سامي المُعلا
Open in Telegram
- غير مرحب بالمتعاطفين مع اسرائيل. - كاتب قصص قصيرة. - مدون أجتماعي. - متابع جيد للسينما والدراما. الفيسبوك https://www.facebook.com/sami.almula
Show more1 886
Subscribers
-124 hours
-17 days
+530 days
Posts Archive
1 886
بمناسبة ذكرى ثورة تحرير الشروگية من نظام اللفو، أود أن أقول كلام مختصر قريب من هذا الشأن
المثقف مو اللي گاعد ببرج عاجي يكول كلام سطحي و حواليه الف كتاب ويشرب گهوة ويستشهد بأسماء فلاسفة ومفكرين ٩٩% منهم ما نعرفهم ..
هذا مثقف لنفسه وللمثله.
المثقف الحقيقي هو صوت الناس
اللي يگدر يعبر عن اللي يريدون يسمعونه.
اللى يگدر يكتب اللي يحبون يگولونه.
المثقف الحقيقي انسان حقيقي
يزعل ويفرح ويتنرفز ويفشر ويمدح ويغلط ويعتذر ويمارس حياة طبيعية.
المثقف الحقيقي لايصور مكتبته ولا يكلك شنو قرأ و لا شنو درس، هاي ما تفرق عندك.
المثقف الحقيقي يحس بالمشكلة ويواجهها ويفندها ويقترح حلول.. صح غلط.. نتناقش
المثقف الحقيقي ما يشوف الجاهل جاهل، بالعكس هو لازم يتواضع ويحس بيه من صدك حتى يتعلم من الجاهل شي جديد.
المثقف مو اللي يعتقد انه مثقف ويحجيلك عن اهمية دور هاملت عند شكسبير والواقع غلاء وفقر.
المثقف الحقيقي هو ضميرك وعقلك واحساسك..
لمن تلگى واحد يعبر عن ذولي
ما يشرد من المواجهة
ما يختار المعارك الآمنة
ما يكول انا شدخلني
هذا المثقف الحقيقي..
إنما شلة الفوقية الفگور العايشة دور البرجوازية ويدعون الثقافة والعلم والفهم هذولي حطهم بقائمة الغير مهتم
مشكلة تشرين ونخبتها وما بعدها ان كل "تيز على صبة" ما يسواله فلسين قراله مقالين - مقال مو كتاب - أو نزل مظاهرتين أو كتب منشورين بتشرين ما الهن معنى
صار عنده صوت مسموع بالسوشل ميديا، وتلگى ايجات الخنجر وبرابيگ عدي صدام ملتمات بحسابة
نيتشه وكانط وجون بول سارتر وكسمالوعد، هذولي بالنسبة لواحد عايش بالشطرة يعتبرهم لواعيب طوبة غالبًا بالدوري الانجليزي
المثقف لازم يحتك بالسياسة ويحجي عنها، حتى لو لاقى رفض للافكار اللي يطرحها.
1 886
كتبت غادة السمان لغسان كنفاني "أعلم أنك تفتقدني لكنك لا تبحث عني، وإنك تحبني ولا تُخبرني، وستظل كما أنت، صمتك يقتلني."
جاء رد غسان "اغويده، انتي كاسرة خاطري حيل، مصدگه شغلات مو موجوده أصلاً.. مو عبالج لأن عرفتچ قبل شكم سنة معناها انتي دوم على بالي
تره والحمزة ابو حزامين مااتذكرج لحدما اشوفج."
1 886
أدركت أنها لم تكن إلا هلوسة.
لكنها كانت حقيقية إلى درجة أن قلبي صدقها أكثر مما صدق الواقع.
خفت.
ليس من الإرهابي... بل من نفسي.
أنا هنا منذ أسابيع.
جائع.
عطشان.
مرهق.
وحيد.
أسبوع كامل لم أر فيه وجه إنسان.
بدأت أخشى أن يسبق عقلي جسدي إلى الانهيار.
تماسكت.
سددت أنفي وحلقي عن الرائحة.
قلبت الجثة مرة أخرى.
أخذت اللايت.
وغادرت.
ما إن وصلت حتى اتصلت بالنقيب زيد: ها قاسم... لكيت اللايت؟
نعم سيدي.
: زين... طگه للسما.
أشعلته.
مرت دقيقة.
ثم ثانية.
ثم دقيقتان.
قال: هسة... شغله وطفيه مرتين... ثلاثة.
نفذت ما طلبه.
ساد الصمت.
ثم عاد صوته: قاسم... تقريبًا حددنا مكانك.
لكن حتى نتأكد، وحتى ما نوقع بكمين... أريدك تكتب حرف (K) بنفس مكانك.
: سيدي... شلون؟ ما عندي أي شي.
: انزل... جيب أربع بطانيات... وصفهن على شكل حرف K.
نفذت الأمر.
عدت إلى السطح.
جلست أنتظر.
لم تمضي سوى خمس دقائق حتى اتصل.
قال هذه المرة بنبرة واثقة: حددنا مكانك.
راح أحددلك مسار تمشي بيه ثلاثة كيلومترات.
بعدها نسويلك إنزال جوي ونطلعك.
هسة جهز نفسك يا بطل... وأنا أرجع أتصل.
انتهت المكالمة.
جلست وحدي فوق السطح.
لأول مرة منذ زمن، شعرت أن باب النجاة انفتح أخيرًا.
لكن... بدل أن أرتاح... بدأ القلق يأكلني.
وسألت نفسي: إذا انتهى كل هذا... كيف تبدو الحياة بلا قلق؟
لا أعرف.
ولا أظن أنني عرفتها يومًا.
القلق بالنسبة لي لم يكن ضيفًا عابرًا.
كان رفيقًا دائمًا.
يستيقظ معي.
يجلس إلى جواري في الواجب.
ويرافقني حتى النوم.
أقلق من معركة الغد
ومن الطريق.
ومن التأخير.
ومن مستقبل يبعد عشرين عامًا.
ومن أحلام لم أصل إليها بعد.
إنه لا يهاجمني دفعة واحدة... بل يتسرب إلى داخلي ببطء، كالماء الذي يجد دائمًا طريقه عبر الشقوق.
لهذا... لا أستطيع أن أصف الراحة.
سيكون الأمر كأن تطلب من رجل ولد أعمى أن يصف الألوان.
أتذكر أول نوبة هلع أصابتني.
كنت على نهر المشرح.
حولي أصدقائي.
نسبح.
ونغني.
ونأكل.
ونضحك.
لم يكن هناك سبب واحد للخوف.
لكن فجأة... شعرت أن الهواء لم يعد يكفيني.
أطرافي تجمدت.
وقلبي يركض داخل صدري كأنه يريد الهرب.
أحدهم رش الماء على وجهي.
والآخر دلك يدي.
وثالث أمسك بي حتى لا أسقط.
الغريب... أنني عرفت فورًا ما يحدث.
كأن عقلي همس لي بهدوء: "هذه نوبة هلع."
ومنذ ذلك اليوم... عرفت أن عدوي الحقيقي لا يحمل بندقية.
بل يسكن داخلي.
وأن أفكاري تستطيع، في لحظة واحدة، أن تحول أجمل يوم على ضفة نهر... إلى معركة من أجل نفسٍ واحد.
ولهذا... إذا سألتني كيف تبدو الحياة بلا قلق... فلن أعرف.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا.
أنني ما زلت أبحث عنها.
وأدعو الله كل يوم أن أعيش يومًا واحدًا فقط... أعرف فيه كيف يشعر الناس عندما يهدأ هذا الضجيج داخل رؤوسهم.
قطع أفكاري الرنين الذي انتظرته أكثر من أي اتصال في حياتي.
ظهر اسم النقيب زيد.
أجبت بسرعة.
ساد صمت قصير...
ثم قال بصوت مثقل: قاسم... أنا أعتذر... ما أگدر أساعدك...
يتبع..
1 886
رن الهاتف طويلًا، وكل ثانية كانت تمر تثقل صدري أكثر.
كنت أحدق في الشاشة وكأن حياتي معلقة بذلك الرنين.
أخيرًا جاءه الاتصال.
ما إن فتح الخط حتى قلت بسرعة: ها خوية أفليح... شلونك؟
لكن الرد لم يكن كما توقعت.
جاءني صوته مرتفعًا، مرتبكًا، يختلط فيه الرعب بالبكاء: كل اللي تريدونه ننطيه الكم... بس لا تأذونه.
بسبب التعب والإصابة تغير صوتي، فلم يعرفني.
حاولت أن أقاطعه: اسكت... وافهمني.
لكنه لم يسمعني.
ظل يردد بانهيار: نبيع الجواميس... نبيع الگاع... كلشي ننطيكم... بس هدوا قاسم.
صرخت به: ولك... انا قاسم.
ساد صمت قصير... ثم خرجت منه كلمة مرتجفة: كول... والعباس؟
كانت نصفها فرحة ونصفها خوف.
ابتسمت رغم كل شيء وقلت: وين أكو داعشي يحلف بالعباس؟
ضحك... ثم انفجر بالبكاء.
قال بصوت اختنق بالعبرة: قاسم... خوية... شلونك؟ إنت زين؟ وينك؟ سولفلي... ولك كلبي طاك عليك.
هدأته بصعوبة، وبدأت أشرح له وضعي باختصار.
سألته: غالب وين؟
گال : موجود.
وفجأة بدأ يصرخ بأعلى صوته: يمه... غالب... بويه... قاسم عدل!
خلال لحظات تحول الهاتف إلى بيت كامل.
أمي... أبي... زوجتي... إخوتي... صار الهاتف ينتقل من يد إلى أخرى، وكأن كل واحد منهم يريد أن يلمسني بصوته قبل أن ينقطع الخط.
زوجتي تلطم وهي تبكي.
واختي تضحك من شدة الفرح.
وابي يحاول أن يخفي دموعه فلا ينجح.
وسط تلك الأصوات سمعت صوت أمي يخترق كل الضجيج:"ما قصرت يبو الحسنين... نخيتك وما رديتني... رايتك بيضة."
لأول مرة منذ أيام، شعرت أنني عدت إلى البيت... ولو عبر سماعة هاتف.
بعد أن هدأت الجميع، قلت: انطوني غالب.
