uk
Feedback
محمد بن محمد الأسطل

محمد بن محمد الأسطل

Відкрити в Telegram

قناة علمية دعوية

Показати більше

📈 Аналітичний огляд Telegram-каналу محمد بن محمد الأسطل

Канал محمد بن محمد الأسطل (@mastal) у мовному сегменті Арабська є активним учасником. На даний момент спільнота об'єднує 43 242 підписників, посідаючи 1 418 місце в категорії Релігія і духовність та 1 357 місце у регіоні Саудівська Аравія.

📊 Показники аудиторії та динаміка

З моменту свого створення невідомо, проект продемонстрував стрімке зростання, зібравши аудиторію у 43 242 підписників.

За останніми даними від 12 червня, 2026, канал демонструє стабільну активність. Хоча за останні 30 днів спостерігається зміна кількості учасників на 977, а за останні 24 години на 70, загальне охоплення залишається високим.

  • Статус верифікації: Не верифікований
  • Рівень залученості (ER): Середній показник залученості аудиторії становить 36.51%. Протягом перших 24 годин після публікації контент зазвичай збирає 18.42% реакцій від загальної кількості підписників.
  • Охоплення публікацій: В середньому кожен допис отримує 15 784 переглядів. Протягом першої доби публікація в середньому набирає 7 964 переглядів.
  • Реакції та взаємодія: Аудиторія активно підтримує контент: середня кількість реакцій на один пост – 0.
  • Тематичні інтереси: Контент зосереджений навколо ключових тем, таких як رَمَضَان, عَدُوّ, لَيلَة, صَلَاة, كِتَاب.

📝 Опис та контентна політика

Автор описує ресурс як майданчик для висловлення суб'єктивної думки:
قناة علمية دعوية

Завдяки високій частоті оновлень (останні дані отримано 13 червня, 2026), канал підтримує актуальність та високий рівень охоплення публікацій. Аналітика показує, що аудиторія активно взаємодіє з контентом, що робить його важливою точкою впливу в категорії Релігія і духовність.

43 242
Підписники
+7024 години
+1737 днів
+97730 день
Архів дописів
أخذ الله كثيرًا من عباده إليه على سُنَّة الاصطفاء وأبقى كثيرًا ليواصلوا رباطهم في مواقع نصرة دينه على سُنَّة الإبقاء، وهذا إيذانٌ بأنَّ من أبقاه الله وأنجاه عليه مسؤوليةٌ كبيرةٌ تتسع يومًا بعد آخر باتساع الثغور التي خلَّفها رحيل الشهداء.

الوجه المقابل لاصطفاء الشهداء هو زيادة المسؤولية في حقِّ من أنجاهم الله بحسب سُنَّةِ الاستبقاء، وهذا يوجب فقهًا خاصًّا للمرحلة الحَرِجة من عناوينه: - العناية بتنضيج العقول بسياساتٍ منها حرق المراحل. - تقديم أصحاب الكفاءة من الصفوف الشبابية للثغور المتقدمة وصناعتهم في الميدان. - اتضاح خارطة الثغور لضمان تغطية عامة الحوائج غاية الإمكان. - إنتاج أوضاع أمنية تقلل أعداد المستهدفين وتوقف النزيف البشري الهادر. ومن الله استمداد العون الكبير والخير الكثير والتوفيق الواسع.

في الحرب كان الشهداء من العامة والخاصة، وبعد توقف مرحلتها الصاخبة صارت تتركز في الخاصة، واليوم تقدم غزة فلذات أكبادها وتجود بخيرة رجالها من جبالها وأوتادها، وإنه لثمنٌ لو تعلمون عظيم، ولكنه في سبيل ربٍّ كريم.

