en
Feedback
مدونة محمد نور الإسلام بن عباس

مدونة محمد نور الإسلام بن عباس

Open in Telegram

تذكر إذا ما قيل حق وباطلُ خِتام النبيين النبيُّ المقاتلُ رسالته يُملى بحبرين متنُها فأسودُ مطبوعٌ وأحمرُ سائلُ وآياتها أبناؤنا وبناتُنا ومصحفها أحياؤنا والمنازل

Show more
2 839
Subscribers
-224 hours
-77 days
-1830 days
Posts Archive
وإذا كان معيار العقلانية هو القدرة على المراجعة الداخلية وتمييز الدعوى من الدليل، فإن هذا المعيار لا يخرج الدين من دائرته بحكم مصدره المتعالي، إذ إن تاريخ تشكل المذاهب وتعددها وآليات الاجتهاد يقدم أدوات مراجعة لا تقل انضباطا عن نظيراتها العلمانية عند المساواة. فمصدر المسلمة شيء، وقابليتها للمراجعة شيء آخر، ولا يلزم من تعالي المصدر انغلاق النسق. ومن يظن نفسه تحرر من كل مرجعية بمجرد رفضه المرجعية الدينية يغفل أن أشد المسلمات تحكما في وعي صاحبها أقلها ظهورا له، فحين تصبح المسلمة عدسة يبصر بها كل شيء، يستحيل أن ترى هي نفسها موضوعا للرؤية. لهذا كانت الجينيالوجيا الحديثة، في نسختها الأسدية مثلا، تحاول أن تحلل وتجلي هذا الغبش. فـ"الديني" و"العلماني" عند طلال أسد مقولتان تشكلتا تاريخيا معا، ولا وجود لـ"العلماني" كموقف طبيعي سابق ينتظره الدين ليتحرر منه، وإنما هو بناء تاريخي له سلطته ومؤسساته وتقنياته في إنتاج الذات، تماما كما للديني بناؤه، ويوازي هذا عند تشارلز تايلور تفكيك فكرة الذات المنفصلة، تلك الذات التي يفترضها العقلاني الحديث معطى إنسانيا ثابتا، بينما هي عند تايلور إنجاز تاريخي غربي محدد، له شروطه في تطور اللاهوت والعلم والدولة الحديثة. فمن لا يشعر بمرجعيته ولا يدرك وجودها ليس من لا مرجعية له، بل غالبا استبطنها حتى صارت شرط رؤيته لا موضوعها. وهذا أعمق ضروب التبعية لا أرقى ضروب الحرية، لأن الخضوع الذي لا يرى أصعب على المساءلة من الخضوع المعلن باسمه. في ظل كل هذا فوجئ ذلك المستلب بانفتاح الأكاديمية الغربية نفسها على أطروحات كان قد صنفها في معجمه العتيق مع "الأصولية" و"الرجعية" و"تراث العصور الوسطى". فهذه صبا محمود، الأستاذة السابقة بجامعة بيركلي، تفكك خطاب الكونية الغربية ومقولات حقوق الإنسان الفردانية، وطلال أسد أحد أعلام الأنثروبولوجيا الغربية المعاصرة، يسلخ خطاب التنوير من جذوره بالمنهج الجينيالوجي نفسه الذي أشرنا إليه، وسلمان سيد في جامعة ليدز، وعويمر أنجم، ينظران حول الخلافة وأهميتها للذات المسلمة اليوم؛ والقائمة غير منتهية. ولم يفهم القوم شيئا مما حدث، وأدى هذا إلى تحرر بعضهم، وبعض من تحرر منهم ظل مستلبا، لأن تحرره كان من الخجل لا من المرجعية، أي من أن يفقد الاحترام وسط جماعته، لا من أن يخرج من دائرة الحكم عليه، ولكن التحرر من الخجل لا يعني التحرر بالألف واللام، لأن الغرب هو من قيده ابتداء وهو من حرره انتهاء، وبين العمليتين يظل الغربي هو المعيار، وفق منطق لا يبتعد كثيرا عن التقليد التاريخي نفسه الذي انبثقت منه أنساق العقلانية الحديثة التي ناقشناها آنفا، فهو منطق يجعل من تقليد بعينه، لكونه صاحب السلطة التاريخية والسياسية على التسمية، حكما على غيره، فيأخذ هذا المستلب، دون أن يشعر، أعز مقولات السوفسطائية الغربية: الإنسان معيار جميع الأشياء، معيار الحق والباطل، ومعيار الصحة والخطأ. وهذا هو بيت القصيد المنطقي في المسألة كلها فالتحرر عنده الذي يحتاج إلى شهادة من المركز ليس تحررا، لأنه لا يزال محكوما ببنية الاعتراف ذاتها التي كانت تحكم استلابه من قبل، وقد تغير مضمون الحكم لا مصدر السلطة المصدرة له. والفكرة التي لا تثق بنفسها إلا إذا وجدت لها نسبا غربيا فكرة لم تستعد بعد حقها في الوجود. والسؤال الذي كان ينبغي أن يطرح، ولم يطرح، هو لماذا احتجنا إلى أن يبدأ الغرب في نقد نفسه حتى نسمح لأنفسنا بمساءلة ما كنا نراه من قبل بديهيات؟ وهذا السؤال وحده كاف للكشف عن عمق المأزق، لأنه يظهر أن نقطة الارتكاز لم تتغير، بل تغير فقط اتجاه الإشارة عليها.

