سامي المُعلا
رفتن به کانال در Telegram
- غير مرحب بالمتعاطفين مع اسرائيل. - كاتب قصص قصيرة. - مدون أجتماعي. - متابع جيد للسينما والدراما. الفيسبوك https://www.facebook.com/sami.almula
نمایش بیشتر1 908
مشترکین
-124 ساعت
+57 روز
+1930 روز
آرشیو پست ها
1 908
خرجنا.
بدأنا نمشي بين الأزقة.
كنت أسير خلفه وأراقب كل شيء.
لم أسأله كثيرًا.
كنت أخشى أن يضيع الوقت بالكلام.
حتى وصلنا إلى أول بيت كنت قد اختبأت فيها.
ذلك البيت الذي تركني فيه فاضل وقاسم في اليوم الأول.
توقفت.
قلت له: أنا جنت موجود بهذا المكان، ليش رجعت ودخلتني بي من جديد؟
قال: اطمئن، ما راح نطول هنا. بس من اجيت أدور عليك، تركت دراجتي بهذا المكان.
نظرت إليه: چا شلون راح تطلعني من هنا؟
- اصبر علي. هسه راح نطلع أني وياك بالدراجة من الباب الخلفي للبناية.
وصلنا إلى الباب.
أشار إليّ: دقيقة، واطلع وراي.
انتظرته.
تحرك هو أولًا.
لكن قبل أن أخطو خارج الباب، عاد مسرعًا.
أمسكني وأعادني إلى الداخل.
قال بصوت منخفض: ادخل! لا تطلع!
نظرت إليه.
"شبيك؟"
اقترب مني وقال: أفراد العصابة گاعد يراقبوني.
شعرت بشيء بارد يمر في ظهري: چا شلون راح تطلعني منه؟
هز رأسه: ما أگدر أطلعك بالدراجة هسه. ادخل وشوف لك مكان آمن بنفسك. أني راح أطلع، آخذ الدراجة وأروح بيها، بلكت أحصل سيارة وأرجع لك بيها.
لم يكن أمامي خيار آخر.
دخلت.
بحثت عن مكان أختبئ فيه.
ثم بقيت أنتظر.
خرج عمران بالدراجة.
وتركني وحدي.
مرت ساعة تقريبًا، ربما ساعة ونصف.
لم أكن أملك ساعة أنظر إليها.
كان الوقت داخل ذلك المكان يتحول إلى شيء غريب، دقيقة واحدة يمكن أن تبدو كأنها ساعة، وساعة كاملة يمكن أن تمر دون أن أشعر بها.
ثم سمعت صوتًا: داوود!
تجمدت.
- داوود، اطلع!
ثم أضاف: أني عمران، جايك من طرف أبو تراب.
خرجت.
كان عمران واقفًا.
قلت: ها بشر؟ شنو الأوضاع؟
ابتسم ابتسامة صغيرة: حصلت السيارة. راح آخذك بيها.
ثم أعطاني ملابس تشبه ملابس أفراد العصابة.
قال: من نطلع منانه، أريدك تكون طبيعي.
نظرت إليه: طبيعي؟
- إي. لا تخلي الخوف والتوتر يسيطر عليك. إذا بين عليك الخوف، راح يشكون بيك. وإذا شكوا بيك، راح يوگفونا.
أومأت برأسي.
ثم اتفقنا على أشياء عدة.
إذا أوقفونا، ماذا سأقول؟
كيف أتصرف؟
متى أتكلم؟
ومتى أبقى ساكتًا؟
حتى الأمور الصغيرة كانت محسوبة.
أين أجلس؟
كيف أنظر؟
ماذا أفعل إذا اقترب أحد من السيارة؟
كان علينا أن نمثل دور شخصين عاديين.
لكن المشكلة أنني لم أعد أعرف كيف يكون الإنسان عاديًا.
صعدت إلى السيارة.
كانت سيارة كيا.
جلست في المقعد، ولففت الشماغ حول وجهي.
لم يكن الغرض منه التنكر فقط.
كان وجهي قد صار في حالة سيئة جدًا. الإرهاق ظاهر عليه، وعيناي غائرتان، وملامحي لم تعد تشبه ملامح رجل يستطيع أن يخفي شيئًا.
تحرك عمران.
كان يعرف الطريق جيدًا.
وهذا الشيء وحده منحني قليلًا من الطمأنينة.
كنت أراقب الشوارع من خلال فتحة صغيرة بين أطراف الشماغ.
رأيت الألغام في وسط الطرق.
رأيت آثار الانفجارات.
بيوتًا نصفها قائم، ونصفها الآخر تحول إلى كومة من الحجارة.
سيارات محترقة.
أبوابًا مخلعة.
جدرانًا تحمل آثار الرصاص.
مدينة كاملة بدت وكأنها مرت من خلال فم وحش، ثم لفظها.
لكن الدمار لم يكن الشيء الأكثر رعبًا.
الأكثر رعبًا أنك تعرف أن كل هذا حدث بأيدي بشر.
كنت أنظر من النافذة وأفكر: كم إنسانًا كان يعيش هنا؟ كم طفلًا كان يركض في هذه الأزقة؟ كم امرأة كانت تفتح باب بيتها كل صباح؟
ثم جاء هؤلاء... وحولوا كل شيء إلى مكان يخاف فيه الإنسان من صوته.
حاولت أن أفتح حوارًا مع عمران، ربما أغيّر شيئًا من ذلك الجو المشحون بالتوتر والارتباك.
قلت: أنت متزوج؟
أجاب: لا للأسف.
نظرت إليه: ليش؟ مع أنه عمرك مبين اتعدا الثلاثين.
ظل ينظر إلى الطريق.
ثم قال: قبل الحرب جنت مخطط اتزوج... بعدين أجت الحرب وخرب كلشي... فاضطريت التهي بنفسي وبوالدي.
سألته: والدك وين هسة؟
ساد الصمت للحظات.
ثم قال: مات.
انتظرت.
أضاف: كتلوه الدواعش.
ثم أدار وجهه نحوي للحظة، قبل أن يعيد عينيه إلى الطريق: منها وقررت أكون ضدهم، حتى لو كان السبيل حياتي.
قلت: الله يرحمه.
ثم سكت قليلًا.
قلت: أنا والدي هم متوفي.
لم أعرف لماذا بدأت أحكي.
ربما لأن الإنسان، حين يقترب من الموت، يصبح أكثر استعدادًا لفتح الأبواب التي أغلقها منذ سنوات.
قلت: لمّا مات أبي، لم أبكِ.
ظل عمران صامتًا.
واصلت: كنتُ مشغولًا بالنظر إلى المرآة التي في آخر الغرفة، أراقب وجهي وأنا أستقبل العزاء، كأنّي أريد أن أعرف: كيف يبدو الحزن حين لا يُصدق نفسه؟
كان الطريق ينسحب من خلفنا، وأنا أشعر أنني أتكلم مع شخص لا أعرفه عن أشياء لم أقلها لأحد.
قلت: الناس كانت تمر، تضع يدها على كتفي، وتقول:البقاء لله بویه.
ثم ابتسمت ابتسامة لا معنى لها: وأنا كنت أومئ برأسي وأعدّ أنفاسهم.
واحد. اثنان. ثلاثة.
لا أحد منهم كان ينظر إلى أبي المسجّى. كلهم كانوا ينظرون إليّ.
سكتُّ لحظة: كأن الموت حدث لي أنا، لا له.
بقي عمران صافنًا بوجهي.
أما أنا، فقد وجدت نفسي أعود إلى تلك الغرفة.
إلى اليوم الثالث.
1 908
خرجت من الغرفة ومسحت كل أثر يمكن أن يدل على وجودي.
ملأت لي قنينة ماء، ثم بدأت أبحث عن مكان آخر داخل البيت.
دخلت غرفة نوم ثانية.
كانت مختلفة عن الغرفة التي نمت فيها.
هناك وجدت فتحة تؤدي إلى داخل الچرباية.
نظرت إليها طويلًا.
ثم دخلت.
غطيت الفتحة التي دخلت منها.
وصرت وحدي في الظلام.
بقيت هناك يومًا كاملًا.
لم أخرج.
كنت أسمع أصواتًا بعيدة، وأحيانًا أصوات سيارات، وأحيانًا حركة أشخاص.
لكن عقلي كان يفعل شيئًا أسوأ من كل ذلك.
كان يعيد لي صورة مريم. وجهها. صوتها.
الساعات القليلة التي عرفتها فيها.
ثم صورتها وهي تموت.
كنت أحاول أن أطرد الصورة، لكنها كانت تعود.
كنت أغمض عيني، فتظهر.
أفتح عيني، فلا أرى إلا الظلام، فتظهر أيضًا.
في الحرب، هناك أشياء لا تستطيع الهرب منها، حتى لو اختبأت تحت الأرض.
في اليوم الثاني قررت أن أخرج.
لم أكن أنوي الهروب في ذلك اليوم.
كنت أريد فقط أن أستكشف الطريق الذي وصفه لي الرجل.
خرجت من البيت وبدأت أمشي.
كنت أردد في رأسي كلماته: البزل... البيت الكبير... الشارع العام... الهمر العاطلة... المنطقة المقابلة...
واصلت السير حتى اقتربت من البيت الكبير.
ثم توقفت.
كان البيت مضاءً.
كانت هناك سيارات ودراجات وحركة وأناس.
حدقت بهم من بعيد.
شعرت بأن الدم ينسحب من وجهي.
قلت لنفسي: كيف أعبر؟ أنا مصاب.
والمنطقة التي جئت منها كانت ساقطة تمامًا، لا أحد فيها تقريبًا.
أما عبوري من أمام هؤلاء، فكان يعني أن أضع نفسي في أيديهم.
في ذلك اليوم لم أكن أخطط للخروج أصلًا.
كنت فقط أستكشف الطريق.
لذلك عدت.
رجعت إلى البيت الذي خرجت منه وجلست في داخله.
وبدأت أفكر.
كان عليّ أن أجد طريقًا آخر.
ثم جاءتني الفكرة.
البزل.
أدخل إلى داخله وأمشي مع القصب.
أعبر البيت الذي يتمركز فيه أفراد العصابة.
ثم أخرج من الجهة الأخرى.
أصل إلى الشارع العام.
ومن هناك أذهب إلى المنطقة التي وصفها لي الرجل.
بدت الفكرة ممكنة.
وهذا في الحرب يكفي أحيانًا لتجربتها.
خرجت من البيت واتجهت إلى البزل.
كنت أقترب منه عندما سمعت صوتًا.
كلاب.
جاء النباح من الطرف الآخر.