أخذ الهاتف، فقلت معاتباً: ها خوية... جا انا مو أخوك؟ ليش عفتني؟
رد وهو يحاول إخفاء بكائه: ولك إنت أخوي... والحسين، راسي صار أبيض من وراك. سكنت بغداد علمودك. كل يوم رايح راد على قيادتكم... حتى القيادة ملت مني يا قاسم.
ثم قال بسرعة: راح أنطيك رقم العميد عارف... وأنا هسة طالع لبغداد.
أملى علي الرقم.
كتبت الأرقام على الأرض بقرب قدمي، حتى لا أنساها، ثم اتصلت مباشرة.
رد العميد عارف.
عرفته بنفسي، ورويت له ما جرى معي باختصار.
ساد صمت لثوان، ثم قال بصوت هادئ يشبه صوت الأب: اسمعني بوية... إحنا سجلناكم شهداء، وهذا الشهر راح نصرف مستحقات لعوائلكم.
توقفت أنفاسي.
كنت أسمع خبر استشهادي... وأنا ما زلت حيًا.
أكمل: لكن بقائك حي بنص منطقة محاصرة من كل الجهات... دليل على أن الله كاتبلك عمر بعد.
وسكت لحظة، ثم أردف: الله يريدك ترجع... حتى تروي للناس شلون ولدنا وأبطال العراق بقوا أحياء يدافعون عن وطنهم.
أريدك تصير بطل... وما تستسلم.
إذا مو علمودك... علمود العراق... وعلمود أطفالك وأطفالي.
شد حيلك ابني.
ركز وياي زين.
راح أنطيك رقم النقيب زيد... مختص بالـGPS.
احچي وياه، وانطيه كل المعلومات حتى نطلعك وترجع للوطن.
وبالمناسبة... أول ما ترجع... بوجهك للواجب.
ضحكت.
حتى وأنا محاصر وسط الموت، ماكو إجازة.
كتبت رقم النقيب على الأرض، واتصلت به مباشرة.
قلت: سيدي... انا الجندي قاسم خضير عودة، من العمارة... محاصر بالرمادي.
رد بسرعة، وكأنه كان ينتظر مكالمتي: انطيني أقرب نقطة دالة عليك.
واضح أن العميد اتصل به قبلي، لأنه لم يسألني أين أنا، ولا كيف وصلت إلى هناك.
بدأت أوصف له البيوت، الأزقة، الشوارع، وكل ما تقع عليه عيني.
استمع بهدوء، ثم قال: قاسم... هسة ما أكدر أحدد مكانك.
انتظر لليل... واتصل بي، وإن شاء الله أساعدك.
حين ابتلع الليل آخر خيط من الضوء، اتصلت به.
رد مباشرة: هلا قاسم... بدون مقدمات، أريدك تصعد للسطح وتبقى على الخط.
صعدت.
قلت: سيدي... انا فوگ السطح... شسوي؟
قال: أريدك تطلق إنارة للسما... عندك لايت؟
تفقدت المكان.
لا شيء.
وفجأة تذكرت جثة الإرهابي اللي كتلته بالبيت قبل أسبوع.
كان مجهزًا بكل معداته.
قلت: سيدي... أكو لايت... بس يبعد شكم بيت.
قال: سد الخط... وروح جيبه... وأول ما ترجع، اصعد للسطح واتصل.
تحركت مستغلًا ظلام الليل.
هذه المرة لم أكن أمشي بدافع النجاة فقط... بل بدافع الأمل.
وصلت إلى البيت.
كانت الجثة ما تزال في المكان نفسه.
لكنها لم تعد كما تركتها.
الرائحة أصبحت خانقة... كأن الموت نفسه تعفن داخل الجدران.
أما البيت، فكان غارقًا في الظلام، لا يخترقه إلا خيط باهت من ضوء القمر يتسلل من نافذة مكسورة.
اقتربت.
قلبت الجثة على ظهرها.
فتحت الجعبة.
وجدت اللايت.
مددت يدي لأسحبه... وفجأة... أمسكت يدٌ بمعصمي.
التفت.
الإرهابي الذي قتلته قبل أسبوع... كان يفتح عينيه بصعوبة، يلهث، ويلتقط أنفاسه الأخيرة، بينما يوجه مسدسه نحوي.
تجمد الدم في عروقي.
وجهه أزرق شاحب.
عيناه متسعتان بصورة مرعبة.
وفي اللحظة التي ضغط فيها على الزناد... وجدت نفسي واقفًا عند باب الغرفة.
والجثة... ما تزال مرمية أمامي كما كانت.
وقفت أتنفس بعنف.
1 886
مسحت دموعي بطرف كفي، وانتبهت لنفسي.
منذ متى وأنا أبكي؟
لا أعرف.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا... أن الحرب لا تكسر الرجال عندما تصيب أجسادهم... بل عندما تضع بينهم وبين أحبتهم كل هذه المسافات.
مر وقت طويل وأنا جالس على سطح ذلك البيت، لا أدري كم ساعة مضت.
كانت المدينة تغرق في سكونها المعتاد، أما أنا، فكنت أغرق في ذكرياتي.
انتبهت إلى نفسي عندما شعرت بدموعي وقد جفت على وجهي.
مسحتها بسرعة، ثم ضحكت ضحكة قصيرة ساخرة.
"شلون جندي يحاصر مدينة كاملة... وما يگدر يحاصر دمعة؟"
وقفت، وأخذت نفسًا عميقًا.
الهواء الليلي كان باردًا، يحمل معه رائحة الغبار والبيوت المهجورة، كأن المدينة كلها تنتظر أحدًا يعود إليها.
نزلت إلى الطابق السفلي.
كان المولد ما يزال يعمل بصوت ثابت، وصوت احتراق الوقود بدا لي كأنه نبض قلب داخل البيت.
اقتربت من الهاتف.
نزعت الشاحن، وضغطت زر التشغيل.
بقيت الشاشة سوداء لثوانٍ، ثم اهتز الجهاز، وظهر شعار نوكيا.
ابتسمت... حتى هذا الجهاز العتيق رفض أن يستسلم.
لكن فرحتي ما كملت.
كانت الشاشة محطمة من المنتصف، ونصفها الأسود ابتلع معظم الأرقام.
صرت أقلب في سجل الأسماء.
كل رقم يظهر لي منه آخر رقمين فقط.
وكأن الهاتف يتعمد أن يختبر ذاكرتي.
جلست على الأرض، وأسندت ظهري إلى الحائط.
بدأت أمر على الأرقام واحدًا تلو الآخر.
كل اسم مجهول... وكل رقم غريب.
قلت بيني وبين نفسي: "معقولة... بعد كل اللي صار، أضيع بسبب رقم هاتف؟"
كنت أحفظ الوجوه أكثر مما أحفظ الأرقام.
ولهذا بدت المهمة أصعب من أي طريق مشيته داخل الرمادي.
استمريت أقلب... مرة... وثنتين... وعشرات المرات.
وفجأة... توقفت يدي.
رقمان فقط... لكنهما كانا كافيين حتى يرجع الاسم إلى ذاكرتي.
ابتسمت دون شعور.
"إي... هذا رقم أفليح."
أخذت نفسًا طويلًا، وضغطت زر الاتصال.
بدأ الهاتف يرن... رنة... وثانية... وثالثة... وكل رنة كانت تمر علي كأنها سنة كاملة.
كنت أخاف أن يغلق الخط.
وأخاف أكثر أن يرد شخص لا أعرفه.
ثم... انفتح الخط أخيرًا.
قلت بسرعة، قبل أن أتراجع: "ها خوية... أفليح... شلونك؟"
لكن الجواب الذي سمعته، لم أكن أتوقعه أبدًا...
يتبع...
1 886
كنت أظن أن رصاصة قناص هي التي ستأخذه.
لكن الموت كان أكثر مكرًا... انتظر حتى ترجل عن جواده... ثم أخذه في الطريق.
أفقت من ذكرياتي على رائحة النفط.
تنهدت، ومسحت الغبار عن العبوة، ثم حملتها على كتفي.
نظرت إلى البيت مرة أخيرة.
وقلت في سري: "سامحني يا فاضل... اليوم محتاج النفط أكثر من الذكريات."
وأدرت ظهري للمكان... وغادرت، بينما بقيت روحه هناك، تتجول بين الغرف، كما لو أنها آخر جندي رفض أن يترك موقعه.
خرجت من البيت، وأغلقت الباب خلفي برفق، كأنني أخشى أن أوقظ أحدًا فيه.
رغم أنني كنت أعرف أنه فارغ... لكن بعض الأماكن، بعد أن يرحل أهلها، لا تصبح خالية أبدًا.
تبقى الذكريات تتجول بين جدرانها، وتجلس في زواياها، وتراقب الداخلين إليها بصمت.
حملت عبوة النفط على كتفي، وبدأت رحلة العودة.
كانت أثقل مما توقعت.
أو ربما لم تكن العبوة هي الثقيلة... ربما كانت الذكريات.
في كل خطوة، كنت أشعر أن فاضل يمشي إلى جانبي، يسبقني أحيانًا، ثم يلتفت إلي بابتسامته الهادئة وكأنه يقول: "يلا قاسم... شد حيلك."
ابتسمت دون أن أشعر.
منذ أيام لم أبتسم.
الحرب تسرق من الإنسان حتى تعابير وجهه.
لكنها، أحيانًا، تعيد إليه ابتسامة صغيرة عندما يتذكر شخصًا أحبه.
وصلت إلى البيت مع اقتراب الفجر.
وضعت عبوة النفط قرب المولد، ثم جلست ألتقط أنفاسي.
كانت يداي ترتجفان من التعب، وساقاي بالكاد تحملانني، لكن داخلي كان يشعر بشيء افتقدته منذ زمن... الأمل.
سكبت النفط داخل الخزان بحذر، ثم أمسكت بحبل التشغيل.
سحبته مرة... فساد الصمت.
سحبته مرة ثانية... ولم يحدث شيء.
تنهدت وقلت في نفسي: "لا تخذلني هالمرة."
شددت الحبل بكل ما بقي في من قوة.
فاهتز المولد فجأة، ثم أطلق صوتًا متقطعًا، قبل أن يستقر هديره داخل البيت.
ابتسمت... ابتسامة حقيقية هذه المرة.
منذ دخلت الرمادي، كان ذلك أول صوت أسمعه لا يحمل رائحة الرصاص.
أخرجت هاتفي من جيبي.
كانت شاشته محطمة، نصفها أسود، والنصف الآخر بالكاد يظهر.
لكنه بقي صامدًا... تمامًا مثلي.
