون فقيرًا في المال ولكن لا ينبغي أن يكون فقيرًا في المشاعر والحنان والحب والرعاية والتوجيه. ثم إنَّ الحرب قد غيَّبت الكثيرين ولو كانوا أحياء؛ كالقادة بمختلف مراتبهم ومن هم كذلك في مظنة الاستهداف؛ فهؤلاء لا يقدرون على الجلوس عند أهلهم، ولا متابعة زوجاتهم وأولادهم، وأهلهم يملأون قلوبهم ومشاعرهم، فهنا لا بد للمجتمع أن يتقدم، وأن يتم الدخول من الأبواب، والله يوفق ويهدي ويسدد. يعجبني المحفظ الذي ينشط للعناية بأبناء هؤلاء، يتعب عليهم بصمت، وربما تكلَّف مالًا في تحفيزهم وهو فقير غاية الفقر. يعجبني الأخ الذي يتفقد أهل صديقه الذي رحل إلى الله، لم يعد ينتظر شكره في هذه الدنيا، ولكنه يقوم بواجب الوفاء، ويتعنى في تدبر ما يُسكِّن به حاجة بيت صاحبه، وربما تعنى في المواصلات وفي أدنى الأشياء، يريد أن يقضي حاجتهم وحاجته هو في نفسه لا يستطيع لها قضاء.

وصلنا إلى الوقت الذي يلزم أن تُوضعَ فيه مشكلاتُ البلد على الطاولة من غير تأخير، وأن يستنفر المصلحون لحلها، وأن تُطرَح الحلولُ بكلِّ واقعيةٍ وحكمةٍ وجرأة، وأن يُنفقَ على متطلبات ذلك بسخاء. لا بد لأهل البلد بعد أن بلغوا الإمامة في كونهم أشداء على الكفار أن يبلغوا الإمامة في كونهم رحماء بينهم.

أقدار الله سبحانه وتعالى عجيبة للغاية، خاصة لمّا يتعلّق الأمر ب"صناعة" الناس و"تقديمهم". إذ لولا أن استشهد عبيدة بن الحارث وحمزة رضي الله عنهما لما برز قادة السرايا الآخرون (لأنهما كانا الخيار الأول في قيادة السرايا، وكلاهما كهل، وبالتالي فإن الخبرة العسكرية لن تمرر طويلا إن واصلا). ولولا الاستشهاد المؤلم للقادة الثلاثة زيد وجعفر وبن رواحة لما برز فضل خالد بن الوليد رضي الله عنهم أجمعين، وغالبا ما كان سيتردد المسلمون في هل يكون قائدا رغم إثخانه في المسلمين أو لا.. ولولا استشهاد حملة القرآن في اليمامة لما جُمع القرآن في دفة مصحف واحد (على الأقل لن يكون الأمر بالشكل المبكر اليسير ذاك). وبالتالي فإن مقابل الاصطفاء أمانة كُبرى يحملها من لم يزل منتظرا حتى يُستحق وصف عدم التبديل. ويتطلب حمل هذه الأمانة الثقيلة من هؤلاء القلة الباقين إعمال عقلهم في شيئين رئيسين : - استدامة عملية تحميل الأمانة وصناعة القادرين عليها وحفظهم. - الحفاظ على منسوب الإيمان العام في السياق الحامل، حتى يكون هناك من يقوم بالأحكام تطبيقا ومن يُولّد بيئة يترعرع فيها الحملة القادمون. وقد ركّز الشيخ محمد بن محمد الأسطل حفظه الله على الجهة الأولى لأنها المفتاح الرئيسي للثانية، فلا تقوم الثانية إلا بها ولا تحتاج هي للثانية. وقد سمّاها سنة الاستبقاء، والمتأمل يعلم أنها من السنن التي تراها في السيرة النبوية، إذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل الناس إلى الحبشة ولم يطلبهم إلى وقت متأخر من المرحلة المدنية وذلك ليستبقي جذوة الإسلام كما هي، كما أنه أمر كثيرا ممن أسلم في مكة من القبائل المتناثرة بالعودة إلى قبيلته ونشر الدين إن استطاع، حتى لا ينقطع نور الدعوة إن أُخذ الحملة الرئيسيون بمكروه. وتنزيل هذا المعنى مما يحتاجه قطاع غزة الآن بشدة، وذكر الشيخ لذلك معالم بيانها : - [العناية بتنضيج العقول بسياسات منها حرق المراحل] إذ أن هذه المرحلة تفرض على المربين والمعلمين في غزة خاصة وفي غيرها بدرجة أخف أن يتخفف الناس من تكاليف التعليم الدقيق، دون المساومة على مركزيات كالارتباط بالقرآن والتزكية والوعي المجمل بالواقع. فلا ضير ألا يكون المرء حافظا للصحيحين ويتصدى لتعليم الناس دينهم، ولا مشكلة ألا يكون مدرس علوم الحاسب دون شهادة دكتوراه في التخصص إن كانت له كفاءة وتجربة. وموضوع التجربة هذا هو بالضبط الذي سيعوض التأسيس الطويل العميق، إذ أن الحديد يُحمى في أتون النار وتحت وقع الضربات ويصبح فولاذا بتارا. - ونقطة التجربة شرطها هو : [تقديم أصحاب الكفاءة من الصفوف الشبابية للثغور المتقدمة وصناعتهم في الميدان]، فلا يقال بعد الآن لما بان تأهله عند المربين والأساتذة : لا زال صغيرا، ولعله لا يستطيع ولا يقدر ووو، بل يُقدمّون بعد التوكل والتهيئة بالدعاء إلى مواطن الرباط المتقدمة، فيعنون قادة على المشاريع التقنية المعقدة، ومديرين لشبكات التعليم، ويتصدر بعضهم لسد مواطن الشهداء القادة في الرتب العسكرية، وآخرون يلتحقون معينين وأساتذة مع بقيّة العلماء الكبار في المكان الذي يكونون فيه. - ولكنهم ينبغي أن يعلموا على هدى، وأن ينشغلوا بالأهم قبل المهم. ولعل أكثر شيء ينقصهم هو إدراك الصورة الكبرى وحيازة النفس الاستراتيجي عند مقاربة الأمور لا الكفاءة العلمية أو الإدارية أو القتالية، وبالتالي فإن أهم يفعله العاملون الآن والذين سبق لهم باع في العمل هو [إعداد خارطة ثغور تضمن تغطية عامة الحوائج ما أمكن ذلك]. والثغور خمسة أنواع بشكل عام : ثغر إيماني (ما يتعلق بالتزكية والتربية)، ثغر تدبيري (سياسة واقتصاد وإدارة)، ثغر علمي (كل ما يتعلق بالمعرفة)، ثغر إعلامي وثغر حاجي (وهي عامة حوائج الناس المعروفة من الأكل والشرب والتطبيب)، وكلها محتاج إليها الآن وحالا. - ونظرا لطبيعة هذه الحاجة وإدراك العدو لها، فإنه يسعى ما استطاع في اجتثاث جميع من يمكن أن يُكوِّن القائمين على هذه الثغور، وإن استطاع : تدمير البراعم الجديدة نفسها إما قتلا أو سجنا أو تهجيرا أو تصفية بأي وسيلة ممكنة، وعليه فإن [إنتاج أوضاع أمنية تقلل عدد المستهدفين وتوقف النزيف البشري الهادر] في هذه الكوادر، وهذا ينفر له القادرون في السياق الواقعي بتهيئة المخابئ وأماكن الكمون والاختفاء، وبتعليم الناس أساسيات الأمن الشخصي، ويشتد فيه العتب والواجب على متخصصي الأمن السيبيراني والخصوصية في جميع الأقطار الإسلامية لإعانة إخوانهم في هذه المناطق المَخوفة المركزية، سواء بتدريبهم أو إسنادهم بحلول جاهزة يمكنهم أن يعملوا بها مباشرة. هذا وإن هذه المسؤولية كبيرة جدا، ولا يمكن أن يلبيها المرء دون معونة من الله عظيمة وخير منه كثير وتوفيق منه واسع. #قواعد