توقفت.
نظرت نحو الصوت.
ثم تخيلت الأمر كاملًا.
أدخل الماء.
أمشي بين القصب.
الكلاب تسمعني.
تبدأ بالنباح.
يخرج الرجال.
ينكشف مكاني.
وينتهي كل شيء.
قلت لنفسي: لا.
رجعت.
لم أستطع المخاطرة.
كنت أنقل كل الأحداث التي أمر بها عبر الهاتف إلى القيادة.
كانوا يحاولون إيجاد أي ثغرة يمكن أن تخرجني من هناك.
وكانت النصيحة التي تتكرر دائمًا: لا تبقى بمكان واحد. إذا صارت عندك فرصة تغيّر مكانك، غيره.
لم يكن لديهم حل آخر.
وأنا أيضًا لم يكن لدي.
عدت إلى البيت.
دخلت إلى المكان نفسه تحت الچرباية.
غطيت الفتحة.
وجلست.
كانت الساعات تمر ببطء شديد.
كنت أفكر في البيت. في البزل. في الكلاب. في الشارع. في الرجال. وفي مريم.
حتى صار الصباح.
كانت الساعة تقارب التاسعة وعشر دقائق.
قررت أن أخرج قليلًا لأتصل بالقيادة وأخبرهم أنني سأغير مكاني.
دفعت الغطاء.
وضعت يدي على حافة الفتحة.
وقبل أن أخرج... سمعت صوتًا.
صوت رجل.
كان قريبًا. قريبًا جدًا: داوود؟
تجمدت. لم أتنفس.
ثم جاء الصوت مرة أخرى: داوود... إنت موجود؟
توقفت يدي.
لم أعد أفكر في شيء.
لم أعد أسمع سوى دقات قلبي.
رجعت إلى الداخل ببطء.
وسحبت الغطاء فوقي.
لم أعد أرى شيئًا.
لكنني كنت أسمع.
خطوات.
شخص يقترب.
ثم سكت.
ظللت أفكر في الرجل الذي كان يناديني.
من يكون؟
وكيف عرف اسمي؟
وكيف عرف أنني موجود هنا تحديدًا؟
الصوت الذي سمعته لم يكن صوت شخص يبحث عن أحد بصورة عشوائية.
كان صوت رجل يعرف أنني موجود.
ويعرف أنني حي.
بل كان يتحدث وكأنه متأكد من مكاني.
حاولت ألا أتحرك.
كنت أتنفس ببطء، وأحاول أن أجعل جسدي لا يصدر أي صوت.
ثم جاء النداء الثالث: داوود!
وبعدها مباشرة فُتح باب الغرفة التي كنت أختبئ فيها.
انفتح الباب فجأة، ودخل رجل.
قال: أني عمران، وجايك من طرف أبو تراب. اطلع ولا تخاف مني، أني جاي علمود أساعدك.
بقيت أحدق فيه.
كنت أبحث في وجهه عن أي شيء يطمئنني.
لكنني في تلك المرحلة لم أعد أثق بالوجوه.
خرجت.
كان أول شيء سألني عنه هويتي ومستمسكاتي.
قلت: كلهن موجودات يمي.
مد يده: أنطيني كل المستمسكات وخليهن وياي.
نظرت إليه باستغراب: ليش؟ شتسوي بيهن؟
قال بهدوء: إذا الله راد وطلعتك من هذا المكان، لمن أوصل جماعتك أگدر أگول لهم هذا شخص من عندكم، وأثبت لهم هذا الشي من خلال مستمسكاتك.
لم يكن لدي سبب واضح لأرفض.
أعطيته المستمسكات.
ثم بدأ يخلع عني ملابسي العسكرية.
نزعت البدلة العسكرية.
ثم البسطال.
وأعطاني ملابس مدنية.
ارتديتها.
ثم لف شماغًا حول رأسي.
نظرت إلى نفسي.
لم أعد أشبه الجندي الذي دخل هذه المنطقة.
وهذا كان المطلوب.
قلت له: ها؟ نطلع هسه؟
أجاب فورًا: إي. لازم نطلع هسه وبهذا الوقت.
1 908
خرجت من البيت قبل أن يصلوا.
لم ألتفت خلفي.
لم أملك الشجاعة لأرى ما سيحدث لمريم بعد أن تركتها، ولم أملك الوقت الكافي لأفكر في ذلك أصلًا. كنت أمشي فقط. أجرّ ساقي جرًّا، وأشعر أن جسدي لم يعد ملكي. كل خطوة كانت تحتاج إلى قرار، وكل نفس يدخل صدري كان يبدو كأنه قد يكون الأخير.
مريم... عرفتها قبل ساعات فقط.
وهذا، ربما، كان أكثر ما يؤلمني.
كيف يستطيع إنسان أن يدخل حياتك خلال ساعات قليلة، ثم يترك موته في داخلك فراغًا يشبه فقدان شخص عاش معك سنوات؟
كنت أمشي وأنا أفكر فيها، حتى رن هاتفي.
أخرجته ونظرت إلى الشاشة.
رقم مجهول.
ترددت لحظات، ثم أجبت: ألو؟
جاءني صوت رجل هادئ، لكن شيئًا في نبرته كان يقول إنه متوتر: داوود؟
"اي."
- أني من القيادة. انطوني رقمك، وكالولي أتواصل وياك. وين انت هسة؟
تلفت حولي قبل أن أجيبه.
كان الظلام قد ابتلع معظم الأشياء، ولم أكن أعرف اسم المنطقة أصلًا: ما أعرف اسم المكان بالضبط... بس أكو جامع قبته مو ملبوخة، ومقابيله محلات.
بدأت أصف له المكان بأدق ما أستطيع. نافذة هنا، زقاق هناك، بيت له باب أخضر، ومحل مغلق على طرف الشارع.
كان صوته يأتي من الهاتف، لكنني شعرت أنه خيط رفيع ممتد من مكان مجهول إلى يدي.
خيط واحد فقط يفصلني عن الموت.
قال: اسمعني زين، وركز وياي.
ثبتُّ الهاتف على أذني.
- المكان اللي إنت گاعد بيه هسه، تطلع من خلف هاي المحلات وتظل تمشي إلى أن توصل للبزل اللي موجود بنهاية المنطقة.
كنت أحاول أن أحفظ كل كلمة.
- من توصل للبزل، ظل امشي وياه إلى أن يصادفك بيت كبير.
توقفت: بيت كبير؟
- إي. بيت واضح وكبير. من توصل له، لا تعبره. أخذ يسار واطلع على الشارع العام.
نظرت إلى الظلام أمامي، كأنني أستطيع أن أرى الطريق الذي يصفه لي: وبعدين؟
- راح تشوف سيارة همر عاطلة موجودة على الشارع. خلي السيارة وراك واطلع على المنطقة اللي گدامك.
ثم سكت لحظة: إذا وصلت لهاي المنطقة... اعتبر نفسك بأمان.
لم أشعر بالأمان.
كنت قد تعلمت في الحرب أن كلمة آمن تعني غالبًا أنك لم تمت بعد.
قال: هذا اللي أگدر أساعدك بيه هسه. وأريدك تدير بالك على نفسك.
ثم تغير صوته قليلًا: واحذف رقمي من جهازك. لأنه لا سامح الله إذا لزمتك العصابة، راح يعرفوني وراح يأذوني كلش هواي.
لم أعرف ماذا أقول.
قال: واللي أتمناه إلك هسه... إنك ترجع لأهلك سالم.
سكتُّ.
"إن شاء الله."
- الله وياك.
انتهت المكالمة.
بقيت ممسكًا بالهاتف لثوانٍ، كأنني أنتظر منه أن يرن مرة أخرى ويقول شيئًا نسيه.
ثم حذفت الرقم.
لم أكن أعرف اسم الرجل حتى.
ومع ذلك، كان آخر إنسان في تلك الليلة يتحدث إليّ وكأنه يعرفني.
في تلك الليلة قررت أن أغيّر مكاني.
خرجت من البيت من الباب الخلفي، وعبرت إلى البيت المقابل. كنت أتحرك ببطء، وأراقب كل نافذة وكل سطح وكل زاوية.
لم يعد الخطر بالنسبة إليّ شيئًا يأتي من مكان محدد.
صار الخطر موجودًا في كل شيء.
في نافذة مفتوحة.
في باب نصف مغلق.
في سيارة متوقفة أكثر مما ينبغي.
وفي صوت كلب ينبح في مكان بعيد.
دخلت البيت. وجدت الباب الرئيسي مفتوحًا.
توقفت. لم أدخل مباشرة.
راقبت الفرع الذي يقع فيه البيت، وانتظرت طويلًا. لم أر أحدًا.
ثم خرجت إليه.
مشيت مسافة قصيرة حتى وجدت باب بيت آخر مفتوحًا.
دخلت.
كان البيت يحتوي على حديقة صغيرة، وفي وسطها شجرة تين.
كانت الثمار قليلة. بعضها أُكل منه، وبعضها لم ينضج تمامًا.
لكن الجوع لا يسأل الثمرة إن كانت ناضجة.
مددت يدي.
أكلت. ثم أكلت أخرى. ثم أخرى.
كنت آكل بسرعة، كأن أحدًا سيأتي في اللحظة التالية وينتزع الشجرة من جذورها.
وحين شعرت أن معدتي امتلأت، رفعت رأسي ونظرت إلى الحديقة.
كان هناك درج يصل هذا البيت بالبيت المجاور.
صعدت الدرج.
دخلت البيت الثاني.
وجدت الماء يجري.
لم أفكر. شربت.
شربت حتى شعرت أن الماء وصل إلى كل خلية في جسدي.
ثم دخلت المطبخ.
وجدت طحينًا وأرزًا وقليلًا من التمر.
نظرت إلى التمر طويلًا.
كنت جائعًا، لكنني كنت أعرف أن الجوع الذي أعيشه قد لا ينتهي اليوم.
أخذت قليلًا وأكلته.
ثم وضعت الباقي معي.
لم أكن أسرق طعامًا.
كنت أسرق يومًا إضافيًا من الموت.
دخلت غرفة النوم.
وجدت فراشًا.
جلست عليه.
ثم تمددت.
ولم أشعر بنفسي إلا وأنا نائم.
لا أعرف كم مر من الوقت.
ولا كيف استطاع جسدي أن ينام بهذه السهولة.
كنت مكشوفًا تمامًا. أي شخص يدخل البيت كان يستطيع أن يراني.
والأسوأ من ذلك أن مقابل البيت كان هناك مولد كهربائي، وكان عنده عدد من أفراد العصابة.
كنت أنام على بعد أمتار منهم.