وصلته بالشاحن، وجلست أحدق بالشاشة.
مرت ثوانٍ... ثم ظهرت علامة البطارية.
شعرت وكأن أحدًا أعاد النبض إلى جسد ميت.
تركت الهاتف يشحن، لكنني لم أبتعد.
صوت المولد كان كافيًا ليجذب أي شخص يمر بالقرب من البيت، لذلك أمسكت بندقيتي وجلست فوق السطح.
كل دقيقة كانت تمر ببطء.
أراقب النوافذ... والأسطح... والأزقة الضيقة.
حتى الهواء، كنت أراقبه.
وفي أثناء انتظاري، وقعت عيناي على علبة سجائر فوق رف مغطى بالغبار.
تناولتها.
أشعلت واحدة.
سحبت نفسًا طويلًا، ثم أطلقت الدخان ببطء نحو السماء.
كان الدخان يتصاعد بهدوء...
نفثت الدخان ببطء، وبقيت أراقبه وهو يتلاشى في الهواء.
غريب... دخان سيجارة واحدة استطاع أن يأخذني إلى مكان أبعد من كل الطرق التي مشيتها.
بدأت أتذكر حياتي كلها... أمي... أبوي... إخوتي... زوجتي... ثم توقفت ذاكرتي عند وجه صغير، لم يكن يغادرني لحظة واحدة.
زهورة.
هسة... شتسوي؟
يمكن هسة نايمة، وحاضنة لعبتها اللي جبتها إلها من رحنا نزور علي الشرقي.
كانت تعتبرها كنزها الصغير.
كل مرة أرجع من الدوام، تركض علي قبل لا أسلم على أحد.
ترمي نفسها بحضني، وكأنها كانت تخاف أختفي مرة ثانية.
وكل مرة أطلع للدوام، تمسك بإيدي وتكول: "بابا... لا تطوّل."
وأضحك، وأگول إلها: "يومين وأرجع."
يا ليتني أعرف... شلون أرجع هالمرة.
رفعت رأسي للسماء.
ما أدري ليش... لكن حسيت أن بيني وبينها مسافات أقل من المسافة بيني وبين الأرض.
قلت بيني وبين نفسي: "بنيتي... إذا كبرتي وما لگيتيني، لا تگولين أبوي تركني."
والله لو كان الأمر بيدي، جان بقيت يمچ العمر كله.
لكن الإنسان مرات ما يختار طريقه... الطريق هو اللي يختاره.
أكثر شيء كان يوجعني... مو الخوف من الموت.
الوجع الحقيقي... هو أني يمكن ما أشوفها تكبر.
يمكن ما أشوف أول يوم تلبس تروح بيه للمدرسة.
ولا أول مرة تكتب اسمها بيدها.
ولا أشوفها وهي تضحك من قلبها لأن أبوها رجع من الدوام.
يمكن ما أحضر نجاحها... ولا تخرجها...
ولا أوگف بباب بيتها يوم عرسها، وأوصي زوجها عليها.
تنهدت طويلًا... وشعرت بغصة تخنق صدري.
قلت بصوت خافت، كأنها واقفة أمامي: "زهورتي... أبوچ ما كان يحلم بشي بالدنيا أكثر من هاللحظة... يرجع للبيت، يكعد بالبراني، وإنتِ تركضين عليه وتصيحين: بابا... بابا."
ابتسمت... لكن دموعي سبقت ابتسامتي.
"إذا الله كتبلي أرجع... أول شي أسويه، أشيلچ، وأبوس راسچ، وأكول: الحمد لله."
وسكتُّ قليلًا... ثم أكملت وكأنها تسمعني فعلًا: "وإذا ما رجعت..."
"أريدچ تعرفين إن أبوچ يحبچ أكثر من نفسه... وأكثر من الدنيا كلها."
"وإن كل نبضة بقلبه، وهو محاصر بهالمدينة، كانت تدعي حتى تعيشين حياة حلوة... حتى لو هو ما كان جزءًا منها."
1 886
سحب الرجل سكيناً حادة من خصرة وحاول غرسها في نحري، أطبقت كفي العارية على النصل ولم أعد أشعر بقطع لحمي، بل ركزت كل عزمي في قلب يده بقوة ليوجه النصل إلى صدره هو.
غرزتها في أحشائه.. ثم سحبتها مغمورة بالدماء لأغرزها ثانية في الجانب الأيسر..
حيث يقبع قلبه.
انبثق الدم كالنافورة الساخنة ليغطي وجهي وبذلتي. تراجع ليتمدد على الأرض، وجلست أنا بجانبه، أنفاسي تتلاحق في صدري كالمجاذيف، أراقبه ببلاهة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وينازع الموت، حتى سكن تماماً وانقطعت حركته.
نهضت بجسد مثقل، توجهت إلى الحمام لأتطهر من دمائه النجس، غسلت نفسي، ثم توضأت وصليت لرب العباد
كل ما طلبته من الله، أن يكتب لي الرجوع.
أن أرى أمي وأبي وزوجتي وأضم زهورة مرة أخرى.
منذ ذلك اليوم، تحول ذلك البيت إلى عالمي كله.
خمسة أيام كاملة، لم أغادره إلا بعد أن يبتلع الليل آخر خيط من ضوء الشمس.
كنت أخرج متسللًا بين البيوت المهجورة، أجمع ما أستطيع من تمر، ومعلبات، وقناني ماء، ثم أعود قبل الفجر.
أما النهار... فكان طويلًا.
طويلًا إلى درجة أنني صرت أسمع صوت الصمت.
وفي اليوم السادس، كنت أجلس على الأرض، وبين يدي بضع تمرات وقدح ماء.
ظللت أحدق بهما طويلًا، ثم سألت نفسي: "شنو اللي كاعد أسويه هنا؟"
إذا بقيت أنتظر تحرير المنطقة، فقد تمر أشهر... وربما سنوات.
وهل سأموت مختبئًا داخل هذا البيت، بانتظار أحد لا يعرف أصلًا أنني ما زلت حيًا؟
في تلك اللحظة، اتخذت قراري.
لن أنتظر أحدًا بعد اليوم.
إذا أردت النجاة... فعليّ أن أبحث عنها بنفسي.
وأثناء تجوالي بين البيوت، وقع بصري على مولد كهربائي صغير، غطاه الغبار حتى بدا كأنه قطعة مهملة منذ سنوات.
اقتربت منه، وجربت تشغيله.
مرة... ومرتين... وثلاثًا... لكن صوته لم يخرج.
فتحت الخزان.
لم يبق فيه إلا بقايا بنزين.
عندها، تذكرت مولد بيتنا في العمارة.
كان أبي أحيانًا يخلط النفط مع البنزين حتى يطيل عمره ساعات إضافية.
ابتسمت رغم كل شيء.
حتى في قلب الحرب... قد تنقذك ذكرى صغيرة من بيتك.
لكن بقي سؤال واحد... منين أجيب النفط؟
فجأة، عاد إلى ذاكرتي البيت اللي سوينا بيه ادامة السلاح.
كنت أعرف أن الطريق إليه يعني ليلة كاملة من المشي بين الأزقة، لكن بعض الطرق لا تُقاس بطولها... بل بما ينتظر في نهايتها.
كان البيت كما تركناه.
الباب نصف مفتوح، والغبار يكسو الأرض، والأثاث ما زال في أماكنه، حتى رائحة النفط والرطوبة بقيت كما هي، كأن الزمن مر من هنا ولم يجرؤ على لمس شيء.
وقفت عند المدخل.
لم أبحث عن النفط مباشرة.
بقيت أتأمل المكان بصمت.
قبل أيام، كان هذا البيت يعج بصوت فاضل.
ضحكات، أصوات تنظيف الأسلحة، ومشاداتنا على أتفه الأسباب.
أما الآن... فلم يبقى سوى الصمت.
وهنا... تذكرت فاضل.
يقولون إن العسكرية تصنع الرجال.
لكنني لا أعتقد ذلك.
العسكرية لا تصنع الرجال... هي فقط تجردهم من كل الأقنعة، ثم تضعهم وجهًا لوجه أمام أنفسهم.
هناك، تكتشف من أنت فعلًا.
وتكتشف من يستحق أن تسميه أخًا.
فاضل كان واحدًا منهم.
لم أفهم يومًا معنى أن يقول الناس: "فلان وجهه مريح."
لكنني فهمتها عندما عرفت فاضل.
كان يستيقظ قبل الجميع، ينهي عاداته الصباحية بسرعة، ويأتي ليستلم الواجب في موعده تمامًا.
لا يتأخر... ولا يعتذر... ولا يشتكي.
وجوده وحده كان يمنح المكان طمأنينة غريبة.
ومع الأيام، صارت بيننا ألفة لا تحتاج إلى كلام كثير.
ثم تغير جدول الإجازات... رجع هو إلى أهله بعد الإصابة، وبقيت أنا في موقعي.
ومنذ ذلك اليوم، صرنا أصدقاء تفصل بيننا المسافات، وتجمعنا اتصالات قصيرة بين حين وآخر.
بعض الناس يحتاج سنوات حتى يصبح صديقًا... وفاضل احتاج مواقف قليلة فقط.
مرت الأيام ببطء.
ثم جاء اليوم الذي بلغونا فيه أن وجبة التحاقه تغيرت، وأنه راجع يخدم ويانا.
لا أنكر... فرحت.
فرحت أكثر مما فرحت بأي خبر منذ بدأت الحرب.
لكن الحرب عندها عادة سيئة... تعطيك شيئًا بيد، وتأخذه منك باليد الأخرى.
بعد شهرين فقط... كنت أنظر إلى جسده الممزق.
لم أصدق أن هذا هو فاضل نفسه.
ذلك الشاب الذي كان يوقظني للواجب بابتسامته الهادئة، صار جسدًا بلا صوت.
هناك فقط... فهمت أن الموت لم يكن بعيدًا عنا يومًا.
كان يسير بيننا كل ليلة.
ربما كان يدخل غرفتنا بعد منتصف الليل، يقف عند أسرتنا، يزيح الغطاء عن وجوهنا واحدًا واحدًا، ويتأملنا بصمت... ثم يختار اسماً، ويرحل.
كنا نسخر من كل شيء.
من التعب... ومن الخوف... ومن الحرب.
لكننا، بطريقة أو بأخرى، كنا نتجنب الحديث عن الموت.
جلساتنا كانت تتسع للعالم كله.