من النقاشات التي كانت/لا تزال منتشرة بكثرة في الفكر العربي تحديد هوية طه عبد الرحمن الفكرية، بين من يعتبره فيلسوفا، ومن يعتبره متكلما/متصوفا/تراثيا، والحكم هنا تفاضلي لا وصفي، فالمتكلم/المتصوف/التراثي عند هؤلاء دون الفيلسوف في القيمة، مع الحفاظ على مفهوم الفيلسوف الكلاسيكي بماصدقه اليوناني. وليس المهم هنا الجواب، ولا الترجيح بين الوصفين، بل منطق المفاضلة نفسها، فلماذا كان من الضروري، في وعي بعض المشتغلين بالفكر، أن ينتزع طه عبد الرحمن من فضاء "الفلاسفة" ليهبط إلى فضاء "المتكلمين/المتصوفين/التراثيين"؟ هذا النقاش يعبر في جزء منه عما أسميه بالخجل من التصنيف تراثيا، أي أن المشتغل بالفكر يحاول أن يتقمص دورا محدد الأوصاف قبليا حتى ينال التقدير وسط الجماعة الفلسفية، وإلا تعرض للتهميش والاتهام بالتراثية، وهذا السعي الهروبي يترجم نفسه في اللغة والمفاهيم والمصطلحات، فتجد استخداما للغة مسبوكة على مسلك اللوغوس الإغريقي، حاضرة حتى عند المؤمنين منهم، لأن إيمانهم غير برهاني بالأساس، وإنما تدين يستعير شرعيته من نسق لا يعترف بمصدره. وهذا الخجل لايمكن اختزاله في مجرد كونه "مشكلة نفسية"، ربما يكون النفسي موجودا بنسب متفاوتة، ولكن للنفسي هنا قد يكون ناتجا/منتجا للمعرفي، إذ تعبر هذه الحالة بنية معرفية كاملة تقوم على اختزالات تقدم بوصفها بديهيات. وأولىهذه الاختزالات اختزال العقلانية في تاريخها اليوناني-الأوروبي، بحيث صار السؤال ليس: "هل هذا التفكير عقلاني؟" بل: "هل يشبه ما نسميه، بناء على تاريخ مخصوص، عقلانيا؟". وحين تقاس عقلانية طه عبد الرحمن بمعيار الفلسفة اليونانية-الأوروبية، لا يكون الحكم محايدا، وينتج عنه مجرد حكم تقليد على تقليد منافس متنكر في زي الكونية. والاختزال الثاني هو التماثل بين التحرر من المرجعية الدينية والتحرر نفسه. والحال أن الإنسان لا يفكر من فراغ، وهذه قضية معرفية تأسيسية، فكل نسق معرفي يستحيل أن يقوم إلا على مقدمات لا يبرهن عليها هو نفسه، وإلا وقعنا في تسلسل لا نهائي أو دور باطل، ولا مخرج منطقيا سوى الوقوف عند مقدمات تقبل ابتداء، أي قضايا لا تختبر هي نفسها، بل هي التي تجعل الاختبار ممكنا أصلا، تماما كالوحي عند المؤمن، والعقلانية والعلمانية والتقدم عند الحداثي. والفارق بينها ليس معرفيا/منطقيا، بقدر ماهو تاريخي، ورغم تاريخيتها اكتسب بعضها صفة "الطبيعي" حتى غاب عن الوعي أنها مسلمة، وبعضها بقي معلن الاسم ظاهر الحدود، فبدا "مرجعية" بينما بدا نظيره "خطابا عقلانيا" ومع ذلك فإن التسليم بأن كل نسق يبدأ من نقطة انطلاق غير مبرهنة لا يعني تساوي كل نقاط الانطلاق في مرتبتها، وهذا تمييز لازم يمنع الحجة من الانزلاق إلى تكافؤ زائف،فالمنطق الإيماني، في صورته العقلانية المحكمة، يبدأ من ضرورات عقلية سابقة على كل نص، مثل استحالة الدور والتسلسل في العلل، وافتقار الممكن إلى موجب، واستحالة ترجح أحد طرفي الممكن بلا مرجح. ومن هذه الضرورات ينتقل الاستدلال إلى إثبات موجب أول واجب الوجود، ثم من إثبات وجوده وحكمته إلى إمكان النبوة بأدلتها الخاصة من صدق المخبر ومطابقة دعواه لمقتضى الحكمة وقرائن الإعجاز، ثم يكتمل هذا البناء العقلي باستقراء لاحق يكشف تطابق التشريع مع البنى النفسية والاجتماعية للإنسان، فيما يعرف بالإعجاز التشريعي، وهو تطابق يصعب رده إلى الصدفة حين يقارن بسياق تاريخي لم يكن يملك أدوات المعرفة النفسية والاجتماعية الحديثة التي تكشف اليوم عن حكمة تلك الأحكام. فهذا مثلا بناء ثلاثي يبدأ بالضرورة العقلية، فاستدلال على النبوة، فاستقراء يؤكد صدق التشريع من داخل الواقع نفسه، يختلف جوهريا عن مسلمات من قبيل مركزية الفرد/استقلالية السياسة...الخ التي لا تقدم عادة على أنها نتيجة برهان، بل تستبطن ثقافيا بلا مطالبة بتبريرها أصلا. ومساواة النوعين، بدعوى أن "كليهما لا بد له من نقطة انطلاق"، إغفال لتفاوت منطقي حقيقي، لا إنصاف بينهما. ومع هذا التفاوت في مرتبة المسلمات، وبعيدا عنه في الوقت نفسه، حتى مع اقتناعك بالتماثل، يظل السؤال قائما بالإلحاح نفسه عن ازدواجية المعيار لماذا يقال للمؤمن أنت بدأت من نتيجة قبل أن تبدأ البحث، ولا يقال للآخر من أين أتيت بفكرة استقلالية السياسة أو أن الفرد هو وحدة القيمة الأولى!؟ والعقلانية الحداثية تتصرف أسسية صريحة حين تطالب المتدين ببرهنة كل مقدماته، وائتلافية ضمنية حين يتعلق الأمر بمسلماتها هي، فتحتمي بالشبكة كلما سئلت عن الأساس، وتطالب غيرها بالأساس كلما طلب منها تبرير الشبكة، وهذا في المنطق تطبيق لقاعدة التبرير على أحد الطرفين دون الآخر بلا مسوغ يخص بنية الطرفين ( يستند هذا إلى التمييز التمييز بين الأسسية، التي تفترض وجود مقدمات أولى لا تحتاج إلى تبرير لأنها بديهية بذاتها، وبين الائتلافية، التي ترى أن كل معتقد لا يتبرر إلا بعلاقته بشبكة من المعتقدات الأخرى)