استيقظت صباحًا وجلست على الفراش.
ظللت أحدق في المكان.
ثم سألت نفسي: كيف نمت؟ كيف وثقت بهذا البيت؟
كيف أغمضت عيني وأنا أعرف أن الموت يمكن أن يدخل من الباب في أي لحظة؟
لكنني كنت أعرف الجواب.
لم أنم لأنني شعرت بالأمان.
نمت لأن جسدي لم يعد يستطيع البقاء مستيقظًا.
1 908
يكره كاظم الساهر!
من هذا الذي تحمل ان يخسر كل هذه المتعة؟
https://youtu.be/kx7Go4qRnIw?si=M2bETKhKvKkuwUgh
1 908
رفعت سلاحي.
لكن جسدي لم يكن كما أريده.
أطلقت رصاصة.
ثم ثانية.
سقط أحد الرجال، بينما اندفع آخر نحو الغرفة.
أمسكت مريم بذراعي وسحبتني إلى الجانب: انزل!
انخفضنا خلف الجدار.
بدأ الرصاص يضرب الأبواب والجدران.
تناثر الغبار من فوق رؤوسنا، وسقطت قطعة صغيرة من الإسمنت قرب يدي.
كان صوت الطلقات داخل البيت أشبه بوحش محبوس يبحث عن طريق للخروج.
كنت أحاول رفع سلاحي، لكن يدي كانت ترتجف.
قلت: مريم، روحي!
صرخت: ما أتركك!
ثم خرجت من خلف الجدار.
أطلقت النار على الرجل الذي كان يقترب منا.
سقط.
لكن قبل أن تتمكن من العودة، ظهر رجل آخر من الجهة المقابلة.
رفع سلاحه نحوها.
رأيته.
رأيته قبلها.
صرخت: مريم!
استدارت.
لكن الرصاصة كانت أسرع.
أصابتها في صدرها.
تراجعت خطوة.
ثم خطوة أخرى.
سقط السلاح من يدها.
وقعت على ركبتيها.
صرخت: مريم!
اندفعت نحوها.
أطلقت النار على الرجل، ثم سقط هو الآخر.
ركضت إليها.
كانت على الأرض.
وضعت يدي تحت رأسها.
كان الدم يخرج من بين أصابعي.
قلت: لا... لا، لا.
فتحت عينيها.
حاولت أن تتكلم.
- داوود...
"لا تحچين."
- اسمعني.
"راح نطلع."
ابتسمت.
كانت ابتسامة صغيرة جدًا: أنت دائمًا تكذب.
قلت: هالمرة صدگ.
هزت رأسها: لا.
ثم أخذت نفسًا بصعوبة: هالمرة... خليني أصدگك.
ضغطت على جرحها: مريم، اصبري.
قالت: ما أگدر.
"تگدرين."
- داوود...
نظرت إليّ.
كان وجهها شاحبًا.
لكن عينيها كانتا هادئتين بشكل غريب.
قالت: إذا شفت أهلي...
توقفت: لا تگول لهم كلشي.
قلت: شنو أگول؟
- گول لهم...
تقطع صوتها: گول لهم إن بنتهم ما نستهم.
لم أستطع الكلام.
قلت: إنتِ بنفسچ راح تكولين لهم.
ابتسمت: يمكن بمكان ثاني.
قلت: لا تحچين هيچ.
رفعت يدها بصعوبة.
وضعتها على يدي.
- داوود...
"نعم؟"
- لا تكره حبيبتي...
ثم توقفت، وكأنها لم تعد تعرف كيف تكمل الجملة.
قلت: حبيبچ؟
أغمضت عينيها للحظة: إي.
ثم فتحتهما: رغم كلشي... هو ساعدني.
سكتت: يمكن كان غلطان.
أخذت نفسًا متقطعًا: بس مو كل الإنسان يصير شرير لأنّه ضاع.
كانت هذه آخر جملة قالتها.
ثم بدأت يدها ترتخي.
"مريم؟"
لم تجب.
"مريم!"
هززت كتفها.
لم تتحرك.
وضعت أذني قرب فمها.
لم أسمع شيئًا.
للمرة الأولى منذ دخلت هذه المدينة، لم أخف من الموت.
كنت غاضبًا منه.
غاضبًا لأن الموت أخذ شخصًا لم يكن يجب أن يموت.
شخصًا لم تكن قصته قد انتهت.
شخصًا كانت تريد فقط أن تعود إلى أهلها.
وضعت يدها على الأرض.
كانت لا تزال دافئة.
نظرت إلى وجهها.
وقلت بصوت لم أتعرف إليه: وعدتيني تمشين وياي.
لكنها لم تجب.
في الخارج كانت أصوات الرجال تقترب من جديد.
أما أنا، فكنت جالسًا إلى جوارها، عاجزًا عن الحركة.
لم أكن أعرف وقتها أنني خسرت في تلك اللحظة آخر شخص بقي لي من تلك المدينة.
يتبع...
1 908
قالتها مريم دون أن ترفع رأسها: أبو سليم ساعدني أكثر من مرة.
نظرت إليها: من قبل؟
قالت: إي.
سألت الرجل: تعرفها من زمان؟
نظر إليها، ثم إليّ: أعرفها قبل ما تصير المدينة هيچ.
توقفت مريم عن العمل للحظة.
ثم عادت إلى جرحي.
قال أبو سليم: كانت بنت جامعة.
لم تقل شيئًا.
قلت: تعرف أهلها وين؟
قال: أربيل.
رفعت مريم رأسها نحوه بسرعة: شلون عرفت؟
قال: لأن أبوچ سأل عنچ مرة.
تجمدت.
لأول مرة منذ عرفتها، رأيت الخوف الحقيقي في وجهها.
- شنو؟
قال: قبل مدة طويلة، واحد من أهلچ اتصل بأحد الناس هنا وسأل عنچ.
بقيت تحدق فيه: شگال؟
- گال يريد يعرف إذا بعدچ عايشة.
لم تتحرك.
حتى أنفاسها بدت وكأنها توقفت.
قال أبو سليم: ما گدرت أجاوبه.
همست: ليش؟
- لأن ما كنت أعرف.
خفضت رأسها.
وبقيت للحظات تنظر إلى يديها.
قلت: مريم...
رفعت عينيها إليّ.
لم تكن تبكي.
لكن عينيها كانتا ممتلئتين بشيء يشبه البكاء الذي تأخر كثيرًا.
قالت: طول هالسنين، كنت أگول لنفسي يمكن نسوني.
قلت: ما أظن.
قالت: شلون تعرف؟
قلت: لأن الإنسان ينسى أشياء كثيرة... بس ما ينسى شخص كان جزء من بيته.
سكتت.
ثم قالت: يمكن بعدهم ينتظروني.
لم أعرف لماذا شعرت في تلك اللحظة أن هذه الفتاة لم تكن تهرب من داعش فقط.
كانت تهرب أيضًا من فكرة العودة.
من السؤال الذي ستواجهه إذا وصلت إلى أهلها: أين كنتِ كل هذه السنوات؟
عاد أبو سليم وقال: وصلوا.
لم أفكر كثيرًا في كلمته.
في تلك اللحظة، كان خوفي أكبر من أن يسمح لي بالشك.
قالت مريم: لازم نروح.
أجابها: أعرف مكان نكدر نختل بيه.
نظر إليّ: أكو بيت قريب، محد يعرفه.
كانت مريم مترددة.
سألت: وين؟
أشار بيده: من هنا.
بدأنا نتحرك.
كنت أستند إلى مريم، بينما كان أبو سليم يمشي أمامنا.
لم أكن أعرف وقتها أن الرجل الذي ظننته دليلنا إلى النجاة، كان يقودنا في الحقيقة إلى المكان الذي ينتظروننا فيه.
كان قد فعل كل شيء بدقة.
حين دخل علينا أول مرة، لم يكن قد جاء مصادفة.
وحين قال إنهم يبحثون عن جندي مصاب، لم يكن ذلك لأنه سمعهم فقط.
كان يعرف.
وحين أخذنا إلى البيت الثاني، لم يكن يبحث عن مكان آمن.
كان يحدد لهم الطريق.
دخلنا البيت.
كان مظلمًا وباردًا.
قال أبو سليم: خليكم هنا، آني أطلع أشوف إذا الطريق خالي.
قالت مريم: لا تتأخر.
ابتسم: ما أتأخر.
خرج، راقبته حتى اختفى خلف الباب.
قلت: تثقين بيه؟
قالت: ساعدني قبل.
"هذا مو جواب."
نظرت إليّ: ما أعرف.
كان ذلك أول شك يدخل قلبها.
لكن الشك جاء متأخرًا.
خرج أبو سليم من البيت.
سار عدة أمتار، ثم توقف عند زاوية شارع.
كان المكان مظلمًا بما يكفي لإخفاء وجهه، لكنه لم يكن مظلمًا بما يكفي لإخفاء ما يفعله.
أخرج هاتفًا صغيرًا من جيبه.
نظر حوله.
ثم اتصل.
قال بصوت منخفض: لگيتهم.
جاءه صوت من الطرف الآخر: متأكد؟
_ إي.
- الاثنين؟
_ الجندي وياها.
سكت لحظة.
ثم قال: البيت اللي ورا الجامع القديم.
أغلق الهاتف.
بقي للحظة واقفًا في مكانه.
ربما كان يفكر.
ربما لم يكن يفكر في شيء.
ثم عاد إلى البيت.
لم يتغير شيء في وجهه.
عاد الرجل الطيب الذي عرفناه قبل دقائق.
قال: الطريق آمن.
نظرت إليه مريم.
ثم إلى داوود.
قالت: متأكد؟
- إي.
قالها بثقة.
الثقة التي لا تعرف أن صاحبها خانك.
لم يمض وقت طويل حتى سمعنا السيارات.
هذه المرة لم يكن صوتها بعيدًا.
كان قريبًا.
قريبًا جدًا.
نظرت مريم إلى أبي سليم.
قالت: شلون عرفوا؟
لم يجب.
نظر إليها فقط.
ثم قال: يمكن شافونا بالطريق.
تراجعت خطوة.
بدأت تنظر إليه بطريقة مختلفة.
قلت: أبو سليم...
التفت إليّ: نعم؟
- إنت منين عرفت يدورون على جندي مصاب قبل لا نوصل للبيت؟
ساد الصمت.
لم يجب.
نظرت مريم إليه.
ثم قالت: إنت گلت إنهم مرّوا من يم بيتك.
سكت.
قالت: شلون عرفت يدورون على جندي مصاب؟
لم يجب.
وفي تلك اللحظة فقط فهمت.