نتحدث عن الأهل، والزواج، والأطفال، والبيوت التي سنبنيها، وعن السفر، وعن المستقبل... إلا الموت.
كأننا اتفقنا أن نتجاهله، فيتجاهلنا.
لكن الموت لا ينسى أحدًا.
رحل فاضل قبل أن يكمل الرابعة والعشرين.
كان يقف في البرج مثلما كنت أقف، يحدق بالأفق، ويحلم بالرجوع إلى أهله.
1 886
وصلوا إلى الباب.
لأول مرة منذ بدأت رحلة الهروب، شعرت أن أنفاسي أصبحت عبئًا عليّ.
التصقت بالحائط، حتى خُيل إلي أن قلبي هو الصوت الوحيد داخل البيت.
كنت أتنفس بحذر، ببطء، وكأن الهواء نفسه قد يفضح مكاني.
كانت خطواتهم قريبة جدًا... قريبة إلى الحد الذي تخيلت معه أن أحدهم لو مد يده قليلًا، للمس كتفي من خلف الباب.
وضعت إصبعي على الزناد دون أن أشعر.
ولو تأخروا أقل من دقيقة... أقسم أن أعصابي كانت ستخونني، وسأطلق النار من خلف الباب، مهما كانت النتيجة.
مضت اللحظات ثقيلة، ثم بدأت أصوات خطواتهم تبتعد شيئًا فشيئًا، حتى ابتلعها صمت البيت.
انتظرت ربع ساعة كاملة.
في الحروب، لا تثق بالصمت بسرعة، فقد يكون كمينًا آخر.
عندما أيقنت أن المنزل أصبح خاليًا، خرجت من مكاني بحذر، وعدت إلى الحمام.
كان الماء البارد يلسع جروحي أكثر مما يخففها، لكنه غسل عني طبقات الدم والتراب التي التصقت بجسدي منذ أيام.
نظفت إصاباتي، وبدلت الضمادات، ثم ارتديت بدلتي العسكرية من جديد.
لم تكن تمنحني الدفء فقط... كانت تذكرني أنني ما زلت جنديًا.
رغم كل شيء.
الإرهاق كان أقوى من الألم.
منذ أيام لم أعرف النوم الحقيقي، وما إن وضعت رأسي على الأرض حتى شعرت بعيني تستسلمان رغماً عني.
غرقت في نوم عميق... لم يكن نوماً هادئاً على الإطلاق، بل كان أشبه بغيبوبة من الذعر.
فجأة، شعرت بركلة عنيفة تضرب قدمي، كأن أحداً يحاول إيقاظي قسراً من وراء القبر.
تكررت الركلة بقسوة أكبر، ففتحت عيني ببطء لأجد نفسي مستلقياً على ظهري، وفوق رأسي تماماً يقف تجسيد حي للموت.
مقاتل من تنظيم "داعش"، مباعداً بين رجليه ليحيط بجسدي الممدد، وقد وجه فوهة بندقيتي التي فرطتُ فيها ونمت إلى جبهتي مباشرة، بينما يعلق سلاحه هو على كتفه. ببرود جاف ونبرة تقطر حقداً قال: "كوم اوكف يا رافضي."
في تلك الثواني، تجمدت الدماء في عروقي وشعرت ببرودة الموت الحقيقي الملموس.
هل انتهت القصة هكذا؟ أسابيع من الصمود الدامي، من القتال الشرس لأجل البقاء، تنتهي في أول استسلام غبي للنوم وبلا أي مواجهة؟
وبدافع من غريزة البقاء التي ترفض الفناء، جمعت كل ما تبقى من عزم في ساقي وركلت قدمه لأخل توازنه، لكنه كان أسرع.. ضغط الزناد وانطلقت الرصاصة لتخترق جبهتي..
استيقظت صامتاً، أرتجف!
كان كابوساً.. مجرد كابوس مرعب، لكنه يحمل طعم الحقيقة.
صرخة مكتومة في صدري وعرق بارد يغمر وجهي في العتمة.
التفتُ حولي بذعر أتحسس الأرض.. بندقيتي ليست هنا! لقد نسيتها حقاً في الطابق الأول، تركتها في منور البيت (الترك).
كيف أمنت في هذا الجحيم ونمت بلا سلاحي؟ أي غفلة عسكرية قاتلة هذه؟
تسللت هابطاً لأسفل الدرج والحذر يملأ جوارحي، وهناك تجمدت مجدداً.
الصوت لم يكن في حلمي هذه المرة، كانت هناك خطوات حقيقية، بطيئة ومدروسة، تقترب من الباب الخلفي للمطبخ.
تراجعت ببطء حتى استقررت في منتصف الدرج، أراقب بنظرات ثاقبة من فوق.
من موقعي هذا، كنت أرى منور البيت حيث يقبع سلاحي، وأرى الطارق الجديد بوضوح.. وهو لا يراني ولا يرى السلاح.
كان رجلاً يرتدي دشداشة وجاكيت أسودين، يحمل بندقيته على ظهره، ويتجول في أرجاء الصالة بنوع من الخيلاء البربري، والأغرب أنه كان يترنم بصوت رخيم وجميل هادئ:
"هي جنة طابت وطاب نعيمها.. فنعيمها باقٍ وليس بفانِ.. فيها الذي والله لا عين رأت.. كلا ولا سمعت بها الأذنانِ"
كان صوته جميلاً حقاً، لكن في عالم الحروب، الجمال الذي يرتدي السواد هو شر مطلق ومخادع، ولم أكن لأسمح لهذا النغم أن يبث الطمأنينة في روحي.
واصل الرجل جيرته في البيت حتى دخل الغرفة المحاذية للصالة. كانت تلك الغرفة تقع تماماً في الخط المستقيم بيني وبين بندقيتي الملقاة في المنور.
المرور من أمام بابها المفتوح مجازفة انتحارية، فلو التفت للمحة واحدة أو لمح ظلي لأرداني قتيلاً، خاصة وأنه مسلح وأنا عاري اليدين.
هنا، خطرت لي فكرة غيرت مجرى تلك اللحظات. قررت أن أتحول إلى شبح.
نزلت الدرج بخفة مستحيلة، ووقفت عند زاوية الباب من الخارج ملتصقاً بالحائط، أتربص به بانتظار خروجه لآخذه من الخلف وأقيد حركته قبل أن يستوعب ما يحدث.
وفعلاً، ما إن خطت قدمه عتبة الغرفة، حتى انقضضت عليه بكل ما أوتيت من قوة هائلة غاضبة. طوقت عنقه بذراعي محاولاً خنقه ليفقد الوعي، لكنه كان كالثور الهائج، حملني على ظهره واندفع يتراجع إلى الوراء، ضارباً جسدي بالجدار العتيق مرة تلو الأخرى بقسوة، حتى تفتتت عزيمتي وخارت قواي وسقطت أرضاً على ظهري.
في لمح البصر، استغل سقوطي وسحب سلاحه بسرعة ليجهز عليّ، وقبل أن يوجه الفوهة نحو صدري، ركلت قصبة ساقه بكل ما تبقى في ساقي من رمق. اختل توازنه وسقط فوقي بثقله، وتطايرت بندقيته بعيداً في أرجاء الصالة.
هنا بدأت معركة طاحنة بالأيدي.. معركة بقاء لا مكان فيها للرحمة.
جروحي القديمة بدأت تصرخ وتنزف مجدداً تحت ثقله، لكني دست على الألم بكل قسوة.
1 886
لماذا لا يتصالح العراقيون الذين يكرهون إيران مع أنفسهم؟
ولماذا يكرهون إيران من الأساس؟
على حرب شنها رئيس عراقي خدمة للغرب!!
إذن لماذا فرحنا بسقوط نظام صدام واعدامه، طالما نعتبر حماقاته أمجاد؟
ولماذا يضع العرب مهمة "حماية البوابة الشرقية" على عاتقنا، بينما جيرانهم في الجهة الأخرى يخترقون لبنان وسوريا، بعدما أكلوا سيناء؟
الإنسان لا يعيش على الذكريات، بل على قراءة الواقع.
والواقع يقول إن العراقي لا يعيش وحده على هذا الكوكب، ولا يمكن أن يعيش من دون تحالف، ما دام ضعيفًا.
وحتى لو أصبح قويًا... سيبقى بحاجة إلى حلفاء، لأن السياسة لا تعترف بالأخوة، بل بالمصالح الدائمة، إلا إذا كنت تعتبر البلاد قبيلة فهذا شأنك أيها الأحمق.
إن يتصالح الشيعي مع فكرة أن "إيران أفضل من العرب والغرب" بالنسبة له، سيعيش بعدها بسلام نفسي وطمأنينة.
لا لأنه يريد أن يكون إيرانيًا، بل لأنه اختار ما يراه أقرب إليه بعد المقارنة.
يجب أن يقارن العراقي بين من حوله، ثم يختار الأفضل له، بناءً على معطيات دينية ومذهبية وزمنية وموقعية وتاريخية وحضارية، لا بناءً على شعارات ورثها أو عواطف لم يختبرها.
التصالح مع هذه الحقيقة لا يعني أنك ولائي أو ذيل، بل ستبقى عراقيًا.
ولا يعني أنك أصبحت من أتباع الزعيم السياسي الفلاني، بل ستبقى حرًا في اختيارك وقناعاتك.
بماذا تفسر سياسيون وأبناء شهداء وإعلاميون ومشاهير إيرانيون، لم يحضروا تشييع خامنئي في إيران، لكنهم توجهوا إليه في العراق؟
لأن شيعة إيران، وهم الأغلبية في بلاد فارس، لطالما اعتبروا العراق الوجهة والقبلة، والأرض المقدسة.
وهذه ليست علاقة سياسة فقط، بل علاقة عقيدة وتاريخ، ولذلك سيبقى العراق حاضرًا في وجدانهم، وقد يدافعون عنه يومًا ما إذا اقتضت الظروف.
ويبقى السؤال الذي لا أجد له جوابًا...
لماذا نحاسب إيران على أخطاء سياسيين عراقيين اخترناهم نحن؟
ولماذا نحاسبها على عملية سياسية أُرغمنا عليها بعد أن احتلت أميركا العراق ونهبت البلاد ودمرتها؟
أليس من العدل أن نحاسب كل طرف على ما فعله هو، لا على ما فعله غيره؟
1 886
قررت أن أغسل جسدي، وأن أنظف جروحي قدر الإمكان، لعل ذلك يخفف عني شيئًا من الألم، ويمنع تلوثها.