لاحظت أن الذكاء الاصطناعي ينزع الحجاب عن صور النساء، وفي هذا ذكاء فعلي، ومراعاة للسياق، لأن الحجاب، والكثير من مظاهر الالتزام إنما ظهرت بقوة في الثمانينات، وسطها ونهايتها بصورة بارزة، وهذا من حسنات الحركة الإسلامية وتيار الصحوة الإسلامية عموما، وثمرة عمل بدأ منذ السبعينات، فمن الجيد هنا تذكر حسنات العاملين السابقين "والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم"

جربت ترند الثمانينات، لقيته صورني في صورة الشيوعي "الكحيان"... عنده وجه نظر جيدة على كل حال.
جربت ترند الثمانينات، لقيته صورني في صورة الشيوعي "الكحيان"... عنده وجه نظر جيدة على كل حال.

لمن يريد المتابعة مع أ.بلال

نبدأ على بركة الله مُتابعةَ شرح ديوان المتنبي للأديب أيمن العتوم، معتمدين في ذلك طبعةَ مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ولعلّها أفضل الطبعات تحقيقًا وضبطًا فيما أعلم. نسأل الله أن يوفّقنا ويعيننا على إتمامه، وأن ينفعنا بما فيه من علمٍ وأدب.

الخطر في غياب الرجل عن البيت/عملية التربية كامن في إمكانية حدوث انقطاع الفعل التربوي الذي تنتقل به الكليات الإنسانية من التجريد إلى التجسد، والتي لايمكن - علميا - نقلها بيسر وسلاسة إلا عبر الأب، فالطفل لا يتربى على المفاهيم في صورتها المجردة التي لا تنفع في الغالب، ولكنه يتلقى من خلال النماذج طرائق تحويلها إلى وجود مجسد، والأب يقوم بوظيفة نموذجية في بناء آليات التوجيه الذاتي/ضبط الدوافع/إدارة العلاقات/تحمل التبعات/تقدير الحدود/اكتساب المعايير بل حتى هويته الجنسية، وقابليات الاعتقاد عنه ( ويرجع هنا إلى نظرية بول فيتز في تفسير الكفران بالإله سيكولوجيا مثلا) تتأثر بحالة/وجود/فعالية الأب في الأسرة و انفصال الرجل عن تربية ابنه يقطع عنه أحد أهم مسالك التكوّن الذي ينتقل فيه من مجرد امتلاك الاستعدادات البيولوجية إلى اكتساب الصورة الاجتماعية والأخلاقية التي يحقق بها ذاته. ولا ينفع في مقام التربية، أن نعاند مقتضى البيولوجيا والسيكولوجيا باسم تصور تجريدي للإنسان، إذ ليس الإنسان كائنًا يستمد معانيه من التعريفات المجردة، وإنما يتكون داخل شكل حياة يعيش فيه المعنى قبل أن يصير قادرًا على التعبير عنه، وهنا يمكن ان نحيل إلى مفهوم شكل الحياة عند فتغنشتاين ونتوسل به للتوضيح هنا، فالتصور لا يقوم في اللفظ منفردًا، وإنما في الاستعمال الذي يجري داخل ممارسة إنسانية مشتركة وكذلك القيم والمعاني الرمزية التي يتكون بها الإنسان لا تستقر فيه بمجرد أن تُشرح له، بقدر ما يتلقاها في أنماط العيش التي يراها ويشارك فيها ويحتك بنماذجها، والصبي لا يكفيه أن يُقال له ما الرجولة، لأن الرجولة ليست مفهومًا نظريًا يحفظ/يلقن وإنما شكل من أشكال الحياة يتعلمه الصبي حين يراه أمامه. ويمكن للأم أن تعلم ابنها هذه المعاني وتدله عليها، وهذا فعل تربوي لازم، غير أن التعليم هنا يظل معرضًا لأن يبقى في مستوى البيان عن شكل الحياة، بينما الاحتكاك بالرجل الذي يجسدها ينقل الصبي إلى مستوى الدخول فيها بالمعايشة والتماهي، فالأم قد تقول له ما ينبغي أن يكون عليه الرجل، أما الرجل الحاضر فيتيح له أن يرى كيف يكون ذلك الشيء في الواقع، وأن يختبره في تفاصيل العيش اليومية. و المفسدة لا تكمن فقط في أن تتولى الأم قدرًا واسعًا من تربية ابنها أو كله كما هو حادث اليوم ( إن قدرت وتوفرت لها الاوقات أصلا) ولكنه في إخلاء المجال التربوي من النماذج الرجولية، لأنك حين تعزل الصبي عن الرجال ثم تعطيه خطابًا عن الرجولة، تكون قد أبقيت له الكلمات وأخذت منه شكل الحياة الذي يعطي هذه الكلمات معناها، ولا عجب ألا تنغرس تلك المعاني، ثم عندما تنتقل عملية التأسي بعد خروج الطفل كن مرحلة الطفولة المتأخرة من والده، وتتجه إلى الاصحاب والأقران وجماعة الرفقة، يتشبع بعدها الطفل بتلك النماذج، التي قد تكون فاسدة ومنحرفة، لأن جهازه الاقتدائي كان فارغا " فوجد قلبا فارغا فتمكنا".