لم يكن الرجل الذي جاء لينقذنا.
كان الرجل الذي جاء ليجدنا.
تراجعت مريم خطوة.
قال أبو سليم: مريم...
رفع يديه: اسمعيني.
- إنت بعتنا!
قال: ما عندي خيار.
ضحكت بمرارة: كل الخونة عندهم نفس الجواب.
- وعدوني يخلوني أعيش.
ضحكت: وتصدگهم؟
قال: بالحرب، الواحد يصدگ أي شيء يخليه ينام بالليل.
قلت: راح يقتلوننا.
نظر إليّ: أعرف.
كانت تلك الكلمة هي كل شيء.
لم يكن يكرهنا.
ولم يكن يحبنا.
كان فقط قد اختار نفسه.
وفي الحرب، ربما كانت هذه أخطر أنواع الخيانة، أن لا يخونك الرجل لأنه يكرهك، بل لأنه قرر أن حياته أهم من حياتك.
خارج البيت، توقفت السيارات.
نزل الرجال.
أمسكت مريم سلاحها.
نظرت إليّ.
وهنا بدأنا نسمع خطواتهم تقترب.
ما إن فتح أبو سليم الباب حتى انقض الرجال إلى الداخل.
كان كل شيء يحدث بسرعة أكبر من قدرة العين على استيعابه.
صرخت مريم: داوود! وراي!
1 908
ثم أضافت: الحرب ما تمسح كلشي صار قبلها.
سكتُّ.
كانت تلك الجملة أثقل مما تبدو.
قلت: بس الحرب غيرته.
- غيرته.
"وإنتِ؟"
- غيرتني هم.
"شلون؟"
نظرت إلى يدي التي تحمل السلاح: أنت شايفني هسه.
ثم قالت: قبل الحرب، ما كنت أعرف حتى شلون أتعامل ويا سلاح.
لم أعرف ماذا أقول.
تابعت: هو ساعدني. أكلني، ضمني، وحماني. إذا ما كان موجود، يمكن جان متت بأول الأيام.
"وبعدين؟"
- بقى وياهم.
"وإنتِ بقيتي وياه؟"
- إي.
"رغم كلشي؟"
قالت: مرات الإنسان يعرف أن الشخص اللي يحبه يمشي بطريق غلط، بس ما يعرف شلون يتركه.
ثم أضافت: خصوصًا إذا هذا الشخص هو الشي الوحيد اللي باقي لك من حياتك القديمة.
لم يكن في صوتها دفاع عنه.
ولم يكن فيه تبرير.
كان مجرد اعتراف.
ثم قلت: شلون مات؟
تغير وجهها.
كانت تلك أول مرة أرى شيئًا ينكسر في ملامحها.
- بإحدى المواجهات.
انتظرت.
- الحشد الشعبي قتلوه.
لم أقل شيئًا.
كنت أعرف أن أي كلمة سأقولها يمكن أن تكون في غير مكانها.
قالت: بعد موته، أخذوا كلشي كان وياه.
ثم نظرت إليّ: ومن ضمنه تلفوني.
فهمت أخيرًا: ولهذا ما گدرتي تتصلين بأهلچ.
هزت رأسها: إي.
ثم قالت: أهلي طلعوا لأربيل وهم ما يعرفون إذا آني حية أو ميتة.
سكتت قليلًا: ويمكن هسه يعتقدون أني متت.
كان من الغريب أن تكون فتاة في هذا العمر قد وصلت إلى مرحلة تتحدث فيها عن موتها كأنه خبر قديم.
قلت: وبعدين دخلتي وياهم؟
هزت رأسها: ما دخلت.
نظرت إليها: شنو يعني؟
قالت: انحشرت بينهم.
ثم تابعت: حتى أبقى حية، كان لازم أصير وحدة منهم.
"شلون؟"
قالت: قصيت شعري. لبست ملابس رجال. وصرت أعيش بينهم.
نظرت إليها.
فجأة فهمت أشياء كثيرة لم أفهمها من قبل.
ذلك الهدوء.
طريقة كلامها.
حرصها على إخفاء خوفها.
كل شيء كان جزءًا من شخصية بنتها الحرب فوق شخصية قديمة لم تعد تعرف كيف تستعيدها.
قلت: وما عرفوا؟
ضحكت بخفة: بعضهم عرف.
"وسكتوا؟"
- اثنين.
"ليش؟"
نظرت إليّ: لأنهم كانوا يعرفون أني أخاف.
ثم قالت: والخوف إذا صار بيد شخص ثاني، يتحول إلى قيد.
واصلنا السير.
لم أسألها عن التفاصيل التي لم تقلها.
هناك أشياء يفهمها الرجل من صمت امرأة أكثر مما يفهمه من كلامها.
وبعد مسافة قصيرة، قالت: هذا البيت.
دخلنا من باب خلفي.
كان البيت مهجورًا، والهواء داخله يحمل رائحة الغبار والرطوبة.
ساعدتني على الجلوس.
كان جسدي قد بدأ ينهار من جديد.
نظرت إلى جرحي وقالت: لازم أجيب شغلات.
قلت: لا تروحين.
- لازم.
"وإذا لزموچ؟"
نظرت إليّ: وإذا بقيت هنا، أنت تموت.
ثم أضافت: وأنا ما طلعتك من ذاك البيت حتى أخليك تموت بهذا.
خرجت.
وبقيت وحدي.
كان الصمت داخل البيت كثيفًا، حتى إنني صرت أسمع نبض قلبي.
مر وقت لا أعرف مقداره.
ثم سمعت الباب.
رفعت سلاحي.
دخلت مريم.
لكنها لم تكن وحدها.
كان معها رجل مدني مسن، يحمل كيسًا صغيرًا وقنينة ماء.
تجمدت.
رفعت السلاح نحوه.
صرخت مريم: نزل السلاح! هذا مدني!
توقف الرجل عند الباب.
نظر إليّ.
ثم نظر إلى جرحي.
قال: هذا هو؟
أجابته مريم: إي.
اقترب خطوة.
ثم قال: مصاب؟
- إي.
هز رأسه.
نظر إلى مريم، ثم إليّ.
وقال: إذا تبقون هنا، راح يلگونكم.
سألت: منو؟
نظر إلى الباب خلفه.
وقال بهدوء: الجماعة... يدورون على واحد مصاب.
ظللت أنظر إلى الرجل.
لم أعرف كيف عرف.
في الحرب، لم يعد السؤال هو: من أين عرفت؟
بل: كم شخصًا آخر يعرف؟
قلت: شلون عرفت؟
لم يجبني مباشرة.
وضع قنينة الماء على الأرض، ثم قال: لأنهم مرّوا من يم بيتي قبل شوية.
التفتُّ إلى مريم.
كانت تفتح الكيس الذي جلبته، وتخرج منه قطعة قماش وبعض الأشياء البسيطة.
قالت: شافوك؟
هز الرجل رأسه: لا.
ثم نظر إليّ: بس دا يسألون عن جندي مصاب.
شعرت بشيء بارد يمر في ظهري.
لم يكن البرد هو الذي أخافني.
كان معنى الجملة.
لقد بدأوا يضيقون الدائرة.
قالت مريم: نحتاج مكان ثاني.
نظر الرجل إليها: أكو بيت قريب من هنا.
قلت: بيتك؟
- لا.
ثم سكت لحظة: بيت واحد من أهل المنطقة، بس هسه فارغ.
قالت مريم: نكدر نروحله؟
- إذا تگدرون توصلون قبل لا يرجعون.
نظرت إلى جرحي.
لم أكن متأكدًا أنني أستطيع حتى الوقوف.
قلت: أگدر.
كان الرجل يعرف أنني أكذب.
لكنه لم يفضح كذبتي.
اقتربت مريم مني، وجلست أمامي.
قالت: خل أشوف الجرح.
نزعت قطعة القماش القديمة بحذر.
عندما انكشفت الإصابة، شعرت كأن الهواء نفسه صار أكثر برودة.
نظرت مريم إلى الجرح، ثم رفعت عينيها إليّ: هذا يحتاج علاج.
قلت: أعرف.
- مو علاج عادي.
"شنو يعني؟"
- يعني إذا بقى بهالحالة، ممكن يلتهب.
قلت: المهم أمشي هسه.
نظرت إليّ طويلًا: أنت ما تعرف غير كلمة "هسة"؟
ابتسمت رغم الألم: بالحرب، باچر مو مضمون.
قالت: ولهذا لازم نفكر بالباچر.
ثم بدأت تنظف الجرح.
كنت أعض على أسناني حتى لا أصرخ.
قال الرجل المسن: اسمك شنو؟
ترددت.
ثم قلت: داوود.
هز رأسه: وأنا أبو سليم.
1 908
توقفت.
بقيت صامتة عدة ثوانٍ، كأنها كانت تفكر إن كان الاسم نفسه يمكن أن يكون خطرًا.
ثم قالت: مريم.
كررت الاسم في داخلي.
مريم.
اسم بسيط جدًا.
غريب أن يكون وراء اسم بسيط كل هذا الخوف.
فتحت الباب قليلًا.
دخل هواء الليل.
كان باردًا.
شممت رائحة التراب.
رائحة الرمادي.
رائحة مدينة لم تعد تعرف نفسها.
قالت: من هنا.
تحركنا.
خطوة.
ثم خطوة.
وخلفنا بقيت الغرفة.
الحبل.
وكل الأكاذيب التي احتاجها كل واحد منا حتى يصل إلى هذه اللحظة.
كنت أعرف أنني قد أموت قبل أن أصل إلى الخارج.
وكانت تعرف أنها قد تموت إذا ساعدتني.
ومع ذلك فتحت الباب.
في تلك الليلة لم أفكر في الشيعة والسنة.
لم أفكر في الجنوب والغربية.
لم أفكر في داعش والجيش.
كنت أفكر في شيء واحد فقط: أنني كنت جنديًا عراقيًا جريحًا، وهي كانت امرأة محاصرة وسط رجال لا يعرفون حقيقتها.
وللمرة الأولى منذ بدأت الحرب، شعرت أنني لا أريد أن أنجو وحدي.
لأن النجاة وحدك، أحيانًا، ليست نجاة.
إنها مجرد طريقة أخرى للموت.
فتحت مريم الباب الخلفي ببطء، وأبقت يدها على المقبض، بينما أخرجت رأسها إلى الخارج.
بقيت للحظات لا تتحرك.
كانت تنظر إلى الشارع كما ينظر الإنسان إلى شيء يعرف أنه قد يقتله، لكنه مضطر إلى الاقتراب منه.
كان الليل قد ابتلع الرمادي تمامًا.