فرض العدو المعادلات بالإبادة لا بالشجاعة، ولهذا توغل بعيدًا بعيدًا في نَحر الأخلاق وهدر الحُرُمات وارتكاب الموبقات، لكن هذا يصنع إخضاعًا شكليًّا، والمرحلة مرحلة إعادة تماسك وبناء وتكيف مؤقت مع الشدائد لا استسلام ولا انحناء. أو إن شئت فقل: قد ننحني للريح عند هبوبها ولكننا للريـح لا ننقــــاد

سطوة العدو الصهيوني القائمة اليوم ليست هي الوضع الطبيعي ولا الدائم، وحتى نفهم مجريات الحاضر فلا بد من العودة إلى الماضي قليلًا: حين طالت الحرب ولم يتمكن العدو من إخضاع البلد لقريبٍ من السنتين مع تململ الجنود الذين لم يعودوا يحتملون طول الحرب وكثرة الخسائر لجأ إلى سياسة (القتال بدون قتلى)؛ وذلك بألا يخرج الجنود من الدبابات، وبهذا لا يتسلط عليهم المجاهدون بالإغارات والكمائن. وبحسب هذه السياسة التكتيكية ربما مكث الجندي في الدبابة أسبوعين أو ثلاثة لا يخرج، ومع ذلك يسَّر الله للمجاهدين تنفيذ عددٍ جيدٍ من العمليات عند تغيير النوبات أو رغبة بعض الجنود في التفلت قليلًا من الحبس القهري الذي صاروا عليه. وهذا الوضع آل بكثيرٍ من الجنود إلى الانتحار حتى بعد العودة إلى الخدمة، حتى صار انتحار الجنود أمرًا ظاهرًا لا يخفى. ولما قرر العدو إبادة مدينة غزة والسيطرة التامة عليها وتهجير أهلها إلى الجنوب كخطوةٍ مركزيةٍ على طريق التهجير الكلي اعتمد سياسة (القتال بدون قتلى ولا قتال!). فكيف ذلك؟! لقد كان قد جرَّب سلاح الروبوتات في الجنوب وغيره، بحيث كان يأتي بالناقلة يملؤها بالمتفجرات ويقوم بنسفِ مربعٍ سكنيٍّ كاملٍ حتى يصبح ركامًا بضغطة زر، ويذهب كل شيء فيه بنفس ضغطة الزر. وحين ذهب إلى غزة قرر ألا يخوض مواجهات مع المجاهدين، فكان يأمر الحي الذي يريد السيطرة عليه بالإخلاء التام، ويقوم بقصفٍ بركانيٍّ مجنونٍ لكثيرٍ من أبنيته ومُقدَّراته على سياسة الأرض المحروقة، ثم يضع الروبوت ويقوم بنسف المربع وتدميره كاملًا بضغطة زر. وكلما انتهى من مربع سكني انتقل للذي بعده. فهنا لم يجد المجاهدون أحدًا من جنود العدو يقاتلونه أو ينصبون له الكمائن أو يشنون عليه الإغارات. هنا في هذه اللحظة تفاوتت أنظار المجاهدين في الرأي المناسب مع هذا الوضع الجديد، وذهب أكثر القادة إلى أنَّ الحكمة تقتضي أن يتغير تكتيك القتال معه إذ لا مطمع في استنزافه بحسب هذا الحال، خاصة أن العدو قد فصل فصلًا تامًّا بين الأخلاق والقتال، ولم يُبقِ أيَّ قدرٍ من دينٍ أو رجولةٍ أو مروءةٍ أو أخلاق، ولم تستطع أي قوة في العالم أن توقف جرائمه التي لم يكن يبالي بتنفيذها على الهواء مباشرة. وزاد من اعتماد هذا التوجه أنَّ خِذلان غزة من القريب والبعيد كان هو سيد الموقف وعنوان المشهد، ومن هنا تم القبول بورقة ترامب لوقف التهجير والإبقاء على ما تبقى من غزة. وكان الثمن الباهظ الذي يعلمه المجاهدون من أول يوم أن سلاح العدو سيتوقف عند عموم الشعب بينما سيتركز على خصوص المجاهدين الذين لن تتوقف الحرب في حقهم؛ لعلمهم القاطع أنَّ العدو لن يلتزم بأي اتفاق. وقد كان هذا التصور واضحًا من أول يوم، وسمعته من بعضهم، وكان لي رأيٌ آخر لا حاجة لبيانه. وفي ظل هذا الوضع تمثلت سياسة المجاهدين في اعتماد المناورة أصلًا في التعامل مع العدو ومع النظام الدولي الذي يمده ويؤازره، وذلك بهدف إطالة الوقت ما أمكن، مع حسن الظن بالله أن يهدي ويسدد وينصر. والصورة الظاهرة من المشهد في خصوص اللحظة الراهنة أنَّ العدو قد تمكن من إخضاع البلد، ولكنه إخضاعٌ شكليٌّ لا يتجاوز الحالة الظاهرة، وهو من الأمر العارض. ومع ذلك فالعدو ترضيه الشكليات لانحصار موازينه في الماديات، ولعله مغترٌّ بالتوسع في استهداف المجاهدين والقادة والقصف المتكرر لحواجز الشرطة علامةِ ضبط الحالة الأمنية في البلد. وليس هذا التصور بدقيق وإن كان عالي الثمن، وقد مضت سنة الله أن لكل شدة مدة، وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