أريد الإشارة كذلك إلى أن الممكن دومًا قابل للتحقق دومًا، وكل ماصنعه البشر يظل قابلا للتجاوز، ولهذا شواهد نصية، وشواهد واقعية تاريخية، والقول بهيمنة الدولة الحديثة، لا يستلزم القول بالتيئيس بالضرورة، إذ الدولة الحديثة ليس إلهًا ( وهي بالتعريف المآلي الحديث إله دنيوي نمرودي )، وإنكا الغاية فهم الواقع/الظاهرة كما هي، ثم استنفار العقول ( والجيوب) من أجل البحث عن مخارج تحريرية.

في الحقيقة أختلف مع اختلاف الأستاذة شيماء من وجهين الوجه الأول هو أت التمييز بين تفسير الظاهرة بجذرها النفسي وتفسيرها ببنيتها التاريخية المشخصة قائم على قاعدة منطقية، مفادها أن وجود المعلول في زمن سابق لا يلزم منه انتفاء علة مغايرة له في زمن لاحق، ذلك أن الاستدلال من وجود الشيء قبل الدولة الحديثة على بطلان تفسيره بالدولة الحديثة مغالطة صورتها الخلط بين هوية الظاهرة في تجريدها النوعي وهويتها في تحققها الشخصي، فانزواء الدين في مجالس وجدانية مغلقة ليس كليًا واحدًا يتكرر بذات الآلية السببية كلما وُجد، بل صورة عامة قابلة لأن تُنتج بعلل مختلفة بحسب الشرط التاريخي الذي تظهر فيه، فالتشابه الظاهري بين انزواء الدين في العصور الوسيطة حيث كانت السلطة تحتكر العنف والقرار دون أن تبلغ ذلك التغلغل الإداري الشامل الذي يعيد تعريف كل شيء وبين انزواء الدين في ظل الدولة الحديثة، لا يستلزم وحدة العلة، لأن المطلوب تفسيره هنا هو التحقق التاريخي المشخص بعينه لا الماهية المجردة للظاهرة. والثاتي يتعلق بشرط كفاية التفسير، فالحاجة النفسية إلى الطمأنينة والتفريغ الانفعالي علة مادية بالمعنى الأرسطي، أي شرط إمكان يهيئ المادة القابلة للتشكل، لا علة فاعلة تمنحها صورتها التاريخية الفعلية، والخلط بين العلتين مسكلة قائمة على مبدأ التفسير الناقص، حين يظن أن تفسيرًا أعم كالحاجة النفسية الكونية يُغطي الحالات الخاصة تغطية كافية، بينما الكفاية التفسيرية لا تتحقق إلا حين يبرر الشكل التاريخي المشخص لا مجرد الإمكان النوعي المجرد، فالطاقة النفسية القابلة للتصريف قائمة في كل إنسان وكل عصر، لكنها لا تتحول من تلقاء ذاتها إلى هذا الشكل المؤسسي بعينه، بهذا الخطاب وهذه العلاقة بالمعرفة والسلطة، إلا حين تتقاطع مع بنية تاريخية محددة توجهها وتصوغهاو تحالة الظاهرة إلى منشئها النفسي لا تغني عن تفسير طبيعتها الفعلية وآلية اشتغالها في سياقها إذ لا يُحدد أصل الشيء بالضرورة ماهيته الراهنة ولا وظيفته داخل النسق الذي يعمل فيه والبديل المنطقي عن افتراض علاقة سببية أحادية الاتجاه بين الميل النفسي الكامن والبنية التاريخية الناتجة هو ما يعرف في فلسفة العلم ب "القرابة الاختيارية"، أي علاقة تناغم وظيفي تنشأ حين تلتقي قابلية نفسية بمنطق بنيوي يلائمها، فيُخرجها من كمونها إلى فعليتها التاريخية دون أن يكون أحد الطرفين منتِجًا للآخر بالمعنى السببي البسيط ( ويمكن الإحالة هنا إلى فكرة السببية عند فيبر) ويصح القول إن الدولة الحديثة لم تخترع الحاجة إلى التزكية الوجدانية، بل التقت بقابلية سابقة عليها وأعادت تشكيلها ضمن منطقها الخاص، فأنتجت تحققًا نوعيًا يستحق تفسيرًا مستقلًا لا يُختزل في جذره النفسي ولا ينفى بذريعة سبقه التاريخي.

إشكالية عميقة ومؤثرة في حالة الخطاب الديني في الوقت الراهن، وإن كنت أختلف مع اعتبارها مرتبطة بشكل أساس بالدولة الحديثة، بل هي ظاهرة قديمة تمثل جدلية بين الدين والسلطة، وانزواء الدين في مساحات ناعمة ورومانسية أحيانا، تجلت في حركات صوفية وباطنية إبان عصور مختلفة، وتم تغذيتها آن ذاك بشكل متعمد كذلك لتفريغ الدين من المسئولية التي يضعها على عاتق معتنقيه. وبرأيي، رؤية امتداد هذه الجدلية في التاريخ مهم، حتى لا يحمل الخطاب نَفَسا تعجيزيا متمثلا في حصر الإصلاح في مواجهة الدولة الحديثة، لكن نفتح المجال لرؤية عمق الإشكال في التاريخ لملاحظة الروافد الأخرى النفسية والاجتماعية التي أدت إليه، ومحاولة البحث عن حلول بداخلها، يمكن إعادة هيكلة الخطاب الديني على أساسها..