البيوت المتلاصقة بدت كأنها أجساد صامتة تحاول الاختباء من بعضها، والنوافذ المظلمة كانت تشبه عيونًا أُغلقت خوفًا مما يجري في الخارج.
التفتت إليّ: ماكو أحد.
حاولت النهوض.
وضعت كفي على الأرض، ودفعته بجسدي.
شعرت بألم حاد في موضع الإصابة، كأن يدًا خفية غاصت داخل جرحي وأخذت تعصره ببطء.
وقفت، أو حاولت أن أقف.
تمايل جسدي للحظة، فأمسكت مريم بذراعي.
قالت: على كيفك.
قلت: إذا بقينا هنا، راح نموت.
نظرت إليّ، ولم تجادلني.
ربما لأنها كانت تعرف أن بعض الجمل لا تحتاج إلى جواب.
خرجنا.
كانت خطواتي بطيئة وثقيلة، وكل خطوة تحتاج إلى قرار جديد.
لم أعد أشعر بقدمي كما ينبغي، وكانت يدي التي تحمل السلاح ترتجف من التعب.
الغريب أنني، رغم كل ذلك، كنت أشعر بشيء لم أشعر به منذ أيام.
لم أعد وحدي.
كانت مريم تمشي إلى جواري.
فتاة قضيت ساعات قليلة فقط وأنا أعرف حقيقتها، ومع ذلك أصبحت في تلك اللحظة أقرب إليّ من وجوه كثيرة عشت معها سنوات.
قلت: وين راح نروح؟
قالت: أكو بيت أعرفه.
"بيت منو؟"
- بيت واحد أعرفه.
"مضمون؟"
نظرت إليّ: ماكو شي مضمون بهالمدينة.
كان جوابها بسيطًا، لكنه لخص كل ما عاشته.
في مدينة صار فيها البيت فخًا، والطريق كمينًا، والباب المفتوح دعوة إلى الموت، لم يعد أحد يستطيع أن يعدك بالأمان.
واصلنا السير.
كنت أراقب الشوارع، بينما كانت هي تقودني بينها.
كانت تعرف الأزقة أكثر مني، تعرف أين يمكن أن نمر، وأين يجب أن نتوقف، وأي جدار يمكن أن يخفي خلفه رجالًا ينتظرون مرورنا.
قلت: إنتِ من أهل الرمادي؟
قالت: لا.
"منين؟"
ترددت قليلًا.
ثم قالت: ديالى.
نظرت إليها: شلون اجيتي للرمادي؟
قالت: جامعة.
كانت الكلمة قصيرة، لكنها فتحت في ذهني صورة مختلفة تمامًا عنها.
طالبة، كتب، قاعة محاضرات، دفاتر، أصدقاء.
حياة لا علاقة لها بالبنادق التي نحملها الآن.
قلت: تدرسين هنا؟
- إي.
"شنو تدرسين؟"
سكتت.
ثم قالت: ما أذكر آخر مرة فتحت بيها كتاب.
لم أعرف هل كانت تمزح أم تتألم.
قالت: جنت أدرس بالرمادي، وأهلي كانوا بديالى. من بلشت الحرب، انسدت الطرق، وما گدرت أرجع.
كانت تتحدث دون أن تنظر إليّ، كأنها تخشى أن ترى في وجهي شيئًا لا تستطيع احتماله.
- بالبداية گلت يومين وأرجع.
ابتسمت ابتسامة باهتة: بعدين گلت أسبوع.
سكتت: وبعدين بطلت أعد.
فهمت عندها أن الحرب لا تبدأ دائمًا بصوت انفجار.
أحيانًا تبدأ حين تكتشف أنك لم تعد تعرف متى ستعود إلى بيتك.
قلت: وأهلچ؟
- طلعوا لأربيل.
"ما چان عندچ تلفون؟"
سكتت.
وكان صمتها أطول من اللازم.
ثم قالت: كان عندي.
"وينه؟"
نظرت إلى الطريق أمامها: راح.
"شلون؟"
قالت: ويا شخص.
لم أسألها مباشرة.
لكنها، بعد لحظات، قالت: كان زميلي بالجامعة.
فهمت.
قلت: حبيبچ؟
نظرت إليّ، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة للمرة الأولى.
- إي.
كانت كلمة واحدة.
لكنها حملت في داخلها شيئًا من حياة لم تعد موجودة.
قالت: قبل الحرب، جنت أحبه.
ثم سكتت.
"وبعد الحرب؟"
نظرت إليّ: بعد الحرب صار هو السبب اللي خلاني أعيش.
مشينا بصمت.
ثم بدأت تحكي.
قالت إن الفوضى حين بدأت، لم تعرف أين تذهب، وإن المدينة تحولت خلال أيام إلى شيء لا يشبه المدينة التي كانت تعرفها.
وجدها هو.
كان يعرفها قبل الحرب، ولهذا لم تكن بالنسبة إليه مجرد فتاة ضائعة في مدينة محاصرة.
أخذها إلى بيت بعيد عن الأنظار.
بقيا هناك وحدهما.
كان أبوه منتميًا إلى داعش، لكنها لم تكن قد التقت به قط.
قالت: هو مو أبوه.
قلت: بس هو صار وياهم.
- أعرف.
"ومع هذا بقيتي وياه؟"
رفعت عينيها إليّ: آني حبيته قبل لا يصير وياهم.
1 908
ثم سمعت صوتًا خارج الغرفة.
تجمد هو.
ليس أنا. هو.
اقترب أحدهم من الباب.
توقف.
قال شيئًا.
رد الرجل بكلمة قصيرة.
ابتعدت الخطوات.
عاد إلى مكانه.
نظرت إليه.
قلت: خايف.
ـ لا.
"خايف منهم."
ـ اسكت.
"مو مني."
لم يجب.
وهنا بدأت أشعر أنني أمام شيء لا أفهمه.
شيء أكبر من مجرد مقاتل من داعش.
قلت: صوتك.
نظر إليّ: شبي صوتي؟
"ما أدري."
ـ إذن لا تحچي.
"بس مو صوت رجل."
لم يتحرك.
لكن عينيه تغيرتا.
كان التغير صغيرًا جدًا، لدرجة أنني لو رمشت ربما فاتني.
وفي تلك اللحظة عرفت.
لا أعرف كيف عرفت.
ربما لأنني رأيت الخوف الذي يسبق الاعتراف.
قلت بهدوء: لا تخافين.
كان الصمت الذي جاء بعدها مخيفًا أكثر من البندقية.
قالت: لا تحچي.
كان الصوت هذه المرة مختلفًا.
لم تعد تحاول إخفاءه.
قالت: إذا عرفوا...
"أعرف."
ـ ما تعرف.
"أعرف."
نظرت إليّ.
وللمرة الأولى رأيت وجهها كاملًا.
كانت شابة.
لم أعرف عمرها.
لكنني عرفت شيئًا واحدًا، كانت مرعوبة.
ليس مني.
منهم.
قالت: شلون عرفت؟
"من صوتچ."
ـ بس؟
"لا."
ـ شنو بعد؟
" من الخوف."
لم تفهم.
قلت: الرجل هنا يخاف من الموت.
توقفت.
"إنتِ تخافين من انكشافچ."
جلست أمامي.
أنزلت البندقية.
قلت: ما راح أفضحچ.
ضحكت.
لكنها لم تكن ضحكة.
كانت شيئًا يشبه البكاء وقد نسي كيف يخرج.
قالت: ما يعرفون.
" كلهم؟"
ـ اثنين يعرفون.
"منو؟"
ترددت: واحد سوري.
ثم سكتت: والثاني عراقي.
فهمت من صمتها أكثر مما فهمت من كلامها.
لم أسأل ماذا يفعلون بها.
بعض الأشياء لا تحتاج إلى شرح.
قالت: مو لأنهم يريدون يحموني.
نظرت إلى الأرض: يحتفظون بالسر لأن السر يخليهم يملكونني.
شعرت بالغضب.
لكنني لم أظهره.
كنت أعرف أن الغضب في تلك اللحظة قد يقتلني، وربما يقتلها معي.
قلت: ليش بقيتي وياهم؟
ـ وين أروح؟
"أي مكان."
ضحكت: الدنيا كلها صارت مثل هاي الغرفة.
قلت: لا.
ـ شنو لا؟
"أكو أماكن بعد ما وصلها الجنون."
قالت: وأنت وين مكانك؟
لم أعرف ماذا أجيب.
كنت جنديًا جريحًا، مربوط اليدين، محاصرًا في مدينة يسيطر عليها تنظيم يعتقد أن قتلي طريق إلى الجنة.
ربما كانت محقة.
قلت: ما عندي مكان.
نظرت إليّ: لعد ليش تحچيني عن الأماكن؟
"لأن الإنسان يحتاج يكذب على نفسه حتى يعيش."
ـ وإنت تكذب؟
"كلنا نكذب."
قلت: حتى أنتِ.
ـ شنو كذبي؟
"كل يوم تلبسين ملابسهم."
سكتت.
"وتحملين سلاحهم."
لم تجب.
"وتسمعينهم يتحدثون عن الجهاد."
ثم نظرت إليها: وتقنعين نفسچ إنچ وحدة منهم.
قالت: وأنا شنو؟
كان سؤالًا بسيطًا.
لكنني لم أملك جوابًا بسيطًا.
قلت: ما أعرف.
ـ لعد؟
"إنسانة."
ضحكت: كلمة سهلة.
قلت: لا، أصعب كلمة.
بقيت تنظر إليّ.
قلت: تعرفين شنو اصعب شيء بالحرب؟
ـ الموت؟
"لا."
هززت رأسي: أن تعيش طويلًا لدرجة تنسى من كنت قبل الحرب.
لم تتكلم.
قلت: تخافين تصيرين مثلهم.
رفعت عينيها إليّ.
"وأنا أخاف أصير مثلهم."
سألتني: أنت؟
"إي."
ـ شلون؟
نظرت إلى يدي المقيدتين: الإنسان ما يتحول إلى وحش بيوم واحد.
ثم قلت: خطوة.
وسكت: بعدها خطوة ثانية.
ـ وبعدين؟
"يومًا ما تشوف نفسك بالمراية وما تعرف من هذا."
قالت: أنا أعرف هذا الشخص.
"منو؟"
ـ أنا.
خارج الغرفة ارتفع صوت أحد الرجال.
اقتربت من الباب.
توقفت.
انتظرت.
ثم عاد الهدوء.
التفتت إليّ.
قالت: عندك فرصة.
"شنو؟"
ـ تطلع.