احتلال الغرب للبلاد الإسلامية احتلالًا بالوكالة طارئٌ على الأمة، واجتماع الحجيج في عرفات وكذا في المسجد الحرام في الطواف وغيره يُذَكِّرُ الأمة بالحال الأصلي؛ فيجتمع الشامي والمصري والحجازي والعراقي والمغربي، يجتمع الشرقي والغربي، العربي والأعجمي في صعيدٍ واحد. وهذا الجمع العظيم يفتح مشروع وجوب جمع الأمة على كلمةٍ سواء وصولًا لاستعادة المركز السياسي العام للأمة المتمثل في الخلافة، والكعبة هي القبلة الجامعة، وقد جسَّد عمر بهاء الدين الأميري هذا حين قال: الكعبـة الشمـاء فـي مذهبـــي قيمتـهــا ليســـت بأحجارهــا والقرب من خالقها ليس فــي تشبــــث المـــــرء بأستارهـــا قدسيــة الكعبـــة فــي جمعها أمتنــــا من كــــل أقطارهـــــا وأنهـــــا محـــــــــور أمجادهـا وأنهــــا مصــــــدر أنوارهــــــا

التكبير زينة العيد، والله أكبر التي يصدح بها المسلمون تؤذن بأن قَدْرَ أمتنا أكبر من أن يختل رأسها وتنهب ثرواتها ويعتقل علماؤها ودعاتها ويُجرَّم مجاهدوها وحراس ثغورها ويُحارب إسلامها من داخلها. قدر أمتنا أكبر من أن يحكمها ظالمٌ هنا أو سفاح هناك، مجرم هنا أو مُحرِّف للدين هناك. إن أيام عشر ذي الحجة بما تشمل من صوم وحج ورجم للشيطان تؤذن بأن أمتنا ينبغي أن تملك كلمتها واستقلالها في سياستها واقتصادها وقوتها وإعلامها، وأن تكون لها الكلمة الأولى على أرضها ومعابرها وموانئها وعامة ثرواتها ومُقَدَّراتها. إن رسائل العيد ثقيلة، ومن سار على الدرب وصل.

لم تسل دماء الأضاحي في غزة هذا العام (1447 هـ) ولكن سالت دماء المضحين أنفسهم إذ قدمت غزة فلذات أكبادها قربانًا لله في يوم النحر وليلته.