لكن... ما إن دخلت الحمام، حتى وصل إلى سمعي صوت رجلين يتحدثان في الشارع.
تجمدت في مكاني، حبست أنفاسي.
أنصت بكل جوارحي.
كانت الأصوات تقترب شيئًا فشيئًا.
ثم... سمعت صوت باب المنزل وهو يُفتح ببطء.
شعرت بأن الدم تجمد في عروقي.
لم يعد الرجلان في الشارع... بل أصبحا داخل سياج البيت.
كانت خطواتهما تزداد قربًا.
خطوة... ثم أخرى... حتى خُيل إلي أنهما يقفان على بعد أمتار قليلة فقط من الباب الذي أفصل نفسي خلفه.
أمسكت سلاحي بكلتا يدي.
رفعت فوهته نحو الباب.
وأدخلت إصبعي على الزناد.
حبست أنفاسي... وانتظرت.
كنت أعلم أن الباب، إذا انفتح هذه المرة... فإما أن أخرج منه حيًا... أو لن أخرج منه أبدًا.
يتبع..
1 886
لا نفس... ولا كلمة... ولا نظرة.
رحل... بقيت أحدق فيه لثواني، وكأن عقلي يرفض أن يصدق ما حدث.
قبل دقائق فقط، كان يسير أمامي، يوصيني بأبيه وزوجته، ويمازحني لأنني أطلت الحديث.
والآن... لم يبقى منه سوى نصف جسد بين يدي.
ابتلعت ألمي، وأدخلت ذراعي تحت ما تبقى من جسده، ثم سحبته بكل ما بقي لدي من قوة.
كان جسدي يصرخ من الألم، والشظايا تنغرز في لحمي مع كل حركة، لكن فكرة واحدة كانت تسيطر عليّ.. لن أترك فاضل في وسط الشارع.
جررته حتى تجاوزت به الجهة الأخرى، إلى مكان لا يظهر من الطريق.
وجدت كومة من قطع الحديد الثقيلة وبقايا هياكل معدنية متناثرة قرب أحد البيوت المهدمة.
وضعت جسده هناك برفق، ثم أخذت أرفع قطع الحديد واحدة تلو الأخرى، وأغطيه بها، حتى أخفيته عن الأنظار.
لم أفعل ذلك خوفًا عليه... بل خوفًا من أن تمتد إليه أيدي الإرهابيين بعد استشهاده، أو تنهش جسده الكلاب السائبة التي كانت تجوب المناطق الخالية.
وقفت للحظة.
نظرت إلى المكان الذي واريته فيه.
لم أقرأ الفاتحة... ولم أستطع حتى أن أودعه كما يليق برفيق سلاح.
فالوقت لم يكن يمنحني ترف الحزن.
كان عليّ أن أرحل.
استدرت، وانطلقت أركض بكل ما بقي في جسدي من قوة.
كل خطوة كنت أخطوها فوق ذلك الشارع كانت تحمل خوفًا جديدًا.
كنت أتوقع في أي لحظة أن ينفجر لغم آخر تحت قدمي، فألتحق بفاضل.
لكنني واصلت الركض.
أتعثر مرة، وأتوازن مرة أخرى، حتى تمكنت أخيرًا من عبور الشارع.
وحين وصلت إلى الجهة المقابلة، التفت خلفي.
كان المكان ساكنًا... كأن شيئًا لم يحدث.
لكن داخلي... كان قد تغيّر إلى الأبد.
دخلت أول منزل صادفني، ثم دفعت الباب خلفي بهدوء، وأسندت ظهري إلى الجدار.
عندها فقط... شعرت بأن جسدي كله بدأ ينهار.
كنت أتنفس بصعوبة، وكأن الهواء لم يعد يكفي رئتي. لم تكن أنفاسي مجرد لهاث، بل كانت محاولات يائسة لالتقاط الحياة من جديد.
أما دقات قلبي، فلم أعد أشعر بها داخل صدري فحسب، بل كنت أسمعها بوضوح، كأنها تُقرع داخل أذني.
كانت عالية إلى درجة أنني خشيت أن يسمعها من يقف خارج المنزل.
جلست على الأرض بصمت، وأسندت رأسي إلى الحائط، بينما بقي سلاحي بين يدي، لم أفارقه لحظة واحدة.
بدأت أسترجع ما حدث خلال الدقائق الماضية.
قبل وقت قصير فقط، كنا نسير معًا... أنا وفاضل.
نتبادل الحديث، ونخطط كيف سنخرج من هذا الحصار.
ثم... بلحظة واحدة... اختفى كل شيء.
أصبحت وحدي، وحدي تمامًا.
سرية كاملة خرجت إلى هذه المعركة.. ولم يبقى منها أحد.
داوود اختفى، ولا أعلم إن كان حيًا أم ميتًا.
أما فاضل... فقد تركته قبل دقائق تحت كومة من الحديد، في بيت لا يعرفه أحد، داخل مدينة تحولت إلى مقبرة مفتوحة.
شعرت بوحدة لم أعرفها في حياتي.
ليست وحدة المكان... بل وحدة الإنسان حين يدرك أنه أصبح آخر من بقي من رفاقه.
رفعت رأسي، وأخذت أتأمل أرجاء المنزل.
كان مهجورًا منذ زمن.
الأثاث مبعثر، والغبار يغطي كل شيء، وآثار الرصاص تملأ الجدران، بينما كانت رائحة الرطوبة تختلط برائحة البارود التي التصقت بملابسي منذ أيام.
وبين عشرات الأسئلة التي كانت تدور في رأسي، كان سؤال واحد يفرض نفسه في كل مرة، حتى أصبح كأنه صوت يهمس في أذني: هل سأنجو؟
كان هذا السؤال يرافقني منذ بدأت أيام الحصار.
كلما خرجت من موت، عاد ليسألني من جديد.
هل سأخرج حيًا؟
أم أن نهايتي أصبحت قريبة؟
لا أعرف كم بقيت جالسًا.
دقائق... أو ربما ساعة.
في مثل تلك الظروف، يفقد الإنسان إحساسه بالوقت.
لكنني كنت أعلم أن الاستسلام للتفكير يعني الهلاك.
أجبرت نفسي على الوقوف، رغم الألم الذي كان يمزق ساقي.
بدأت أفتش المنزل غرفة بعد أخرى.
كنت أبحث عن أي شيء يمكن أن يساعدني على البقاء.
قطرة ماء... قطعة قماش... أي شيء.
لم يعد معي سوى سلاحي.
أما حقيبتي العسكرية، فقد تركتها في الشارع أثناء الهروب، ولم يكن بالإمكان العودة إليها.
بعد دقائق من التفتيش، وجدت بعض الملابس المدنية داخل إحدى الغرف.
كانت قديمة ومغطاة بالغبار، لكنني لم أكن أملك خيارًا آخر.
مزقتها إلى شرائط طويلة، ثم بدأت أربط بها جروحي.
لففت قطعة حول ساعدي.
وأخرى حول ساقي.
ثم ضغطت قطعة قماش على الجرح الذي في رأسي، علها توقف النزيف.
كان الألم قاسيًا، حتى إن أصغر حركة كانت تشعرني وكأن الشظايا ما زالت تتحرك داخل جسدي.
ومع ذلك... لم أستطع النوم.
كان الخوف أكبر من التعب.
كلما أغمضت عيني، رأيت فاضل يرتفع في الهواء أمامي، ثم يسقط أشلاءً على الأرض.
فأفتح عيني من جديد.
بقيت مستيقظًا طوال الليل، أجلس تارة، وأقف تارة أخرى، أراقب الأبواب والنوافذ، وأصغي إلى كل صوت يأتي من الخارج.
ومع أول خيط من نور الصباح، بدأت أتحرك داخل البيت من جديد.
في الساحة الخلفية، وجدت حمام خارجي صغير.
دخلته بحذر.
كان أوسع مما توقعت، وفي إحدى زواياه خزان ماء ما زال يحتوي على كمية قليلة من الماء.
نظرت إلى الماء طويلًا.
كانت ملابسي مغطاة بالتراب والدم، وجسدي يحترق من أثر الجروح والغبار.
1 886
الغريب أنني، منذ بدأت رحلة الحصار، لم أعد أخشى الموت كما كنت في السابق.
كنت قد سلّمت أمري لله، وأيقنت أن لكل إنسان ساعة لا تتقدم ولا تتأخر.
كل خوفي كان على فاضل.
كنت أراقب خطواته أكثر مما أراقب طريقي، وأدعو في سري ألا يحدث له مكروه.
وصلنا إلى الجانب الثالث من الشارع.
أصبح التقدم أكثر بطئًا.
كان يتحرك بحذر شديد، يتفحص الأرض قبل كل خطوة، ثم يرفع رأسه ليراقب ما حوله، خشية أن يكون قناص يترصدنا أو عبوة دفنت بعناية بين الركام.
أما أنا، فلم تكن عيناي تفارقانه.
في تلك اللحظات، بدأ الصباح يعلن حضوره.
تسللت خيوط الشمس الأولى بين الأبنية المدمرة، وانعكست على قطع الزجاج المتناثرة في الطريق. كان الهواء باردًا ومنعشًا بعد زخات مطر خفيفة هطلت قبل قليل، ورائحة التراب المبتل ملأت المكان.
كانت العصافير تزقزق فوق الأشجار البعيدة، وكأن المدينة لم تعرف الحرب يومًا.
مشهد هادئ... بل جميل.
وربما، في تلك اللحظة نفسها، كانت عائلات في أماكن أخرى تجلس أمام بيوتها، تحتسي الشاي، وتستمتع بنسمات الصباح الباردة، دون أن يخطر ببالها أن هناك رجالًا يقاتلون من أجل أن يبقى ذلك الهدوء موجودًا.
أما نحن... فلم يكن لذلك الجمال أي معنى.
لم نكن نرى العصافير، ولا نشعر ببرودة الهواء.
كل ما كنا نشعر به هو التوتر.
وكان الصمت بالنسبة لنا أكثر رعبًا من أصوات الرصاص.
لا أعرف لماذا... لكن، في تلك اللحظة، حضرت في ذهني لطمية حسينية كنت أرددها منذ سنوات.
بدأت الكلمات تتردد في داخلي من تلقاء نفسها، وكأنها تمنحني شيئًا من الطمأنينة وسط ذلك الجحيم.