عن مشكلة خطاب التزكية الانغماس في مجالس التزكية والسلوك، كما تُمارس اليوم، لا يمكن فصله عن التحول العميق الذي أحدثته الدولة الحديثة في حياة المسلم، من ناحية كونها احتكرت مجالات الفعل، وصادرت إمكان المبادرة، وأعادت تعريف الخير نفسه ضمن منطقها الإداري والأمني. لم يعد الفعل الديني حركة في العالم، بل تجربة داخلية محصورة في ضمير الفرد، تُدار وتُراقب كما تُدار بقية شؤون الحياة... ومجالس التزكية اليوم أصبحت ملاذًا نفسيًا للإنسان المقهور، شيء أشبه بما يسميه علماء النفس "الآلية التعويضية"، حيث يُفرغ الإنسان طاقته الأخلاقية والعاطفية في صورة وجدانية/نفسية/روحية، بمعنى ان التزكية تحولت إلى تجربة انفعالية مغلقة، تمنح صاحبها شعورًا بالصفاء والرضا، لكنها في الوقت ذاته تُعيد إنتاج عجزه وتطبيعه مع الواقع... يتحول فيها الدين إلى مجال للتصريف العاطفي، ولعلّ في قول الإمام أحمد عن مجالس الحارث المحاسبي: "مجلس خير، لا تعد لمثله"، وعيًا مبكرًا بهذا الخطر؛ فالإشكال ليس في الخير ذاته، بل في تحوله إلى بديل عن العمل، وإلى طمأنينة تحجب التوتر الضروري والوعي بالحالة الحضيضية التي يمر بها المسلم اليوم، لهذا لم أعد اجد غرابة في اعتزال الكثير من علماء خطاب التزكية الشأن العام، وهو الواقع الذي رأيناه مجسدا بصورة مؤسفة خلال الطوفان، بل لا تجد امتعاضا من تلاميذ ومريدي اعلام التزكية على هذا الوضع، لان تلك المجالس تحولت في حد ذاتها إلى نوع من المورفين المتحرك في دائرة الذوق لا غير.

Repost from HAMID
شاركوا المنشور عندكم .. لمن فاته التبرع المرة الماضية نعيد فتح التبرع من جديد لهذه الحالة الحرجة جدا علي حرب ابن شهيد مريض سرطان لوكيميا واعصاب معاق لايتكلم ولا يمشي، وأمه مريضة سرطان معدة مستاصلة جزء منها . أمه مازالت بحاجة للمساعدة، والأدوية من هذا النوع غالية جدا ولاتوفرها الجمعيات. هذا رقم بريدي موب الذي يتم اعتماده "لا تعتمدوا الذي في المنشور القديم" : 00799999001881651311 وفي الفيديو المرفق توثيق وصول التبرعات السابقة، وطلب أختكم الفاضلة أرملة الشهيد مزيدا من المساعدات لحالتها:

نكمل في مناسبة أخرى، هنالك الكثير من التفريعات والتفصيلات والتطبيقات في المسألة.

(6) وفي بناء مفهوم القوامة علينا أن نميز منذ البداية بين الحكم النظري المعياري وبين الحكم العيني المتعلق بالأشخاص. فالقوامة في أصل تقريرها، حكم نظري يصف الصورة التي ينبغي أن تنتظم عليها العلاقة الزوجية بالنظر إلى ما يفترضه التشريع من خصائص الرجل والمرأة، ومن اختلاف الوظائف والتكاليف والمسؤوليات، أي إنها لا تقول إن كل رجل، لمجرد كونه رجلًا، قد تحقق فيه بالفعل معنى القوامة بكل شروطه، وإنما تقرر أن بنية الأسرة في صورتها المعيارية تجعل الرجل هو القائم عليها، الحامل لمسؤوليتها، والمتولي لشأنها في حدود ما رتبه الشرع له من حق وهذا شبيه بكثير من الأحكام الشرعية التي تقرر وظيفة أو ولاية أو صلاحية في المستوى الكلي، ثم لا يعني ذلك أن كل فرد ينتسب إلى الوصف قد استجمع شروط ممارسته على الوجه الصحيح، فهناك فرق بين أن نقول هذه هي البنية التي ينبغي أن تكون عليها العلاقة"، وبين أن نقول هذا الشخص بعينه قد تحقق فيه من الأهلية ما يجعله صالحًا لممارسة مقتضيات هذه البنية، والخلط بين المستويين هو الذي يجعل بعض الخطابات تتعامل مع القوامة وكأنها تفويض شخصي مفتوح يمنحه جنس الرجل حق الأمر المطلق، بينما هي في الحقيقة حكم معياري منضبط بشروطه ومناطاته وغاياته. ز الزوج لا يستمد حقه في الطاعة من ذاته، ولا من كونه رجلًا بوصفه مصدرًا مستقلًا للسلطة هذا تصور قاصر، الرجل يستمد حقه من موقع شرعي محدد، وهذه السلطة نفسها مقيدة بالمعروف وبحدود الشريعة وبموضوع العلاقة الزوجية، وبسبب هدا فإن أمره بالمحرم لا طاعة فيه، وأمره بالظلم كذلك بل إن أمره بما هو فاسد أو ناقص قد يسقط عنه وصف الأمر الذي تجب طاعته، لأن مناط الطاعة ليس مجرد صورة الأمر، وإنما مشروعية الأمر وأهليته وموضوعه، ووجود من لا يحقق شروط القوامة، ويتعسف في استخدام الحق، من غير أن يكون أهلا له، لا يسقط الحكم المعياري، بل يظل محفوظا كما هو.