إن الاغتيالات الممنهجة التي ينفذها العدو ضد كوادر المقاومة والأجهزة الأمنية، والتي طالت خلال حرب الإبادة الكفاءات في مختلف المجالات الأكاديمية والطبية والمجتمعية وغيرها، تضع الجميع أمام مسؤوليات جسيمة؛ مسؤولياتٍ تقع على المستهدَف نفسِه، وعلى قيادته، وعلى حاضنته المجتمعية. فهذا الكادر، خاصة إذا كان من أهل الكفاءة في مجال عمله، ليس من السهل أبدًا تعويضه على الأقل في المدى القريب. وأما القول بأن القائد يخلفه ألف قائد، واللواء يحمله ألف فارس، فهو -بقدر ما يعبّر عن أن المقاومة جدوى مستمرة، وأن اغتيال قادتها وكوادرها لا ينهي حركاتها ولا أفكارها- لا يتعارض، في الوقت نفسه، مع حقيقة أن اغتيال هؤلاء الصفوة يعرّض حركات المقاومة لتحديات جسيمة، ويعثّر مسارها، ويحقق لصالح العدو إنجازات تكتيكية مهمة. وفي المقابل، فإن هذه الاغتيالات، تضع المعنيين بتربية الأجيال بمختلف مستوياتهم -في البيت، والمسجد، والمدرسة، والجامعة- أمام استحقاق مركزي يتمثل في تربية النشء الجديد تربية إيمانية، وفكرية، وجهادية، بما يؤهله ليكون رافدًا لمسيرة المقاومة، وضمانًا لاستمرارها في هذه الديار المباركة. وهذا يتطلّب منهم، بدوره، وضع الخطط والبرامج التربوية غير التقليدية، التي تتناسب مع استحقاقات مرحلة ما بعد الإبادة؛ حيث واقعٌ جديد لا مثيل له يُقاس عليه. وبالتالي، فإن سلوك الطريق نفسه في ظل هذا الواقع الجديد مؤذنٌ بضياع الأعمار، والموارد، والجهود. وهذا فرعٌ عن أصلٍ نقول فيه: إننا -كأفراد، وحكومة، وفصائل، وحاضنة مجتمعية- نعيش واقعًا لا مثيل له، وإن التعامل معه بالأدوات والوسائل السابقة نفسها يؤدي بنا، قطعًا، إلى خسائر محقّقة. في واقعة اليمامة، استحرّ القتل في القرّاء، فخشي عمر الفاروق رضي الله عنه أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن، حتى لا يذهب القرآن بذهاب حفظته، فأشار على أبي بكر رضي الله عنه أن يجمع القرآن الكريم، ففعل ذلك، بعد أن تردد في البداية في أن يعمل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ. ولا شك أن وقعة اليمامة كانت من أهم الأحداث التي حملت الصحابة على جمع القرآن وتدوينه وحفظه في المصاحف. وتأسّيًا بفعل الصحابة الكرام، الذين واجهوا تحدّيًّا جديدًا فاستحدثوا وسائل جديدة لمواجهته، خوفًا من ضياع القرآن الكريم؛ فإنه يجب علينا بعد أن استحرَّ القتل في خيرة الكفاءات أن نبحث عن وسائل جديدة، تعوّض غيابهم، وتقلّل هامش الضرر الرهيب الواقع بسبب اغتيالهم. وهذه الوسائل ليست بالضرورة أن تكون محلَّ إجماع؛ فثمّة من قد ينظر إليها بعين التوجس أو يراها خروجًا عن المألوف، كما وقع التردد أول الأمر في مسألة جمع القرآن. غير أن التحديات الاستثنائية كثيرًا ما تفرض وسائل استثنائية، ما دامت منضبطة بالمقاصد والثوابت. وهذا ما يمكن أن تُجيب عنه ورشُ العمل التي يعقدها الحريصون على مناقشة هذه القضايا، وتحويلها إلى برامج عمل وخطط قابلة للتنفيذ.

لما أتى إبراهيم عليه السلام المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات، وتكرر ذلك عند الجمرتين الثانية والثالثة، وجُعِل رمي الشيطان من مناسك الحج. واعلم أنَّ جملة ما يرمي الحاج سبعون حصاة، ولم يُكتَفَ برمي يومٍ بل يرمي هذا العدد الكبير المتوزع على أكثر أيام الحج ليجتث هذا النُّسُك من صدره كل حنينٍ للباطل أو تصالحٍ معه، فيعود من حجه لينتظم في أعباء المدافعة بين الحق والباطل، فيكون على درب إبراهيم عليه السلام في مواجهة الباطل أنى كان الاسم أو الوعاء الذي تزخرف به.