"حياتنا حسين... مماتنا حسين... حياتنا حسين... مماتنا حسين... حسين... حسين... حسين..."
كنت أرددها في سري، وأنا أتابع خطوات فاضل.
وفجأة... ومن دون أي إنذار... شق انفجار هائل سكون المكان.
اهتزت الأرض تحت أقدامنا، وابتلع صوت الانفجار كل شيء حوله.
لم أرَ كرة النار أولًا... ولم أسمع سوى دوي مزق أذني.
ثم رأيت فاضل.
رأيته يرتفع في الهواء أمام عيني، وكأن قوة خفية انتزعته من الأرض وقذفته بعيدًا.
وفي اللحظة نفسها، شعرت بالشظايا وهي تخترق ساقي وفخذي، كأن عشرات السكاكين انغرست في جسدي دفعة واحدة.
ترنحت من شدة الصدمة، لكن عيني بقيتا معلقتين بفاضل.
سقط جسده على الأرض بعنف.
ولوهلة... تجمد كل شيء.
بقيت واقفًا في مكاني، عاجزًا عن استيعاب ما رأته عيناي.
كان فاضل... مقسومًا إلى نصفين.
لم يبقى منه سوى الجزء العلوي.
أما النصف السفلي، فقد مزقته شدة الانفجار وتناثرت أشلاؤه في أنحاء الشارع.
شعرت أن الزمن توقف.
قبل ثانية واحدة فقط... كان يمشي أمامي، يتحدث ويبتسم.
والآن... صار جثمانًا ممزقًا.
بدأ ضوء النهار يكشف ملامح وجهه شيئًا فشيئًا.
حدقت فيه... كان وجهه شاحبًا، مغطى بالغبار والدم.
ولم يكن يتحرك منه شيء... إلا شفتاه.
كان يحاول أن يفتح فمه... كأنه يريد أن يقول كلمة أخيرة... لكن الصوت لم يخرج.
لم أملك وقتًا لأقف مذهولًا.
غريزة البقاء كانت تصرخ في داخلي، لكن شيئًا آخر كان أقوى منها... لم أستطع أن أترك فاضل ملقى في وسط الشارع، حتى لو كان ذلك يعني نهايتي.
اندفعت نحوه وأنا أجر قدمي المصابتين، غير آبه بالألم الذي كان يمزق ساقي مع كل خطوة.
كنت أشعر بحرارة الدم تسيل داخل حذائي العسكري، لكنني لم أتوقف.
وقبل أن أصل إليه، لفت انتباهي وميض ضوء يقترب من نهاية الشارع.
رفعت رأسي بسرعة.
دراجة نارية، كان يستقلها اثنان من عناصر التنظيم، يتقدمان نحونا بسرعة، وقد شغلا مصابيحها الأمامية لتخترق عتمة الفجر المتبقية.
في تلك اللحظة، لم يعد هناك مجال للتردد.
رفعت سلاحي، وضغطت على الزناد.
دوى صوت الإطلاق في الشارع الخالي، وبدأت أطلق النار بصورة متواصلة، لا لأصيبهم فحسب، بل لأمنعهم من الاقتراب، ولأكسب ثواني إضافية أصل فيها إلى فاضل.
كنت أتحرك وأرمي في الوقت نفسه.
الرصاص يرتطم بالجدران، والشرر يتطاير من قطع الحديد والإسمنت، بينما صوت الطلقات يتردد بين الأبنية المهدمة كأنه معركة كاملة، رغم أنني كنت وحدي.
وفي خضم ذلك كله...
عادت اللطمية تتردد في رأسي، بصوت أعلى من صوت الرصاص نفسه.
«زمجر الصوت من الطف كما الرعيد... والصدى يعيد...
وعلى قيثارة النحر مع الوريد هتف الشهيد...
قائلًا: كلا وكلا لك يا يزيد... لست كالعبيد...
ورمى الحديد يوم الطف بالحديد... واعتلى النشيد... قلت كلا وكلا أمية... يا حسين... إنني لا أبيع القضية... يا حسين...»
لم أعد أشعر بما حولي.
لا أسمع إلا تلك الكلمات، وصوت سلاحي، وأنفاسي المتلاحقة.
ولا أعرف كيف... ولا أستطيع تفسير ما حدث حتى اليوم... لكن الدراجة النارية اشتعلت فجأة.
رأيت ألسنة اللهب تلتهمها، فتوقفت وانقلبت، وارتفع منها دخان أسود كثيف، بينما اختفى راكباها بين النار والغبار.
لم ألتفت أكثر، كل ما كان يشغلني هو فاضل.
وصلت إليه، وجثوت على ركبتي بجانبه.
كان قد فارق الحياة.
لم أعد أرى أي حركة في وجهه.
1 886
لم ينبس فاضل بكلمة وهو يسير إلى جانبي، لكن ملامحه كانت تروي كل ما يدور في داخله.
كان مطأطئ الرأس، شارد الذهن، يضغط على سلاحه بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
منذ أن عدنا إلى هذا المكان، أدركت أنه بدأ يحمل نفسه مسؤولية كل ما حدث، وكأن مصيرنا بأكمله أصبح معلقًا على ذلك القرار الذي اقترحه قبل قليل.
قطع الصمت بصوت خافت، يكاد يختنق بين أنفاسه: انا السبب... لو ما گلت نرجع، جان هسة ما رجعنا لنفس المصيدة.
التفتُ إليه وأنا أواصل مراقبة الأزقة والنوافذ المحيطة بنا.
في تلك المنطقة، لم يكن من الحكمة أن يتوقف المقاتل عن مراقبة محيطه ولو لثانية واحدة. ربتُّ على كتفه وقلت بهدوء: لا تلوم نفسك... هذا كله مقدر ومكتوب. يمكن رب العالمين كاتب إلنا بهذا الطريق خير ما نعرفه. الإنسان يسعى، والباقي على الله.
لم يجب. اكتفى بهزة خفيفة برأسه، ثم واصل السير.
بعد دقائق وصلنا إلى البيت الذي تركنا فيه داوود. كان المنزل يبدو أكثر وحشة مما تركناه. الباب ما يزال نصف مفتوح، والجدران مثقوبة بعشرات آثار الرصاص، والزجاج المهشم يغطي أرضية الغرف. رائحة البارود امتزجت برائحة الدم، حتى بدا المكان وكأنه توقف عند اللحظة التي غادرناه فيها.
دخلنا بحذر.
كنت أتقدم أولًا، بينما كان فاضل يراقب الغرف من الجهة المقابلة.
كنا نفتح كل باب ببطء، وأصابعنا مستقرة على الزناد، مستعدين لإطلاق النار عند أول حركة.
كنا نتوقع أن نجد داوود حيث تركناه... جثةً هامدة.
لكن المكان كان خاليًا.
لم يبقى منه سوى بقع دم غطت الأرض، وآثار سحب خفيفة، وفانيلة فاضل الداخلية التي مزقها قبل أيام وربط بها جرح داوود محاولًا إيقاف النزيف.
وقفت أحدق في تلك الفانيلة للحظات. كانت صامتة...
لكنها تحكي كل ما جرى هنا.
أما داوود... فقد اختفى.
لم نعرف هل استطاع النجاة رغم إصابته، أم وقع أسيرًا، أم استشهد في مكان آخر بعدما غادر المنزل.
لم يكن أمامنا وقت للتفكير.
كل دقيقة نبقى فيها داخل ذلك البيت كانت تزيد احتمالات اكتشافنا.
قلت بصوت حاسم: لازم نطلع من هاي المنطقة... مهما صار.
أومأ فاضل بالموافقة، ثم خرجنا من المنزل.
كان الفجر قد بدأ يفرض حضوره على السماء.
السواد أخذ يتراجع ببطء، بينما انتشرت خيوط الضوء الأولى فوق البيوت المهدمة.
إنها أخطر ساعة في أي عملية انسحاب؛ فلا الليل بقي كافيًا ليخفيك، ولا النهار اكتمل لتستطيع رؤية الأخطار بوضوح.
كنا قد عدنا إلى قلب المنطقة المحاصرة.
ومن خلف السياج القريب، كانت أصوات محركات عجلات الإرهابيين تصل إلينا بوضوح، تتخللها أصوات أبواب السيارات وهي تُغلق، وضحكات متفرقة، وكلمات لم نميزها.
لم يكن يفصلهم عنا سوى ذلك السياج.
ولو خطر ببال أحدهم أن يفتش هذا المكان... لانتهت قصتنا هناك.
تحركنا بهدوء شديد، نلتصق بالجدران، ونتوقف بين حين وآخر لنستمع إلى أي صوت غير مألوف.
حتى وقع أقدامنا كنا نحاول أن نجعله أخف من همسة.
بعد مسافة قصيرة وصلنا إلى الشارع نفسه الذي عبرناه قبل ساعات.
شارع طويل ومكشوف، تحيط به الأبنية المدمرة من الجانبين، ولا ساتر فيه يحمي من قناص أو عبوة أو رصاصة تأتي من نافذة مجهولة.
وقفت أتفحص الطريق. ثم هممت بالعبور.
لكن فاضل أمسك بذراعي.
التفتُّ إليه.
قال وهو يحدق في الشارع: هذيج المرة انت عبرت بالبداية... هالمرة انا أعبر.
ابتسمت رغم قسوة الموقف، وقلت: ماكو فرق... إحنا هسة شخص واحد. روح وحدة. اللي يستشهد يروح للجنة، واللي يبقى عايش يوصل خبر الثاني لأهله.
تنهد فاضل، ثم قال بصوت هادئ، وكأنه كان يرتب وصيته الأخيرة: لا... حياتنا تختلف. إنت وراك أم وأب، وإخوان، وزوجة، وأطفال... أما انا، أمي متوفية، وأبوي عنده غيري، وعندي زوجة... وإذا استشهدت، بعد سنة أو سنتين تتزوج. حتى لو كانت تحبني... هاي سنة الحياة، محد يموت ورا الثاني.
نظرت إليه مبتسمًا وقلت: ها... منو گلبها دراما هسه؟
ضحك بخفة، ثم أشار إلى الأفق الذي بدأ يزداد إشراقًا : يلا... الشمس راح تطلع وإنت بعدك تداهر.
أخذ نفسًا عميقًا، وأحكم قبضته على سلاحه.
ثم خطا أول خطوة نحو الشارع...