(5) والحقيقة الأعمق أن الشريعة، في منتهاها، لا تدخل إلى حياة الإنسان لتجعله تابعًا لهذا الإنسان أو ذاك، وإنما لتخرجه من التبعية لذاته قبل كل شيء فهي لا تنقل الإنسان من سيد إلى سيد، وإنما تريد أن تحرره من كل سيدٍ باطني يتخفى في صورة الأنا، و الإنسان الذي يقال له أنت حر لأنك لا تخضع لأحد، قد يكون في الحقيقة أقل الناس حرية من غيره، إذ ماذا لو كان ما يسميه "إرادته" ليس إلا استجابة متكررة لشهواته/انفعالاته/تكويناته النفسية/ضغوط محيطه/وما تمليه عليه غرائزه وبنيته البيولوجية وهرموناته، و نقاد الإرادة الحرة، بصورها المختلفة، يلفتون النظر إلى هذه المفارقة، مفارقة أن يشعر الإنسان أنه يختار، بينما يكون اختياره في جانب منه نتيجة لسلسلة من المحددات الداخلية والخارجية التي لم يخترها أصلًا. و غياب الإكراه الخارجي لا يكفي لإثبات الحرية. و الشريعة في أعمق مقاصدها، لا تريد امرأةً "مطيعة للرجل" بالمعنى الذي يجعل الرجل سيدًا وهي تابعًا، ولا تريد رجلًا "قوامًا على المرأة" بالمعنى الذي يجعله إلهًا صغيرًا في بيته، ولكمها تريد إنسانين تحررا معًا من عبادة الأنا، ثم وُزعت بينهما أدوار وتكاليف وحقوق داخل ميثاق الزوجية. ولعل هذا هو المعنى الذي يجعل التوحيد، إذا أُخذ إلى منتهاه، مشروعًا لتحرير الإنسان لا من الآلهة الخارجية فقط، وإنما من الإله الداخلي الذي تصنعه الأنا من نفسها، فقد يكون في طاعته لذلك الإنسان مطيعًا لله، وعاصيًا لنفسه، و الحرية الأعمق هي أن يصبح الإنسان قادرًا على أن يخالف ما يستعبده من الداخل، وأن يخرج من سلطان رغباته إلى سلطان الحق، ومن عبادة النفس إلى عبادة الله.

(4) الطاعة في المعروف والصالح وكل مايستلزمه مفهوم القوامة في تصوره الشرعي لا يناقض مفهوم الحرية، إلا في نسختها الليبرالية المعولمة ( يحتاج هنا الإشارة إلى كون المفهوم يتوافق مع التصور الرغبوي للحرية الدنيوي الحيواني، وهو عبادة الهوى والخضوع لرقه) وهنا من الجيد الإحالة إلى كتاب صبا محمود "سياسات التقوى" أين تطرح سؤال من الذي قرر أصلًا أن الحرية لا تكون إلا في صورة مقاومة السلطة والخروج من علاقات التبعية؟ فصبا تنتقد التصور النسوي الليبرالي الذي يجعل الحرية قيمة معيارية سابقة، ثم يجعل "الفاعلية" مرادفة تقريبًا لقدرة الفرد على مقاومة الأعراف والسلطات التي يخضع لها، بحيث لا تُرى المرأة فاعلة إلا عندما تتمرد على البنية التي يُفترض أنها تقيدها، و هنا يصبح من الصعب، داخل هذا الإطار، أن تُفهم امرأة تختار الحجاب، أو تلتزم بأدوار دينية تراها واجبة، أو تقبل سلطة زوجية، بوصفها صاحبة إرادة وفاعلية، إذ يُعاد تفسير فعلها فورًا باعتباره أثرًا للهيمنة أو وعيًا زائفًا أو استبطانًا للاضطهاد، لكن صبا تقلب السؤال وتسأل لماذا نفترض أن الخضوع لنظام معياري لا يمكن أن يكون أيضًا مجالًا لتكوين الذات وممارسة الإرادة؟ ومن خلال دراستها الأنثربولوجية للحركة النسائية الإسلامية في مساجد القاهرة، تبيّن أن النساء اللواتي ينخرطن في ممارسات التقوى يصنعن أنفسهن أخلاقيًا من خلال تلك الممارسات، أي إن الذات لا تكون دائمًا سابقة على المعيار ثم تختار أن تخضع له أو تقاومه، بل قد تتكون الذات نفسها عبر الانضباط، ولذلك تقترح فصل مفهوم الفاعلية عن مفهوم المقاومة، لأن القدرة على الفعل لا تنحصر في تحدي السلطة، بل قد تتشكل داخل علاقات معيارية واجتماعية ودينية معينة، وهذه الملاحظة بالغة الأهمية في قضيتنا، لأنها تكشف أن الحديث عن حرية المرأة مع زوجها قد يكون سؤالًا محملًا بإجابة مسبقة، إذ يفترض أن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا عندما تكون العلاقة خالية من آمرية الآخر، بينما يمكن أن يكون التصور الإسلامي للإنسان مختلفًا من أساسه، فالإنسان لا يتحدد بوصفه ذاتًا مستقلة مكتفية بنفسها، وإنما بوصفه عبدًا لله، وتتكون حريته الأخلاقية لا بإلغاء كل علاقة تكليف أو سلطة، ولكن بالدخول في علاقات من الطاعة والانضباط والمسؤولية يرى أنها حق، وبذلك فإنه لا يمكن الحكم على امرأة تقول بأنها تطيع زوجها في المعروف لأن الله أمرخا بذلك بأنها امرأة "غير واعية باضطهادها" لمجرد أنها لم تجعل مقاومة السلطة معيارًا لتعريف ذاتها، كما أن الرجل نفسه الذي يقبل سلطة الشريعة على نفسه لا يصبح فاقدًا للفاعلية لمجرد أنه لا يعتبر الاستقلال عن كل معيار خارجي شرطًا لحريته، بعض الأحاديث حول القوامة وحرية المرأة ترتبط بهذه المشكلة تحديدا، إذ المسألة أوسع وترتبط بالحديث حول ماهية الذات الإنسانية نفسها، هل الذات الحرة هي الذات التي لا تخضع إلا لما تختاره هي، أم يمكن أن تكون الذات حرة وهي تتشكل بالالتزام والممارسة والطاعة وضبط الرغبات، وتحمل الواجبات؟