ظننت أنني لم أسمع جيدًا: شلون؟
ـ بعد ساعة يبدلون الحراسة.
"وإنتِ؟"
ـ أفتح لك الباب الخلفي.
" ليش؟"
لم تجب.
"ليش تساعديني؟"
قالت: لأنك أول واحد...
توقفت.
"أول واحد شنو؟"
ـ أول واحد عرف حقيقتي وما نظر إليّ كشيء.
لم أعرف ماذا أقول.
قالت: عندي شرط.
"شنو؟"
- إذا طلعت، لا ترجع.
"وإنتِ؟"
نظرت إلى الباب: ما أدري.
قلت: تعالي وياي.
ضحكت: وين؟
"أي مكان."
ـ ما عندي مكان.
"نصنع مكان."
لأول مرة رأيت شيئًا يشبه الابتسامة في عينيها.
قالت: أنت جريح ومحاصر وتريد تنقذني؟
قلت: لا.
ـ لعد؟
"أريد أنجو."
ثم أضفت: ويمكن النجاة مو دائمًا تعني أن الواحد يهرب وحده.
لم تقل شيئًا.
أخرجت سكينًا صغيرة.
بدأت تقطع الحبل.
كان صوت الألياف وهي تنفصل بطيئًا.
كل خيط كان يبدو لي كأنه سنة كاملة من الحرب.
خيط، ثم آخر، حتى بقي خيط واحد.
قالت: إذا طلعنا، لا تلتفت.
"ليش؟"
ـ لأنك إذا التفت، يمكن ما تكدر تكمل.
انقطع الحبل.
سقطت يداي إلى الأمام.
شعرت بالدم يعود إلى أصابعي، فاندفع ألم حاد كأن آلاف الإبر غُرست في يدي دفعة واحدة.
لكنني لم أشعر به طويلًا.
كنت حرًا.
أو هكذا ظننت.
حاولت الوقوف.
سقطت.
أمسكتني قبل أن أصطدم بالأرض.
كانت يدها ترتجف.
قلت: إنتِ خايفة.
ـ كلش.
"وأنا هم."
ـ بس أنت راح تطلع.
نظرت إليها: وإنتِ؟
لم تجب.
ساعدتني على الوقوف.
وضعت ذراعي على كتفها.
كانت خفيفة.
أخف مما توقعت.
توجهنا نحو الباب.
وقبل أن تفتحه، قلت: شنو اسمچ؟
1 908
استيقظت على فوهة بندقية.
لا أعرف كم كنت نائمًا. في الحرب لا توجد ساعات حقيقية للنوم، هناك فقط فترات قصيرة يتوقف فيها جسدك عن الاستجابة لك، ثم يعيدك الألم إلى الواقع، كما يعيد الغريق إلى سطح الماء شيء أقوى منه.
فتحت عيني.
كان أول ما رأيته سقف إسمنتي متشقق، تتدلى منه أسلاك كهربائية عارية، وفي إحدى الزوايا امتدت خيوط عنكبوت كثيفة كأنها ستارة صغيرة تفصل الغرفة عن شيء آخر.
كان هناك خيط ضوء شاحب يتسلل من نافذة صغيرة في الجدار المقابل.
ثم رأيت البندقية.
كانت موجهة إلى رأسي.
الغريب أنني لم أشعر بالخوف في اللحظة الأولى.
ربما لأنني كنت متعبًا أكثر من اللازم حتى أخاف.
أو ربما لأن الإنسان، حين يقترب من الموت مرات كثيرة، يتوقف عن معاملته كحادث مفاجئ. يصبح الموت شيئًا يشبه قريبًا ثقيل الظل، تعرف أنه سيأتي، ولا تعرف فقط متى سيقرر أن يجلس إلى جوارك.
حاولت أن أتحرك.
صرخ صدري قبل أن أصرخ أنا.
عندها عادت الذاكرة دفعة واحدة.
الرصاصة.
الشارع.
الدم.
ثم البيت.
ثم تلك اللحظة التي دخلت فيها وحدي، دون أن أعرف أنني دخلت إلى المكان الذي يمكن أن يكون آخر مكان أراه في حياتي.
قال الرجل: انهض.
حاولت مرة أخرى.
فشل جسدي.
قلت: ما أگدر.
- انهض.
"والله ما أگدر."
اقترب.
رأيت الشماغ الأحمر يغطي معظم وجهه، ولم يظهر منه سوى عينين.
كانتا ثابتتين، لكن شيئًا فيهما لم يعجبني.
لم تكن عينا قاتل واثق.
كان فيهما خوف.
خوف صغير، مختبئ بعناية، لكنه موجود.
قلت لنفسي: ربما أنا أتخيل.
الجريح يرى أشياء كثيرة.
وأحيانًا يرى ما يريد أن يراه.
مددت يدي إلى الأرض، وحاولت النهوض.
نجحت بصعوبة.
قال: دير وجهك للحايط.
"ليش؟"
- حتى أربطك.
نظرت إليه: إذا تريد تكتلني، اكتلني وأنا أشوفك.
لم يجب.
"شنو؟ خايف أشوف وجهك؟"
- دير وجهك.
استدرت.
سمعت صوت الحبل قبل أن أشعر به.
التف حول معصمي، ثم شُدّ بقوة.
كان خشنًا، ودخلت أليافه في جلدي.
قال: لا تتحرك.
قلت: إيدك ترجف.
توقف: شنو؟
"گلت إيدك ترتجف."
شد الحبل بقوة أكبر.
قلت: هسه أحسن.
جلست على الأرض.
كانت الغرفة صغيرة وخانقة. رائحة الغبار مختلطة بالعرق والبارود، كأن المكان احتفظ بكل ما حدث فيه ورفض أن ينساه.
في الزاوية بطانية سوداء، وبجانبها قنينة ماء فارغة تقريبًا.
كانت هناك بقعة داكنة على الأرض.
لم أسأل ما هي.
في الحرب، هناك أسئلة تكون إجاباتها أسوأ من الأسئلة نفسها.
من الخارج سمعت أصوات رجال.
ضحكات.
كلمات متقطعة.
أحدهم كان يتحدث بحماس عن المعركة، وكأنه يتحدث عن مباراة ينتظر نتيجتها.
ثم سمعت اسم الله.
كانوا يذكرون الله بسهولة شديدة.
وهذا الشيء كان يخيفني دائمًا.
أن تسمع اسم الله في المكان الذي يكثر فيه الموت.
قلت: داعش؟
لم يجب.
"أنت من هنا؟"
- إي.
"من الرمادي؟"
ـ إي.
قلت: انا من الجنوب.
ـ أعرف.
التفت إليه: من لهجتي؟
ـ من كلامك.
ابتسمت: لهجتي فضحتني.
لم يرد.
قلت: بس ما فضحت مذهبي.
سكت.
عرفت أنني أصبت شيئًا.
شيئًا صغيرًا، لكنه كان موجودًا.
قلت: لو كنت تدري، جان سألتني أول سؤال: شنو مذهبك؟
قال: ما يهمني.
"يهمكم."
ـ لا.
"يهمكم أكثر من الاسم."
ـ أنت جندي.
"وإنت؟"
ـ شنو؟
"عراقي."
قالها بعد لحظة.
ضحكت: هاي أول مرة أسمعها من واحد يقيدني.
لم يفهم.
قلت: العراقي صار يحتاج يثبت أنه عراقي قبل لا يثبت أنه إنسان.
جلس قرب الباب.
كانت المسافة بيننا قصيرة بما يكفي لأن أرى تفاصيل بندقيته، وطويلة بما يكفي لأن أعرف أنني لا أستطيع الوصول إليها.
نظرت إلى السلاح.
ثم إلى عينيه.
قلت: شنو الفرق بيني وبينك؟
ـ أنت تقاتلنا.
"وإنت تقاتلنا."
ـ أنا أقاتل في سبيل الله.
هنا شعرت بشيء غريب.
لم يكن غضبًا.
كان حزنًا.
الحزن الذي يأتيك عندما ترى إنسانًا يستخدم اسمًا مقدسًا ليبرر شيئًا لا يحتاج إلى مبرر سوى القسوة.
قلت: متأكد؟
رفع رأسه: نعم.
"متأكد أن الله يريدك تقتلني؟"
ـ أنت تقاتل المسلمين.
"وأنا مسلم."
ـ من مذهب آخر.
نظرت إلى السقف.
كان هناك شق طويل يمتد من منتصفه إلى الجدار، مثل ندبة قديمة.
ثم قلت: يعني الله عنده نسخة للجنوب ونسخة للرمادي؟
لم يجب.
"نسخة تحبني ونسخة تكرهني؟"
قال: لا تتفلسف.
قلت: ما عندي غير الفلسفة.
نظرت إلى جرحي: هذا ما يساعدني أهرب.
ثم قلت: خليني أهرب بالكلام.
ظل صامتًا.
وفي تلك اللحظة بدأت ألاحظ أشياء لم أنتبه لها في البداية.
طريقة جلوسه.
طريقة يده وهي تمسك البندقية.
حركة كتفه حين يسمع صوتًا في الخارج.
حتى صوته.
لم يكن خشنًا كما يجب.
كان يحاول أن يجعله خشنًا.
وهذه ملاحظة غريبة.
لكن الحرب علمتني أن الأشياء الصغيرة هي التي تقتل.
الرصاصة كبيرة، نعم.
لكن الذي يخبرك بوجودها هو الصوت الصغير الذي يسبقها.
قلت: شكد صارلك وياهم؟
ـ فترة.
"منين إنت؟"
ـ گلتلك، من الرمادي.
"لا."
نظر إليّ.
"أقصد... من أي مكان؟"
ـ شدخلك؟
"فضول."
ـ الفضول يقتلك.
ابتسمت: مو أول مرة.
1 908
أعرف فتاة ليست من السماوة، لكنها تشبه السماوة.
هادئة على الفرات، لا ضوضاء فيها ولا زحام.
حضورها ثابت، ولا يستطيع أحد أن يتجاهله.
فيها عمق، وناس طيبون، وجو يجعلك تشعر بالراحة، حتى لو كان العراق على أبواب حرب أهلية.
1 908
وصلت في النهاية إلى بيت آخر.
وجدت في إحدى غرفه قنفة.
تمددت عليها.
كان التعب أكبر من قدرتي على مقاومته.
أغمضت عيني.
وغفوت.
لا أعرف كم مرّ من الوقت.
ربما دقائق.
ربما أكثر.
لكنني استيقظت فجأة على شيء بارد أمام وجهي.
بندقية.
كانت موجهة مباشرة إلى رأسي.
فتحت عيني مذعورًا.