بخصوص المنشور السابق الذي أعدت تحويله فقد أطلعني الله على تعقيب حسن لقناة اسمها (رباط الخيل) على المنشور، ولست أعرف صاحبها لكن تعقيبه حسن، جزاه الله خير الجزاء وأجزل له المثوبة والعطاء. وهذا نقل التعقيب عن قناته:

الوجه المقابل لاصطفاء الشهداء هو زيادة المسؤولية في حقِّ من أنجاهم الله بحسب سُنَّةِ الاستبقاء، وهذا يوجب فقهًا خاصًّا للمرحلة الحَرِجة من عناوينه: - العناية بتنضيج العقول بسياساتٍ منها حرق المراحل. - تقديم أصحاب الكفاءة من الصفوف الشبابية للثغور المتقدمة وصناعتهم في الميدان. - اتضاح خارطة الثغور لضمان تغطية عامة الحوائج غاية الإمكان. - إنتاج أوضاع أمنية تقلل أعداد المستهدفين وتوقف النزيف البشري الهادر. ومن الله استمداد العون الكبير والخير الكثير والتوفيق الواسع.

الوجه المقابل لاصطفاء الشهداء هو زيادة المسؤولية في حقِّ من أنجاهم الله بحسب سُنَّةِ الاستبقاء، وهذا يوجب فقهًا خاصًّا للمرحلة الحَرِجة من عناوينه: - العناية بتنضيج العقول بسياساتٍ منها حرق المراحل. - تقديم أصحاب الكفاءة من الصفوف الشبابية للثغور المتقدمة وصناعتهم في الميدان. - اتضاح خارطة الثغور لضمان تغطية عامة الحوائج غاية الإمكان. - إنتاج أوضاع أمنية تقلل أعداد المستهدفين وتوقف النزيف البشري الهادر. ومن الله استمداد العون الكبير والخير الكثير والتوفيق الواسع.

إذا أراد الله بقائدٍ خيرًا جمع عليه القلوب، وآتاه القدرةَ على التجميع بين القلوب، والقدرةَ كذلك على تحريك الناس باتجاه الهدف ليسيروا إليه بعد ذلك ويعتكفوا على أعبائه من غير أن يستنفرهم أحد، وهذا هو فحوى القيادة التحويلية التي تعني قيادةَ الأتباع بالإقناع.

إن الأزمات المتتابعة تُحوِج إلى تقوية الظهر حين لا يتيسر تخفيف الحمل، ولهذا فالكلمة الطيبة المشحونة بالرحمة والحكمة وبث الأمل تعين الإنسان في قطع الطريق. ونحن في طريقٍ نقطعه إلى الله عز وجل وهو مليءٌ بالعقبات وصنوف الابتلاءات، ومن الفقه أننا إن لم نستطع أن نعين بعضنا فلنهَوِّن السير على بعضنا؛ فإن الطريق الطويل يهون بتقارب الماشين فيه.