(3) في التصور الرافض/المميع للتصور الصلب للقوامة، أقصد الذي يزيح عنها البعد الآمري ( بالمعروف، وفي الحق) ويربطها بمنظومة الحقوق فقط، افتراض منذ البداية يقوم على أن "التحرر" يعني التحرر من كل آمرية بشرية، وأن "العدل" يعني التماثل في الحقوق والسلطات، وأن وجود تفاوت بين الرجل والمرأة في بعض الأحكام يحتاج إلى تبرير استثنائي، والحقيقة أن هذه كلها ليست حقائق بديهية، وإنما هي نتائج لتصور فلسفي حديث عن الإنسان، يقوم على جعل الفرد المستقل وحدةً أولى في الاجتماع، وعلى النظر إلى كل علاقة تتضمن تفاوتًا في السلطة بعين الريبة، وعلى افتراض أن الحرية الأصلية هي أن لا يكون للإنسان على نفسه سلطان من خارج إرادته، فإذا دخل هذا التصور إلى قراءة النص الديني، فإنه يدخل ومعه جهاز معياري كامل يحدد مسبقًا ما يجوز أن يكون عدلًا وما لا يجوز، فتصير آية القوامة مشكلة قبل أن يبدأ تفسيره، لأن القارئ الحديث يحمل في وعيه تعريفًا مسبقًا للعلاقة العادلة، ومؤداه أن العلاقة العادلة هي العلاقة التي لا يكون فيها أحد الطرفين صاحب آمرية على الآخر.

(2) بناء على هذا معنى القوامة في الزواج بعيدًا عن الصورة التي تجعلها امتلاكًا للرجل للمرأة، وبعيدًا كذلك عن الصورة المقابلة التي لا ترى في العلاقة الزوجية إلا فردين متطابقين تمامًا في كل شيء، بحيث يصبح مجرد وجود جهة نهائية للقرار نوعًا من الظلم، فالزوجة ليست أمة لزوجها، والزوج ليس ربًا لها، ولا يجوز أن تتحول القوامة إلى سلطة مطلقة أو إلى تفويض مفتوح في حياة المرأة وشخصيتها ومالها وكرامتها، وإنما القوامة، في التصور الشرعي، حق ووظيفة داخل مؤسسة الزواج، مرتبطة بالتكليف والمسؤولية والإنفاق والرعاية والتدبير، وليست إعلانًا عن تفوق الرجل في القيمة الإنسانية ....وهذه نقطة لا بد من التشديد عليها، لأن الخلط بين الكرامة والوظيفة هو الذي أفسد كثيرًا من النقاش المعاصر حول الرجل والمرأة. فقد يكون شخصان متساويين في الكرامة الإنسانية، ومع ذلك لا يكونان متساويين في كل وظيفة، ولا في كل تكليف، ولا في كل حق ناشئ عن اختلاف الوظيفة، وليس معنى أن شخصًا يحمل مسؤولية القرار أنه أعلى وجودًا ممن يتأثر بهذا القرار، كما أن المدير ليس أكرم إنسانية من العامل لمجرد أن له صلاحية إدارية. وقوله سبحانه "الرجال قوامون على النساء" يجب أن يفدم بسياق المسؤولية المرتبطة به، أي بوصفه حديثا عن نمط مخصوص من المسؤولية داخل الأسرة، وهو ما يظهر أيضًا في تعليل الآية نفسها " بمافضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم، فالقوامة عبء تترتب عليه حقوق وتكاليف وإذا أردنا أن نذهب بالفكرة إلى أصلها الأعمق، أو جذرها الفلسفي، فعلينا أن نعترف بأن القوامة لم تنشأ في عالم إنساني متخيل يقوم على التطابق التام بين الرجل والمرأة، ثم جاءت الشريعة فاخترعت تفاوتًا لم يكن موجودا، ولكن الشريعة جاءت إلى كائنات بشرية متمايزة أصلًا في البنية الجنسية والإنجابية والفيزيولوجية والهرمونية والعصبية، وجاءت لتنظم هذه الفروق داخل نظام اجتماعي وأخلاقي، وهذا لا يعني أن كل فرق بيولوجي يستلزم حكمًا شرعيًا معينًا، ولا أن الطبيعة وحدها تستطيع أن تستخرج لنا نظامًا أخلاقيًا كاملًاوإنما يعني أن القانون لا يعمل في فراغ، وأن التشريع يتعامل مع فروق موجودة قبل التشريع، فينبغي التمييز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان في النقاش، وهما أن الطبيعة تفسر قابلية التوزيع، والوحي يحدد مشروعية التوزيع وحدوده، فكون الرجال والنساء متساوين في الكرامة لا يعني أنهم متطابقون في كل الخصائص والوظائف، كما أن اختلافهم في بعض الخصائص لا يعني اختلافهم في أصل الإنسانية أو في القيمة أمام الله، والعبارة التي ينبغي أن تحكم هذا الباب هي أن لاختلاف في القدرة أو الوظيفة لا يستلزم الاختلاف في القيمة، كما أن المساواة في القيمة لا تستلزم التطابق في الوظائف والحقوق. وهذه هي النقطة التي يغفل عنها كثير من الخطاب المعاصر حين يحول كل تفاوت في التكليف أو السلطة إلى دليل تلقائي على تفاوت في الكرامة. بل إن المسألة تصبح أكثر وضوحًا حين نخرج من الزواج وننظر إلى أي جماعة بشرية منظمة، فالأسرة مثل أي بنية اجتماعية، تحتاج في لحظة الاختلاف إلى آلية لاتخاذ القرار. يمكن أن نتخيل أن يتشاور الزوجان في كل شيء، وهذا هو الأصل الحسن في المعاشرة، لكن ماذا يحدث حين يستمر الاختلاف ولا يمكن أن يبقى القرار معلقًا إلى الأبد؟ لا بد في النهاية من جهة تتحمل مسؤولية القرار، وإلا تحول التساوي إلى حالة عجز عن الفعل، وإذا كان الرجل صاحب قوامة، فذلك لا يعني أن المرأة فقدت أهليتها الإنسانية أو القانونية، ولا أن كل رأي له يصبح ملزمًا لها، وإنما يعني أن الشريعة أقامت داخل الأسرة ترتيبًا للمسؤولية والقرار لاختلاف بنية التكليف والأدوار. وليست القوامة امتيازًا منفصلًا عن الواجب، بل العكس، كلما اتسعت السلطة اتسعت معها المسؤولية والمساءلة (والرجل في بيته...الحديث) والرجل الذي يتعامل مع القوامة بوصفها حقًا في الأمر دون أن يراها تكليفًا بالحماية والإنفاق والرعاية والعدل إنما أخذ من القوامة قشرتها وأسقط حقيقتها.