جاءني صوت رجل: انهض.
يتبع ...
1 908
وقفت بصعوبة، ونظرت في كل الاتجاهات.
لا أثر لهم. اختفوا.
جميعهم اختفوا.
وقفت وسط المكان وأنا أحاول أن أستعيد ما حدث قبل أن أفقد وعيي.
كنت متأكدًا أنني رأيتهم.
متأكدًا أنني تحدثت معها.
متأكدًا أنني قتلت أربعة من عناصر داعش أمامها.
لكن شيئًا واحدًا لم أستطع فهمه:
أين ذهبوا خلال اليومين اللذين كنت فيهما فاقدًا للوعي؟
تجولت في البيت، عثرت على جثث الإرهابيين.
اين ذهبت العائلة؟ الأم والأطفال؟
ولماذا كان عقلي، منذ اللحظة التي فتحت فيها عيني، يصر على إقناعي بأنني في مكان آمن؟
لأول مرة، لم أخف من وجود داعش.
خفت من ذاكرتي نفسها.
خرجت من البيت من بابه الرئيسي الذي دخلنا منه.
نظرت يمينًا ويسارًا.
لم أشعر بشيء غريب.
فواصلت السير.
دخلت الشارع وبدأت أمشي، لكنني لم أمش في الجهة التي قُتل فيها أصدقائي.
سرت في الجهة الأخرى من الشارع.
كانت المعركة، ومكان إصابتي، وكل ما حدث لي هناك، خلف ظهري الآن.
كنت أمشي إلى الأمام.
وكأنني، للمرة الأولى، أقرر ألا أنظر إلى الخلف.
ظللت أسير حتى وصلت إلى فرع صغير يتفرع من الشارع.
دخلت فيه وأنا أظن أن مركز الشرطة موجود هناك.
لم يكن الأمر بالنسبة لي مجرد احتمال.
كنت أشعر أنني أعرف ذلك.
لكن ما إن دخلت الفرع حتى بدأت الصورة تتغير.
لم أجد مركز شرطة.
لم أجد رجالًا.
لم أجد سيارات.
لم أجد شيئًا.
بدأت أستوعب تدريجيًا أنني موجود في مكان لا توجد فيه شرطة، ولا أمان، ولا أحد.
كنت وحدي. فقط أنا.
رجعت أسير بالطريق نفسه.
كنت أبحث عن أي مكان يمكن أن يمنحني شعورًا بالأمان.
وبعد فترة وجدت باب بيت مفتوحًا.
دخلت فورًا.
تفقدت المكان بحذر، وحين تأكدت أنه خال، دخلت إحدى الغرف.
كانت هناك قنفة.
لم أفكر كثيرًا.
تمدّدت عليها.
كان جسدي بحاجة إلى الراحة أكثر من حاجته إلى أي شيء آخر.
بقيت متمددًا هناك حتى حل الليل.
وحين أظلم المكان تمامًا، استيقظت على شعور قاس بالعطش.
بحثت عن الماء.
وبعد فترة وجدت حنفية فيها شيء قليل من الماء.
غسلت سطل نفايات كان موجودًا في المكان، ثم ملأته بالماء.
جلست إلى جانبه وشربت.
كنت أشرب ببطء، وأشعر بالماء ينزل إلى جسدي وكأنه يعيد إليّ شيئًا فقدته منذ زمن.
لكنني لم أكن أعرف أن ما فقدته فعلًا لم يكن الماء.
كان شيئًا آخر.
شيئًا في ذاكرتي.
شيئًا لم أكن مستعدًا بعد لمواجهته.
بعد أن شربت الماء، قضيت تلك الليلة مستيقظًا.
وفي الصباح قررت الصعود إلى الطابق الثاني، لأنني شعرت أنه أكثر أمانًا.
ظللت أراقب الشارع من النافذة.
كانت الساعات تمر ببطء.
ثم، بعد وقت، سمعت أصوات أفراد العصابة وهم يدخلون إلى حديقة المنزل.
تجمدت في مكاني.
لم يكن أمامي سوى السطح.
صعدت إليه.
كان سلاحي معي، وقد أعددته.
كان السطح مفتوحًا، على شكل مربع، وبابه يؤدي مباشرة إلى الطابق الثاني.
جلست مقابل الباب.
كنت أعرف أن فتحه يعني أنني سأكون أول ما تقع عليه أعينهم.
كنت ضعيف الجسد بسبب الإصابة، وبالكاد أستطيع حمل السلاح.
ثبتّه باتجاه الباب.
بدأت يدي بالخدر.
ظللت أقاوم.
لكن الخدر ازداد حتى لم تعد أصابعي قادرة على الإمساك به.
سقط السلاح من يدي.
صدر صوت ارتطامه بالأرض.
في تلك اللحظة، ظننت أنهم اكتشفوا مكاني.
شعرت أن نهايتي اقتربت.
بدأت أتشهد وأستعد.
ثم رأيت يد الباب تتحرك، ببطء.
كانت لحظات قليلة، لكنها بدت لي أطول من كل ما مررت به في الحرب.
وقبل أن يُفتح الباب، سمعت صوتًا: جُنادة... جُنادة... أم عمر!
جاء صوت أنثوي من الخارج: شتريد؟
قال الصوت: البيت هاد ما بينفع... خلينا نروح على البيت اللي بعدو. يمكن يلاقينا حدا هون... يلا حركي.
وبقيت أنتظر.
لحظات. ثم دقائق.
وأخيرًا غادروا دون أن يفتحوا الباب.
بقيت جالسًا في مكاني، أتنفس بصعوبة.
لا أعرف من أين جاءتني تلك القوة التي منعتني من الانهيار.
كنت أقرأ حرزًا كان معي، ووضعته على جرحي.
وكنت أشعر بوجود شخص يحميني.
لا أعرف إن كان ذلك حقيقة، أم مجرد هواجس صنعها عقلي المرهق.
لكنني، طوال تلك الفترة، كنت أدعو الإمام العباس.
عندما نفد الماء، لم يعد بإمكاني البقاء.
العطش كان أقسى من الخوف.
اضطررت إلى الانتقال من بيت إلى آخر بحثًا عن مصدر للشرب.
كنت أدخل، أبحث، أخرج.
أتحرك بحذر، وأحاول ألا أترك أثرًا.
وبعد تنقل طويل، عثرت على الماء.
ثم حدث شيء لم أتوقعه.
قررت تشغيل هاتفي، من باب المحاولة الأخيرة.
ضغطت زر التشغيل.
انتظرت.
ظهرت الشاشة.
ثم ظهرت إشارة الشبكة.
لم أصدق ما رأيت.
كانت هناك شبكة.
اتصلت فورًا بالقيادة.
أخبرتهم بحالي، وبالمكان الذي أنا فيه، وبما مررت به.
كان صوت القائد بالنسبة لي أشبه بصوت شخص جاء من عالم آخر.
طمأنني.
قال لي إنهم لن يتخلوا عني، وطلب مني أن أحافظ على شحن الهاتف، وأن أبقى بانتظار اتصال آخر.
لأول مرة منذ وقت طويل شعرت أنني لست وحدي.
1 908
استيقظت بعد مرور وقت قصير.
لا أعرف كم كان قصيرًا، لكنني شعرت بأن جسدي كان أثقل من أن أحمله.
خرجت إلى الشارع.
حاولت أن أمشي، لكنني لم أقطع مسافة طويلة حتى سقطت.
حاولت أن أنهض.
لم أستطع.
وفي تلك اللحظة سمعت صوتًا يأتي من بعيد.
أصوات سيارات.
ثم أصوات رجال.
عرفت فورًا أنهم من أفراد العصابة.
حاولت أن أنهض وأختبئ، لكن ساقي لم تطاوعني.
لم يكن أمامي سوى الزحف.
زحفت بكل ما بقي لدي من قوة، حتى وصلت إلى تقاطع طرق ضيق، واختبأت بين حاوية نفايات وأكياس قمامة مرمية إلى جانبها.
كان الفرق بين أن يروني وبين أن أصل إلى مخبئي لا يتجاوز ثواني قليلة.
وصلت السيارات.
توقفت.
نزل الرجال منها، ثم دخلوا أحد البيوت.
كنت أسمع أصواتهم وأنا جالس خلف حاوية القمامة، محشورًا بين الأكياس، أحاول ألا أصدر صوتًا.
ثم سمعت شيئًا آخر.
أصوات أطفال.
كانوا يبكون.
لم يكن بكاءً عاديًا.
كان بكاء أطفال خائفين، مذعورين، كأنهم كانوا يرون الموت أمامهم.
حاولت أن أمنع نفسي من التدخل.
قلت لنفسي إنني مصاب، وإنني بالكاد أستطيع الوقوف، وإن خروجي من مخبئي يعني أنني قد أموت.
لكنني لم أستطع.
أنا لم آتِ إلى هنا لأحمي نفسي فقط.
لو كانت هذه هي مهمتي الأساسية، لبقيت في الحلة وحافظت على حياتي.
لكن مهمتنا التي جئنا من أجلها كانت تحرير النساء والأطفال وحمايتهم.
حتى لو كان السبيل إلى ذلك هو موتي.
الغريب أنني عندما حاولت الاختباء، كنت بالكاد أستطيع الزحف.
لكن عندما سمعت بكاء الأطفال وقررت أن أعرف سبب بكائهم، شعرت وكأن الله سبحانه وتعالى بعث في جسدي قوة لم تكن موجودة قبل لحظات.
بدأت أتحرك. ببطء.
تسللت من مكاني، وكلما اقتربت من البيت كان صوت الأطفال يزداد وضوحًا.
حتى وصلت إلى السياج.
مددت رأسي من خلف الحائط.
لم أجد أحدًا في الخارج.
فتحت باب البيت بحذر ودخلت.
أمسكت سلاحي وأعددته، ثم تقدمت إلى الداخل.
ورأيت الصدمة.
كانت امرأة في أواخر الثلاثينيات من عمرها، برفقتها فتاتان صغيرتان، لم تتجاوز أيٌّ منهما الخامسة عشرة، وطفل لم يتجاوز الرابعة.
وأعتقد أن ذلك الطفل هو نفسه الذي جذبني صوته.
كان عناصر داعش يجرون الفتاتين بعيدًا، بينما كانت أمهما تتشبث بهما بكل ما أوتيت من قوة، وتصرخ: أخذوني آني... عوفوا البنات، بعدهن أطفال!
كانت تبكي، وتمسك بأرجلهم، وتقاومهم كما لو أن جسدها النحيل قادر على إيقافهم وحده.
لم تكن تحاول إنقاذ نفسها.