استشهد محمد عودة قائد الكتائب الجديد خلفًا لأبي صهيـ.ـب الحـ.ـداد عليهما رحمة الله، وبهذا يكون جميع قادة الصف الأول قد قضوا نحبهم، وصارت أمانة الجهاد بيد الأبناء، والمرجو أن تُدار هذه المرحلة الدقيقة بتآخٍ بين الحكمة والعزم والدهاء، وأعان الله من يستلم الراية ويواصل المسير. ومما يُستحضر هنا أن محمد الضيـ.ـف الذي قاد الكتائب وصيَّرها بفضل الله ثم بجهوده وجهود إخوانه جيشًا تمكن من مقاتلة النظام الدولي على مدار سنتين طويلتين قاسيتين في حرب إبادة كان عمره حين استلم الراية سبعةً وثلاثين عامًا. والأجيال كالنبات يخلف بعضه بعضًا، وقد روى ابن ماجه بسندٍ صحيح من حديث أبي عِنَبَة الخولاني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته".

لم يتمكن جمهور أهل غزة من الأضاحي هذا العام، ومما يُواسَى به الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحَّى عمن لم يُضحِّ من أمته، وأنَّ أصل الأضحية تضحية إبراهيم عليه السلام بولده وتضحية إسماعيل عليه السلام بنفسه، فلما نجحا في ابتلاء التضحية كان الفداء في الذبح الذي صار أصل الأضحية. وقد أدى أهل غزة ما عليهم، وجاهدوا في الله وصبروا وصابروا ورابطوا، فلم يؤتوا من تقصير ولكن من بطش العدو وإحكامه الحصار، وإن المرء ليبلغ بنيته ما لا يبلغ بعمله، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

بدخول العيد ينفتح باب الذكريات مع الشهداء، وبهذا تنفجر جروحٌ كانت نائمة، وتخرج زفراتٌ كانت كامنة. ومع اشتداد ألم الفراق لا سيما لكثرة الأحبة الذين رحلوا إلى الله فإنَّ مما يواسي الإنسان ذلك المعنى الذي وجدت القرآن يُثبِّت به القلوب ويسكب به على النفوس برد السكينة والطمأنينة، وهو وإن كان معروفًا ولم يكن محصورًا بالشهداء إلا أن إبرازه في آيات الجهاد والاستشهاد أو في سياق الحديث عن المعارك يعطيه تأثيرًا زائدًا في وقت الحروب يُقيت الإنسان وقت الحاجة لشدة ما يعرض على القلب من ألم الفراق. هذا المعنى هو أن الله يخبرنا في جملةٍ من المواضع أن الشهيد وكذا غيره لم يترك أهله لمكانٍ مجهول ومصيرٍ مجهول؛ بل إنه انتقل من المقام عند أهله إلى المقام عند ربه على ما هو عليه من السَّعد والأنس والرزق الحسن، فهو الآن عند الله، فليس الذي صار إليه هو المآل المخيف الذي تذهب عليه النفس حسرات؛ بل إنه عند الله الولي الحميد الرحمن الرحيم الرؤوف الودود الكريم. اقرأ هذا المعنى في هذه الآيات: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 158] {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198] {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54، 55]. وقد أبرز النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى يوم مؤتة حين أخبر الصحابة باستشهاد القادة الثلاثة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وقال وعيناه تذرفان: "ما يسرهم أنهم عندنا". فلو لم يقضوا نَحبَهم في المعركة لبقوا في الحياة عند نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولا ألذ في الدنيا من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم الآن عند ربهم! بل تجاوزت آية آل عمران ذلك حين ذكرت أن الشهداء مُعتنون بأخبار من خلفهم ممن لم يلحق بهم كما قال سبحانه: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ} [آل عمران: 170]، فهم يُسرَّون بلحوق من لحق بهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم، فهم الآن عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله. فيما من فقدت أحدًا ترجو أن يبقى عندك اعقل هذه البشرى من ربك.

الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدًا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة. الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه "لطائف المعارف".