ولحقتُ به، وأنا أشعر أن تلك الخطوات ستكون مختلفة عن كل الخطوات التي مشيناها منذ بدأت المعركة.
تقدم فاضل بخطوات محسوبة، واضعًا قدمه على الأرض ببطء شديد، كأنه يختبرها قبل أن ينقل ثقل جسده إليها.
كنت أسير خلفه مباشرة، محافظًا على مسافة قصيرة بيننا، لا تزيد على بضعة أمتار.
في مثل هذه المناطق، كانت كل خطوة قد تكون الفارق بين الحياة والموت.
عبر الجانب الأول من الشارع بسلام.
تبعته بعد ثواني، وأنا أراقب النوافذ والأسطح وأكوام الأنقاض، أبحث بعيني عن أي حركة غير طبيعية.
وصلنا إلى الجانب الثاني.
توقف فاضل لحظة، ألقى نظرة سريعة حوله، ثم أكمل التقدم.
كنت أسير خلفه تمامًا، أضع قدمي في الأماكن نفسها التي مر بها، وكأنني أستعير ثقته لأواصل الحركة.
كانت ساقاي ترتجفان.
لكنها لم تكن رجفة الخوف على نفسي.
1 886
امي مثلها مثل هواي شروگيات، ما يعرفن بالسياسة والدين عدهن عادة وتقليد، مو فهم وقراءة.
تحب كل السادة وتحترم كل معمم وتزور كل مرقد وتنذر نذورة وتوفي بيها.
ما جنت متوقع ردة فعلها الحزينة لمن جبتلها خبر استشهاد السيد.
لأن على حد علمي هي ما تفرق بين الخامنئي والخميني
كعدتها من النوم وكلتلها السيد الخامنئي استشهد
رد فعلها كان ممزوج بالصدمة والحزن والغضب (السيد ابو شيبة الحلوة مات؟ صخام وجهي... عمت عيني عليه)
طلعت لبره وبدت تبجي وتلطم
شكد جنت حزين على استشهاد السيد، بس منكد الصدمة ما كدرت ابجي
من شفت ردة فعل امي وانكسارها.. بجيت، بجيت بحرگه.
اليوم ورغم الضرف اللي تمر بيه العائلة، بيتنا احترگ وكل ممتلكاتنا راحت وساكنين إيجار ببيت ما بيه بس فرشات ومااحجيلكم عن الوضع النفسي التعيس اللي نمر بيه
قبل شوية على الغدا، امي، كالت خابرلنا على سيارة نروح بيها للنجف نحضر تشييع السيد
جملة أدخلت السرور والفخر لصدري، تشوف ذات المبدأ والهدف عند امك واخوك وباقي عائلتك بنفس اللهفة والالتزام، إنه لشيء يستدعي الحمد.
1 886
لكن الحركة هذه المرة مو مثل قبل.
كل بيت ندخله جان يخلينا نحس كاعد نمشي بمكاننا، مو نتقدم.
الأبواب متشابهة، الجدران متقاربة، والظلام اللي برا يخلي كل زقاق يشبه الثاني.
فاضل وگف فجأة، ونظر إلى الأمام.
"إذا بقينا هنا... راح نموت. يا بيدهم، يا من الجوع والعطش."
سكت لحظة، ثم أشار بإيده نحو بيت أعلى من باقي البيوت.
"تشوف ذاك البيت العالي؟"
هززت راسي "إي."
"لازم نصعد عليه ومن هناك نحدد طريق للصحراء."
كانت الفكرة واضحة… بس التنفيذ كان كأنه انتحار مؤجل.
البيت كان على الجهة الثانية من الشارع الرئيسي.
شارع عريض، أربع سايدات، ساكت من الخارج… لكن إحنا نعرف شنو ضام.
كل متر احتمال يكون بيه لغم أو عبوة.
والنهار مستحيل حتى نطلع رأسنا.
فقط الليل هو اللي يسمح لنا نتحرك… أو نموت بهدوء.
انتظرنا إلى أن ابتلع الليل المدينة بالكامل.
لا ضوء.. لا صوت.
حتى الريح صارت تمشي بحذر.
شدينا أغراضنا.. وتوكلنا.
وأول ما وگفنا على الحافة، كل واحد منا عرف أن الخطوة الجاية مو انتقال… بل عبور بين الحياة والمجهول.
فاضل نظر إليّ "تبقى مسافة بيناتنا."
هززت راسي "إذا صار شي إلي… أنت حاول تكمل."
ضحك ضحكة قصيرة ما بيها فرح "لا تگلبها دراما."
بس عيونه كانت تكذب عليه.
خطوت أول خطوة.. ثم الثانية.
كل خطوة كانت تطلع صوت داخل رأسي أكثر من الأرض.
الشارع كان أطول من حجمه الحقيقي.
أطول من أي شارع شفته بحياتي.
وكل ما أتحرك، كنت أسمع صوت داخلي أضعف من صوت تنفسي (لا توگف… لا تلتفت… لا تتردد)
كنت أتمتم بيني وبين نفسي، أستدعي أي شيء يخليني أكمل، إلى أن صار الاسم الوحيد اللي أكرره هو اسم الإمام علي.
فاضل خلفي، يتحرك بصمت، كأنه ظلي.
لا صوت.. لا إشارة.
بس وجوده وحده يكفي حتى ما أنكسر.
خطوة… ثم خطوة… ثم عبور كامل.
بدون انفجار.. بدون إطلاق نار.. بدون أي شيء.
بس صمت ثقيل كأنه يراقبنا.
وصلنا للطرف الثاني.
وگفنا ثواني نلتقط أنفاسنا، كأننا طلعنا من قاع مو من شارع.
فاضل همس "ها؟"
هززت راسي "اي..."
لكن أول ما وصلنا، حتى بدأ الشعور الغريب.
المنطقة مألوفة.
مو بس مألوفة… مؤلمة.
رفعت رأسي ببطء نحو البيت.
وكل خطوة اتقربت منه كانت تثبت الحقيقة أكثر.
فاضل وگف فجأة.
ما يحتاج يحچي.. عرف.
نفس اللحظة اللي عرفت بيها أنا.
هذا هو البيت.
نفس البيت اللي دخلناه أول مرة واتحاصرنا بيه.
نفس الجدران.. نفس الباب.. نفس الزاوية اللي تركنا بيها داوود.
سكتنا.. والشارع ورا ظهرنا صار أبعد من أي وقت.
البيت گدامنا…
بس الإحساس يگول مو رجعناله.
الإحساس يگول هو اللي رجع إلنا.
يتبع...
1 886
سكتت شوية.
كانت كلماته ثقيلة، لكنها واقعية بشكل مؤلم.
تنهدت وگلت "بس عندي إحساس إن الحصار گاعد يضيق أكثر... وكأن كل المنافذ انسدت."
ابتسم ابتسامة خفيفة، وهو يعيد تركيب أجزاء البندقية.
"شوف... الحصار مو أول شي يخنگ الإنسان... أول شي يخنگه هو اليأس. إذا انهزم گلبك، حتى لو فتحوا إلك ألف طريق، ما راح تكدر تمشي."
بقيت أفكر بكلامه للحظات.
ثم سألته "وإذا ما انفتح أي طريق؟"
أجاب من دون تردد "إذن نمشي بالطريق الوحيد الباقي... طريق الكرامة."
ساد بيننا صمت طويل.
ما كان صمت خوف...
كان صمت إنسان يحاول يستوعب معنى الكلمات وهو يسمعها داخل قلب المعركة.
بعد لحظات، رفعت رأسي ونظرت إليه.
"تدري... أكثر شيء خايف منه مو الموت."
رفع حاجبه باستغراب.
"چا شنو؟"
تنهدت، وكأن الكلام ثقيل على لساني.
"أخاف أموت... وما يدرون أهلي شصارلي... أو يضيع اسمي بهاي الخرابات."
ابتسم ابتسامة هادئة، وگال "الإنسان ما يبقى باسمه... يبقى بموقفه. يمكن الناس تنسى وجوهنا، لكن ما تنسى زلم وگفت بوجه الموت وما انكسروا."
نظرت إليه وسألته "يعني... بعدك تشوف عدنا أمل؟"
أجاب مباشرة "الأمل مو إن نضمن النجاة... الأمل إنو نبقى واگفين لآخر لحظة. لأن أكو ناس ينجون وهم أموات من الداخل... وأكو ناس يموتون، لكن تبقى أرواحهم حيّة بذاكرة اللي يعرفوهم."
شعرت بشيء داخلي بدأ يهدأ.
الخوف ما اختفى...
لكنه فقد جزءًا من قوته.
ابتسمت لأول مرة من ساعات، وگلت "يمكن هاي أول مرة... أحس إن الخوف بدا يهدأ."
ضحك فاضل وهو يرجع مخزن الإطلاق إلى مكانه.
"لأن بطلت تفاوض الموت... وصرت تفاوض نفسك. والإنسان إذا انتصر على خوفه، يصير العدو أضعف مما يتصور."
رجعنا نكمل تنظيف أسلحتنا.
صوت احتكاك الحديد، ورائحة النفط، ولهب الطباخ اللي بعده مشتعل، كلها صنعت هدوء غريب وسط مدينة كانت قبل ساعات تمطر نار.
وبينما كنت أغسل أجزاء سلاحي، رفعت رأسي وگلت "تعرف شنو اللي ما جنت أفهمه بالبداية؟"
نظر إليَّ.. "شنو؟"
"عبالي الحرب بس سلاح ورصاص... بس هسه أشوفها شي أعمق من هيچ بهواي."
ابتسم وگال "مثلیش؟"
تنهدت وأنا أنظر إلى البندقية الموضوعة أمامي.
"الحرب مو بس منو ينتصر على منو... الحرب الحقيقية هي منو يگدر يبقى ثابت على اللي مؤمن بيه. لأن الرصاصة تموت الجسد... بس الفكرة إذا انكسرت تموت الروح."
ظل فاضل ساكت لثواني، وكأنه يزن كل كلمة.
"إي... ولهذا الفرق بيني وبين اللي محاصرنا مو بالشكل ولا بالسلاح... الفرق بالمعنى."
سكت لحظة، ثم أكمل "إحنا إذا نشيل سلاح، نشيله لأن عدنا شي نحاول نحافظ عليه... بيت، ناس، ذاكرة، مكان نحس بيه جزء منا."
ثم رفع نظره إليَّ.