(1) تحدثت من قبل بأن قصة إبليس مع آدم هي قصة من القصص المعياري، وأعتي بالقصص المعياري القصص الذي يؤسس في منتهاه وغايته لأفكار معيارية كلية، والكلي في هذه الحالة يرتبط بفكرة التوحيد، فقصة إبليس لا يقدمها القرآن كقصة الكائن الذي أنكر الله/أو أنكر قوة/قدرة/قاهرية الله سبحانه وتعالى، وإنما قصة المعرفة التي لم تتحول إلى عبودية، والإقرار الذي لم يتحول إلى خضوع عملي، فإبليس كان يعرف الله ( بل كان من المقربين أصلا) ويقر بربوبيته وقدرته وسلطانه، بل إن خطابه نفسه يكشف عن معرفة واضحة بمقام الربوبية "رب بما أَغويتني" ، ثم يقول: فبعزتك لأغوينهم أجمعين" ... فالمشكلة لم تكن في غياب التصور عن وجود الله أو عن قدرته، وإنما في أن هذه المعرفة لم تستطع أن تنزل من مستوى الإدراك إلى مستوى العبودية، و كان الأمر بالسجود لآدم عبارة عن "كاشف عبودية" أكثر منه مجرد أمر تعبدي لقد رأى إبليس آدم باعتبار مادته ومكانته التي تصورها، ورأى نفسه باعتبار أصله وخصائصه، ثم جعل هذا التفاوت الذي تصوره معيارًا للحكم على الأمر الإلهي نفسه فقال أنا خير منه، وعندما قالها لم يعد الأمر الإلهي هو المعيار، ولكن "الأنا" هي المعيار الذي يُحاكم إليه الأمر الإلهي. فالمشكلة الإبليسية هي أن يجعل الإنسان ذاته وسيطًا بينه وبين الأمر، أطيع إذا وافق الأمر تصوري عن الاستحقاق، وأرفض إذا شعرت أن فيه خفضًا لمقامي، و الإيمان لا يكون مجرد انتقال من الجهل إلى المعرفة، هي معرفة، الإيمان هو الانتقال من مركزية الذات إلى مركزية العبودية، والمعرفة التي لا تكسر شيئًا من استعلاء النفس قد تكون معرفة صحيحة من جهة موضوعها، لكنها لم تتحول بعد إلى ذلك الإيمان الذي يغير موقع الذات من الوجود. و الشريعة حين تربي الإنسان على التوحيد، لا تكتفي بأن تطلب منه الاعتراف بوجود/قوة/ربوبية...الله بقدر ما تضعه في مواضع تكشف هل صار هذا المعرفة عبودية بالفعل أم بقيت معرفة ذهنية... فنجد في الدين أوامر قد تستغربها النفس إذا نظرت إليها بمنطق الاستقلال الذاتي الخالص، في أن تحب رسولًا من البشر حتى يكون أحب إليك من ولدك ووالدك والناس أجمعين مثلا ، وأن تخفض جناح الذل من الرحمة للوالدين/المؤمنين، وأن تقبل الحق ممن هو أصغر منك أو أقل منك مكانة... الخ كل هذه الأشياء تبدو من زاوية الأنا، تنازلات عن المقام، لكنها من زاوية العبودية تحرير للإنسان من عبادة مقامه المتخيل، والتوحيد ليس فقط أن تقول إن الله أعلى من كل شيء، بل أن يترتب على ذلك أن لا ترى نفسك أعلى من أن تمتثل لأمره حين يتعلق الأمر بإنسان آخر، ولهذا كان من أعمق ما في قصة إبليس أن الأمر لم يكن بالسجود لله، وإنما بالسجود لآدم بأمر الله، لأن القضية كاتت اختبار قدرة الذات على أن تتخلى عن معيارها الخاص حين يأتي الأمر من الله، وإذا كانت العاقل يخضع للذات الإلهية وهو يعرف قدرها/قدرتها، ويصبح من الغباء التمرد عليها، اختبر الله إبليس العارف بالله في العبودية من خلال اخضاعه لامتحان من يرى ( إبليس) علوه عليه، فأخفق لأنه رأى آدم، ولم يرى الأمر الإلهي وراء آدم.