في حجة الوداع وبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقف بعرفة نزل عليه قوله سبحانه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا}، فصار لنا بذلك منهجٌ وكلمةٌ في الناس ووزن راجحٌ في الأمم. ومن تلك اللحظة بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يودع أصحابه ويؤذنهم بقرب رحيله عنهم بعد أن أدى الأمانة وبلغ الرسالة. وبموته انقطع الوحي عن الأرض، وأصبحنا نواجه الأحداث بلا نبيٍّ أو رسول، فحين تكثر الآراء فمن الذي يفصل ويُصوِّب؟ وحين تتزاحم الحظوظ وتقوم الشهوات فمن الذي يربي ويهذب؟ إن الصحابة قالوا: ما أضجعنا رسول الله في قبره حتى أنكرنا قلوبنا! فماذا لرجال أزمنة الفتنة أن يقولوا! لقد أصبحت قسوة القلب شكوى ذائعة، فلا تكاد تجالس أحدًا إلا ويشكو لك نكرانه لقلبه، حتى ربما امتد ذلك للأزمنة الفاضلة والأمكنة الفاضلة. ومما يواسي هنا أنَّ الدين الذي ننتسب إليه دينٌ كامل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان غائبًا عنا إلا أنه حاضرٌ بسنته، ومن أدمن النظر في كتاب الله تعالى ودواوين السنة وحافظ على حظِّه من التهجد فإنه أقرب إلى العافية وأدنى من التوفيق والسداد والعصمة.

حين تجد المكان الذي يقف فيه الحجاج يؤدون ركن الحج الأعظم والذي تُغفر فيه الذنوب وتُقضى فيه الحاجات ويباهي الرب الكريم ملائكته بالواقفين فيه بل ويدنو ثم هو جبل أصم وصحراء جرداء بلا تعقيداتٍ وبلا صورٍ للحضارة المادية تدرك أنَّ أعظم مطلوبٍ هو نقاء الروح وصفاء القلب، وأنَّ المادية لا تُشبع الروح وإن غذَّت الجسد، وأن الوصول إلى المادة والدنيا والعالَم لا يستلزم الوصول إلى القلب والدنو من الرب. فيتحصل أنَّ رحلة الوقوف بعرفة هي رحلةٌ إلى الله حقًّا، وإن لم تدركها بجسدك فلا أقل من أن تعيش طرفًا منها بقلبك، وباب الله مفتوحٌ وفضله ممتد لا ينقطع.

يتعدد سبب المغفرة، وتتوارد المغفرة على نفس الزمن من غير وجهٍ وسببٍ كالسنة التي تُغفَر بصيام عرفة هذا العام وكذا بالذي قبله وبعاشوراء وغير ذلك؛ زيادةً في شرف العاملين عند الله، ولعرض أسمائهم في سجلات المغفور لهم مرةً بعد مرة، فيحسن موقعهم عند الله، ولو لم يُقبل بعض العمل أو داهمته المحبطات جبر العمل بعضه بعضًا. ثم إنَّ الكمال درجات؛ فالذنوب التي تتوارد عليها أسباب المغفرة يصبح محوها أكمل كالثوب الذي تتوارد عليه وسائل التنظيف ويتكرر غسله فإنه يزداد نقاءً وطِيبًا.

شريعتنا تتسع للمذنب والمخطئ، فمتى أخطأت أو أذنبت وأردت أن تستدرك على نفسك وتصلح ما بينك وبين ربك، وتعيد ترتيب خاصة نفسك، وتنصر دينك.. فالطريق مفتوح، وأعظم بوابته عشية يوم عرفة. فأحسن العناية بيوم عرفة، وأقبل على ربك، وارجُ الخير، وإنه ليوم جليلٌ يستحق أن تؤجل عامة المصالح لأجله، والله يتولاك ويرعاك ويفتح عليك.

لا ينبغي لعاقل أن يُفطر في يوم عرفة، ومن كان يجد مشقةً في صومه فليحتمل إلا أن يجد ضررًا، وليحث غيره وليذكر أهل بيته.

استعد ليوم عرفة بتجهيز الأدعية التي تتضمن ترتيب مسيرة حياتك في عامٍ يأتي أو ما هو أكثر من ذلك؛ فإنَّ أدعية عرفة مرفوعةٌ مسموعة. واجتهد وسعك أن تُفطِّر بعض الصائمين فيه؛ إذ صيامه يُكفِّر ذنوبَ سنتين، وفي الحديث: "من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره"، فلو فطَّرت عشرةً فيُرجى أن يُكفِّر الله عنك ذنوب عشرين سنة ولو كانوا من أهل بيتك. وقل مثل ذلك في صيام يوم عاشوراء لكنه يكفِّر ذنوب سنةٍ واحدة، وفضل الله واسع.