"أما هو، إذا يشيل سلاح، فيشيله حتى يمسح هالأشياء... مو حتى يحميها."
أخذ نفسًا عميقًا، وأردف "القضية مو منو عنده قوة أكثر... القضية منو أصدق ويا نفسه. الإنسان مرات يگدر يبرر العنف بأي اسم، بس الحقيقة تبقى تبين من الهدف... يحفظ حياة الناس، لو يحاول يمحي وجودهم؟"
ظليت اباوعله.. چلن يحچي بهدوء، لكن كل كلمة جانت تترك أثر.
ثم أكمل "ومن هنا يرتبط الدين بالوطن."
توقفت عن تنظيف السلاح، وركزت بكل كلمة يقولها.
"لأن الدين، بالنسبة للمؤمن، مو فكرة معلگة بالسما... هو طريق يعيش بيه بالأرض. والمقدس مو بس مكان... هو ذاكرة إيمان الناس، شلون عاشوا، شلون صبروا، وشلون فهموا معنى العدالة."
وأشار بيده وكأنه يرسم صورة أمامه.
"كربلاء والنجف مثلًا... مو مجرد أسماء."
ثم قال بثقة "أبدًا... هذني ذاكرة تمشي. كل حجر بيها إله قصة، وكل قصة مرتبطة بإيمان الناس، وشلون شافوا الحق والباطل. ولهذا يصير الدفاع عنها مو بس دفاع عن أرض... بل دفاع عن معنى يعيش بداخل الإنسان."
ساد صمت قصير داخل الغرفة.
كان كلامه يملأ المكان أكثر من أي صوت آخر.
ثم أكمل آخر ما عنده "إذا فصلنا الوطن عن الدين، يصير مثل جسم بلا روح... أرض موجودة، بس ما بيها إحساس. والوطن الحقيقي هو المكان اللي تلتقي بيه الذاكرة مع العقيدة، بحيث الإنسان يحس أنه مو غريب عن أرضه... ولا غريب عن نفسه."
بقيت ساكت، أفكر بكل كلمة گالها.
وفجأة...
ابتسم فاضل وضحك، وكسر كل هذا الجو الجاد.
"دخلتنا بحديث يخليني أشتهي الجكارة... وجكاير ماكو."
ثم هز رأسه وضحك أكثر.
"والله إنت بس شلعان الگلب من وراك."
تنهدت وأنا أبتسم لأول مرة من وقت طويل.
كان الغبار، ورائحة النفط، وصوت الطباخ الصغير، كلها صارت خلفية غريبة لهدوء ما يشبه أي هدوء مر علينا من بداية الحصار.
مسح ايده على وجهه وكال وهو يركب سلاحه "المهم... مادام الدنيا ليل، إحنا خو ما نبقى كاعدين هنا العمر كله."
رفعت رأسي "جا شنسوي؟"
نظر حوله للبيت، وكأنه يقيس المسافة بيننا وبين النجاة.
"خل نحط شوية بتيتات بالجنطة... ناكلهن بالطريق."
جمعنا ما تبقى من الأكل بسرعة، ورصيناه داخل أكياس صغيرة، مع بعض العتاد اللي صار أثقل مما يبدو.
وبدينا نتحرك.
1 886
سمعت صوت زعيمهم يعلو من الجهة المقابلة للنهر، كان يتكلم بثقة وكأنه حسم الأمر.
"لا ترمون بعد... ما معقولة عافوا الدنيا كلها واختبوا بنهر صغير مثل هذا. وحتى لو كانوا بيه، مستحيل يبقون عايشين بعد كل هالرمي. اتوزعوا مجموعات... دوروا عليهم بالبيوت."
انتهى من كلامه، وبعدها مباشرة بدأت الأصوات تبتعد شيئًا فشيئًا. هدير الرصاص سكت، وصراخهم اختفى، حتى عاد المكان إلى هدوء غريب.
لكن هذا الهدوء ما كان يطمن.
بالحرب، الهدوء مرات يكون أخطر من المعركة نفسها، لأن العدو يعرف أن الإنسان، بعد ساعات من الرعب، أول ما يحس بالأمان راح يطلع من مخبأه.
لهذا قررنا ما نغامر.
بقينا داخل النهر...
لا حركة... ولا كلمة... ولا حتى التفاتة.
المي البارد كان يغمر أجسادنا، والطين لازگ بملابسنا العسكرية، والگصب الطويل يحيط بينا من كل الجهات.
چنا نسمع أصوات الحشرات أكثر من أصوات البشر، وكل دقيقة تمر چانت أطول من الساعة.
بقينا بهذا الحال من الساعة ثمانية الصبح للتسعة بالليل.
ثلطعش ساعة كاملة، وإحنا ثابتين بمكاننا، نحاول نتجاهل البرد، والجوع، والخدر اللي بدأ يسيطر على أطرافنا.
بهيچ مواقف، الحذر ما يعتبر مبالغة...
الحذر هو الشي الوحيد اللي يخليك تعيش.
أي استعجال، أي حركة غير محسوبة، أو حتى مجرد صوت خفيف، ممكن ينهي كل شيء بلحظة.
چنا حاطين احتمال أنهم ما انسحبوا أصلًا، ويمكن مختفين بمكان قريب ويراقبون النهر، وينتظرون أول شخص يطلع حتى يلزموه.
ولهذا ظلينا ننتظر...
إلى أن تأكدنا تمامًا أن المنطقة خلت من أي حركة.
بدأنا نزحف بهدوء داخل الماي، خطوة خطوة، حتى وصلنا إلى جرف صغير يرتفع عن مستوى النهر.
طلعنا عليه بصعوبة، لكن حتى هناك ما استعجلنا.
كعدنا أكثر من نصف ساعة إضافية نراقب المكان.
كل صوت يلفت انتباهنا...
كل حركة بين الأشجار...
كل هبة ريح كانت تخلينا نلتفت.
چنا نراقب بصمت، نحاول نتأكد أن الطريق صار آمن، وماكو أحد يراقب تحركاتنا.
ولمن اطمأنينا، رجعنا عبرنا السياج، ودخلنا المزرعة مرة ثانية، ومن المزرعة انتقلنا إلى بيت آخر.
دخلناه بحذر، وكل واحد من عدنا كان يتوقع يواجه مصير جديد وره أول باب يفتحه.
لكن هالمرة...
الحظ ابتسم إلنا.
لگينا أكل.
يمكن بالنسبة لأي شخص، مجرد بتیته ما إلها قيمة.
لكن بالنسبة إلنا، بعد أيام من الجوع، كانت كنزًا.
أول شيء سويناه، نزعنا ملابسنا العسكرية حتى تنشف. كانت ثقيلة من كثر ما تشربت ماي، وكل قطعة منها تحولت إلى حمل إضافي على الجسم.
وأثناء ما كنا نرتب أغراضنا، وقعت عيني على كتف فاضل.
كان هناك وشم مكتوب عليه "لبيكِ يا زينب."
أما على يده الثانية، فكان هناك حرف إنكليزي واحد... "N"
استغربت وسألته عنه.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وكال"هذا أول حرف من اسم زوجتي."
فاضل تزوج بعد علاقة حب استمرت أربع سنوات.
أما هذا الوشم، فكتبه قبل الزواج، أيام الخطوبة، حتى يبقى أول حرف من اسمها مرافقًا له أينما ذهب.
التفتنا بعدها إلى الأكل.
لگينا طباخ صغير، وقنينة غاز بعد بيها كمية تكفينا.
ملينا الجدریه ماي، وحطينا البتیته على النار.
ما چان عدنا ملح...
ولا دهن...
ولا أي شيء يغير طعمها.
لكن بهذيچ اللحظة، الطعم مو مهم.
المهم ناكل.
گعدنا ننتظرها تستوي، وبعدها أكلناها وهي حارة، وكأنها أفضل وجبة مرت علينا من بداية الحصار.
بعد الأكل، رجعنا نفكر بشيء ما يقل أهمية عن الطعام... أسلحتنا.
ظلت فترة طويلة مغمورة بالماي، وإذا بقينا على هذا الحال، يمكن أول مواجهة إلنا تتعطل بيها البنادق.
بدأنا نفتش داخل البيت، إلى أن لگینا نفط.
كعدت أنا وفاضل متقابلين، وكل واحد حاط سلاحه گدامه، وبدينا نسوي إدامة للأسلحة بكل هدوء.
رائحة النفط امتزجت برائحة الرطوبة اللي تملأ البيت، وما كان يُسمع غير صوت قطع السلاح وهي تتفكك وتتركب من جديد.
وسط هذا الهدوء...
التفتت علی فاضل، وسألته سؤال چان يدور ببالي من بداية الحصار
وهو منهمك يفك أجزاء بندقيته وينظفها بعناية، وكأنه جالس بورشة تصليح، مو داخل بيت مهجور وسط مدينة يسيطر عليها الموت.
ظل ساكت، وعينه على السلاح.
أما أنا، فكنت أنظر إليه، وإلى وجهي المنعكس على قطعة المعدن السوداء، وكأنني أحاول أقرأ مستقبلي.
قطعت الصمت وسألته "تتوقع... راح نطلع عايشين مناه؟"
ما رفع رأسه مباشرة.
ظل يمسح سبطانة البندقية بقطعة قماش مبللة بالنفط، ثم قال بهدوء غريب "محد يطلع من المعركة قبل ما ينتهي أجله... ومحد ينجو لأنه توقع النجاة."
ابتسمت ابتسامة باهتة، وهززت رأسي.
"كلامك يخوف... أحسك دوم مستعد للموت."
ترك السلاح على الأرض، ونظر إليّ نظرة ثابتة، ثم قال "لا... أنا مستعد أواجه الحقيقة. الإنسان من يدخل المعركة، يعرف أن الحياة والموت يصيرن على مسافة طلقة وحدة."
1 886
على أثر خروج المنتخب الأيراني من المونديال، اتصلت بالدكتور الأيراني اللي اخذ عنده كورس لغة اذرية، لأعزيه وأبلغه تضامني الخالص.
وكتله : مو مشكلة إذا غبت عن الدوام باجر، لأني والله حزين على خروج
التيم ملى!!
اعترض وكالي: اكيد اكو مشكلة.. وقبل ما تحزن على المنتخب الوطني! روح تعلم اذري، شگيت بطني انا تعلمت عراقي وانت بعدك ماضابط الفارسي وتريد تتعلم اذري.