كانت تحاول إنقاذ ابنتيها.
ثم التفتت إليّ. رأتني.
وفي اللحظة نفسها، لاحظ عناصر داعش التفاتها.
استداروا نحوي.
وكان ذلك خطأهم الأخير.
رفعت سلاحي وأطلقت النار.
سقط أربعة رجال قتلى خلال ثوانٍ.
لم أكن أفكر.
لم يكن هناك وقت للتفكير أصلًا.
تقدمت نحو المرأة والفتيات، وكنت أتنفس بصعوبة.
قلت لها: لا تخافين... لا تخافين. لا تخاف عمو... لا تخافن بناتي.
ظللن ينظرن إليّ بصمت، وكأنهن لم يستوعبن بعد ما حدث.
ثم التفتُّ إلى المرأة وسألتها: إنتِ منو؟ وشنو تسوين هنا؟ هاي منطقة ما بيها غير دواعش.
ترددت قليلًا، ثم قالت: آني جنت وي زوجي... زوجي جان منتمي لداعش. وكان هو حامينا، وأصلًا محد جان يدري إن إحنا موجودين هنا.
سكتت لحظة، ثم أضافت: بعد استشهاد زوجي... كتلوه الروافض.
نظرت إليها طويلًا.
لم أعرف لماذا أثارت تلك الجملة غضبي أكثر من كل ما رأيته قبلها.
قلت: أوكفي... يعني اللي رادوا يعتصبونج إنتِ وبناتج قبل شوية، هذوله مجاهدين وملائكة؟ وإحنا روافض وشياطين؟
ارتبكت، وقالت: لا... مو قصدي، بس يعني...
رفعت يدي وقطعت كلامها: خلص... خلص.
لم أكن أملك الطاقة لأجادلها.
كنت قد استنفدت كل ما في جسدي من قوة.
شعرت بأن قدمي لم تعودا تحملانني.
حاولت أن أتماسك.
خطوت خطوة. ثم أخرى.
لكن العالم بدأ يدور من حولي.
وسقطت.
للمرة الثانية.
لكن هذه المرة لم أستيقظ سريعًا.
بقيت فاقدًا للوعي يومين كاملين.
حين فتحت عيني، لم أشعر بأنني كنت غائبًا عن الوعي طوال تلك المدة.
كان الأمر أشبه بأنني أغلقت عيني للحظة، ثم فتحتهما في مكان آخر.
الغريب أن أول إحساس شعرت به لم يكن الخوف.
كان الأمان.
أمان غريب، عميق، يشبه ذلك الأمان الذي يشعر به الإنسان وهو بين أفراد عائلته، حين يكون متأكدًا أن لا شيء يمكن أن يصل إليه.
كان عقلي يصر على إقناعي بأنني لست في أرض قتالية.
كنت أشعر بأن المكان من حولي مليء بالبنايات.
أسمع أصوات أشخاص يتحدثون.
أشعر بحركة الناس من حولي.
حتى مراكز الشرطة كنت أشعر بأنها موجودة في مكان قريب.
كل شيء كان طبيعيًا.
هادئًا. آمنًا.
وكأن الحرب لم تكن موجودة أصلًا.
لم أفهم ما الذي يحدث لعقلي.
هل كان يحاول حمايتي؟
هل كان يصنع لي عالمًا بديلًا لأن الواقع أصبح أكبر من قدرتي على احتماله؟
لم أجد جوابًا.
لكنني كنت أشعر بالأمان.
وهذا وحده كان كافيًا في تلك اللحظة.
ثم تذكرت المرأة.
تذكرت الفتاتين.
وتذكرت الطفل.
التفتُّ حولي.
لم يكن هناك أحد.
1 908
في هذه القصة، سنعود إلى داوود، من حيث تركته حكاية قاسم، لنرى معًا: هل سيتمكن داوود من اللحاق بقاسم والنجاة؟ أم سيلحق بفاضل، ويكون مصيره الشهادة؟
بعد أن سقاني فاضل الماء، بقي واقفًا أمامي للحظات، يتأملني بصمت، وكأنه يحاول أن يقدّر ما إذا كنت قادرًا على الاستمرار، أم أن جسدي قد وصل إلى نهايته.
ثم قال: لازم هسه أگوم وأشوف شنو وضع البيت اللي موجودين بيه، لأن ميصير نبقى جامدين بنفس المكان.
خرج من الغرفة، وبدأ يتفقد المنزل غرفةً بعد أخرى. كان يتحرك بحذر، يقترب من النوافذ، ينظر من الفتحات، يصغي إلى الأصوات القادمة من الخارج، ثم ينتقل إلى مكان آخر.
بعد أن استطلع المنزل، عاد إليّ وأخذني إلى آخر غرفة فيه.
كانت الغرفة ضيقة، شبه خالية، وتبدو كأن أهلها تركوها على عجل. وضع لي في أحد أركانها مندرًا، أو ما كنا نسميه "دوشگ".
قال لي: هسه أريدك تتمدد هنانه وتگعد وترتاح.
ساعدني على الاستلقاء، ثم تركني.
لكنه لم يجلس إلى جواري.
عاد هو وقاسم إلى التجول في أرجاء المنزل، يتقصيان أوضاع المنطقة ويراقبان تحركات أفراد العصابة.
كان فاضل أكثرنا حركة. لم يكن يعرف كيف يبقى ساكنًا في مكان واحد، وكأن الوقوف بلا حركة في تلك الظروف يعني أن تمنح الموت فرصة أسهل للوصول إليك.
كنت أراه يدخل ويخرج، يراقب، يصغي، ثم يعود ليتحدث مع قاسم لدقائق قبل أن يذهب من جديد.
ظل فاضل وقاسم موجودين معي حتى بدأت الشمس تميل إلى الغروب.
كان الضوء البرتقالي يتسلل من فتحات المنزل، ثم ينسحب ببطء، تاركًا وراءه ظلالًا طويلة على الجدران.
عندها جاءني فاضل وقال: لازم نطلع من هذا المكان.
نظرت إليه وسألته: شلون راح نطلع من هذا المكان؟
قال: خل أروح وأستكشف المكان لآخر مرة، وبعدها أرد لكم خبر.
خرج مرة أخرى.
وبقيت أنتظر.
لم أكن أعرف كم مضى من الوقت. كنت أراقب الظلام وهو يزداد من حولي، وأحاول أن أقاوم ذلك التعب الذي كان يزداد في جسدي كل دقيقة.
ثم عاد فاضل. نظر إليّ وقال: نحتاج كرسي.
استغربت كلامه: شنو اللي راح نسويه بهذا الكرسي؟
قال: حتى نطلع من هذا البيت ونروح على مكان آمن لازم نعبر على سياج عالي. بعد ما تقصيت المنطقة، شفت أكو سياج عالي، وإذا نعبره راح نلگى شارع يعبرنا على منطقة بيها هياكل. وإذا عبرنا هاي المنطقة، هناك المكان أهدأ وأكثر أمان.
نظرت إليه وسألته: فاضل، زين أنت تشوف هذاك المكان آمن من هذا المكان؟
قال بثقة: إي، هذاك المكان آمن من هذا المكان.
قلت: هاي هيه، ماكو مشكلة. نروح هناك مثل ما تگول.
خرج فاضل يبحث عن الكرسي.
وبعد فترة عاد وهو يحمله.
وقف عند الباب وقال: يلا أمشي، خلي نطلع.
حاولت أن أنهض.
وضعت يدي على الأرض، ودفعت بجسدي إلى الأعلى.
لكنني ما إن وقفت حتى شعرت بأن الأرض تتحرك من تحتي.
دار كل شيء حولي.
الجدران، السقف، الوجوه... ثم فقدت توازني وسقطت من طولي.
بعدها لم أعد أميز شيئًا.
كنت أسمع أصواتًا تأتي من مكان بعيد، ثم تختفي. أحيانًا أسمع كلامًا واضحًا، وأحيانًا يتحول كل شيء إلى ضجيج مبهم.
كان فقدان الدم قد أنهك جسدي إلى الحد الذي لم يعد معه قادرًا على حمل نفسه.
سمعت فاضل يقول لقاسم: خلي نشيل داوود وناخذه ويانا.
ثم جاء صوت قاسم: إذا شلناه، شلون راح نعبر السياج؟
كنت أسمعهما وكأنهما يقفان في آخر الدنيا.
فتحت عيني بصعوبة وقلت: عوفوني هنانه وروحوا أنتم.
لم أكن أريد أن أكون عائقًا أمامهما.
كنت أعرف أن الطريق الذي ينتظرهما صعب، وأن عبور ذلك السياج يحتاج إلى كل قوتهما، ولم أكن أريد أن يتحول وجودي إلى سبب في موتهما.
آخر شيء أتذكره بوضوح في تلك اللحظات هو فاضل.
اقترب مني، وانحنى نحوي، ثم قبّلني على جبهتي.
بعدها ترك إلى جانبي قليلًا من الماء وبعض الطعام.
ثم خرج.
خرج هو وقاسم، وتركوني وحدي داخل الغرفة.
كنت أشعر بأن وعيي ينسحب مني ببطء.
لكن قبل أن أفقده تمامًا، فكرت في شيء واحد.
كان هناك ميز مكتبي في الغرفة.
سحبته بصعوبة، ثم دخلت إلى المساحة الموجودة تحته.
لم يكن المكان مريحًا، بل كان ضيقًا وخانقًا، لكنني لم أكن أبحث عن الراحة.
كنت أبحث عن مكان لا يراني فيه أحد.
أخذت الدوشگ الذي جلبه لي فاضل، وسحبته فوق الفتحة التي دخلت منها، ثم غطيتها به جيدًا.
كنت أفكر في احتمال واحد فقط: إذا دخل أفراد العصابة إلى الغرفة، فلن يروني مباشرة.
قد يدخلون ولا يجدون شيئًا.
وقد يفتشون المكان.
وقد يمرون من جانبي دون أن يعرفوا أنني موجود هنا.
لم أكن أعرف ماذا سيحدث.
لكنني كنت أعرف أنني فعلت كل ما أستطيع.
تمددت داخل الميز، وساد الظلام من حولي.
حاولت أن أبقى مستيقظًا.
حاولت أن أقاوم.
لكن جسدي لم يعد يستجيب لي.
بدأت الأصوات تبتعد.
ثم اختفت.
وأغلقت عيني.
بعدها... لم أعد أذكر شيئًا.
لقد فقدت الوعي تمامًا.
1 908
انت وين؟.. بالشغل
انت وين؟.. بعدني بالشغل
انت وين؟.. رايح انام وراي شغل
انت وين؟.. رايح للشغل
